Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Ali 'Imran 3:110–115
3:110Page 64
كُنتُمۡ خَيۡرَ أُمَّةٍ أُخۡرِجَتۡ لِلنَّاسِ تَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَتَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَتُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِۗ وَلَوۡ ءَامَنَ أَهۡلُ ٱلۡكِتَٰبِ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۚ مِّنۡهُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَأَكۡثَرُهُمُ ٱلۡفَٰسِقُونَ ١١٠
You are the best nation produced [as an example] for mankind. You enjoin what is right and forbid what is wrong and believe in Allāh. If only the People of the Scripture had believed, it would have been better for them. Among them are believers, but most of them are defiantly disobedient.
﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ .
يَتَنَزَّلُ هَذا مَنزِلَةَ التَّعْلِيلِ لِأمْرِهِمْ بِالدَّعْوَةِ إلى الخَيْرِ وما بَعْدَهُ فَإنَّ قَوْلَهُ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ كُنْتُمْ، فَهو مُؤْذِنٌ بِتَعْلِيلِ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ فَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أنَّ ما كانَ فِيهِ خَيْرِيَّتُهم يَجْدُرُ أنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ، إنْ لَمْ يَكُنْ مَفْرُوضًا مِن قَبْلُ، وأنْ يُؤَكَّدَ عَلَيْهِمْ فَرْضُهُ، إنْ كانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِمْ مِن قَبْلُ.
والخِطابُ في قَوْلِهِ كُنْتُمْ إمّا لِأصْحابِ الرَّسُولِ ﷺ ونُقِلَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ، وابْنِ عَبّاسٍ. قالَ عُمَرُ: هَذِهِ لِأوَّلِنا ولا تَكُونُ لِآخِرِنا. وإضافَةُ خَيْرَ إلى أُمَّةٍ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ: أيْ كُنْتُمْ أُمَّةً خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ، فالمُرادُ بِالأُمَّةِ الجَماعَةُ، وأهْلُ العَصْرِ النَّبَوِيِّ، مِثْلُ القَرْنِ، وهو إطْلاقٌ مَشْهُورٌ ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ [يوسف: ٤٥] أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ طَوِيلَةٍ كَمُدَّةِ عَصْرٍ كامِلٍ. ولا شَكَّ أنَّ الصَّحابَةَ كانُوا أفْضَلَ القُرُونِ الَّتِي ظَهَرَتْ في العالَمِ، لِأنَّ رَسُولَهم أفْضَلُ الرُّسُلِ، ولِأنَّ الهَدْيَ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ لا يُماثِلُهُ هَدْيُ أصْحابِ الرُّسُلِ الَّذِينَ مَضَوْا، فَإنْ أخَذْتَ الأُمَّةَ بِاعْتِبارِ الرَّسُولِ فِيها فالصَّحابَةُ أفْضَلُ أُمَّةٍ مِنَ الأُمَمِ مَعَ رَسُولِها، قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «خَيْرُ القُرُونِ قَرْنِي» . والفَضْلُ ثابِتٌ لِلْمَجُمُوعِ عَلى المَجْمُوعِ، وإنْ أُخِذَتِ الأُمَّةُ مَن عَدا الرَّسُولَ، فَكَذَلِكَ الصَّحابَةُ أفْضَلُ الأُمَمِ الَّتِي مَضَتْ بِدُونِ رُسُلِها، وهَذا تَفْضِيلٌ لِلْهُدى الَّذِي اهْتَدَوْا بِهِ، وهو هُدى رَسُولِهِمْ مُحَمَّدٍ ﷺ وشَرِيعَتِهِ.
وإمّا أنْ يَكُونَ الخِطابُ بِضَمِيرِ كُنْتُمْ لِلْمُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ في كُلِّ جِيلٍ ظَهَرُوا
صفحة ٤٩
فِيهِ، ومَعْنى تَفْضِيلِهِمْ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ مَعَ كَوْنِهِ مِن فُرُوضِ الكِفاياتِ لا تَقُومُ بِهِ جَمِيعُ أفْرادِ الأُمَّةِ أنَّهُ لا يَخْلُو مُسْلِمٌ مِنَ القِيامِ بِما يَسْتَطِيعُ القِيامَ بِهِ مِن هَذا الأمْرِ، عَلى حَسْبِ مَبْلَغِ العِلْمِ ومُنْتَهى القُدْرَةِ، فَمِنَ التَّغْيِيرِ عَلى الأهْلِ والوَلَدِ إلى التَّغْيِيرِ عَلى جَمِيعِ أهْلِ البَلَدِ، أوْ لِأنَّ وُجُودَ طَوائِفِ القائِمِينَ بِهَذا الأمْرِ في مَجْمُوعِ الأُمَّةِ أوْجَبُ فَضِيلَةٍ لِجَمِيعِ الأُمَّةِ، لِكَوْنِ هَذِهِ الطَّوائِفِ مِنها كَما كانَتِ القَبِيلَةُ تَفْتَخِرُ بِمَحامِدِ طَوائِفِها، وفي هَذا ضَمانٌ مِنَ اللَّهِ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ لا يَنْقَطِعُ مِنَ المُسْلِمِينَ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
وفِعْلُ (كانَ) يَدُلُّ عَلى وُجُودِ ما يُسْنَدُ إلَيْهِ في زَمَنٍ مَضى، دُونَ دَلالَةٍ عَلى اسْتِمْرارٍ، ولا عَلى انْقِطاعٍ، قالَ تَعالى: ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ [النساء: ٩٦] أيْ وما زالَ فَمَعْنى ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ وُجِدْتُمْ عَلى حالَةِ الأخْيَرِيَّةِ عَلى جَمِيعِ الأُمَمِ، أيْ حَصَلَتْ لَكم هَذِهِ الأخْيَرِيَّةُ بِحُصُولِ أسْبابِها ووَسائِلِها، ولِأنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ، والدَّعْوَةِ لِلْإسْلامِ، وإقامَتِهِ عَلى وجْهِهِ، والذَّبِّ عَنِ النُّقْصانِ والإضاعَةِ لِتَحَقُّقِ أنَّهم لَمّا جُعِلَ ذَلِكَ مِن واجِبِهِمْ، وقَدْ قامَ كُلٌّ بِما اسْتَطاعَ، فَقَدْ تَحَقَّقَ مِنهُمُ القِيامُ بِهِ، أوْ قَدْ ظَهَرَ مِنهُمُ العَزْمُ عَلى امْتِثالِهِ، كُلَّما سَنَحَ سانِحٌ يَقْتَضِيهِ، فَقَدْ تَحَقَّقَ أنَّهم خَيْرُ أُمَّةٍ عَلى الإجْمالِ فَأخْبَرَ عَنْهم بِذَلِكَ. هَذا إذا بَيَّنّا عَلى كَوْنِ الأمْرِ في قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] وما بَعْدَهُ مِنَ النَّهْيِ في قَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: ١٠٥] الآيَةَ، لَمْ يَكُنْ حاصِلًا عِنْدَهم مِن قَبْلُ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ مَوْصُوفِينَ بِتِلْكَ الصِّفاتِ فِيما مَضى تَفْعَلُونَها إمّا مِن تِلْقاءِ أنْفُسِكم حِرْصًا عَلى إقامَةِ الدِّينِ واسْتِحْسانًا وتَوْفِيقًا مِنَ اللَّهِ في مُصادَفَتِكم لِمَرْضاتِهِ ومُرادِهِ، وإمّا بِوُجُوبٍ سابِقٍ حاصِلٍ مِن آياتٍ أُخْرى مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿وتَواصَوْا بِالحَقِّ﴾ [العصر: ٣] وحِينَئِذٍ فَلَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، أثْنى عَلَيْهِمْ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا تارِكِيهِ مِن قَبْلُ، وهَذا إذا بَنَيْنا عَلى أنَّ الأمْرَ في قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤] تَأْكِيدٌ لِما كانُوا يَفْعَلُونَهُ، وإعْلامٌ بِأنَّهُ واجِبٌ، أوْ بِتَأْكِيدِ وُجُوبِهِ عَلى الوُجُوهِ الَّتِي قَدَّمْتُها عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ﴾ [آل عمران: ١٠٤]
صفحة ٥٠
ومِنَ الحَيْرَةِ التِجاءُ جَمْعٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ إلى جَعْلِ الإخْبارِ عَنِ المُخاطَبِينَ بِكَوْنِهِمْ فِيما مَضى مِنَ الزَّمانِ خَيْرَ أُمَّةٍ بِمَعْنى كَوْنِهِمْ كَذَلِكَ في عِلْمِ اللَّهِ تَعالى وقَدَرِهِ أوْ ثُبُوتِ هَذا الكَوْنِ في اللَّوْحِ المَحْفُوظِ أوْ جَعْلِ، كانَ بِمَعْنى صارَ.
والمُرادُ بِأُمَّةٍ عُمُومُ الأُمَمِ كُلِّها عَلى ما هو المَعْرُوفُ في إضافَةِ أفْعَلِ التَّفْضِيلِ إلى النَّكِرَةِ أنْ تَكُونَ لِلْجِنْسِ فَتُفِيدُ الِاسْتِغْراقَ.
وقَوْلُهُ ﴿أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ الإخْراجُ مَجازٌ في الإيجادِ والإظْهارِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨] أيْ أظْهَرَ بِصَوْغِهِ عِجْلًا جَسَدًا.
والمَعْنى: كُنْتُمْ خَيْرَ الأُمَمِ الَّتِي وُجِدَتْ في عالَمِ الدُّنْيا. وفاعِلُ أُخْرِجَتْ مَعْلُومٌ وهو اللَّهُ مُوجِدُ الأُمَمِ، والسّائِقُ إلَيْها ما بِهِ تَفاضُلُها. والمُرادُ بِالنّاسِ جَمِيعُ البَشَرِ مِن أوَّلِ الخَلِيقَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ﴾ حالٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ إذْ مَدْلُولُها لَيْسَ مِنَ الكَيْفِيّاتِ المَحْسُوسَةِ حَتّى تَحْكِيَ الخَيْرِيَّةَ في حالِ مُقارَنَتِها لَها، بَلْ هي مِنَ الأعْمالِ النَّفْسِيَّةِ الصّالِحَةِ لِلتَّعْلِيلِ لا لِلتَّوْصِيفِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ اسْتِئْنافًا لِبَيانِ كَوْنِهِمْ خَيْرَ أُمَّةٍ. ويَجُوزُ كَوْنُها خَبَرًا ثانِيًا لَكانَ، وهَذا ضَعِيفٌ لِأنَّهُ يُفِيتُ قَصْدَ التَّعْلِيلِ. والمَعْرُوفُ والمُنْكَرُ تَقَدَّمَ بَيانُهُما قَرِيبًا.
وإنَّما قَدَّمَ ﴿تَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ وتَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ عَلى قَوْلِهِ ﴿وتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ لِأنَّهُما الأهَمُّ في هَذا المَقامِ المَسُوقِ لِلتَّنْوِيهِ بِفَضِيلَةِ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ الحاصِلَةِ مِن قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولْتَكُنْ مِنكم أُمَّةٌ يَدْعُونَ إلى الخَيْرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١٠٤] والِاهْتِمامُ الَّذِي هو سَبَبُ التَّقْدِيمِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِ مَقاماتِ الكَلامِ ولا يُنْظَرُ فِيهِ إلى ما في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّ إيمانَهم ثابِتٌ مُحَقَّقٌ مِن قَبْلُ.
وإنَّما ذَكَرَ الإيمانَ بِاللَّهِ في عِدادِ الأحْوالِ الَّتِي اسْتَحَقُّوا بِها التَّفْضِيلَ عَلى الأُمَمِ، لِأنَّ لِكُلٍّ مِن تِلْكَ الأحْوالِ المُوجِبَةِ لِلْأفْضَلِيَّةِ أثَرًا في التَّفْضِيلِ عَلى
صفحة ٥١
بَعْضِ الفِرَقِ، فالإيمانُ قُصِدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانُوا يَفْتَخِرُونَ بِأنَّهم أهْلُ حَرَمِ اللَّهِ وسَدَنَةُ بَيْتِهِ وقَدْ رَدَّ اللَّهُ ذَلِكَ صَرِيحًا في قَوْلِهِ ﴿أجَعَلْتُمْ سِقايَةَ الحاجِّ وعِمارَةَ المَسْجِدِ الحَرامِ كَمَن آمَنَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وجاهَدَ في سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٩] وذِكْرُ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، قُصِدَ بِهِ التَّفْضِيلُ عَلى أهْلِ الكِتابِ، الَّذِينَ أضاعُوا ذَلِكَ بَيْنَهم، وقَدْ قالَ تَعالى فِيهِمْ ﴿كانُوا لا يَتَناهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ﴾ [المائدة: ٧٩] .
فَإنْ قُلْتَ: إذا كانَ وجْهُ التَّفْضِيلِ عَلى الأُمَمِ هو الأمْرُ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيُ عَنِ المُنْكَرِ والإيمانُ بِاللَّهِ، فَقَدْ شارَكَنا في هَذِهِ الفَضِيلَةِ بَعْضُ الجَماعاتِ مِن صالِحِي الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَنا. لِأنَّهم آمَنُوا بِاللَّهِ عَلى حَسْبِ شَرائِعِهِمْ، وأمَرُوا بِالمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ المُنْكَرِ، لَتَعَذَّرَ أنْ يَتْرُكَ الأُمَمُ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ لِأنَّ الغَيْرَةَ عَلى الدِّينِ أمْرٌ مُرْتَكِزٌ في نُفُوسِ الصّادِقِينَ مِن أتْباعِهِ. قُلْتُ: لَمْ يَثْبُتْ أنَّ صالِحِي الأُمَمِ كانُوا يَلْتَزِمُونَ الأمْرَ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيَ عَنِ المُنْكَرِ إمّا لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ واجِبًا عَلَيْهِمْ، أوْ لِأنَّهم كانُوا يَتَوَسَّعُونَ في حِلِّ التَّقِيَّةِ، وهَذا هارُونُ في زَمَنِ مُوسى عَبَدَتْ بَنُو إسْرائِيلَ العِجْلَ بِمَرْأًى مِنهُ ومَسْمَعٍ فَلَمْ يُغَيِّرْ عَلَيْهِمْ، وقَدْ حَكى اللَّهُ مُحاوَرَةَ مُوسى مَعَهُ بِقَوْلِهِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِي أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ [طه: ٩٣] ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِي إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ [طه: ٩٤] وأمّا قَوْلُهُ تَعالى ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ [آل عمران: ١١٣] ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ﴾ [آل عمران: ١١٤] الآيَةَ فَتِلْكَ فِئَةٌ قَلِيلَةٌ مِن أهْلِ الكِتابِ هُمُ الَّذِينَ دَخَلُوا في الإسْلامِ مِثْلَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وقَدْ كانُوا فِئَةً قَلِيلَةً بَيْنَ قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَكُونُوا جَمْهَرَةَ الأُمَّةِ.
وقَدْ شاعَ عِنْدَ العُلَماءِ الِاسْتِدْلالُ بِهَذِهِ الآيَةِ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ وعِصْمَتِهِ مِنَ الخَطَأِ بِناءً عَلى أنَّ التَّعْرِيفَ في المَعْرُوفِ والمُنْكَرِ لِلِاسْتِغْراقِ، فَإذا أجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلى حُكْمٍ، لَمْ يَجُزْ أنْ يَكُونَ ما أجْمَعُوا عَلَيْهِ مُنْكَرًا، وتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْرُوفًا، لِأنَّ الطّائِفَةَ المَأْمُورَةَ بِالأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في
صفحة ٥٢
ضَمْنِهِمْ، ولا يَجُوزُ سُكُوتُها عَنْ مُنْكَرٍ يَقَعُ، ولا عَنْ مَعْرُوفٍ يُتْرَكُ، وهَذا الِاسْتِدْلالُ إنْ كانَ عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعِ بِمَعْنى الشَّرْعِ المُتَواتِرِ المَعْلُومِ مِنَ الدِّينِ بِالضَّرُورَةِ فَهو اسْتِدْلالٌ صَحِيحٌ لِأنَّ المَعْرُوفَ والمُنْكَرَ في هَذا النَّوْعِ بَدِيهِيٌّ ضَرُورِيٌّ، وإنْ كانَ اسْتِدْلالًا عَلى حُجِّيَّةِ الإجْماعاتِ المُنْعَقِدَةِ عَنِ اجْتِهادٍ، وهو الَّذِي يَقْصِدُهُ المُسْتَدِلُّونَ بِالآيَةِ، فاسْتِدْلالُهم بِها عَلَيْهِ سُفُسْطائِيٌّ لِأنَّ المُنْكَرَ لا يُعْتَبَرُ مُنْكَرًا إلّا بَعْدَ إثْباتِ حُكْمِهِ شَرْعًا، وطَرِيقُ إثْباتِ حُكْمِهِ الإجْماعُ، فَلَوْ أجْمَعُوا عَلى مُنْكَرٍ عِنْدَ اللَّهِ خَطَأً مِنهم لَما كانَ مُنْكَرًا حَتّى يَنْهى عَنْهُ طائِفَةٌ مِنهم لِأنَّ اجْتِهادَهم هو غايَةُ وُسْعِهِمْ.
* * *
﴿ولَوْ آمَنَ أهْلُ الكِتابِ لَكانَ خَيْرًا لَهم مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرَهُمُ الفاسِقُونَ﴾ .
عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ لِأنَّ ذَلِكَ التَّفْضِيلَ قَدْ غَمَرَ أهْلَ الكِتابِ مِنَ اليَهُودِ وغَيْرِهِمْ فَنَبَّهَهم هَذا العَطْفُ إلى إمْكانِ تَحْصِيلِهِمْ عَلى هَذا الفَضْلِ، مَعَ ما فِيهِ مِنَ التَّعْرِيضِ بِهِمْ بِأنَّهم مُتَرَدِّدُونَ في أتْباعِ الإسْلامِ، فَقَدْ كانَ مُخَيْرِيقُ مُتَرَدِّدًا زَمانًا ثُمَّ أسْلَمَ، وكَذَلِكَ وفْدُ نَجْرانَ تَرَدَّدُوا في أمْرِ الإسْلامِ.
وأهْلُ الكِتابِ يَشْمَلُ اليَهُودَ والنَّصارى، لَكِنَّ المَقْصُودَ الأوَّلَ هُنا هُمُ اليَهُودُ، لِأنَّهم كانُوا مُخْتَلِطِينَ بِالمُسْلِمِينَ في المَدِينَةِ، وكانَ النَّبِيءُ ﷺ دَعاهم إلى الإسْلامِ، وقَصَدَ بَيْتَ مِدْراسِهِمْ، ولِأنَّهم قَدْ أسْلَمَ مِنهم نَفَرٌ قَلِيلٌ وقالَ النَّبِيءُ ﷺ «لَوْ آمَنَ بِي عَشَرَةٌ مِنَ اليَهُودِ لَآمَنَ بِي اليَهُودُ كُلُّهم» .
ولَمْ يُذْكَرْ مُتَعَلِّقُ آمَنَ هُنا لِأنَّ المُرادَ لَوِ اتَّصَفُوا بِالإيمانِ الَّذِي هو لَقَبٌ لِدِينِ الإسْلامِ وهو الَّذِي مِنهُ أُطْلِقَتْ صِلَةُ الَّذِينَ
صفحة ٥٣
آمَنُوا عَلى المُسْلِمِينَ فَصارَ كالعَلَمِ بِالغَلَبَةِ، وهَذا كَقَوْلِهِمْ أسْلَمَ، وصَبَأ، وأشْرَكَ، وألْحَدَ، دُونَ ذِكْرِ مُتَعَلِّقاتِ لَهاتِهِ الأفْعالِ لِأنَّ المُرادَ أنَّهُ اتَّصَفَّ بِهَذِهِ الصِّفاتِ الَّتِي صارَتْ أعْلامًا عَلى أدْيانٍ مَعْرُوفَةٍ، فالفِعْلُ نُزِّلَ مَنزِلَةَ اللّازِمِ، وأظْهَرُ مِنهُ: تَهَوَّدَ، تَنَصَّرَ، وتَزَنْدَقَ، وتَحَنَّفَ، والقَرِينَةُ عَلى هَذا المَعْنى ظاهِرَةٌ وهي جَعْلُ إيمانِ أهْلِ الكِتابِ في شَرْطِ الِامْتِناعِ، مَعَ أنَّ إيمانَهم بِاللَّهِ مَعْرُوفٌ لا يُنْكِرُهُ أحَدٌ. ووَقَعَ في الكَشّافِ أنَّ المُرادَ: لَوْ آمَنُوا الإيمانَ الكامِلَ، وهو تَكَلُّفٌ ظاهِرٌ، ولَيْسَ المَقامُ مَقامَهُ. وأجْمَلُ وجْهَ كَوْنِ الإيمانِ خَيْرًا لَهم لِتَذْهَبَ نُفُوسُهم كُلَّ مَذْهَبٍ في الرَّجاءِ والإشْفاقِ. ولَمّا أخْبَرَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ بِامْتِناعِ الإيمانِ مِنهم بِمُقْتَضى جَعْلِ إيمانِهِمْ في حَيِّزِ شَرْطِ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ، تَعَيَّنَ أنَّ المُرادَ مَن بَقِيَ بِوَصْفِ أهْلِ الكِتابِ، وهو وصْفٌ لا يُبْقِي وصْفَهم بِهِ بَعْدَ أنْ يَتَدَيَّنُوا بِالإسْلامِ، وكانَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أنَّ وصْفَ أهْلِ الكِتابِ يَشْمَلُ مَن كانَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنهم ولَوْ دَخَلَ في الإسْلامِ، وجِيءَ بِالِاحْتِراسِ بِقَوْلِهِ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ أيْ مِنهم مَن آمَنَ بِالنَّبِيءِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَصَدَقَ عَلَيْهِ لَقَبُ المُؤْمِنِ، مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلامٍ، وكانَ اسْمُهُ حُصَيْنًا وهو مِن بَنِي قَيْنُقاعَ، وأخِيهِ، وعَمَّتِهِ، خالِدَةَ، وسَعْيَةَ أوْ سِنْعَةَ بْنِ غَرِيضِ بْنِ عادِيًّا التَّيْماوَيِّ، وهو ابْنُ أخِي السَّمَوْألِ بْنِ عادِيًّا، وثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْيَةَ، وأسَدِ بْنِ سَعْيَةَ القُرَظِيِّ، وأسَدِ بْنِ عُبَيْدٍ القُرَظِيِّ، ومُخَيْرِيقٍ مِن بَنِي النَّضِيرِ أوْ مِن بَنِي قَيْنُقاعَ، ومِثْلُ أصْحَمَةَ النَّجاشِيِّ، فَإنَّهُ آمَنَ بِقَلْبِهِ وعَوَّضَ عَنْ إظْهارِهِ أعْمالَ الإسْلامِ نَصْرَهُ لِلْمُسْلِمِينَ، وحِمايَتَهُ لَهم بِبَلَدِهِ، حَتّى ظَهَرَ دِينُ اللَّهِ، فَقَبِلَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ، ولِذَلِكَ أخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْهُ بِأنَّهُ كانَ مُؤْمِنًا وصَلّى عَلَيْهِ حِينَ أوْحى إلَيْهِ بِمَوْتِهِ. ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المَعْنى مِن أهْلِ الكِتابِ فَرِيقٌ مُتَّقٍ في دِينِهِ، فَهو قَرِيبٌ مِنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، وهَؤُلاءِ مِثْلُ مَن بَقِيَ مُتَرَدِّدًا في الإيمانِ مِن دُونِ أنْ يَتَعَرَّضَ لِأذى المُسْلِمِينَ، مِثْلُ النَّصارى مِن نَجْرانَ ونَصارى الحَبَشَةِ، ومِثْلُ مُخَيْرِيقٍ اليَهُودِيِّ قَبْلَ أنْ يُسْلِمَ، عَلى الخِلافِ في إسْلامِهِ، فَإنَّهُ أوْصى بِمالِهِ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فالمُرادُ بِإيمانِهِمْ
صفحة ٥٤
صِدْقُ الإيمانِ بِاللَّهِ وبِدِينِهِمْ، وفَرِيقٌ مِنهم فاسِقٌ عَنْ دِينِهِ، مُحَرِّفٌ لَهُ، مِناوٍ لِأهْلِ الخَيْرِ، كَما قالَ تَعالى: ﴿ويَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالقِسْطِ مِنَ النّاسِ﴾ [آل عمران: ٢١] مِثْلُ الَّذِينَ سَمُّوا الشّاةَ لِرَسُولِ اللَّهِ يَوْمَ خَيْبَرٍ، والَّذِينَ حاوَلُوا أنْ يَرْمُوا عَلَيْهِ صَخْرَةً.
3:111Page 64
لَن يَضُرُّوكُمۡ إِلَّآ أَذٗىۖ وَإِن يُقَٰتِلُوكُمۡ يُوَلُّوكُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ثُمَّ لَا يُنصَرُونَ ١١١
They will not harm you except for [some] annoyance. And if they fight you, they will show you their backs [i.e., retreat]; then they will not be aided.
﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى وإنْ يُقاتِلُوكم يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ نَشَأ عَنْ قَوْلِهِ ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠]، لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ أكْثَرِهِمْ بِأنَّهم غَيْرُ مُؤْمِنِينَ يُؤْذِنُ بِمُعاداتِهِمْ لِلْمُؤْمِنِينَ، وذَلِكَ مِن شَأْنِهِ أنْ يُوقِعَ في نُفُوسِ المُسْلِمِينَ خَشْيَةً مِن بَأْسِهِمْ، وهَذا يَخْتَصُّ بِاليَهُودِ، فَإنَّهم كانُوا مُنْتَشِرِينَ حِيالَ المَدِينَةِ في خَيْبَرَ، والنَّضِيرِ، وقَيْنُقاعَ، وقُرَيْظَةَ، وكانُوا أهْلَ مَكْرٍ، وقُوَّةٍ، ومالٍ، وعُدَّةٍ، وعَدَدٍ، والمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ في قِلَّةٍ فَطَمْأنَ اللَّهُ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم لا يَخْشَوْنَ بَأْسَ أهْلِ الكِتابِ، ولا يَخْشَوْنَ ضُرَّهم، لَكِنْ أذاهم.
أمّا النَّصارى فَلا مُلابَسَةَ بَيْنَهم وبَيْنَ المُسْلِمِينَ حَتّى يَخْشَوْهم. والأذى هو الألَمُ الخَفِيفُ وهو لا يَبْلُغُ حَدَّ الضُّرِّ الَّذِي هو الألَمُ، وقَدْ قِيلَ: هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ فَيَكُونُ كَقَوْلِ إسْحاقِ بْنِ خَلَفٍ:
أخْشى فَظاظَةَ عَمٍّ أوْ جَفاءَ أخٍ وكُنْتُ أُبْقِي عَلَيْها مِن أذى الكَلِمِ
ومَعْنى ﴿يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ﴾ يَفِرُّونَ مُنْهَزِمِينَ.
وقَوْلُهُ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ احْتِراسٌ أيْ يُوَلُّوكُمُ الأدْبارَ تَوْلِيَةَ مُنْهَزِمِينَ لا تَوْلِيَةَ مُتَحَرِّفِينَ لِقِتالٍ أوْ مُتَحَيِّزِينَ إلى فِئَةٍ، أوْ مُتَأمِّلِينَ في الأمْرِ. وفي العُدُولِ عَنْ جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَةِ الجَوابِ إلى جَعْلِهِ مَعْطُوفًا عَلى جُمْلَتَيِ الشَّرْطِ وجَزائِهِ مَعًا، إشارَةٌ إلى أنَّ هَذا دَيْدَنُهم وهَجِيراهم، لَوْ قاتَلُوكم، وكَذَلِكَ في قِتالِهِمْ غَيْرَكم.
صفحة ٥٥
وثُمَّ لِتَرْتِيبِ الأخْبارِ دالَّةٌ عَلى تَراخِي الرُّتْبَةِ. ومَعْنى تَراخِي الرُّتْبَةِ كَوْنُ رُتْبَةِ مَعْطُوفِها أعْظَمَ مِن رُتْبَةِ المَعْطُوفِ عَلَيْهِ في الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ. وهو غَيْرُ التَّراخِي المَجازِيِّ، لِأنَّ التَّراخِي المَجازِيَّ أنْ يُشَبَّهَ ما لَيْسَ بِمُتَأخِّرٍ عَنِ المَعْطُوفِ بِالمُتَأخِّرِ عَنْهُ.
وهَذا كُلُّهُ وعِيدٌ لَهم بِأنَّهم سَيُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ، وأنَّهم يَنْهَزِمُونَ، وإغْراءٌ لِلْمُسْلِمِينَ بِقِتالِهِمْ.
3:112Page 64
ضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ أَيۡنَ مَا ثُقِفُوٓاْ إِلَّا بِحَبۡلٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَحَبۡلٖ مِّنَ ٱلنَّاسِ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡمَسۡكَنَةُۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلۡأَنۢبِيَآءَ بِغَيۡرِ حَقّٖۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ١١٢
They have been put under humiliation [by Allāh] wherever they are overtaken, except for a rope [i.e., covenant] from Allāh and a rope [i.e., treaty] from the people [i.e., the Muslims].1 And they have drawn upon themselves anger from Allāh and have been put under destitution. That is because they disbelieved in [i.e., rejected] the verses of Allāh and killed the prophets without right. That is because they disobeyed and [habitually] transgressed.
﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أيْنَ ما ثُقِفُوا إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ المَسْكَنَةُ﴾ .
يَعُودُ ضَمِيرُ عَلَيْهِمْ إلى ﴿وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] وهو خاصٌّ بِاليَهُودِ لا مَحالَةَ، وهو كالبَيانِ لِقَوْلِهِ ﴿ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ﴾ [آل عمران: ١١١] .
والجُمْلَةُ بَيانِيَّةٌ لِذِكْرِ حالٍ شَدِيدٍ مِن شَقائِهِمْ في الدُّنْيا.
ومَعْنى ضَرْبِ الذِّلَّةِ اتِّصالُها بِهِمْ وإحاطَتُها، فَفِيهِ اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ، وهي أمْرٌ مَعْقُولٌ، بِقُبَّةٍ أوْ خَيْمَةٍ شَمِلَتْهم وشُبِّهَ اتِّصالُها وثَباتُها بِضَرْبِ القُبَّةِ وشَدِّ أطْنابِها، وقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في البَقَرَةِ.
وثُقِفُوا في الأصْلِ أُخِذُوا في الحَرْبِ ﴿فَإمّا تَثْقَفَنَّهم في الحَرْبِ﴾ [الأنفال: ٥٧] وهَذِهِ المادَّةُ تَدُلُّ عَلى تَمَكُّنٍ مِن أخْذِ الشَّيْءِ، وتَصَرُّفٍ فِيهِ بِشِدَّةٍ، ومِنها سُمِّيَ الأسْرُ ثِقافًا. والثِّقافُ آلَةٌ كالكَلُّوبِ تُكْسَرُ بِهِ أنابِيبُ قَنا الرِّماحِ. قالَ النّابِغَةُ:
عَضَّ الثِّقافِ عَلى صُمِّ الأنابِيبِ
والمَعْنى هُنا: أيْنَما عُثِرَ عَلَيْهِمْ، أوْ أيْنَما وُجِدُوا، أيْ هم لا يُوجَدُونَ إلّا مَحْكُومِينَ، شَبَّهَ حالَ مُلاقاتِهِمْ في غَيْرِ الحَرْبِ بِحالِ أخْذِ الأسِيرِ لِشِدَّةِ ذُلِّهِمْ.
صفحة ٥٦
وقَوْلُهُ ﴿إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وحَبْلٍ مِنَ النّاسِ﴾ الحَبَلُ مُسْتَعارٌ لِلْعَهْدِ، وتَقَدَّمَ ما يَتَعَلَّقُ بِذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالعُرْوَةِ الوُثْقى﴾ [البقرة: ٢٥٦] - في سُورَةِ البَقَرَةِ - وعَهْدُ اللَّهِ ذِمَّتُهُ، وعَهْدُ النّاسِ حِلْفُهم، ونَصْرُهم، والِاسْتِثْناءُ مِن عُمُومِ الأحْوالِ وهي أحْوالٌ دَلَّتْ عَلَيْها الباءُ الَّتِي لِلْمُصاحَبَةِ. والتَّقْدِيرُ: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ مُتَلَبِّسِينَ بِكُلِّ حالٍ إلّا مُتَلَبِّسِينَ بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ وعَهْدٍ مِنَ النّاسِ، فالتَّقْدِيرُ: فَذَهَبُوا بِذِلَّةٍ إلّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ.
والمَعْنى لا يَسْلَمُونَ مِنَ الذِّلَّةِ إلّا إذا تَلَبَّسُوا بِعَهْدٍ مِنَ اللَّهِ، أيْ ذِمَّةِ الإسْلامِ، أوْ إذا اسْتَنْصَرُوا بِقَبائِلَ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ، وأمّا هم في أنْفُسِهِمْ فَلا نَصْرَ لَهم. وهَذا مِن دَلائِلِ النُّبُوَّةِ فَإنَّ اليَهُودَ كانُوا أعِزَّةً بِيَثْرِبَ وخَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقُرَيْظَةَ، فَأصْبَحُوا أذِلَّةً وعَمَّتْهُمُ المَذَلَّةُ في سائِرِ أقْطارِ الدُّنْيا.
﴿وباءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أيْ رَجَعُوا وهو مَجازٌ لِمَعْنى صارُوا إذْ لا رُجُوعَ هُنا.
والمَسْكَنَةُ الفَقْرُ الشَّدِيدُ مُشْتَقَّةٌ مِنِ اسْمِ المِسْكِينِ وهو الفَقِيرُ، ولَعَلَّ اشْتِقاقَهُ مِنَ السُّكُونِ وهو سُكُونٌ خَيالِيٌّ أُطْلِقَ عَلى قِلَّةِ الحِيلَةِ في العَيْشِ. والمُرادُ بِضَرْبِ المَسْكَنَةِ عَلَيْهِمْ تَقْدِيرُها لَهم وهو إخْبارٌ بِمُغَيَّبٍ لِأنَّ اليَهُودَ المُخْبِرَ عَنْهم قَدْ أصابَهُمُ الفَقْرُ حِينَ أُخِذَتْ مَنازِلُهم في خَيْبَرَ والنَّضِيرِ وقَيْنُقاعَ وقُرَيْظَةَ، ثُمَّ بِإجْلائِهِمْ بَعْدَ ذَلِكَ في زَمَنِ عُمَرَ.
* * *
﴿ذَلِكَ بِأنَّهم كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ .
الإشارَةُ إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ المَأْخُوذِ مِن ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ . ومَعْنى ﴿يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ ويَقْتُلُونَ الأنْبِئاءَ﴾ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٢١] أوائِلَ هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ٥٧
وقَوْلُهُ ﴿ذَلِكَ بِما عَصَوْا وكانُوا يَعْتَدُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً إلى كُفْرِهِمْ وقَتْلِهِمُ الأنْبِياءَ بِغَيْرِ حَقٍّ، فالباءُ سَبَبُ السَّبَبِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ إشارَةً ثانِيَةً إلى ضَرْبِ الذِّلَّةِ والمَسْكَنَةِ فَيَكُونُ سَبَبًا ثانِيًا. و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ أيْ بِسَبَبِ عِصْيانِهِمْ واعْتِدائِهِمْ، وهَذا نَشْرٌ عَلى تَرْتِيبِ اللَّفِّ فَكُفْرُهم بِالآياتِ سَبَبُهُ العِصْيانُ، وقَتْلُهُمُ الأنْبِياءَ سَبَبُهُ الِاعْتِداءُ.
3:113–114Page 64
۞ لَيۡسُواْ سَوَآءٗۗ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ أُمَّةٞ قَآئِمَةٞ يَتۡلُونَ ءَايَٰتِ ٱللَّهِ ءَانَآءَ ٱلَّيۡلِ وَهُمۡ يَسۡجُدُونَ ١١٣
They are not [all] the same; among the People of the Scripture is a community1 standing [in obedience], reciting the verses of Allāh during periods of the night and prostrating [in prayer].
يُؤۡمِنُونَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَيَأۡمُرُونَ بِٱلۡمَعۡرُوفِ وَيَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡمُنكَرِ وَيُسَٰرِعُونَ فِي ٱلۡخَيۡرَٰتِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ مِنَ ٱلصَّٰلِحِينَ ١١٤
They believe in Allāh and the Last Day, and they enjoin what is right and forbid what is wrong and hasten to good deeds. And those are among the righteous.
﴿لَيْسُوا سَواءً مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وهم يَسْجُدُونَ﴾ ﴿يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ ويَأْمُرُونَ بِالمَعْرُوفِ ويَنْهَوْنَ عَنِ المُنْكَرِ ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ وأُولَئِكَ مِنَ الصّالِحِينَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ قُصِدَ بِهِ إنْصافُ طائِفَةٍ مِن أهْلِ الكِتابِ، بَعْدَ الحُكْمِ عَلى مُعْظَمِهِمْ بِصِيغَةٍ تَعُمُّهم، تَأْكِيدًا لِما أفادَهُ قَوْلُهُ ﴿مِنهُمُ المُؤْمِنُونَ وأكْثَرُهُمُ الفاسِقُونَ﴾ [آل عمران: ١١٠] فالضَّمِيرُ في قَوْلِهِ لَيْسُوا لِأهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم آنِفًا، وهُمُ اليَهُودُ، وهَذِهِ الجُمْلَةُ تَتَنَزَّلُ مِنَ الَّتِي بَعْدَها مَنزِلَةَ التَّمْهِيدِ.
وسَواءٌ اسْمٌ بِمَعْنى المُماثِلِ وأصْلُهُ مَصْدَرٌ مُشْتَقٌّ مِنَ التَّسْوِيَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ إلَخْ. مُبَيِّنَةٌ لِإبْهامِ ﴿لَيْسُوا سَواءً﴾ والإظْهارُ في مَقامِ الإضْمارِ لِلِاهْتِمامِ بِهَؤُلاءِ الأُمَّةِ. فالأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى الفَرِيقِ.
وإطْلاقُ أهْلِ الكِتابِ عَلَيْهِمْ مَجازٌ بِاعْتِبارِ ما كانَ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وآتُوا اليَتامى أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] لِأنَّهم صارُوا مِنَ المُسْلِمِينَ.
وعَدَلَ عَنْ أنْ يُقالَ: مِنهم أُمَّةٌ قائِمَةٌ إلى قَوْلِهِ ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ﴾: لِيَكُونَ هَذا الثَّناءُ شامِلًا لِصالِحِي اليَهُودِ، وصالِحِي النَّصارى، فَلا يُخْتَصُّ بِصالِحِي اليَهُودِ، فَإنَّ صالِحِي اليَهُودِ قَبْلَ بَعْثَةِ عِيسى كانُوا مُتَمَسِّكِينَ بِدِينِهِمْ، مُسْتَقِيمِينَ عَلَيْهِ، ومِنهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِعِيسى واتَّبَعُوهُ، وكَذَلِكَ صالِحُو النَّصارى قَبْلَ
صفحة ٥٨
بَعْثَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ كانُوا مُسْتَقِيمِينَ عَلى شَرِيعَةِ عِيسى، وكَثِيرٌ مِنهم أهْلُ تَهَجُّدٍ في الأدْيِرَةِ والصَّوامِعِ وقَدْ صارُوا مُسْلِمِينَ بَعْدَ البَعْثَةِ المُحَمَّدِيَّةِ.
والأُمَّةُ: الطّائِفَةُ والجَماعَةُ.
ومَعْنى قائِمَةٌ أنَّهُ تَمْثِيلٌ لِلْعَمَلِ بِدِينِها عَلى الوَجْهِ الحَقِّ، كَما يُقالُ: سُوقٌ قائِمَةٌ وشَرِيعَةٌ قائِمَةٌ.
والآناءُ أصْلُهُ أأْناءُ بِهَمْزَتَيْنِ بِوَزْنِ أفْعالٍ، وهو جَمْعُ - إنًى بِكَسْرِ الهَمْزَةِ وفَتْحِ النُّونِ مَقْصُورًا - ويُقالُ أنى بِفَتْحِ الهَمْزَةِ قالَ تَعالى: ﴿غَيْرَ ناظِرِينَ إناهُ﴾ [الأحزاب: ٥٣] أيْ غَيْرَ مُنْتَظَرِينَ وقْتَهُ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم يَسْجُدُونَ﴾ حالٌ، أيْ يَتَهَجَّدُونَ في اللَّيْلِ بِتِلاوَةِ كِتابِهِمْ، فَقُيِّدَتْ تِلاوَتُهُمُ الكِتابَ بِحالَةِ سُجُودِهِمْ. هَذا الأُسْلُوبُ أبْلَغُ وأبْيَنُ مِن أنْ يُقالَ: يَتَهَجَّدُونَ لِأنَّهُ يَدُلُّ عَلى صُورَةِ فِعْلِهِمْ.
ومَعْنى يُسارِعُونَ في الخَيْراتِ يُسارِعُونَ إلَيْها أيْ يَرْغَبُونَ في الِاسْتِكْثارِ مِنها. والمُسارَعَةُ مُسْتَعارَةٌ لِلِاسْتِكْثارِ مِنَ الفِعْلِ، والمُبادَرَةُ إلَيْهِ، تَشْبِيهًا لِلِاسْتِكْثارِ والِاعْتِناءِ بِالسَّيْرِ السَّرِيعِ لِبُلُوغِ المَطْلُوبِ. وفي لِلظَّرْفِيَّةِ المَجازِيَّةِ، وهي تَخْيِيلِيَّةٌ تُؤْذِنُ بِتَشْبِيهِ الخَيْراتِ بِطَرِيقٍ يَسِيرُ فِيهِ السّائِرُونَ، ولِهَؤُلاءِ مَزِيَّةُ السُّرْعَةِ في قَطْعِهِ. ولَكَ أنْ تَجْعَلَ مَجْمُوعَ المُرَكَّبِ مِن قَوْلِهِ ﴿ويُسارِعُونَ في الخَيْراتِ﴾ تَمْثِيلًا لِحالِ مُبادَرَتِهِمْ وحِرْصِهِمْ عَلى فِعْلِ الخَيْراتِ بِحالِ السّائِرِ الرّاغِبِ في البُلُوغِ إلى قَصْدِهِ يُسْرِعُ في سَيْرِهِ. وسَيَأْتِي نَظِيرُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُحْزِنْكَ الَّذِينَ يُسارِعُونَ في الكُفْرِ﴾ [المائدة: ٤١] في سُورَةِ العُقُودِ.
والإشارَةُ بِأُولَئِكَ إلى الأُمَّةِ القائِمَةِ المَوْصُوفَةِ بِتِلْكَ الأوْصافِ. ومَوْقِعُ اسْمِ الإشارَةِ التَّنْبِيهُ عَلى أنَّهُمُ اسْتَحَقُّوا الوَصْفَ المَذْكُورَ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ بِسَبَبِ ما سَبَقَ اسْمَ الإشارَةِ مِنَ الأوْصافِ.
3:115Page 64
وَمَا يَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَلَن يُكۡفَرُوهُۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلۡمُتَّقِينَ ١١٥
And whatever good they do - never will it be denied them. And Allāh is Knowing of the righteous.
﴿وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ فَلَنْ تُكْفَرُوهُ واللَّهُ عَلِيمٌ بِالمُتَّقِينَ﴾ .
صفحة ٥٩
تَذْيِيلٌ لِلْجُمَلِ المُفْتَتَحَةِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿مِن أهْلِ الكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣] إلى قَوْلِهِ تَعالى ﴿مِنَ الصّالِحِينَ﴾ [آل عمران: ١١٤] . وقَرَأ الجُمْهُورُ: تَفْعَلُوا بِالفَوْقِيَّةِ فَهو وعْدٌ لِلْحاضِرِينَ، ويُعْلَمُ مِنهُ أنَّ الصّالِحِينَ السّابِقِينَ مِثْلُهم، بِقَرِينَةِ مَقامِ الِامْتِنانِ، ووُقُوعِهُ عَقِبَ ذِكْرِهِمْ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: وما تَفْعَلُوا مِن خَيْرٍ ويَفْعَلُوا. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التِفاتًا لِخِطابِ أهْلِ الكِتابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ، وخَلَفٌ بِياءِ الغَيْبَةِ عائِدًا إلى (﴿أُمَّةٌ قائِمَةٌ﴾ [آل عمران: ١١٣]) .
والكُفْرُ: ضِدُّ الشُّكْرِ أيْ هو إنْكارُ وُصُولِ النِّعْمَةِ الواصِلَةِ. قالَ عَنْتَرَةُ:
نُبِّئْتُ عَمْرًا غَيْرَ شاكِرِ نِعْمَتِي والكَفْرُ مَخْبَثَةٌ لِنَفْسِ المُنْعِمِ
وقالَ تَعالى: ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وأصْلُ الشُّكْرِ والكُفْرِ أنْ يَتَعَدَّيا إلى واحِدٍ، ويَكُونُ مَفْعُولُهُما النِّعْمَةَ كَما في البَيْتِ. وقَدْ يُجْعَلُ مَفْعُولُهُما المُنْعِمُ عَلى التَّوَسُّعِ في حَذْفِ حَرْفِ الجَرِّ، لِأنَّ الأصْلَ شَكَرْتُ لَهُ وكَفَرْتُ لَهُ.
قالَ النّابِغَةُ:
شَكَرْتُ لَكَ النُّعْمى
وقَدْ جَمَعَ بَيْنَ الِاسْتِعْمالَيْنِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿واشْكُرُوا لِي ولا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢] وقَدْ عُدِّيَ تُكْفَرُوهُ هُنا إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما نائِبُ الفاعِلِ، لِأنَّ الفِعْلَ ضُمِّنَ مَعْنى الحِرْمانِ. والضَّمِيرُ المَنصُوبُ عائِدٌ إلى (خَيْرٍ) بِتَأْوِيلِ (خَيْرٍ) بِجَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدامِ. وأُطْلِقَ الكُفْرُ هُنا عَلى تَرْكِ جَزاءِ فِعْلِ الخَيْرِ، تَشْبِيهًا لِفِعْلِ الخَيْرِ بِالنِّعْمَةِ. كَأنَّ فاعِلَ الخَيْرِ أنْعَمَ عَلى اللَّهِ تَعالى بِنِعْمَتِهِ مِثْلَ قَوْلِهِ ﴿إنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ [التغابن: ١٧] فَحُذِفَ المُشَبَّهُ ورُمِزَ إلَيْهِ بِما هو مِن لَوازِمِهِ العُرْفِيَّةِ. وهو الكُفْرُ. عَلى أنَّ في القَرِينَةِ اسْتِعارَةً مُصَرِّحَةً مِثْلَ ﴿يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٧] وقَدِ امْتَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا إذْ جَعَلَ طاعَتَنا إيّاهُ كَنِعْمَةٍ عَلَيْهِ تَعالى، وجَعَلَ ثَوابَها شُكْرًا، وتَرْكَ ثَوابِها كُفْرًا فَنَفاهُ. وسَمّى نَفْسَهُ الشَّكُورَ.
وقَدْ عُدِّيَ الكُفْرانُ هُنا إلى النِّعْمَةِ عَلى أصْلِ تَعْدِيَتِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences