Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Furqan 25:38–43
25:38–39Page 363
وَعَادٗا وَثَمُودَاْ وَأَصۡحَٰبَ ٱلرَّسِّ وَقُرُونَۢا بَيۡنَ ذَٰلِكَ كَثِيرٗا ٣٨
And [We destroyed] ʿAad and Thamūd and the companions of the well1 and many generations between them.
وَكُلّٗا ضَرَبۡنَا لَهُ ٱلۡأَمۡثَٰلَۖ وَكُلّٗا تَبَّرۡنَا تَتۡبِيرٗا ٣٩
And for each We presented examples [as warnings], and each We destroyed with [total] destruction.
﴿وعادًا وثَمُودًا وأصْحابَ الرَّسِّ وقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾ ﴿وكُلًّا ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ وكُلًّا تَبَّرْنا تَتْبِيرًا﴾ .
انْتَصَبَتِ الأسْماءُ الأرْبَعَةُ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) . وفي تَقْدِيمِها تَشْوِيقٌ إلى مَعْرِفَةِ ما سَيُخْبِرُ بِهِ عَنْها. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الأسْماءُ مَنصُوبَةً بِالعَطْفِ عَلى ضَمِيرِ النَّصْبِ مِن قَوْلِهِ: (﴿فَدَمَّرْناهم تَدْمِيرًا﴾ [الفرقان: ٣٦]) .
وتَنْوِينُ (عادًا وثَمُودًا) مَعَ أنَّ المُرادَ الأُمَّتانِ: فَأمّا تَنْوِينُ (عادًا) فَهو وجْهٌ وجِيهٌ؛ لِأنَّهُ اسْمٌ عَرِيَ عَنْ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وغَيْرُ زائِدٍ عَلى ثَلاثَةِ أحْرُفٍ فَحَقُّهُ الصَّرْفُ. وأمّا صَرْفُ (ثَمُودًا) في قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَعَلى اعْتِبارِ اسْمِ الأبِ، والأظْهَرُ عِنْدِي أنَّ تَنْوِينَهُ لِلْمُزاوَجَةِ مَعَ (عادًا) كَما قالَ تَعالى: (سَلاسِلًا وأغْلالًا وسَعِيرًا) .
وقَرَأهُ حَمْزَةُ وحَفْصٌ ويَعْقُوبُ بِغَيْرِ تَنْوِينٍ عَلى ما يَقْتَضِيهِ ظاهِرُ اسْمِ الأُمَّةِ مِنَ التَّأْنِيثِ المَعْنَوِيِّ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ عادٍ في سُورَةِ الأعْرافِ.
وأمّا أصْحابُ الرَّسِّ فَقَدِ اخْتَلَفَ المُفَسِّرُونَ في تَعْيِينِهِمْ واتَّفَقُوا عَلى أنَّ الرَّسَّ بِئْرٌ عَظِيمَةٌ أوْ حَفِيرٌ كَبِيرٌ. ولَمّا كانَ اسْمًا لِنَوْعٍ مِن أماكِنِ الأرْضِ أطْلَقَهُ العَرَبُ عَلى أماكِنَ كَثِيرَةٍ في بِلادِ العَرَبِ.
قالَ زُهَيْرٌ:
صفحة ٢٨
بَكَرْنَ بُكُورًا واسْتَحَرْنَ بِسَحْرَةٍ فَهُنَّ ووادِي الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
وسَمَّوْا بِالرَّسِّ ما عَرَفُوهُ مِن بِلادِ فارِسَ، وإضافَةُ (أصْحابَ) إلى (الرَّسِّ) إمّا لِأنَّهم أصابَهُمُ الخَسْفُ في رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهم نازِلُونَ عَلى رَسٍّ، وإمّا لِأنَّهُمُ احْتَفَرُوا رَسًّا، كَما سُمِّيَ أصْحابُ الأُخْدُودِ الَّذِينَ خَدُّوهُ وأضْرَمُوهُ. والأكْثَرُ عَلى أنَّهُ مِن بِلادِ اليَمامَةِ ويُسَمّى (فَلْجًا) .
واخْتُلِفَ في المَعْنِيِّ مِن (أصْحابِ الرَّسِّ) في هَذِهِ الآيَةِ فَقِيلَ: هم قَوْمٌ مِن بَقايا ثَمُودَ. وقالَ السُّهَيْلِيُّ: هم قَوْمٌ كانُوا في عَدَنٍ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ رَسُولًا. وكانَتِ العَنْقاءُ وهي طائِرٌ أعْظَمُ ما يَكُونُ مِنَ الطَّيْرِ (سُمِّيَتِ العَنْقاءَ لِطُولِ عُنُقِها) وكانَتْ تَسْكُنُ في جَبَلٍ يُقالُ لَهُ (فَتْحٌ)، وكانَتْ تَنْقَضُّ عَلى صِبْيانِهِمْ فَتَخْطَفُهم إنْ أعْوَزَها الصَّيْدُ فَدَعا عَلَيْها حَنْظَلَةُ فَأهْلَكَها اللَّهُ بِالصَّواعِقِ. وقَدْ عَبَدُوا الأصْنامَ وقَتَلُوا نَبِيئَهم فَأهْلَكَهُمُ اللَّهُ. قالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ: خُسِفَ بِهِمْ وبِدِيارِهِمْ. وقِيلَ: هم قَوْمُ شُعَيْبٍ. وقِيلَ: قَوْمٌ كانُوا مَعَ قَوْمِ شُعَيْبٍ، وقالَ مُقاتِلٌ والسُّدِّيُّ: الرَّسُّ بِئْرٌ بِأنْطاكِيَةَ، وأصْحابُ الرَّسِّ أهْلُ أنْطاكِيَةَ بُعِثَ إلَيْهِمْ حَبِيبٌ النَّجّارُ فَقَتَلُوهُ ورَسُّوهُ في بِئْرٍ وهو المَذْكُورُ في سُورَةِ يس (﴿وجاءَ مِن أقْصى المَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعى قالَ يا قَوْمِ اتَّبِعُوا المُرْسَلِينَ﴾ [يس: ٢٠]) الآياتِ. وقِيلَ: الرَّسُّ وادٍ في (أذْرَبِيجانَ) في (أرّانَ) يَخْرُجُ مِن (قالِيقَلا) ويَصُبُّ في بُحَيْرَةِ (جُرْجانَ) ولا أحْسَبُ أنَّهُ المُرادُ في هَذِهِ الآيَةِ. ولَعَلَّهُ مِن تَشابُهِ الأسْماءِ، يُقالُ: كانَتْ عَلَيْهِ ألْفُ مَدِينَةٍ هَلَكَتْ بِالخَسْفِ وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو أبْعَدُ.
والقُرُونُ: الأُمَمُ؛ فَإنَّ القَرْنَ يُطْلَقُ عَلى الأُمَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا مِن قَبْلِهِمْ مِن قَرْنٍ﴾ [الأنعام: ٦]) في أوَّلِ الأنْعامِ. وفي الحَدِيثِ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهم» الحَدِيثَ.
صفحة ٢٩
والإشارَةُ في قَوْلِهِ: (بَيْنَ ذَلِكَ) إلى المَذْكُورِ مِنَ الأُمَمِ. ومَعْنى (بَيْنَ ذَلِكَ) أنَّ أُمَمًا تَخَلَّلَتْ تِلْكَ الأقْوامَ ابْتِداءً مِن قَوْمِ نُوحٍ.
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إيذانٌ بِطُولِ مُدَدِ هَذِهِ القُرُونِ وكَثْرَتِها.
والتَّنْوِينُ في (كُلًّا) تَنْوِينُ عِوَضٌ عَنِ المُضافِ إلَيْهِ. والتَّقْدِيرُ: وكُلُّهم ضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ. وانْتَصَبَ (كُلًّا) الأوَّلُ بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (ضَرَبْنا لَهُ) تَقْدِيرُهُ: خاطَبْنا أوْ حَذَّرْنا كُلًّا وضَرَبْنا لَهُ الأمْثالَ، وانْتَصَبَ (كُلًّا) الثّانِي بِإضْمارِ فِعْلٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ (تَبَّرْنا) وكِلاهُما مِن قَبِيلِ الِاشْتِغالِ.
والتَّتْبِيرُ: التَّفْتِيتُ لِلْأجْسامِ الصُّلْبَةِ كالزُّجاجِ والحَدِيدِ. وأُطْلِقَ التَّتْبِيرُ عَلى الإهْلاكِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ تَبَعِيَّةً في (تَبَّرْنا) وأصْلِيَّةً في (تَتْبِيرًا)، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ ما هم فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩]) في سُورَةِ الأعْرافِ، وقَوْلِهِ: (﴿ولْيُتَبِّرُوا ما عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء: ٧]) في سُورَةِ الإسْراءِ. وانْتَصَبَ (تَتْبِيرًا) عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ مُؤَكِّدٌ لِعامِلِهِ لِإفادَةِ شِدَّةِ هَذا الإهْلاكِ.
ومَعْنى ضَرْبِ الأمْثالِ: قَوْلُها وتَبْيِينُها. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦]) في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والمِثْلُ: النَّظِيرُ والمُشابِهُ، أيْ بَيَّنّا لَهُمُ الأشْباهَ والنَّظائِرَ في الخَيْرِ والشَّرِّ لِيَعْرِضُوا حالَ أنْفُسِهِمْ عَلَيْها. قالَ تَعالى: (﴿وسَكَنْتُمْ في مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أنْفُسَهم وتَبَيَّنَ لَكم كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ وضَرَبْنا لَكُمُ الأمْثالَ﴾ [إبراهيم: ٤٥]) .
25:40Page 363
وَلَقَدۡ أَتَوۡاْ عَلَى ٱلۡقَرۡيَةِ ٱلَّتِيٓ أُمۡطِرَتۡ مَطَرَ ٱلسَّوۡءِۚ أَفَلَمۡ يَكُونُواْ يَرَوۡنَهَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَرۡجُونَ نُشُورٗا ٤٠
And they have already come upon the town which was showered with a rain of evil [i.e., stones]. So have they not seen it? But they are not expecting resurrection.1
﴿ولَقَدْ أتَوْا عَلى القَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ ألَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾ .
لَمّا كانَ سَوْقُ خَبَرِ قَوْمِ نُوحٍ وعادٍ وثَمُودَ وأصْحابِ الرَّسِّ وما بَيْنَهُما مِنَ القُرُونِ مَقْصُودًا لِاعْتِبارِ قُرَيْشٍ بِمَصائِرِهِمْ نُقِلَ نَظْمُ الكَلامِ هُنا إلى إضاعَتِهِمُ الِاعْتِبارَ بِذَلِكَ وبِما هو أظْهَرُ مِنهُ لِأنْظارِهِمْ، وهو آثارُ العَذابِ الَّذِي نَزَلَ بِقَرْيَةِ قَوْمِ لُوطٍ.
واقْتِرانُ الخَبَرِ بِلامِ القَسَمِ لِإفادَةِ مَعْنى التَّعْجِيبِ مِن عَدَمِ اعْتِبارِهِمْ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ﴾ [الفرقان: ٢١]) . وكانَتْ قُرَيْشٌ يَمُرُّونَ بِدِيارِ قَوْمِ لُوطٍ في أسْفارِهِمْ
صفحة ٣٠
لِلتِّجارَةِ إلى الشّامِ فَكانَتْ دِيارُهم يَمُرُّ بِها طَرِيقُهم قالَ تَعالى: (﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]) . وكانَ طَرِيقُ تِجارَتِهِمْ مِن مَكَّةَ عَلى المَدِينَةِ ويَدْخُلُونَ أرْضَ فِلَسْطِينَ فَيَمُرُّونَ حَذْوَ بُحَيْرَةِ لُوطٍ الَّتِي عَلى شافَّتِها بَقايا مَدِينَةِ (سَدُومَ) ومُعْظَمُها غَمَرَها الماءُ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنَّهُما لَبِإمامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ٧٩]) في سُورَةِ الحِجْرِ.
والإتْيانُ: المَجِيءُ. وتَعْدِيَتُهُ بِـ (عَلى) لِتَضْمِينِهِ مَعْنى: مَرُّوا؛ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِمَجِيءِ القَرْيَةِ التَّذْكِيرُ بِمَصِيرِ أهْلِها فَكَأنَّ مَجِيئَهم إيّاها مُرُورٌ بِأهْلِها، فَضَمَّنَ المَجِيءَ مَعْنى المُرُورِ؛ لِأنَّهُ يُشْبِهُ المُرُورَ فَإنَّ المُرُورَ يَتَعَلَّقُ بِالسُّكّانِ والمَجِيءَ يَتَعَلَّقُ بِالمَكانِ فَيُقالُ: جِئْنا خُراسانَ، ولا يُقالُ: مَرَرْنا بِخُراسانَ. وقالَ تَعالى: (﴿وإنَّكم لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وبِاللَّيْلِ أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: ١٣٧]) .
ووَصَفَ القَرْيَةَ بِ (﴿الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾)؛ لِأنَّها اشْتُهِرَتْ بِمَضْمُونِ الصِّلَةِ بَيْنَ العَرَبِ أهْلِ الكِتابِ. وهَذِهِ القَرْيَةُ هي المُسَمّاةُ (سَدُومَ) بِفَتْحِ السِّينِ وتَخْفِيفِ الدّالِ وكانَتْ لِقَوْمِ لُوطٍ قُرًى خَمْسٌ أعْظَمُها (سَدُومُ) . وتَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿ولُوطًا إذْ قالَ لِقَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٨٠]) في سُورَةِ الأعْرافِ.
و(مَطَرَ السَّوْءِ) هو عَذابٌ نَزَلَ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ وهو حِجارَةٌ مِن كِبْرِيتٍ ورَمادٍ،، وتَسْمِيَتُهُ مَطَرًا عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ؛ لِأنَّ حَقِيقَةَ المَطَرِ ماءُ السَّماءِ.
والسَّوْءُ بِفَتْحِ السِّينِ: الضُّرُّ والعَذابُ، وأمّا بِضَمِّ السِّينِ فَهو ما يَسُوءُ. والفَتْحُ هو الأصْلُ في مَصْدَرِ ساءَهُ؛ وأمّا السُّوءُ بِالضَّمِّ فَهو اسْمُ مَصْدَرٍ، فَغَلَبَ اسْتِعْمالُ المَصْدَرِ في الَّذِي يَسُوءُ بِضُرٍّ، واسْتِعْمالُ اسْمِ المَصْدَرِ في ضِدِّ الإحْسانِ.
وتَفَرَّعَ عَلى تَحْقِيقِ إتْيانِهِمْ عَلى القَرْيَةِ مَعَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِهِ اسْتِفْهامٌ صُورِيٌّ عَنِ انْتِفاءِ رُؤْيَتِهِمْ إيّاها حِينَما يَأْتُونَ عَلَيْها؛ لِأنَّهم لَمّا لَمْ يَتَّعِظُوا بِها كانُوا بِحالِ مَن يَسْألُ عَنْهم: هَلْ رَأوْها ؟ فَكانَ الِاسْتِفْهامُ لِإيقاظِ العُقُولِ لِلْبَحْثِ عَنْ حالِهِمْ. وهو اسْتِفْهامٌ إمّا مُسْتَعْمَلٌ في الإنْكارِ والتَّهْدِيدِ، وإمّا مُسْتَعْمَلٌ في الإيقاظِ لِمَعْرِفَةِ سَبَبِ عَدَمِ اتِّعاظِهِمْ.
وقَوْلُهُ: (﴿بَلْ كانُوا لا يَرْجُونَ نُشُورًا﴾) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ (بَلْ) لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ
صفحة ٣١
انْتِقالًا مِن وصْفِ تَكْذِيبِهِمْ بِالنَّبِيءِ ﷺ وعَدَمِ اتِّعاظِهِمْ بِما حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ مِنَ الأُمَمِ إلى ذِكْرِ تَكْذِيبِهِمْ بِالبَعْثِ، فَيَكُونُ انْتِهاءُ الكَلامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: (﴿أفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَها﴾) وهو الَّذِي يَجْرِي عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في الِاسْتِفْهامِ. وعَبَّرَ عَنْ إنْكارِهِمُ البَعْثَ بِعَدَمِ رَجائِهِ؛ لِأنَّ مُنْكِرَ البَعْثِ لا يَرْجُو مِنهُ نَفْعًا ولا يَخْشى مِنهُ ضُرًّا، فَعَبَّرَ عَنْ إنْكارِ البَعْثِ بِأحَدِ شِقَّيِ الإنْكارِ تَعْرِيضًا بِأنَّهم لَيْسُوا مِثْلَ المُؤْمِنِينَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ.
والنُّشُورُ: مَصْدَرُ نَشَرَ المَيِّتَ أحْياهُ، فَنَشَرَ، أيْ: حَيِيَ. وهو مِنَ الألْفاظِ الَّتِي جَرَتْ في كَلامِ العَرَبِ عَلى مَعْنى التَّخَيُّلِ؛ لِأنَّهم لا يَعْتَقِدُونَهُ، ويُرْوى لِلْمُهَلْهِلِ في قِتالِهِ لِبَنِي بَكْرِ بْنِ وائِلٍ الَّذِينَ قَتَلُوا أخاهُ كُلَيْبًا قَوْلُهُ:
يا لَبَكْرٍ انْشُرُوا لِي كُلَيْبًا يا لَبَكْرٍ أيْنَ أيْنَ الفِرارُ
فَإذا صَحَّتْ نِسْبَةُ البَيْتِ إلَيْهِ كانَ مُرادُهُ مِن ذَلِكَ تَعْجِيزَهم لِيُتَوَسَّلَ إلى قِتالِهِمْ.
والمَعْنى: أنَّهم كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمُ اسْتِعْدادٌ لِلِاعْتِبارِ؛ لِأنَّ الِاعْتِبارَ يَنْشَأُ عَنِ المُراقَبَةِ ومُحاسَبَةِ النَّفْسِ لِطَلَبِ النَّجاةِ، وهَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ لَمّا نَشَئُوا عَلى إهْمالِ الِاسْتِعْدادِ لِما بَعْدَ المَوْتِ قَصُرَتْ أفْهامُهم عَلى هَذا العالَمِ العاجِلِ فَلَمْ يُعْنَوْا إلّا بِأسْبابِ وسائِلِ العاجِلَةِ، فَهم مَعَ زَكانَتِهِمْ في تَفَرُّسِ الذَّواتِ والشِّياتِ ومُراقَبَةِ سَيْرِ النُّجُومِ وأنْواءِ المَطَرِ والرِّيحِ ورائِحَةِ أتْرِبَةِ مَنازِلِ الأحْياءِ، هم مَعَ ذَلِكَ كُلِّه مُعْرِضُونَ بِأنْظارِهِمْ عَنْ تَوَسُّمِ الإلَهِيّاتِ وحَياةِ الأنْفُسِ ونَحْوِ ذَلِكَ. وأصْلُ ذَلِكَ الضَّلالِ كُلِّهِ انْجَرَّ لَهم مِن إنْكارِ البَعْثِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ هُنا عِلَّةً لِانْتِفاءِ اعْتِبارِهِمْ بِمَصِيرِ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولها وعَصَتْ رَبَّها. وفي هَذا المَعْنى جاءَ قَوْلُهُ تَعالى: (﴿إنَّ في ذَلِكَ لَآياتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]) أيْ: دُونَ مَن لا يَتَوَسَّمُونَ.
25:41Page 363
وَإِذَا رَأَوۡكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا ٱلَّذِي بَعَثَ ٱللَّهُ رَسُولًا ٤١
And when they see you, [O Muḥammad], they take you not except in ridicule, [saying], "Is this the one whom Allāh has sent as a messenger?
﴿وإذا رَأوْكَ إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ ﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنَّ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢] .
كانَ ما تَقَدَّمَتْ حِكايَتُهُ مِن صُنُوفِ أذاهُمُ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ أقْوالًا
صفحة ٣٢
فِي مَغِيبِهِ، فَعُطِفَ عَلَيْها في هَذِهِ الآيَةِ أذًى خاصٌّ وهو الأذى حِينَ يَرَوْنَهُ. وهَذا صِنْفٌ مِنَ الأذى تَبْعَثُهم إلَيْهِ مُشاهَدَةُ الرَّسُولِ في غَيْرِ زِيِّ الكُبَراءِ والمُتْرَفِينَ لا يَجُرُّ المَطارِفَ ولا يَرْكَبُ النَّجائِبَ ولا يَمْشِي مَرَحًا ولا يَنْظُرُ خُيَلاءَ ويُجالِسُ الصّالِحِينَ ويُعْرِضُ عَنِ المُشْرِكِينَ، ويَرْفُقُ بِالضُّعَفاءِ ويُواصِلُ الفُقَراءَ، وأُولَئِكَ يَسْتَخِفُّونَ بِالخُلُقِ الحَسَنِ، لِما غَلَبَ عَلى آرائِهِمْ مِن أفَنٍ، لِذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حالُهُ عِنْدَهم مِنَ الِاسْتِهْزاءِ بِهِ إذا رَأوْهُ بِأنَّ حالَهُ لَيْسَتْ حالَ مَن يَخْتارُهُ اللَّهُ لِرِسالَتِهِ دُونَهم، ولا هو أهْلٌ لِقِيادَتِهِمْ وسِياسَتِهِمْ. وهَذا الكَلامُ صَدَرَ مِن أبِي جَهْلٍ وأهْلِ نادِيهِ.
و(إذا) ظَرْفُ زَمانٍ مُضَمَّنٌ مَعْنى الشَّرْطِ فَلِذَلِكَ يُجْعَلُ مُتَعَلِّقُهُ جَوابًا لَهُ. فَجُمْلَةُ (﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا﴾) جَوابُ (إذا) . والهُزُؤُ بِضَمَّتَيْنِ: مَصْدَرُ هَزَأ بِهِ. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: (﴿قالُوا أتَتَّخِذُنا هُزُؤًا﴾ [البقرة: ٦٧]) ) في سُورَةِ البَقَرَةِ. والوَصْفُ لِلْمُبالَغَةِ في اسْتِهْزائِهِمْ بِهِ حَتّى كَأنَّهُ نَفْسُ الهُزُؤِ؛ لِأنَّهم مَحَّضُوهُ لِذَلِكَ، وإسْنادُ (يَتَّخِذُونَكَ) إلى ضَمِيرِ الجَمْعِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ جَماعاتِهِمْ يَسْتَهْزِئُونَ بِهِ إذا رَأوْهُ وهم في مَجالِسِهِمْ ومُنْتَدَياتِهِمْ. وصِيغَةُ الحَصْرِ لِلتَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ بِأنَّهُمُ انْحَصَرَ اتِّخاذُهم إيّاهُ في الِاسْتِهْزاءِ بِهِ يُلازِمُونَهُ ويَدْأبُونَ عَلَيْهِ ولا يَخْلِطُونَ مَعَهُ شَيْئًا مِن تَذَكُّرِ أقْوالِهِ ودَعْوَتِهِ، فالِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ المَنفِيَّةِ، أيْ لا يَتَّخِذُونَكَ في حالَةٍ إلّا في حالَةِ الِاسْتِهْزاءِ.
وجُمْلَةُ ﴿أهَذا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا﴾؛ لِأنَّ الِاسْتِهْزاءَ مِن قَبِيلِ القَوْلِ فَكانَ بَيانُهُ بِما هو مِن أقْوالِهِمْ ومُجاذَبَتِهِمُ الأحادِيثَ بَيْنَهم.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارٌ؛ لِأنْ يَكُونَ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولًا.
واسْمُ الإشارَةِ مُسْتَعْمَلٌ في الِاسْتِصْغارِ كَما عَلِمْتَ في أوَّلِ تَفْسِيرِ هَذِهِ الآيَةِ.
والمَعْنى: إنْكارُ أنْ يَكُونَ المُشارُ إلَيْهِ رَسُولًا؛ لِأنَّ في الإشارَةِ إلَيْهِ ما يَكْفِي لِلْقَطْعِ بِانْتِفاءِ أنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ في زَعْمِهِمْ، وقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَتَّخِذُونَكَ إلّا هُزُؤًا أهَذا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ [الأنبياء: ٣٦] في سُورَةِ الأنْبِياءِ، سِوى أنَّ الِاسْتِفْهامَ هُنالِكَ تَعَجُّبِيٌّ فانْظُرْهُ.
صفحة ٣٣
أمّا قَوْلُهم: (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾ [الفرقان: ٤٢]) فالمَقْصُودُ مِنهُ تَفاخُرُهم بِتَصَلُّبِهِمْ في دِينِهِمْ وأنَّهم كادُوا أنْ يَتَّبِعُوا دَعْوَةَ الرَّسُولِ بِما يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ مِنَ الإقْناعِ والإلْحاحِ فَكانَ تَأثُّرُ أسْماعِهِمْ بِأقْوالِهِ يُوشِكُ بِهِمْ أنْ يَرْفُضُوا عِبادَةَ الأصْنامِ لَوْلا أنَّهم تَرَيَّثُوا، فَكانَ في الرَّيْثِ أنْ أفاقُوا مِن غِشاوَةِ أقْوالِهِ وخِلابَةِ اسْتِدْلالِهِ واسْتَبْصَرُوا مَرْآهُ فانْجَلى لَهم أنَّهُ لا يَسْتَأْهِلُ أنْ يَكُونَ مَبْعُوثًا مِن عِنْدِ اللَّهِ، فَقَدْ جَمَعُوا مِن كَلامِهِمْ بَيْنَ تَزْيِيفِ حُجَّتِهِ وتَنْوِيهِ ثَباتِهِمْ في مَقامٍ يَسْتَفِزُّ غَيْرَ الرّاسِخِينَ في الكُفْرِ. وهَذا الكَلامُ مَشُوبٌ بِفَسادِ الوَضْعِ ومُؤَلَّفٌ عَلى طَرائِقِ الدَّهْماءِ؛ إذْ يَتَكَلَّمُونَ كَما يَشْتَهُونَ ويَسْتَبْلِهُونَ السّامِعِينَ. ومِن خِلابَةِ المُغالَطَةِ إسْنادُهم مُقارَبَةَ الإضْلالِ إلى الرَّسُولِ دُونَ أنْفُسِهِمْ تَرَفُّعًا عَلى أنْ يَكُونُوا قارَبُوا الضَّلالَ عَنْ آلِهَتِهِمْ مَعَ أنَّ مُقارَبَتَهُ إضْلالَهم تَسْتَلْزِمُ اقْتِرابَهم مِنَ الضَّلالِ.
و(إنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (إنَّ) المُشَدَّدَةِ، والأكْثَرُ في الكَلامِ إهْمالُها، أيْ: تَرْكُ عَمَلِها نَصْبَ الِاسْمِ ورَفْعَ الخَبَرِ، والجُمْلَةُ الَّتِي تَلِيها يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ مُفْتَتَحَةً بِفِعْلٍ مِن أخَواتِ كانَ أوْ أخَواتِ ظَنَّ وهَذا مِن غَرائِبِ الِاسْتِعْمالِ. ولَوْ ذَهَبْنا إلى أنَّ اسْمَها ضَمِيرُ شَأْنٍ وأنَّ الجُمْلَةَ الَّتِي بَعْدَها خَبَرٌ عَنْ ضَمِيرِ الشَّأْنِ كَما ذَهَبُوا إلَيْهِ في (أنَّ) المَفْتُوحَةِ الهَمْزَةِ إذا خُفِّفَتْ لَما كانَ ذَلِكَ بَعِيدًا. وفي كَلامِ صاحِبِ الكَشّافِ ما يَشْهَدُ لَهُ في تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿وإنْ كانُوا مِن قَبْلُ لَفي ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [آل عمران: ١٦٤]) في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والجُمْلَةُ بَعْدَها مُسْتَأْنَفَةٌ، واللّامُ في قَوْلِهِ: (لَيُضِلُّنا) هي الفارِقَةُ بَيْنَ (إنْ) المُخَفَّفَةِ وبَيْنَ (إنْ) النّافِيَةِ.
والصَّبْرُ: الِاسْتِمْرارُ عَلى ما يَشُقُّ عَمَلُهُ عَلى النَّفْسِ. ويُعَدّى فِعْلُهُ بِحَرْفِ (عَلى) لِما يَقْتَضِيهِ مِنَ التَّمَكُّنِ مِنَ الشَّيْءِ المُسْتَمِرِّ عَلَيْهِ.
و(لَوْلا) حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ: امْتِناعُ وُقُوعِ جَوابِها لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِها فَتَقْتَضِي جَوابًا لِشَرْطِها، والجَوابُ هُنا مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَ (لَوْلا) عَلَيْهِ، وهو (إنْ كادَ لَيُضِلُّنا) . وفائِدَةُ نَسْجِ الكَلامِ عَلى هَذا المِنوالِ دُونَ أنْ يُؤْتى بِأداةِ الشَّرْطِ ابْتِداءً مَتْلُوَّةً بِجَوابِها قَصْدُ العِنايَةِ بِالخَبَرِ ابْتِداءً بِأنَّهُ حاصِلٌ ثُمَّ يُوتى بِالشَّرْطِ بَعْدَهُ تَقْيِيدًا لِإطْلاقِ الخَبَرِ، فالصِّناعَةُ النَّحْوِيَّةُ تَعْتَبِرُ المُقَدَّمَ دَلِيلَ الجَوابِ، والجَوابَ مَحْذُوفًا؛ لِأنَّ نَظَرَ النَّحْوِيِّ لِإقامَةِ أصْلِ التَّرْكِيبِ؛ فَأمّا أهْلُ البَلاغَةِ فَيَعْتَبِرُونَ
صفحة ٣٤
ذَلِكَ لِلِاهْتِمامِ وتَقْيِيدُ الخَبَرِ بَعْدَ إطْلاقِهِ، ولِذا قالَ في الكَشّافِ: (لَوْلا) في مِثْلِ هَذا الكَلامِ جارٍ مَجْرى التَّقْيِيدِ لِلْحُكْمِ المُطْلَقِ مِن حَيْثُ المَعْنى لا مِن حَيْثُ الصَّنْعَةِ. فَهَذا شَأْنُ الشُّرُوطِ الواقِعَةِ بَعْدَ كَلامٍ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكم أوْلِياءَ﴾ [الممتحنة: ١]) إلى قَوْلِهِ: (﴿إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا في سَبِيلِي﴾ [الممتحنة: ١]) فَإنَّ قَوْلَهُ: (إنْ كُنْتُمْ) قَيْدٌ في المَعْنى لِلنَّهْيِ عَنْ مُوالاةِ أعْداءِ اللَّهِ. وتَأْخِيرُ الشَّرْطِ لِيَظْهَرَ أنَّهُ قَيْدٌ لِلْفِعْلِ الَّذِي هو دَلِيلُ الجَوابِ. قالَ في الكَشّافِ: (إنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِـ (لا تَتَّخِذُوا) يَعْنِي: لا تَتَوَلَّوْا إنْ كُنْتُمْ أوْلِيائِي. وقَوْلُ النَّحْوِيِّينَ في مِثْلِهِ هو شَرْطٌ جَوابُهُ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةٍ ما قَبْلُهُ عَلَيْهِ ) . اهـ. وكَذَلِكَ ما قُدِّمَ فِيهِ عَلى الشَّرْطِ ما حَقُّهُ أنْ يَكُونَ جَوابًا لِلشَّرْطِ تَقْدِيمًا لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِالجَوابِ كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْراةِ فاتْلُوها إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ٩٣]) .
25:42Page 363
إِن كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنۡ ءَالِهَتِنَا لَوۡلَآ أَن صَبَرۡنَا عَلَيۡهَاۚ وَسَوۡفَ يَعۡلَمُونَ حِينَ يَرَوۡنَ ٱلۡعَذَابَ مَنۡ أَضَلُّ سَبِيلًا ٤٢
He almost would have misled us from our gods had we not been steadfast in [worship of] them." But they are going to know, when they see the punishment, who is farthest astray in [his] way.
(﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾) .
هَذا جَوابُ قَوْلِهِمْ (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أنْ صَبَرْنا عَلَيْها﴾) المُتَضَمِّنِ أنَّهم عَلى هُدًى في دِينِهِمْ، وكانَ الجَوابُ بِقَطْعِ مُجادَلَتِهِمْ وإحالَتِهِمْ عَلى حِينِ رُؤْيَتِهِمُ العَذابَ يَنْزِلُ بِهِمْ، فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ وعِيدًا بِعَذابٍ. والأظْهَرُ أنَّ المُرادَ عَذابُ السَّيْفِ النّازِلِ بِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِمَّنْ رَآهُ أبُو جَهْلٍ سَيِّدُ أهْلِ الوادِي، وزَعِيمُ القالَةِ في ذَلِكَ النّادِي.
ولَمّا كانَ الجَوابُ بِالإعْراضِ عَنِ المُحاجَّةِ ارْتُكِبَ فِيهِ أُسْلُوبُ التَّهَكُّمِ بِجَعْلِ ما يَنْكَشِفُ عَنْهُ المُسْتَقْبَلُ هو مَعْرِفَةُ مَن هو أشَدُّ ضَلالًا مِنَ الفَرِيقَيْنِ عَلى طَرِيقَةِ المُجاراةِ وإرْخاءِ العِنانِ لِلْمُخْطِئِ إلى أنْ يَقِفَ عَلى خَطَئِهِ، وقَدْ قالَ أبُو جَهْلٍ يَوْمَ بَدْرٍ وهو مُثْخَنٌ بِالجِراحِ في حالَةِ النَّزْعِ لَمّا قالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: أنْتَ أبُو جَهْلٍ ؟ فَقالَ: وهَلْ أعْمَدُ مِن رَجُلِ قَتَلَهُ قَوْمُهُ ؟ ) .
و(مَن) الِاسْتِفْهامِيَّةُ أوْجَبَتْ تَعْلِيقَ فِعْلِ (يَعْلَمُونَ) عَنِ العَمَلِ.
25:43Page 363
أَرَءَيۡتَ مَنِ ٱتَّخَذَ إِلَٰهَهُۥ هَوَىٰهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيۡهِ وَكِيلًا ٤٣
Have you seen the one who takes as his god his own desire? Then would you be responsible for him?
﴿أراْيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾ .
اسْتِئْنافٌ خُوطِبَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ فِيما يَخْطُرُ بِنَفْسِهِ مِنَ الحُزْنِ عَلى تَكَرُّرِ
صفحة ٣٥
إعْراضِهِمْ عَنْ دَعْوَتِهِ؛ إذْ كانَ حَرِيصًا عَلى هُداهم والإلْحاحِ في دَعْوَتِهِمْ، فَأعْلَمَهُ بِأنَّ مِثْلَهم لا يُرْجى اهْتِداؤُهُ؛ لِأنَّهم جَعَلُوا هَواهم إلَهَهم، فالخِطابُ لِلرَّسُولِ ﷺ .
وفِعْلُ (اتَّخَذَ) يَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ وهو مِن أفْعالِ التَّصْيِيرِ المُلْحَقَةِ بِأفْعالِ الظَّنِّ في العَمَلِ، وهو إلى بابِ كَسا وأعْطى أقْرَبُ مِنهُ إلى بابِ ظَنَّ، فَإنَّ (اتَّخَذَ) مَعْناهُ صَيَّرَ شَيْئًا إلى حالَةٍ غَيْرِ ما كانَ عَلَيْهِ أوْ إلى صُورَةٍ أُخْرى. والأصْلُ فِيهِ أنَّ مَفْعُولَهُ الأوَّلَ هو الَّذِي أُدْخِلَ عَلَيْهِ التَّغْيِيرُ إلى حالِ المَفْعُولِ الثّانِي فَكانَ الحَقُّ أنْ لا يُقَدَّمَ مَفْعُولُهُ الثّانِي عَلى مَفْعُولِهِ الأوَّلِ إلّا إذا لَمْ يَكُنْ في الكَلامِ لَبْسٌ يَلْتَبِسُ فِيهِ المَعْنى فَلا يُدْرى أيُّ المَفْعُولَيْنِ وقَعَ تَغْيِيرُهُ إلى مَدْلُولِ المَفْعُولِ الآخَرِ، أوْ كانَ المَعْنى الحاصِلُ مِنَ التَّقْدِيمِ مُساوِيًا لِلْمَعْنى الحاصِلِ مِنَ التَّرْتِيبِ في كَوْنِهِ مُرادًا لِلْمُتَكَلِّمِ.
فَقَوْلُهُ تَعالى: (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ﴾) إذا أُجْرِيَ عَلى التَّرْتِيبِ كانَ مَعْناهُ جَعَلَ إلَهَهُ الشَّيْءَ الَّذِي يَهْوى عِبادَتَهُ، أيْ: ما يُحِبُّ أنْ يَكُونَ إلَهًا لَهُ، أيْ: لِمُجَرَّدِ الشَّهْوَةِ، لا لِأنَّ إلَهَهُ مُسْتَحِقٌّ لِلْإلَهِيَّةِ، فالمَعْنى: مَنِ اتَّخَذَ رَبًّا لَهُ مَحْبُوبَهُ فَإنَّ الَّذِينَ عَبَدُوا الأصْنامَ كانَتْ شَهْوَتُهم في أنْ يَعْبُدُوها ولَيْسَتْ لَهم حُجَّةٌ عَلى اسْتِحْقاقِها العِبادَةَ. فَإطْلاقُ (إلَهَهُ) عَلى هَذا الوَجْهِ إطْلاقٌ حَقِيقِيٌّ. وهَذا يُناسِبُ قَوْلَهُ قَبْلَهُ: (﴿إنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا﴾ [الفرقان: ٤٢])، ومَعْناهُ مَنقُولٌ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ. واخْتارَهُ ابْنُ عَرَفَةَ في تَفْسِيرِهِ وجَزَمَ بِأنَّهُ الصَّوابُ دُونَ غَيْرِهِ ولَيْسَ جَزْمُهُ بِذَلِكَ بِوَجِيهٍ وقَدْ بَحَثَ مَعَهُ بَعْضُ طَلَبَتِهِ.
وإذا أُجْرِيَ عَلى اعْتِبارِ تَقْدِيمِ المَفْعُولِ الثّانِي كانَ المَعْنى: مَنِ اتَّخَذَ هَواهُ قُدْوَةً لَهُ في أعْمالِهِ لا يَأْتِي عَمَلًا إلّا إذا كانَ وِفاقًا لِشَهْوَتِهِ فَكَأنَّ هَواهُ إلَهُهُ. وعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى (إلَهَهُ) شَبِيهًا بِإلَهِهِ في إطاعَتِهِ عَلى طَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ البَلِيغِ.
وهَذا المَعْنى أشْمَلُ في الذَّمِّ؛ لِأنَّهُ يَشْمَلُ عِبادَتَهُمُ الأصْنامَ ويَشْمَلُ غَيْرَ ذَلِكَ مِنَ المُنْكَراتِ والفَواحِشِ مِن أفْعالِهِمْ. ونَحا إلَيْهِ ابْنُ عَبّاسٍ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ صاحِبُ الكَشّافِ وابْنُ عَطِيَّةَ. وكِلا المَعْنَيَيْنِ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مَحْمِلًا لِلْآيَةِ.
واعْلَمْ أنَّهُ كانَ مَجْمُوعُ جُمْلَتَيْ (﴿أرَأيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) كَلامًا واحِدًا مُتَّصِلًا ثانِيهِ بِأوَّلِهِ اتِّصالَ المَفْعُولِ بِعامِلِهِ، تَعَيَّنَ فِعْلُ
صفحة ٣٦
(رَأيْتَ) لِأنْ يَكُونَ فِعْلًا قَلْبِيًّا بِمَعْنى العِلْمِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الأُولى بِقَوْلِهِ: (أرَأيْتَ) إنْكارِيًّا كالثّانِي في قَوْلِهِ: (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) وكانَ مَجْمُوعُ الجُمْلَتَيْنِ كَلامًا عَلى طَرِيقَةِ الإجْمالِ، ثُمَّ التَّفْصِيلِ. والمَعْنى: أرَأيْتَكَ تَكُونُ وكِيلًا عَلى مَنِ اتَّخَذَ إلَهَهُ هَواهُ، وتَكُونُ الفاءُ في قَوْلِهِ: (أفَأنْتَ) فاءَ الجَوابِ لِلْمَوْصُولِ لِمُعامَلَتِهِ مُعامَلَةَ الشَّرْطِ، وهَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ الثّانِيَةُ تَأْكِيدٌ لِلِاسْتِفْهامِ الأوَّلِ كَقَوْلِهِ: (﴿أإذا كُنّا عِظامًا ورُفاتًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ [الإسراء: ٩٨]) ) عَلى قِراءَة إعادَةِ هَمْزِ الِاسْتِفْهامِ، وتَكُونُ جُمْلَةُ (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) عِوَضًا عَنِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ (أرَأيْتَ)، والفِعْلُ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ فِيهِ بِسَبَبِ الِاسْتِفْهامِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: (﴿أفَمَن حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ العَذابِ أفَأنْتَ تُنْقِذُ مَن في النّارِ﴾ [الزمر: ١٩]) وعَلَيْهِ لا يُوقَفُ عَلى قَوْلِهِ: (هَواهُ) بَلْ يُوصَلُ الكَلامُ. وهَذا النَّظْمُ هو الَّذِي مَشى عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ.
وإنْ كانَتْ كُلُّ جُمْلَةٍ مِنَ الجُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّةً عَنِ الأُخْرى في نَظْمِ الكَلامِ كانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الأُولى مُسْتَعْمَلًا في التَّعْجِيبِ مِن حالِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا إلَهَهم هَواهم تَعْجِيبًا مَشُوبًا بِالإنْكارِ، وكانَتِ الفاءُ في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ذَلِكَ التَّعْجِيبِ والإنْكارِ، وكانَ الِاسْتِفْهامُ الَّذِي في الجُمْلَةِ الثّانِيَةِ مِن قَوْلِهِ: (﴿أفَأنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا﴾) إنْكارِيًّا بِمَعْنى أنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ قَلْعَهُ عَنْ ضَلالِهِ كَما أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ قَبْلَهُ: (﴿مَن أضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٢]) .
و(مَن) صادِقَةٌ عَلى الجَمْعِ المُتَحَدَّثِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: (﴿وسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ العَذابَ﴾ [الفرقان: ٤٢])، ورُوعِيَ في ضَمائِرِ الصِّلَةِ لَفْظُ (مَن) فَأُفْرِدَتِ الضَّمائِرُ. والمَعْنى: مَنِ اتَّخَذُوا هَواهم إلَهًا لَهم أوْ مَنِ اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأجْلِ هَواهم.
و(إلَهٌ) جِنْسٌ يَصْدُقُ بِعِدَّةِ آلِهَةٍ إنْ أُرِيدَ مَعْنى اتَّخَذُوا آلِهَةً لِأجْلِ هَواهم. وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ في قَوْلِهِ: (أنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وكِيلًا) لِلتَّقَوِّي إشارَةً إلى إنْكارِ ما حَمَّلَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ نَفْسَهُ مِنَ الحِرْصِ والحُزْنِ في طَلَبِ إقْلاعِهِمْ عَنِ الهَوى كَقَوْلِهِ تَعالى: (﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩]) . والمَعْنى: تَكُونُ وكِيلًا عَلَيْهِ في حالِ إيمانِهِ بِحَيْثُ لا تُفارِقُ إعادَةَ دَعْوَتِهِ إلى الإيمانِ حَتّى تُلْجِئَهُ إلَيْهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences