Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:15–22
22:15Page 333
مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِ فَلۡيَمۡدُدۡ بِسَبَبٍ إِلَى ٱلسَّمَآءِ ثُمَّ لۡيَقۡطَعۡ فَلۡيَنظُرۡ هَلۡ يُذۡهِبَنَّ كَيۡدُهُۥ مَا يَغِيظُ ١٥
Whoever should think that Allāh will not support him [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] in this world and the Hereafter - let him extend a rope to the ceiling, then cut off [his breath],1 and let him see: will his effort remove that which enrages [him]?
﴿مَن كانَ يَظُنُّ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ ما يَغِيظُ﴾
مَوْقِعُ هَذِهِ الآيَةِ غامِضٌ، ومُفادُها كَذَلِكَ. ولْنَبْدَأْ بِبَيانِ مَوْقِعِها ثُمَّ نُتْبِعُهُ بِبَيانِ مَعْناها فَإنَّ بَيْنَ مَوْقِعِها ومَعْناها اتِّصالًا.
صفحة ٢١٨
فَيَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعُها اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا أُرِيدَ بِهِ ذِكْرُ فَرِيقٍ ثالِثٍ غَيْرِ الفَرِيقَيْنِ المُتَقَدِّمَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يُجادِلُ في اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الحج: ٣] الآيَةَ وقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] . وهَذا الفَرِيقُ الثّالِثُ جَماعَةٌ أسْلَمُوا واسَتَبْطَأُوا نَصْرَ المُسْلِمِينَ فَأيِسُوا مِنهُ وغاظَهم تَعَجُّلُهم لِلدُّخُولِ في الإسْلامِ وأنْ لَمْ يَتَرَيَّثُوا في ذَلِكَ وهَؤُلاءِ هُمُ المُنافِقُونَ. ويَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ مَوْقِعُها تَذْيِيلًا لِقَوْلِهِ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] الآيَةَ بَعْدَ أنِ اعْتُرِضَ بَيْنَ تِلْكَ الجُمْلَةِ وبَيْنَ هاتِهِ بِجُمَلٍ أُخْرى فَيَكُونُ المُرادُ: أنَّ الفَرِيقَ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ والمُخْبَرَ عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] هم قَوْمٌ يَظُنُّونَ أنَّ اللَّهَ لا يَنْصُرُهم في الدُّنْيا ولا في الآخِرَةِ إنْ بَقُوا عَلى الإسْلامِ. فَأمّا ظَنُّهُمُ انْتِفاءَ النَّصْرِ في الدُّنْيا فَلِأنَّهم قَدْ أيِسُوا مِنَ النَّصْرِ اسْتِبْطاءً. وأمّا في الآخِرَةِ فَلِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ ومِن أجْلِ هَذا عُلِّقَ فِعْلُ (لَنْ يَنْصُرَهُ) بِالمَجْرُورِ بِقَوْلِهِ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ إيماءً إلى كَوْنِهِ مُتَعَلِّقَ الخُسْرانِ في قَوْلِهِ ﴿خَسِرَ الدُّنْيا والآخِرَةَ﴾ [الحج: ١١] . فَإنَّ عَدَمَ النَّصْرِ خُسْرانٌ في الدُّنْيا بِحُصُولِ ضِدِّهِ، وفي الآخِرَةِ بِاسْتِحالَةِ وُقُوعِ الجَزاءِ في الآخِرَةِ حَسَبَ اعْتِقادِ كُفْرِهِمْ. وهَؤُلاءِ مُشْرِكُونَ مُتَرَدِّدُونَ. ويَتَرَجَّحُ هَذا الِاحْتِمالُ بِتَغْيِيرِ أُسْلُوبِ الكَلامِ، فَلَمْ يُعْطَفْ بِالواوِ كَما عُطِفَ قَوْلُهُ ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ [الحج: ١١] ولَمْ تُورَدْ فِيهِ جُمْلَةُ (ومِنَ النّاسِ) كَما أُورِدَتْ في ذِكْرِ الفَرِيقَيْنِ السّابِقَيْنِ ويَكُونُ المَقْصُودُ مِنَ الآيَةَ تَهْدِيدُ هَذا الفَرِيقِ. فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْ هَذا الفَرِيقِ بِقَوْلِهِ (مَن كانَ يَظُنُّ) إلَخْ إظْهارًا في مَقامِ الإضْمارِ، فَإنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ أنْ يُؤْتى بِضَمِيرِ ذَلِكَ الفَرِيقِ فَيُقالُ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يُرِيدُ﴾ [الحج: ١٤]
صفحة ٢١٩
﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ إلَخْ عائِدًا الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في قَوْلِهِ (فَلْيَمْدُدْ) عَلى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] . والعُدُولُ عَنِ الإضْمارِ إلى الإظْهارِ لِوَجْهَيْنِ. أحَدُهُما: بَعْدَ مُعادِ الضَّمِيرِ. وثانِيهِما التَّنْبِيهُ عَلى أنَّ عِبادَتَهُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ ناشِئَةٌ عَنْ ظَنِّهِ أنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ في الدُّنْيا والآخِرَةِ إنْ صَمَّمَ عَلى الِاسْتِمْرارِ في اتِّباعِ الإسْلامِ لِأنَّهُ غَيْرُ واثِقٍ بِوَعْدِ النَّصْرِ لِلْمُسْلِمِينَ. وضَمِيرُ النَّصْبِ في (يَنْصُرَهُ) عائِدٌ إلى ﴿مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ﴾ [الحج: ١١] عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ. واسْمُ (السَّماءِ) مُرادٌ بِهِ المَعْنى المَشْهُورُ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ أيْضًا أخْذًا بِما رَواهُ القُرْطُبِيُّ عَنِ ابْنِ زَيْدٍ (يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ) أنَّهُ قالَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ قالَ: هي السَّماءُ المَعْرُوفَةُ، يَعْنِي المُظِلَّةَ. فالمَعْنى: فَلْيَنُطْ حَبْلًا بِالسَّماءِ مَرْبُوطًا بِهِ ثُمَّ يَقْطَعْهُ فَيَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ فَيَتَمَزَّقُ كُلَّ مُمَزَّقٍ فَلا يُغْنِي عَنْهُ فِعْلُهُ شَيْئًا مِن إزالَةِ غَيْظِهِ. ومَفْعُولُ (يَقْطَعْ) مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ المَقامِ عَلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ لْيَقْطَعْهُ، أيْ لِيَقْطَعِ السَّبَبَ. والأمْرُ في قَوْلِهِ ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إلى السَّماءِ﴾ لِلتَّعْجِيزِ، فَيُعْلَمُ أنَّ تَعْلِيقَ الجَوابِ عَلى حُصُولِ شَرْطٍ لا يَقَعُ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿يا مَعْشَرَ الجِنِّ والإنْسِ إنِ اسْتَطَعْتُمْ أنْ تَنْفُذُوا مِن أقْطارِ السَّماواتِ والأرْضِ فانْفُذُوا﴾ [الرحمن: ٣٣] . وأمّا اسْتِخْراجُ مَعْنى الآيَةِ مِن نَظْمِها فَإنَّها نُسِجَتْ عَلى إيجازٍ بَدِيعٍ. شَبَّهَتْ حالَةَ اسْتِبْطانِ هَذا الفَرِيقِ الكُفْرَ وإظْهارِهِمُ الإسْلامَ عَلى حَنَقٍ، أوْ حالَةَ تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ البَقاءِ في المُسْلِمِينَ وبَيْنَ الرُّجُوعِ إلى الكُفّارِ بِحالَةِ المُغْتاظِ مِمّا صَنَعَ فَقِيلَ لَهم: عَلَيْكم أنْ تَفْعَلُوا
صفحة ٢٢٠
ما يَفْعَلُهُ أمْثالُكم مِمَّنْ مَلَأهُمُ الغَيْظُ وضاقَتْ عَلَيْهِمْ سُبُلُ الِانْفِراجِ، فامْدُدُوا حَبْلًا بِأقْصى ما يُمَدُّ إلَيْهِ حَبْلٌ، وتَعَلَّقُوا بِهِ في أعْلى مَكانٍ ثُمَّ اقْطَعُوهُ تَخِرُّوا إلى الأرْضِ. وذَلِكَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ في أنَّهم لا يَجِدُونَ غِنًى في شَيْءٍ مِن أفْعالِهِمْ، وإنْذارٌ بِاسْتِمْرارِ فِتْنَتِهِمْ في الدُّنْيا مَعَ الخُسْرانِ في الآخِرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ تَكُونَ الآيَةُ مُشِيرَةً إلى فَرِيقٍ آخَرَ أسْلَمُوا في مُدَّةِ ضَعْفِ الإسْلامِ واسْتَبْطَأُوا النَّصْرَ فَضاقَتْ صُدُورُهم فَخَطَرَتْ لَهم خَواطِرُ شَيْطانِيَّةٌ أنْ يَتْرُكُوا الإسْلامَ ويَرْجِعُوا إلى الكُفْرِ فَزَجَرَهُمُ اللَّهُ وهَدَّدَهم بِأنَّهم إنْ كانُوا آيِسِينَ مِنَ النَّصْرِ في الدُّنْيا ومُرْتابِينَ في نَيْلِ ثَوابِ الآخِرَةِ فَإنَّ ارْتِدادَهم عَنِ الإسْلامِ لا يَضُرُّ اللَّهَ ولا رَسُولَهُ ولا يَكِيدُ الدِّينَ وإنْ شاءُوا فَلْيَخْتَنِقُوا فَيَنْظُرُوا هَلْ يُزِيلُ الِاخْتِناقُ غَيْظَهم. ولَعَلَّ هَؤُلاءِ مِنَ المُنافِقِينَ. فَمَوْقِعُ الآيَةِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَوْقِعُ الِاسْتِئْنافِ الِابْتِدائِيِّ لِذِكْرِ فَرِيقٍ آخَرَ يُشْبِهُ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلى حَرْفٍ. والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ. ويَجِيءُ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ﴿يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ عائِدًا إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ واخْتارَهُ الفَرّاءُ والزَّجّاجُ. ويَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ في كُلِّ الوُجُوهِ تَعْرِيضٌ بِالتَّنْبِيهِ لِخُلَّصِ المُؤْمِنِينَ أنْ لا يَيْأسُوا مِن نَصْرِ اللَّهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ أوْ في الآخِرَةِ فَقَطْ. قالَ تَعالى ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنهم مَن قَضى نَحْبَهُ ومِنهم مَن يَنْتَظِرُ وما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٣] ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ ويُعَذِّبَ المُنافِقِينَ﴾ [الأحزاب: ٢٤] الآيَةَ.
صفحة ٢٢١
والسَّبَبُ: الحَبْلُ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأسْبابُ﴾ [البقرة: ١٦٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والقَطْعُ: قِيلَ يُطْلَقُ عَلى الِاخْتِناقِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ الأنْفاسَ.
و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ غَيْظَهُ. والِاسْتِفْهامُ بِـ (هَلْ) إنْكارِيٌّ. وهو مُعَلِّقٌ فِعْلَ (فَلْيَنْظُرْ) عَنِ العَمَلِ. والنَّظَرُ قَلْبِيٌّ. وسُمِّيَ الفِعْلُ كَيْدًا لِأنَّهُ يُشْبِهُ الكَيْدَ في أنَّهُ فَعَلَهُ لِأنْ يَكِيدَ المُسْلِمِينَ عَلى وجْهِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ فَإنَّهُ لا يَكِيدُ بِهِ المُسْلِمِينَ بَلْ يَضُرُّ بِهِ نَفْسَهُ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثُمَّ لْيَقْطَعْ“ بِسُكُونِ لامِ ”لِيَقْطَعْ“ وهو لامُ الأمْرِ. فَإذا كانَ في أوَّلِ الكَلِمَةِ كانَ مَكْسُورًا، وإذا وقَعَ بَعْدَ عاطِفٍ غَيْرِ (ثُمَّ) كانَ ساكِنًا مِثْلَ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] . فَإذا وقَعَ بَعْدَ (ثُمَّ) جازَ فِيهِ الوَجْهانِ. وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو ووَرْشٌ عَنْ نافِعٍ، وأبُو جَعْفَرٍ ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ بِكَسْرِ اللّامِ.
22:16Page 334
وَكَذَٰلِكَ أَنزَلۡنَٰهُ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهۡدِي مَن يُرِيدُ ١٦
And thus have We sent it [i.e., the Qur’ān] down as verses of clear evidence and because Allāh guides whom He intends.
﴿وكَذَلِكَ أنْزَلْناهُ آياتٍ بَيِّناتٍ وأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾
لَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآياتُ تَبْيِينَ أحْوالِ النّاسِ تُجاهَ دَعْوَةِ الإسْلامِ بِما لا يَبْقى بَعْدَهُ التِباسٌ عُقِّبَتْ بِالتَّنْوِيهِ بِتَبْيِينِها؛ بِأنْ شُبِّهَ ذَلِكَ التَّبْيِينُ بِنَفْسِهِ كِنايَةً عَنْ بُلُوغِهِ الغايَةَ في جِنْسِهِ بِحَيْثُ لا يُلْحَقُ بِأوْضَحَ مِنهُ، أيْ مِثْلَ هَذا الإنْزالِ أنْزَلْنا القُرْآنَ آياتٍ بَيِّناتٍ. فالجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى الجُمَلِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفُ غَرَضٍ عَلى غَرَضٍ والمُناسَبَةُ ظاهِرَةٌ، فَهي اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. وعُطِفَ عَلى التَّنْوِيهِ
صفحة ٢٢٢
تَعْلِيلُ إنْزالِهِ كَذَلِكَ بِأنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ هَدْيَهُ أيْ بِالقُرْآنِ. فَلامُ التَّعْلِيلِ مَحْذُوفَةٌ. وحَذْفُ حَرْفِ الجَرِّ مَعَ (أنْ) مُطَّرِدٌ.
22:17Page 334
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلۡمَجُوسَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡصِلُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ شَهِيدٌ ١٧
Indeed, those who have believed and those who were Jews and the Sabeans and the Christians and the Magians and those who associated with Allāh - Allāh will judge between them on the Day of Resurrection. Indeed Allāh is, over all things, Witness.1
﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هادُوا والصّابِينَ والنَّصارى والمَجُوسَ والَّذِينَ أشْرَكُوا إنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهم يَوْمَ القِيامَةِ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٍ﴾
فَذْلَكَةٌ لِما تَقَدَّمَ؛ لِأنَّهُ لَمّا اشْتَمَلَتِ الآياتُ السّابِقَةُ عَلى بَيانِ أحْوالِ المُتَرَدِّدِينَ في قَبُولِ الإسْلامِ كانَ ذَلِكَ مَثارًا لِأنْ يُتَساءَلَ عَنْ أحْوالِ الفِرَقِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ في مُخْتَلَفِ الأدْيانِ. وأنْ يُسْألَ عَنِ الدِّينِ الحَقِّ لِأنَّ كُلَّ أُمَّةٍ تَدَّعِي أنَّها عَلى الحَقِّ وغَيْرَها عَلى الباطِلِ وتُجادِلُ في ذَلِكَ. فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ أنَّ الفَصْلَ بَيْنَ أهْلِ الأدْيانِ فِيما اخْتَصَمُوا فِيهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيامَةِ. إذْ لَمْ تَقُدْهُمُ الحُجَجُ في الدُّنْيا.
وهَذا الكَلامُ بِما فِيهِ مِن إجْمالٍ هو جارٍ مَجْرى التَّفْوِيضِ. ومِثْلُهُ يَكُونُ كِنايَةً عَنْ تَصْوِيبِ المُتَكَلِّمِ طَرِيقَتَهُ وتَخْطِئَتِهِ طَرِيقَةَ خَصْمِهِ؛ لِأنَّ مِثْلَ ذَلِكَ التَّفْوِيضِ لِلَّهِ لا يَكُونُ إلّا مِنَ الواثِقِ بِأنَّهُ عَلى الحَقِّ وهو كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنا أعْمالُنا ولَكم أعْمالُكم لا حُجَّةَ بَيْنَنا وبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنا وإلَيْهِ المَصِيرُ﴾ [الشورى: ١٥] وذَلِكَ مِن قَبِيلِ الكِنايَةِ التَّعْرِيضِيَّةِ. وذِكْرُ المُؤْمِنِينَ واليَهُودِ والنَّصارى والصّابِئِينَ تَقَدَّمَ في آيَةِ البَقَرَةِ وآيَةِ العُقُودِ.
صفحة ٢٢٣
وزادَ في هَذِهِ الآيَةِ ذِكْرَ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ، لِأنَّ الآيَتَيْنِ المُتَقَدِّمَتَيْنِ كانَتا في مَساقِ بَيانِ فَضْلِ التَّوْحِيدِ والإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ في كُلِّ زَمانٍ وفي كُلِّ أُمَّةٍ. وزِيدَ في هَذِهِ السُّورَةِ ذِكْرُ المَجُوسِ والمُشْرِكِينَ لِأنَّ هَذِهِ الآيَةَ مَسُوقَةٌ لِبَيانِ التَّفْوِيضِ إلى اللَّهِ في الحُكْمِ بَيْنَ أهْلِ المِلَلِ، فالمَجُوسُ والمُشْرِكُونَ لَيْسُوا مِن أهْلِ الإيمانِ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ.
فَأمّا المَجُوسُ فَهم أهْلُ دِينٍ يُثْبِتُونَ إلَهَيْنِ: إلَهًا لِلْخَيْرِ، وإلَهًا لِلشَّرِّ، وهم أهْلُ فارِسَ. ثُمَّ هي تَتَشَعَّبُ شُعَبًا تَأْوِي إلى هَذَيْنِ الأصْلَيْنِ. وأقْدَمُ النِّحَلِ المَجُوسِيَّةِ أسَّسَها ”كِيُومَرْث“ الَّذِي هو أوَّلُ مَلِكٍ بِفارِسَ في أزْمِنَةٍ قَدِيمَةٍ يُظَنُّ أنَّها قَبْلَ زَمَنِ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -، ولِذَلِكَ يُلَقَّبُ أيْضًا بِلَقَبِ ”جَل شاهْ“ تَفْسِيرُهُ: مَلِكُ الأرْضِ. غَيْرَ أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مَضْبُوطًا بِوَجْهٍ عِلْمِيٍّ وكانَ عَصْرُ ”كِيُومَرْث“ يُلَقَّبُ ”زُرْوان“ أيِ الأزَلَ، فَكانَ أصْلُ المَجُوسِيَّةِ هم أهْلُ الدِّيانَةِ المُسَمّاةِ: الزُّرْوانِيَّةُ، وهي تُثْبِتُ إلَهَيْنِ هُما ”يَزْدان“ و”أهْرُمُن“ . قالُوا: كانَ يَزْدانُ مُنْفَرِدًا بِالوُجُودِ الأزَلِيِّ، وأنَّهُ كانَ نُورانِيًّا، وأنَّهُ بَقِيَ كَذَلِكَ تِسْعَةَ آلافٍ وتِسْعِينَ سَنَةً ثُمَّ حَدَثَ لَهُ خاطِرٌ في نَفْسِهِ: أنَّهُ لَوْ حَدَثَ لَهُ مُنازِعٌ كَيْفَ يَكُونُ الأمْرُ فَنَشَأ مِن هَذا الخاطِرِ مَوْجُودٌ جَدِيدٌ ظُلْمانِيٌّ سُمِّيَ ”أهْرُمُن“ وهو إلَهُ الظُّلْمَةِ مَطْبُوعًا عَلى الشَّرِّ والضُّرِّ. وإلى هَذا أشارَ أبُو العَلاءِ المَعَرِّيُّ بِقَوْلِهِ في لُزُومِيّاتِهِ:
قالَ أُناسٌ باطِلٌ زَعْمُهم فَراقِبُوا اللَّهَ ولا تَزْعُمُنْ
فَكَّرَ يَزْدانُ عَلى غِرَّةٍ ∗∗∗ فَصِيغَ مِن تَفْكِيرِهِ أهْرُمُنْ
فَحَدَثَ بَيْنَ ”أهْرُمُن“ وبَيْنَ ”يَزْدان“ خِلافٌ ومُحارَبَةٌ إلى الأبَدِ. ثُمَّ نَشَأتْ عَلى هَذا الدِّينِ نِحَلٌ خُصَّتْ بِألْقابٍ وهي مُتَقارِبَةُ التَّعالِيمِ
صفحة ٢٢٤
أشْهَرُها نِحْلَةُ ”زَرادَشْت“ الَّذِي ظَهَرَ في القَرْنِ السّادِسِ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ، وبِهِ اشْتُهِرَتِ المَجُوسِيَّةُ. وقَدْ سَمّى إلَهَ الخَيْرِ ”أهُورا مُزْدا“ أوْ ”أرْمُزْد“ أوْ ”هُرْمُزَ“، وسَمّى إلَهَ الشَّرِّ ”أهْرُمُن“، وجَعَلَ إلَهَ الخَيْرِ نُورًا، وإلَهَ الشَّرِّ ظُلْمَةً. ثُمَّ دَعا النّاسَ إلى عِبادَةِ النّارِ عَلى أنَّها مَظْهَرُ إلَهِ الخَيْرِ وهو النُّورُ، ووَسَّعَ شَرِيعَةَ المَجُوسِيَّةِ، ووَضَعَ لَها كِتابًا سَمّاهُ ”زَنْدافِسْتا“ . ومِن أُصُولِ شَرِيعَتِهِ تَجَنُّبُ عِبادَةِ التَّماثِيلِ. ثُمَّ ظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المانَوِيَّةِ“ . وهي المَنسُوبَةُ إلى ”مانِي“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”سابُور بْنِ أرْدِشِير“ مَلِكِ الفُرْسِ بَيْنَ سَنَةِ ٢٣٨ وسَنَةِ ٢٧١ م. وظَهَرَتْ في المَجُوسِ نِحْلَةُ ”المَزْدَكِيَّةِ“، وهي مَنسُوبَةٌ إلى ”مَزْدَك“ الَّذِي ظَهَرَ في زَمَنِ ”قُباذ“ بَيْنَ سَنَةِ ٤٨٧ وسَنَةِ ٥٢٣ م. وهي نِحْلَةٌ قَرِيبَةٌ مِنَ ”المانَوِيَّةِ“، وهي آخِرُ نِحْلَةٍ ظَهَرَتْ في تَطَوُّرِ المَجُوسِيَّةِ قَبْلَ الفَتْحِ الإسْلامِيِّ لِبِلادِ الفُرْسِ. ولِلْمَجُوسِيَّةِ شِبْهٌ في الأصْلِ بِالإشْراكِ إلّا أنَّها تُخالِفُهُ بِمَنعِ عِبادَةِ الأحْجارِ، وبَأنَّ لَها كِتابًا، فَأشْبَهُوا بِذَلِكَ أهْلَ الكِتابِ. ولِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ فِيهِمْ: «سُنُّوا بِهِمْ سُنَّةَ أهْلِ الكِتابِ» أيْ في الِاكْتِفاءِ بِأخْذِ الجِزْيَةِ مِنهم دُونَ الإكْراهِ عَلى الإسْلامِ كَما يُكْرَهُ المُشْرِكُونَ عَلى الدُّخُولِ في الإسْلامِ. وقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِن هَذا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وقالَ اللَّهُ لا تَتَّخِذُوا إلَهَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ [النحل: ٥١] في سُورَةِ النَّحْلِ. وأُعِيدَتْ (إنَّ) في صَدْرَ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا عَنِ اسْمِ (إنَّ) الأُولى تَوْكِيدًا لَفْظِيًّا لِلْخَبَرِ لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها. وكَوْنِ
صفحة ٢٢٥
خَبَرِها جُمْلَةً وهو تَوْكِيدٌ حَسَنٌ بِسَبَبِ طُولِ الفَصْلِ. وتَقَدَّمَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٣٠] في سُورَةِ الكَهْفِ. وإذا لَمْ يَطُلِ الفَصْلُ فالتَّوْكِيدُ بِإعادَةِ (إنَّ) أقَلُّ حُسْنًا كَقَوْلِ جَرِيرٍ:
إنَّ الخَلِيفَةَ إنَّ اللَّهَ سَرْبَلَهُ ∗∗∗ سِرْبالَ مَلَكٍ بِهِ تُزْجى الخَواتِيمُ
ولا يَحْسُنُ إذا كانَ مُبْتَدَأُ الجُمْلَةِ الواقِعَةِ خَبَرًا ضَمِيرَ اسْمِ (إنَّ) الأُولى كَما تَقُولُ إنَّ زَيْدًا إنَّهُ قائِمٌ. بَلْ لابُدَّ مِنَ الِاخْتِلافِ لِيَكُونَ المُؤَكَّدُ الثّانِي غَيْرَ الأوَّلِ فَتُقْبَلُ إعادَةُ المُؤَكَّدِ وإنْ كانَ المُؤَكَّدُ الأوَّلُ كافِيًا.
والفَصْلُ: الحُكْمُ، أيْ يَحْكُمُ بَيْنَهم فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ مِن تَصْحِيحِ الدِّيانَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِلْإعْلامِ بِإحاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِأحْوالِهِمْ واخْتِلافِهِمْ والصَّحِيحُ مِن أقْوالِهِمْ.
22:18Page 334
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسۡجُدُۤ لَهُۥۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ وَٱلشَّمۡسُ وَٱلۡقَمَرُ وَٱلنُّجُومُ وَٱلۡجِبَالُ وَٱلشَّجَرُ وَٱلدَّوَآبُّ وَكَثِيرٞ مِّنَ ٱلنَّاسِۖ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيۡهِ ٱلۡعَذَابُۗ وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن مُّكۡرِمٍۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَفۡعَلُ مَا يَشَآءُ۩ ١٨
Do you not see [i.e., know] that to Allāh prostrates whoever is in the heavens and whoever is on the earth and the sun, the moon, the stars, the mountains, the trees, the moving creatures and many of the people? But upon many the punishment has been justified.1 And he whom Allāh humiliates - for him there is no bestower of honor. Indeed, Allāh does what He wills.
﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ والشَّمْسُ والقَمَرُ والنُّجُومُ والجِبالُ والشَّجَرُ والدَّوابُّ وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾
جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ لِابْتِداءِ اسْتِدْلالٍ عَلى انْفِرادِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ. وهي مُرْتَبِطَةٌ بِمَعْنى قَوْلِهِ ﴿يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ﴾ [الحج: ١٢] إلى قَوْلِهِ ﴿لَبِئْسَ المَوْلى ولَبِئْسَ العَشِيرُ﴾ [الحج: ١٣] ارْتِباطَ الدَّلِيلِ بِالمَطْلُوبِ؛ فَإنَّ
صفحة ٢٢٦
دَلائِلَ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ كُلِّها عاقِلِها وجَمادِها شاهِدَةٌ بِتَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. وفي تِلْكَ الدَّلالَةِ شَهادَةٌ عَلى بُطْلانِ دَعْوَةِ مَن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُ وما لا يَنْفَعُهُ. وما وقَعَ بَيْنَ هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ اسْتِطْرادٌ واعْتِراضٌ.
والرُّؤْيَةُ: عِلْمِيَّةٌ. والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ. أنْكَرَ عَلى المُخاطَبِينَ عَدَمَ عِلْمِهِمْ بِدَلالَةِ أحْوالِ المَخْلُوقاتِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ بِالإلَهِيَّةِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيًّا، لِأنَّ حُصُولَ عِلْمِ النَّبِيءِ ﷺ بِذَلِكَ مُتَقَرِّرٌ مِن سُورَةِ الرَّعْدِ وسُورَةِ النَّحْلِ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مَعْنى هَذا السُّجُودِ في السُّورَتَيْنِ المَذْكُورَتَيْنِ. وقَدِ اسْتُعْمِلَ السُّجُودُ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ، وهو حَسَنٌ وإنْ أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وقَدْ حَقَّقْناهُ في المُقَدِّمَةِ التّاسِعَةِ، لِأنَّ السُّجُودَ المُثْبَتَ لِكَثِيرٍ مِنِ النّاسِ هو السُّجُودُ الحَقِيقِيُّ، ولَوْلا إرادَةُ ذَلِكَ لَما احْتَرَسَ بِإثْباتِهِ لِكَثِيرٍ مِنَ النّاسِ لا لِجَمِيعِهِمْ. ووَجْهُ هَذا التَّفْكِيكِ أنَّ سُجُودَ المَوْجُوداتِ غَيْرِ الإنْسانِيَّةِ لَيْسَ إلّا دَلالَةَ تِلْكَ المَوْجُوداتِ عَلى أنَّها مُسَخَّرَةٌ بِخَلْقِ اللَّهِ، فاسْتُعِيرَ السُّجُودُ لِحالَةِ التَّسْخِيرِ والِانْطِباعِ. وأمّا دَلالَةُ حالِ الإنْسانِ عَلى عُبُودِيَّتِهِ لِلَّهِ تَعالى فَلَمّا خالَطَها إعْراضُ كَثِيرٍ مِنِ النّاسِ عَنِ السُّجُودِ لِلَّهِ تَعالى، وتَلَبُّسُهم بِالسُّجُودِ لِلْأصْنامِ كَما هو حالُ المُشْرِكِينَ غَطّى سُجُودُهُمُ الحَقِيقِيُّ عَلى السُّجُودِ المَجازِيِّ الدّالِّ عَلى عُبُودِيَّتِهِمْ لِلَّهِ لِأنَّ المُشاهَدَةَ أقْوى مِن دَلالَةِ الحالِ، فَلَمْ يُثْبِتْ لَهُمُ السُّجُودَ الَّذِي أُثْبِتَ لِبَقِيَّةِ المَوْجُوداتِ وإنْ كانَ حاصِلًا في حالِهِمْ كَحالِ المَخْلُوقاتِ الأُخْرى.
صفحة ٢٢٧
وجُمْلَةُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ مُعْتَرِضَةٌ بِالواوِ. وجُمْلَةُ ﴿حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ مُكْنًى بِها عَنْ تَرْكِ السُّجُودِ لِلَّهِ، أيْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ لِأنَّهم لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ، وقَدْ قَضى اللَّهُ في حُكْمِهِ اسْتِحْقاقَ المُشْرِكِ لِعَذابِ النّارِ. فالَّذِينَ أشْرَكُوا بِاللَّهِ وأعْرَضُوا عَنْ إفْرادِهِ بِالعِبادَةِ قَدْ حَقَّ عَلَيْهِمُ العَذابُ بِما قَضى اللَّهُ بِهِ وأنْذَرَهم بِهِ. وجُمْلَةُ ﴿ومَن يُهِنِ اللَّهُ فَما لَهُ مِن مُكْرِمٍ﴾ اعْتِراضٌ ثانٍ بِالواوِ. والمَعْنى: أنَّ اللَّهَ أهانَهم بِاسْتِحْقاقِ العَذابِ فَلا يَجِدُونَ مَن يُكْرِمُهم بِالنَّصْرِ أوْ بِالشَّفاعَةِ. وجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ ما يَشاءُ﴾ في مَحَلِّ العِلَّةِ لِلْجُمْلَتَيْنِ المُعْتَرِضَتَيْنِ لِأنَّ وُجُودَ حَرْفِ التَّوْكِيدِ في أوَّلِ الجُمْلَةِ مَعَ عَدَمِ المُنْكِرِ يُمَحِّضُ حَرْفَ التَّوْكِيدِ إلى إفادَةِ الِاهْتِمامِ فَنَشَأ مِن ذَلِكَ مَعْنى السَّبَبِيَّةِ والتَّعْلِيلِ، فَتُغْنِي (إنَّ) غَناءَ حَرْفِ التَّعْلِيلِ أوِ السَّبَبِيَّةِ. وهَذا مَوْضِعُ سُجُودٍ مِن سُجُودِ القُرْآنِ بِاتِّفاقِ الفُقَهاءِ.
22:19–22Page 334
۞ هَٰذَانِ خَصۡمَانِ ٱخۡتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمۡۖ فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتۡ لَهُمۡ ثِيَابٞ مِّن نَّارٖ يُصَبُّ مِن فَوۡقِ رُءُوسِهِمُ ٱلۡحَمِيمُ ١٩
These1 are two adversaries who have disputed over their Lord. But those who disbelieved will have cut out for them garments of fire. Poured upon their heads will be scalding water
يُصۡهَرُ بِهِۦ مَا فِي بُطُونِهِمۡ وَٱلۡجُلُودُ ٢٠
By which is melted that within their bellies and [their] skins.
وَلَهُم مَّقَٰمِعُ مِنۡ حَدِيدٖ ٢١
And for [striking] them are maces of iron.
كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَا مِنۡ غَمٍّ أُعِيدُواْ فِيهَا وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡحَرِيقِ ٢٢
Every time they want to get out of it [i.e., Hellfire] from anguish, they will be returned to it, and [it will be said], "Taste the punishment of the Burning Fire!"
﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الحَمِيمُ﴾ ﴿يُصْهَرُ بِهِ ما في بُطُونِهِمْ والجُلُودُ﴾ ﴿ولَهم مَقامِعُ مِن حَدِيدٍ﴾ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها وذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾
مُقْتَضى سِياقِ السُّورَةِ واتِّصالِ آيِ السُّورَةِ وتَتابُعِها في النُّزُولِ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الآياتُ مُتَّصِلَةَ النُّزُولِ بِالآياتِ الَّتِي قَبْلَها، فَيَكُونُ مَوْقِعُ
صفحة ٢٢٨
جُمْلَةِ ﴿هَذانِ خَصْمانِ﴾ مَوْقِعَ الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ، لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] يُثِيرُ سُؤالَ مَن يَسْألُ عَنْ بَعْضِ تَفْصِيلِ صِفَةِ العَذابِ الَّذِي حَقَّ عَلى كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ الَّذِينَ لَمْ يَسْجُدُوا لِلَّهِ تَعالى، فَجاءَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ لِتَفْصِيلِ ذَلِكَ. فَهي اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ. فاسْمُ الإشارَةِ المُثَنّى مُشِيرٌ إلى ما يُفِيدُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِنِ انْقِسامِ المَذْكُورِينَ إلى فَرِيقَيْنِ أهْلِ تَوْحِيدٍ وأهْلِ شِرْكٍ كَما يَقْتَضِيهِ قَوْلُهُ ﴿وكَثِيرٌ مِنَ النّاسِ وكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ العَذابُ﴾ [الحج: ١٨] مِن كَوْنِ أُولَئِكَ فَرِيقَيْنِ: فَرِيقٍ يَسْجُدُ لِلَّهِ تَعالى، وفَرِيقٍ يَسْجُدُ لِغَيْرِهِ. فالإشارَةُ إلى ما يُسْتَفادُ مِنَ الكَلامِ بِتَنْزِيلِهِ مَنزِلَةَ ما يُشاهِدُهُ بِالعَيْنِ، ومِثْلُها كَثِيرٌ في الكَلامِ.
والِاخْتِصامُ: افْتِعالٌ مِنَ الخُصُومَةِ. وهي الجَدَلُ والِاخْتِلافُ بِالقَوْلِ يُقالُ: خاصَمَهُ واخْتَصَما، وهو مِنَ الأفْعالِ المُقْتَضِيَةِ جانِبَيْنِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُسْمَعْ مِنهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ إلّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الغَلَبِ في الخُصُومَةِ لِأنَّهُ بِذَلِكَ يَصِيرُ فاعِلُهُ واحِدًا. وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولا تَكُنْ لِلْخائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥] في سُورَةِ النِّساءِ. واخْتِصامُ فَرِيقَيِ المُؤْمِنِينَ وغَيْرِهِمْ مَعْلُومٌ عِنْدَ السّامِعِينَ قَدْ مَلَأ الفَضاءَ جَلَبَتُهُ، فالإخْبارُ عَنِ الفَرِيقَيْنِ بِأنَّهُما خَصْمانِ مَسُوقٌ لِغَيْرِ إفادَةِ الخَبَرِ بَلْ تَمْهِيدًا لِلتَّفْصِيلِ في قَوْلِهِ ﴿فالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ﴾ . فالمُرادُ مِن هَذِهِ الآيَةَ ما يَعُمُّ جَمِيعَ المُؤْمِنِينَ وجَمِيعَ مُخالِفِيهِمْ في الدِّينِ. ووَقَعَ في الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أبِي ذَرٍّ: أنَّهُ كانَ يُقْسِمُ أنَّ هَذِهِ الآيَةَ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ نَزَلَتْ في حَمْزَةَ وصاحِبَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ وعُتْبَةَ بْنِ الحارِثِ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ. وعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، والوَلِيدَ بْنَ عُتْبَةَ.
صفحة ٢٢٩
وفِي صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أبِي طالِبٍ قالَ: إنّا أوَّلُ مَن يَجْثُو بَيْنَ يَدَيِ الرَّحْمَنِ لِلْخُصُومَةِ يَوْمَ القِيامَةِ. قالَ قَيْسُ بْنُ عُبادَةَ: وفِيهِمْ نَزَلَتْ ﴿هَذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . قالَ: هُمُ الَّذِينَ بارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ: عَلِيٌّ، وحَمْزَةُ، وعُبَيْدَةُ، وشَيْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، وعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ، والوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ. ولَيْسَ في كَلامِ عَلِيٍّ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ في يَوْمِ بَدْرٍ ولَكِنَّ ذَلِكَ مُدْرَجٌ مِن كَلامِ قَيْسِ بْنِ عُبادَةَ، وعَلَيْهِ فَهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ فَتَكُونُ (هَذانِ) إشارَةً إلى فَرِيقَيْنِ حاضِرَيْنِ في أذْهانِ المُخاطَبِينَ فَنُزِّلَ حُضُورُ قِصَّتِهِما العَجِيبَةِ في الأذْهانِ مَنزِلَةَ المُشاهَدَةِ حَتّى أُعِيدَ عَلَيْها اسْمُ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُشاهَدِ، وهو اسْتِعْمالٌ في كَلامِ البُلَغاءِ. ومِنهُ قَوْلُ الأحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ: خَرَجْتُ لِأنَصُرَ هَذا الرَّجُلَ يُرِيدُ عَلِيَّ بْنَ أبِي طالِبٍ في قِصَّةِ صِفِّينَ. والأظْهَرُ أنَّ أبا ذَرٍّ عُنِيَ بِنُزُولِ الآيَةِ في هَؤُلاءِ أنَّ أُولَئِكَ النَّفَرَ السِّتَّةَ هم أبْرَزُ مِثالٍ وأشْهَرُ فَرْدٍ في هَذا العُمُومِ. فَعَبَّرَ بِالنُّزُولِ وهو يُرِيدُ أنَّهم مِمَّنْ يُقْصَدُ مِن مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في كَلامِ المُتَقَدِّمِينَ. والِاخْتِصامُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ حَقِيقِيٌّ وعَلى الوَجْهِ الثّانِي أُطْلِقَ الِاخْتِصامُ عَلى المُبارَزَةِ مَجازًا مُرْسَلًا لِأنَّ الِاخْتِصامَ في الدِّينِ هو سَبَبُ تِلْكَ المُبارَزَةِ.
واسْمُ الخَصْمِ يُطْلَقُ عَلى الواحِدِ وعَلى الجَماعَةِ إذا اتَّحَدَتْ خُصُومَتُهم كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿وهَلْ أتاكَ نَبَأُ الخَصْمِ إذْ تَسَوَّرُوا المِحْرابَ﴾ [ص: ٢١] فَلِمُراعاةِ تَثْنِيَةِ اللَّفْظِ أُتِيَ بِاسْمِ الإشارَةِ المَوْضُوعِ لِلْمُثَنّى ولِمُراعاةِ العَدَدِ أُتِيَ بِضَمِيرِ الجَماعَةِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿اخْتَصَمُوا في رَبِّهِمْ﴾ . ومَعْنى (في رَبِّهِمْ) في شَأْنِهِ وصِفاتِهِ، فالكَلامُ عَلى حَذْفِ مُضافٍ ظاهِرٍ. وقَرَأ الجُمْهُورُ (هَذانِ) بِتَخْفِيفِ النُّونِ، وقَرَأابْنُ كَثِيرٍ بِتَشْدِيدِ النُّونِ وهُما لُغَتانِ.
صفحة ٢٣٠
والتَّقْطِيعُ: مُبالَغَةُ القَطْعِ، وهو فَصْلُ بَعْضِ أجْزاءِ شَيْءٍ عَنْ بَقِيَّتِهِ. والمُرادُ: قَطْعُ شُقَّةِ الثَّوْبِ. وذَلِكَ أنَّ الَّذِي يُرِيدُ اتِّخاذَ قَمِيصٍ أوْ نَحْوِهِ يَقْطَعُ مِن شُقَّةِ الثَّوْبِ ما يَكْفِي كَما يُرِيدُهُ. فَصِيغَتْ صِيغَةَ الشَّدَّةِ في القَطْعِ لِلْإشارَةِ إلى السُّرْعَةِ في إعْدادِ ذَلِكَ لَهم فَيُجْعَلُ لَهم ثِيابٌ مِن نارٍ. والثِّيابُ مِنَ النّارِ ثِيابٌ مُحَرِّقَةٌ لِلْجُلُودِ وذَلِكَ مِن شُئُونِ الآخِرَةِ.
والحَمِيمُ: الماءُ الشَّدِيدُ الحَرارَةِ.
والإصْهارُ: الإذابَةُ بِالنّارِ أوْ بِحَرارَةِ الشَّمْسِ، يُقالُ: أصْهَرَهُ وصَهَرَهُ. وما في بُطُونِهِمْ: أمْعاؤُهم، أيْ هو شَدِيدٌ في النَّفاذِ إلى باطِنِهِمْ.
والمَقامِعُ: جَمْعُ مِقْمَعَةٍ بِكَسْرِ المِيمِ بِصِيغَةِ اسْمِ آلَةِ القَمْعِ. والقَمْعُ: الكَفُّ عَنْ شَيْءٍ بِعُنْفٍ. والمِقْمَعَةُ: السَّوْطُ، أيْ يُضْرَبُونَ بِسِياطٍ مِن حَدِيدٍ. ومَعْنى ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها مِن غَمٍّ أُعِيدُوا فِيها﴾ أنَّهم لِشِدَّةِ ما يَغُمُّهم، أيْ يَمْنَعُهم مِنَ التَّنَفُّسِ، يُحاوِلُونَ الخُرُوجَ فَيُعادُونَ فِيها فَيَحْصُلُ لَهم ألَمُ الخَيْبَةِ، ويُقالُ لَهم: ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ.
والحَرِيقُ: النّارُ الضَّخْمَةُ المُنْتَشِرَةُ. وهَذا القَوْلُ إهانَةٌ لَهم فَإنَّهم قَدْ عَلِمُوا أنَّهم يَذُوقُونَهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences