Ibn 'AshurAli 'Imran · 3:183–189

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:183–189

3:183–184Page 74

ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ١٨٣

[They are] those who said, "Indeed, Allāh has taken our promise not to believe any messenger until he brings us an offering which fire [from heaven] will consume." Say, "There have already come to you messengers before me with clear proofs and [even] that of which you speak. So why did you kill them, if you should be truthful?"

فَإِن كَذَّبُوكَ فَقَدۡ كُذِّبَ رُسُلٞ مِّن قَبۡلِكَ جَآءُو بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِ وَٱلۡكِتَٰبِ ٱلۡمُنِيرِ ١٨٤

Then if they deny you, [O Muḥammad] - so were messengers denied before you, who brought clear proofs and written ordinances and the enlightening Scripture.1

﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ إلَيْنا ألّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَنا بِقُرْبانٍ تَأْكُلُهُ النّارُ قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهم إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ جاءُوا بِالبَيِّناتِ والزُّبُرِ والكِتابِ المُنِيرِ﴾ .

أُبْدِلَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ عَهِدَ﴾ مِنَ ﴿الَّذِينَ قالُوا إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ﴾ [آل عمران: ١٨١] لِذِكْرِ قَوْلَةٍ أُخْرى شَنِيعَةٍ مِنهم، وهي كَذِبُهم عَلى اللَّهِ في أنَّهُ عَهِدَ إلَيْهِمْ عَلى ألْسِنَةِ أنْبِيائِهِمْ أنْ لا يُؤْمِنُوا لِرَسُولٍ حَتّى يَأْتِيَهم بِقُرْبانٍ، أيْ حَتّى يَذْبَحَ قُرْبانًا فَتَأْكُلَهُ نارٌ تَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ، فَتِلْكَ عَلامَةُ القَبُولِ، وقَدْ كانَ هَذا حَصَلَ في زَمانِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ حِينَ ذُبِحَ أوَّلُ قُرْبانٍ عَلى النَّحْوِ الَّذِي شَرَعَهُ اللَّهُ لِبَنِي إسْرائِيلَ فَخَرَجَتْ نارٌ مِن عِنْدِ الرَّبِّ فَأحْرَقَتْهُ. كَما في سِفْرِ اللّاوِيِّينَ. إلّا أنَّهُ مُعْجِزَةٌ لا تَطَّرِدُ لِسائِرِ الأنْبِياءِ كَما زَعَمَهُ اليَهُودُ لِأنَّ مُعْجِزاتِ الرُّسُلِ تَجِيءُ عَلى ما يُناسِبُ تَصْدِيقَ الأُمَّةِ. وفي الحَدِيثِ «ما مِنَ الأنْبِياءِ نَبِيءٌ إلّا أُوتِيَ مِنَ الآياتِ ما مِثْلَهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كانَ الَّذِي أُوتِيتُ وحْيًا أوْحى اللَّهُ إلَيَّ، فَأرْجُو أنْ أكُونَ أكْثَرَهم تابِعًا يَوْمَ القِيامَةِ» فَقالَ اللَّهُ تَعالى لِنَبِيِّهِ ﴿قُلْ قَدْ جاءَكم رُسُلٌ مِن قَبْلِي بِالبَيِّناتِ وبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ .

صفحة ١٨٦

وهَذا الضَّرْبُ مِنَ الجَدَلِ مَبْنِيٌّ عَلى التَّسْلِيمِ، أيْ إذا سَلَّمْنا ذَلِكَ فَلَيْسَ امْتِناعُكم مِنِ اتِّباعِ الإسْلامِ لِأجْلِ انْتِظارِ هَذِهِ المُعْجِزَةِ فَإنَّكم قَدْ كَذَّبْتُمُ الرُّسُلَ الَّذِينَ جاءُوكم بِها وقَتَلْتُمُوهم، ولا يَخْفى أنَّ التَّسْلِيمَ يَأْتِي عَلى مَذْهَبِ الخَصْمِ إذْ لا شَكَّ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ قَتَلُوا أنْبِياءَ مِنهم بَعْدَ أنْ آمَنُوا بِهِمْ، مِثْلَ زَكَرِيّا ويَحْيى وأشْعِياءَ وأرْمِياءَ، فالإيمانُ بِهِمْ أوَّلَ الأمْرِ يَسْتَلْزِمُ أنَّهم جاءُوا بِالقُرْبانِ تَأْكُلُهُ النّارُ عَلى قَوْلِهِمْ، وقَتْلُهم آخِرًا يَسْتَلْزِمُ أنَّ عَدَمَ الثَّباتِ عَلى الإيمانِ بِالأنْبِياءِ شَنْشَنَةٌ قَدِيمَةٌ في اليَهُودِ وأنَّهم إنَّما يَتَّبِعُونَ أهْواءَهم، فَلا عَجَبَ أنْ يَأْتِيَ خَلَفُهم بِمِثْلِ ما أتى بِهِ سَلَفُهم.

وقَوْلُهُ ﴿إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ظاهِرٌ في أنَّ ما زَعَمُوهُ مِنَ العَهْدِ لَهم بِذَلِكَ كَذِبٌ ومَعاذِيرُ باطِلَةٌ.

وإنَّما قالَ ﴿وبِالَّذِي قُلْتُمْ﴾ عُدِلَ إلى المَوْصُولِ لِلِاخْتِصارِ وتَسْجِيلًا عَلَيْهِمْ في نِسْبَةِ ذَلِكَ لَهم ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا ووَلَدًا﴾ [مريم: ٧٧] إلى قَوْلِهِ ﴿ونَرِثُهُ ما يَقُولُ﴾ [مريم: ٨٠] أيْ نَرِثُ مالَهُ ووَلَدَهُ.

ثُمَّ سَلّى نَبِيَّهُ ﷺ بِقَوْلِهِ: ﴿فَإنْ كَذَّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَ رُسُلٌ مِن قَبْلِكَ﴾ والمَذْكُورُ بَعْدَ الفاءِ دَلِيلُ الجَوابِ لِأنَّهُ عِلَّتُهُ، والتَّقْدِيرُ: فَإنْ كَذَّبُوكَ فَلا عَجَبَ أوْ فَلا تَحْزَنْ لِأنَّ هَذِهِ سُنَّةٌ قَدِيمَةٌ في الأُمَمِ مَعَ الرُّسُلِ مِثْلِكَ، ولَيْسَ ذَلِكَ لِنَقْصٍ فِيما جِئْتَ بِهِ. و”البَيِّناتُ“: الدَّلائِلُ عَلى الصِّدْقِ، والزُّبُرُ جَمْعُ زَبُورٍ وهو فَعَوْلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ مِثْلِ رَسُولٍ، أيْ مَزْبُورٍ بِمَعْنى مَخْطُوطٍ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن زَبَرَ إذا زَجَرَ أوْ حَبَسَ لِأنَّ الكِتابَ يُقْصَدُ لِلْحُكْمِ. وأُرِيدَ بِالزُّبُرِ كُتُبُ الأنْبِياءِ والرُّسُلِ، مِمّا يَتَضَمَّنُ مَواعِظَ وتَذْكِيرًا مِثْلَ كِتابِ داوُدَ والإنْجِيلِ.

والمُرادُ بِالكِتابِ المُنِيرِ: إنْ كانَ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ فَهو كُتُبُ الشَّرائِعِ مِثْلُ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ، وإنْ كانَ لِلْعَهْدِ فَهو التَّوْراةُ، ووَصْفُهُ بِالمُنِيرِ مَجازٌ بِمَعْنى المُبَيِّنِ لِلْحَقِّ كَقَوْلِهِ ﴿إنّا أنْزَلْنا التَّوْراةَ فِيها هُدًى ونُورٌ﴾ [المائدة: ٤٤] والعَطْفُ مَنظُورٌ فِيهِ إلى التَّوْزِيعِ، فَبَعْضُ الرُّسُلِ جاءَ بِالزُّبُرِ، وبَعْضُهم بِالكِتابِ المُنِيرِ، وكُلُّهم جاءَ بِالبَيِّناتِ.

صفحة ١٨٧

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”والزُّبُرِ“ بِعَطْفِ الزُّبُرِ بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ.

وقَرَأهُ ابْنُ عامِرٍ: وبِالزُّبُرِ - بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ بَعْدَ واوِ العَطْفِ وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الشّامِيِّ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ: والكِتابِ - بِدُونِ إعادَةِ باءِ الجَرِّ - وقَرَأهُ هِشامٌ عَنِ ابْنِ عامِرٍ وبِالكِتابِ بِإعادَةِ باءِ الجَرِّ وهَذا انْفَرَدَ بِهِ هِشامٌ، وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ كُتِبَ كَذَلِكَ في بَعْضِ مَصاحِفِ الشّامِ العَتِيقَةِ، ولَيْسَتْ في المُصْحَفِ الإمامِ. ويُوشِكُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الرِّوايَةُ لِهِشامٍ عَنِ ابْنِ عامِرٍ شاذَّةً في هَذِهِ الآيَةِ، وأنَّ المَصاحِفَ الَّتِي كُتِبَتْ بِإثْباتِ الباءِ في قَوْلِهِ ”وبِالكِتابِ“ كانَتْ مُمْلاةً مِن حُفّاظِ هَذِهِ الرِّوايَةِ الشّاذَّةِ.

3:185Page 74

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوۡنَ أُجُورَكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۖ فَمَن زُحۡزِحَ عَنِ ٱلنَّارِ وَأُدۡخِلَ ٱلۡجَنَّةَ فَقَدۡ فَازَۗ وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَآ إِلَّا مَتَٰعُ ٱلۡغُرُورِ ١٨٥

Every soul will taste death, and you will only be given your [full] compensation on the Day of Resurrection. So he who is drawn away from the Fire and admitted to Paradise has attained [his desire]. And what is the life of this world except the enjoyment of delusion.

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ فَقَدْ فازَ وما الحَياةُ الدُّنْيا إلّا مَتاعُ الغُرُورِ﴾ .

هَذِهِ الآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِأصْلِ الغَرَضِ المَسُوقِ لَهُ الكَلامُ، وهو تَسْلِيَةُ المُؤْمِنِينَ عَلى ما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، وتَفْنِيدُ المُنافِقِينَ في مَزاعِمِهِمْ أنَّ النّاسَ لَوِ اسْتَشارُوهم في القِتالِ لَأشارُوا بِما فِيهِ سَلامَتُهم فَلا يَهْلِكُوا، فَبَعْدَ أنْ بَيَّنَ لَهم ما يَدْفَعُ تَوَهُّمَهم أنَّ الِانْهِزامَ كانَ خِذْلانًا مِنَ اللَّهِ وتَعَجُّبَهم مِنهُ كَيْفَ يَلْحَقُ قَوْمًا خَرَجُوا لِنَصْرِ الدِّينِ وأنْ لا سَبَبَ لِلْهَزِيمَةِ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّما اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ﴾ [آل عمران: ١٥٥] ثُمَّ بَيَّنَ لَهم أنَّ في تِلْكَ الرَّزِيَّةِ فَوائِدَ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعالى ﴿لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى ما فاتَكُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٣] وقَوْلِهِ ﴿ولِيَعْلَمَ المُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٦]، ثُمَّ أمَرَهم بِالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ في كُلِّ حالٍ فَقالَ ﴿وما أصابَكم يَوْمَ التَقى الجَمْعانِ فَبِإذْنِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٦] وقالَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كالَّذِينَ كَفَرُوا وقالُوا لِإخْوانِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٦] الآيَةَ. وبَيَّنَ لَهم أنَّ قَتْلى المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ حَزِنُوا لَهم إنَّما هم أحْياءٌ، وأنَّ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ لا يُضَيِّعُ اللَّهُ أجَرَهم ولا فَضْلَ ثَباتِهِمْ، وبَيَّنَ لَهم أنَّ سَلامَةَ الكُفّارِ لا يَنْبَغِي أنْ تُحْزِنَ المُؤْمِنِينَ ولا أنْ

صفحة ١٨٨

تَسُرَّ الكافِرِينَ، وأبْطَلَ في خِلالِ ذَلِكَ مَقالَ المُنافِقِينَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ في بُيُوتِكم لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ القَتْلُ إلى مَضاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٥٤] وبِقَوْلِهِ ﴿الَّذِينَ قالُوا لِإخْوانِهِمْ وقَعَدُوا﴾ [آل عمران: ١٦٨] إلى قَوْلِهِ ﴿قُلْ فادْرَءُوا عَنْ أنْفُسِكُمُ المَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ [آل عمران: ١٦٨] خَتَمَ ذَلِكَ كُلَّهُ بِما هو جامِعٌ لِلْغَرَضَيْنِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ المَوْتِ وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ لِأنَّ المُصِيبَةَ والحُزْنَ إنَّما نَشَآ عَلى مَوْتِ مَنِ اسْتُشْهِدَ مِن خِيرَةِ المُؤْمِنِينَ، يَعْنِي أنَّ المَوْتَ لَمّا كانَ غايَةَ كُلِّ حَيٍّ فَلَوْ لَمْ يَمُوتُوا اليَوْمَ لَماتُوا بَعْدَ ذَلِكَ، فَلا تَأْسَفُوا عَلى مَوْتِ قَتْلاكم في سَبِيلِ اللَّهِ، ولا يَفْتِنْكُمُ المُنافِقُونَ بِذَلِكَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ بَعْدَهُ ﴿وإنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكم يَوْمَ القِيامَةِ﴾ قَصْرَ قَلْبٍ لِتَنْزِيلِ المُؤْمِنِينَ - فِيما أصابَهم مِنَ الحُزْنِ عَلى قَتْلاهم وعَلى هَزِيمَتِهِمْ - مَنزِلَةَ مَن لا يَتَرَقَّبُ مِن عَمَلِهِ إلّا مَنافِعَ الدُّنْيا وهو النَّصْرُ والغَنِيمَةُ، مَعَ أنَّ نِهايَةَ الأجْرِ في نَعِيمِ الآخِرَةِ، ولِذَلِكَ قالَ ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ أيْ تُكْمَلُ لَكم، وفِيهِ تَعْرِيضٌ بِأنَّهم قَدْ حَصَلَتْ لَهم أُجُورٌ عَظِيمَةٌ في الدُّنْيا عَلى تَأْيِيدِهِمْ لِلدِّينِ: مِنها النَّصْرُ يَوْمَ بَدْرٍ، ومِنها كَفُّ أيْدِي المُشْرِكِينَ عَنْهم في أيّامِ مَقامِهِمْ بِمَكَّةَ إلى أنْ تَمَكَّنُوا مِنَ الهِجْرَةِ.

والذَّوْقُ هُنا أُطْلِقَ عَلى وِجْدانِ المَوْتِ، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ اسْتِعْمالِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ آنِفًا ﴿ونَقُولُ ذُوقُوا عَذابَ الحَرِيقِ﴾ [آل عمران: ١٨١] وشاعَ إطْلاقُهُ عَلى حُصُولِ المَوْتِ، قالَ تَعالى ﴿لا يَذُوقُونَ فِيها المَوْتَ﴾ [الدخان: ٥٦] ويُقالُ: ذاقَ طَعْمَ المَوْتِ.

والتَّوْفِيَةُ: إعْطاءُ الشَّيْءِ وافِيًا. ويُطْلِقُها الفُقَهاءُ عَلى مُطْلَقِ الإعْطاءِ والتَّسْلِيمِ، والأُجُورُ جَمْعُ الأجْرِ بِمَعْنى الثَّوابِ، ووَجْهُ جَمْعِهِ مُراعاةُ أنْواعِ الأعْمالِ. ويَوْمُ القِيامَةِ: يَوْمُ الحَشْرِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَقُومُ فِيهِ النّاسُ مِن خُمُودِ المَوْتِ إلى نُهُوضِ الحَياةِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ ﴿فَمَن زُحْزِحَ﴾ لِلتَّفْرِيعِ عَلى ﴿تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ﴾ ومَعْنى زُحْزِحَ أُبْعِدَ. وحَقِيقَةُ فِعْلِ زُحْزِحَ أنَّها جَذْبٌ بِسُرْعَةٍ، وهو مُضاعَفُ زَحَّهُ عَنِ المَكانِ إذا جَذَبَهُ بِعَجَلَةٍ.

وإنَّما جُمِعَ بَيْنَ ﴿زُحْزِحَ عَنِ النّارِ وأُدْخِلَ الجَنَّةَ﴾، مَعَ أنَّ في الثّانِي غُنْيَةً عَنِ

صفحة ١٨٩

الأوَّلِ، لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ دُخُولَ الجَنَّةِ يَشْتَمِلُ عَلى نِعْمَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ: النَّجاةُ مِنَ النّارِ، ونَعِيمُ الجَنَّةِ.

ومَعْنى ﴿فَقَدْ فازَ﴾ نالَ مُبْتَغاهُ مِنَ الخَيْرِ لِأنَّ تَرَتُّبَ الفَوْزِ عَلى دُخُولِ الجَنَّةِ والزَّحْزَحَةِ عَنِ النّارِ مَعْلُومٌ فَلا فائِدَةَ في ذِكْرِ الشَّرْطِ إلّا لِهَذا. والعَرَبُ تَعْتَمِدُ في هَذا عَلى القَرائِنِ، فَقَدْ يَكُونُ الجَوابُ عَيْنَ الشَّرْطِ لِبَيانِ التَّحْقِيقِ، نَحْوَ قَوْلِ القائِلِ: مَن عَرَفَنِي فَقَدْ عَرَفَنِي، وقَدْ يَكُونُ عَيَّنَهُ بِزِيادَةِ قَيْدٍ، نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] وقَدْ يَكُونُ عَلى مَعْنى بُلُوغِ أقْصى غاياتِ نَوْعِ الجَوابِ والشَّرْطِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ، وقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا إنَّكَ مَن تُدْخِلِ النّارَ فَقَدْ أخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢] عَلى أحَدِ وجْهَيْنِ، وقَوْلِ العَرَبِ: ”مَن أدْرَكَ مَرْعى الصَّمّانِ فَقَدْ أدْرَكَ“ . وجَمِيعُ ما قُرِّرَ في الجَوابِ يَأْتِي مِثْلُهُ في الصِّفَةِ ونَحْوِها كَقَوْلِهِ ﴿رَبَّنا هَؤُلاءِ الَّذِينَ أغْوَيْنا أغْوَيْناهم كَما غَوَيْنا﴾ [القصص: ٦٣] .

3:186Page 74

۞ لَتُبۡلَوُنَّ فِيٓ أَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ وَلَتَسۡمَعُنَّ مِنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَمِنَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُوٓاْ أَذٗى كَثِيرٗاۚ وَإِن تَصۡبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَٰلِكَ مِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ١٨٦

You will surely be tested in your possessions and in yourselves. And you will surely hear from those who were given the Scripture before you and from those who associate others with Allāh much abuse. But if you are patient and fear Allāh - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.

﴿لَتُبْلَوُنَّ في أمْوالِكم وأنْفُسِكم ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكم ومِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا أذًى كَثِيرًا وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

اسْتِئْنافٌ لِإيقاظِ المُؤْمِنِينَ إلى ما يَعْتَرِضُ أهْلَ الحَقِّ وأنْصارَ الرُّسُلِ مِنَ البَلْوى، وتَنْبِيهٌ لَهم عَلى أنَّهم إنْ كانُوا مِمَّنْ تُوهِنُهُمُ الهَزِيمَةُ فَلَيْسُوا أحْرِياءَ بِنَصْرِ الحَقِّ، وأكَّدَ الفِعْلَ بِلامِ القَسَمِ وبِنُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ لِإفادَةِ تَحْقِيقِ الِابْتِلاءِ، إذْ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ أقْوى في الدَّلالَةِ عَلى التَّوْكِيدِ مِنَ الخَفِيفَةِ.

فَأصْلُ ”لَتُبْلَوُنَّ“ لَتُبْلَوُونَنَّ فَلَمّا تَوالى ثَلاثُ نُوناتٍ ثَقُلَ في النُّطْقِ فَحُذِفَتْ نُونُ الرَّفْعِ فالتَقى ساكِنانِ: واوُ الرَّفْعِ ونُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ، فَحُذِفَتْ واوُ الرَّفْعِ لِأنَّها لَيْسَتْ أصْلًا في الكَلِمَةِ فَصارَ لَتُبْلَوُنَّ. وكَذَلِكَ القَوْلُ في تَصْرِيفِ قَوْلِهِ تَعالى ”ولَتَسْمَعُنَّ“ وفي تَوْكِيدِهِ.

صفحة ١٩٠

والِابْتِلاءُ: الِاخْتِبارُ، ويُرادُ بِهِ هُنا لازِمَةٌ وهو المُصِيبَةُ، لِأنَّ في المَصائِبِ اخْتِبارًا لِمِقْدارِ الثَّباتِ. والِابْتِلاءُ في الأمْوالِ هو نَفَقاتُ الجِهادِ، وتَلاشِي أمْوالِهِمُ الَّتِي تَرَكُوها بِمَكَّةَ. والِابْتِلاءُ في الأنْفُسِ هو القَتْلُ والجِراحُ. وجُمِعَ مَعَ ذَلِكَ سَماعُ المَكْرُوهِ مِن أهْلِ الكِتابِ والمُشْرِكِينَ في يَوْمِ أُحُدٍ وبَعْدَهُ.

والأذى هو الضُّرُّ بِالقَوْلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لَنْ يَضُرُّوكم إلّا أذًى﴾ [آل عمران: ١١١] كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، ولِذَلِكَ وصَفَهُ هُنا بِالكَثِيرِ، أيِ الخارِجِ عَنِ الحَدِّ الَّذِي تَحْتَمِلُهُ النُّفُوسُ غالِبًا، وكُلُّ ذَلِكَ مِمّا يُفْضِي إلى الفَشَلِ، فَأمَرَهُمُ اللَّهُ بِالصَّبْرِ عَلى ذَلِكَ حَتّى يَحْصُلَ لَهُمُ النَّصْرُ، وأمَرَهم بِالتَّقْوى أيِ الدَّوامِ عَلى أُمُورِ الإيمانِ والإقْبالِ عَلى بَثِّهِ وتَأْيِيدِهِ، فَأمّا الصَّبْرُ عَلى الِابْتِلاءِ في الأمْوالِ والأنْفُسِ فَيَشْمَلُ الجِهادَ، وأمّا الصَّبْرُ عَلى الأذى فَفي وقْتَيِ الحَرْبِ والسِّلْمِ، فَلَيْسَتِ الآيَةُ مُقْتَضِيَةً عَدَمَ الإذْنِ بِالقِتالِ مِن حَيْثُ إنَّهُ أمَرَهم بِالصَّبْرِ عَلى أذى الكُفّارِ حَتّى تَكُونَ مَنسُوخَةً بِآياتِ السَّيْفِ، لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ وقْعَةِ أُحُدٍ، وهي بَعْدَ الأمْرِ بِالقِتالِ. قالَهُ القَفّالُ.

وقَوْلُهُ ”فَإنَّ ذَلِكَ“ الإشارَةُ إلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الصَّبْرِ والتَّقْوى بِتَأْوِيلٍ: فَإنَّ المَذْكُورَ. و﴿عَزْمِ الأُمُورِ﴾ مِن إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ أيِ الأُمُورِ العَزْمِ، ووَصَفَ الأُمُورَ وهو جَمْعٌ بِعَزْمٍ وهو مُفْرَدٌ لِأنَّ أصْلَ عَزْمٍ أنَّهُ مَصْدَرٌ فَيَلْزَمُ لَفْظُهُ حالَةً واحِدَةً، وهو هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيْ مِنَ الأُمُورِ المَعْزُومِ عَلَيْها. والعَزْمُ إمْضاءُ الرَّأْيِ وعَدَمُ التَّرَدُّدِ بَعْدَ تَبْيِينِ السَّدادِ. قالَ تَعالى ﴿وشاوِرْهم في الأمْرِ فَإذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمُرادُ هُنا العَزْمُ في الخَيِّراتِ قالَ تَعالى ﴿فاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُو العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥] وقالَ ﴿ولَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا﴾ [طه: ١١٥] .

ووَقَعَ قَوْلُهُ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ دَلِيلًا عَلى جَوابِ الشَّرْطِ، والتَّقْدِيرُ: ﴿وإنْ تَصْبِرُوا وتَتَّقُوا﴾ تَنالُوا ثَوابَ أهْلِ العَزْمِ ﴿فَإنَّ ذَلِكَ مِن عَزْمِ الأُمُورِ﴾ .

3:187Page 75

وَإِذۡ أَخَذَ ٱللَّهُ مِيثَٰقَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ لَتُبَيِّنُنَّهُۥ لِلنَّاسِ وَلَا تَكۡتُمُونَهُۥ فَنَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمۡ وَٱشۡتَرَوۡاْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ فَبِئۡسَ مَا يَشۡتَرُونَ ١٨٧

And [mention, O Muḥammad], when Allāh took a covenant from those who were given the Scripture, [saying], "You must make it clear [i.e., explain it] to the people and not conceal it." But they threw it away behind their backs and exchanged it for a small price. And wretched is that which they purchased.

﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ ولا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وراءَ ظُهُورِهِمْ واشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ ما يَشْتَرُونَ﴾ .

صفحة ١٩١

مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ ﴿ولَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٦] فَإنَّ تَكْذِيبَ الرَّسُولِ مِن أكْبَرِ الأذى لِلْمُسْلِمِينَ. وإنَّ الطَّعْنَ في كَلامِهِ وأحْكامِ شَرِيعَتِهِ مِن ذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ ﴿إنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ ونَحْنُ أغْنِياءُ﴾ [آل عمران: ١٨١] والقَوْلُ في مَعْنى أخْذِ اللَّهِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ ﴿وإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ [البقرة: ٣٤] ونَحْوِهِ.

و﴿الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ هُمُ اليَهُودُ، وهَذا المِيثاقُ أُخِذَ عَلى سَلَفِهِمْ مِن عَهْدِ رَسُولِهِمْ وأنْبِيائِهِمْ، وكانَ فِيهِ ما يَدُلُّ عَلى عُمُومِهِ لِعُلَماءِ أُمَّتِهِمْ في سائِرِ أجْيالِهِمْ إلى أنْ يَجِيءَ رَسُولٌ.

وجُمْلَةُ ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ بَيانٌ لِلْمِيثاقِ، فَهي حِكايَةُ اليَمِينِ حِينَ اقْتُرِحَتْ عَلَيْهِمْ، ولِذَلِكَ جاءَتْ بِصِيغَةِ خِطابِهِمْ بِالمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كَما قَرَأ بِذَلِكَ الجُمْهُورُ، وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: لَيُبَيِّنُنَّهُ بِياءِ الغَيْبَةِ عَلى طَرِيقَةِ الحِكايَةِ بِالمَعْنى، حَيْثُ كانَ المَأْخُوذُ عَلَيْهِمْ هَذا العَهْدَ غائِبِينَ في وقَتِ الإخْبارِ عَنْهم. ولِلْعَرَبِ في مِثْلِ هَذِهِ الحِكاياتِ وُجُوهٌ: بِاعْتِبارِ كَلامِ الحاكِي، وكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْهُ، فَقَدْ يَكُونُ فِيهِ وجْهانِ كالمَحْكِيِّ بِالقَوْلِ في نَحْوِ: أقْسَمَ زَيْدٌ لا يَفْعَلُ كَذا، وأُقْسِمُ لا أفْعَلُ كَذا، وقَدْ يَكُونُ فِيهِ ثَلاثَةُ أوْجُهٍ: كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قالُوا تَقاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وأهْلَهُ﴾ [النمل: ٤٩] قُرِئَ بِالنُّونِ والتّاءِ الفَوْقِيَّةِ والياءِ التَّحْتِيَّةِ لَنُبَيِّتَنَّهُ لَتُبَيِّتَنَّهُ لَيُبَيِّتَنَّهُ، إذا جُعِلَ تَقاسَمُوا فِعْلًا ماضِيًا فَإذا جُعِلَ أمْرًا جازَ وجْهانِ: في لَنُبَيِّتَنَّهُ النُّونُ والتّاءُ الفَوْقِيَّةُ. والقَوْلُ في تَصْرِيفِ وإعْرابِ لَتُبَيِّنُنَّهُ كالقَوْلِ في لَتُبْلَوُنَّ المُتَقَدِّمِ قَرِيبًا.

وقَدْ أُخِذَ عَلَيْهِمُ المِيثاقُ بِأمْرَيْنِ: هُما الكِتابُ أيْ عَدَمُ إجْمالِ مَعانِيهِ أوْ تَحْرِيفِ تَأْوِيلِهِ، وعَدَمُ كِتْمانِهِ أيْ إخْفاءِ شَيْءٍ مِنهُ. فَقَوْلُهُ ولا تَكْتُمُونَهُ عَطْفٌ عَلى ﴿لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنّاسِ﴾ ولَمْ يُقْرَنْ بِنُونِ التَّوْكِيدِ لِأنَّها لا تُقارِنُ الفِعْلَ المَنفِيَّ لِتَنافِي مُقْتَضاهُما.

وقَوْلُهُ ”فَنَبَذُوهُ“ عُطِفَ بِالفاءِ الدّالَّةِ عَلى التَّعْقِيبِ لِلْإشارَةِ إلى مُسارَعَتِهِمْ إلى ذَلِكَ، والَّذِينَ نَبَذُوهُ هم عُلَماءُ اليَهُودِ في عُصُورِهِمُ الأخِيرَةِ القَرِيبَةِ مِن عَهْدِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فالتَّعْقِيبُ الَّذِي بَيْنَ أخْذِ المِيثاقِ عَلَيْهِمْ وبَيْنَ نَبْذِهِمْ إيّاهُ مَنظُورٌ

صفحة ١٩٢

فِيهِ إلى مُبادَرَتِهِمْ بِالنَّبْذِ عَقِبَ الوَقْتِ الَّذِي تَحَقَّقَ فِيهِ أخْذُ المِيثاقِ، وهو وقْتُ تَأهُّلِ كُلِّ واحِدٍ مِن عُلَمائِهِمْ لِتَبْيِينِ الكِتابِ وإعْلانِهِ فَهو إذا أنِسَ مِن نَفْسِهِ المَقْدِرَةَ عَلى فَهْمِ الكِتابِ والتَّصَرُّفِ في مَعانِيهِ بادَرَ بِاتِّخاذِ تِلْكَ المَقْدِرَةَ وسِيلَةً لِسُوءِ التَّأْوِيلِ والتَّحْرِيفِ والكِتْمانِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الفاءُ مُسْتَعْمَلَةً في لازِمِ التَّعْقِيبِ، وهو شِدَّةُ المُسارَعَةِ لِذَلِكَ عِنْدَ اقْتِضاءِ الحالِ إيّاهُ والِاهْتِمامِ بِهِ وصَرْفِ الفِكْرَةِ فِيهِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّعْقِيبُ بِحَسَبِ الحَوادِثِ الَّتِي أساءُوا فِيها التَّأْوِيلَ واشْتَرَوْا بِها الثَّمَنَ القَلِيلَ، لِأنَّ المِيثاقَ لَمّا كانَ عامًّا كانَتْ كُلُّ جُزْئِيَّةٍ مَأْخُوذًا عَلَيْها المِيثاقُ، فالجُزْئِيَّةُ الَّتِي لَمْ يَعْمَلُوا فِيها بِالمِيثاقِ يَكُونُ فِيها تَعْقِيبُ مِيثاقِها بِالنَّبْذِ والِاشْتِراءِ.

والنَّبْذُ: الطَّرْحُ والإلْقاءُ، وهو هُنا مُسْتَعارٌ لِعَدَمِ العَمَلِ بِالعَهْدِ تَشْبِيهًا لِلْعَهْدِ بِالشَّيْءِ المَنبُوذِ في عَدَمِ الِانْتِفاعِ بِهِ.

ووَراءُ الظُّهُورِ هُنا تَمْثِيلٌ لِلْإضاعَةِ والإهْمالِ، لِأنَّ شَأْنَ الشَّيْءِ المُهْتَمِّ بِهِ المُتَنافَسِ فِيهِ أنْ يُجْعَلَ نُصْبَ العَيْنِ ويُحْرَسَ ويُشاهَدَ، . وقالَ تَعالى ﴿فَإنَّكَ بِأعْيُنِنا﴾ [الطور: ٤٨] . وشَأْنُ الشَّيْءِ المَرْغُوبِ عَنْهُ أنْ يُسْتَدْبَرَ ولا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ، وفي هَذا التَّمْثِيلِ تَرْشِيحٌ لِاسْتِعارَةِ النَّبْذِ لِإخْلافِ العَهْدِ.

والضَّمِيرانِ: المَنصُوبُ والمَجْرُورُ، يَجُوزُ عَوْدُهُما إلى المِيثاقِ أيِ اسْتَخَفُّوا بِعَهْدِ اللَّهِ وعَوَّضُوهُ بِثَمَنٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ يَتَضَمَّنُ أنَّهم أهْمَلُوا ما واثَقُوا عَلَيْهِ مِن تَبْيِينِ الكِتابِ وعَدَمُ كِتْمانِهِ، ويَجُوزُ عَوْدُهُما إلى الكِتابِ أيْ أهْمَلُوا الكِتابَ ولَمْ يَعْتَنُوا بِهِ، والمُرادُ إهْمالُ أحْكامِهِ وتَعْوِيضُ إقامَتِها بِنَفْعٍ قَلِيلٍ، وذَلِكَ يَدُلُّ عَلى نَوْعَيِ الإهْمالِ، وهُما إهْمالُ آياتِهِ وإهْمالُ مَعانِيهِ.

والِاشْتِراءُ هُنا مَجازٌ في المُبادَلَةِ والثَّمَنِ القَلِيلِ، وهو ما يَأْخُذُونَهُ مِنَ الرُّشى والجَوائِزِ مِن أهْلِ الأهْواءِ والظُّلْمِ مِنَ الرُّؤَساءِ والعامَّةِ عَلى تَأْيِيدِ المَظالِمِ والمَفاسِدِ بِالتَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، وتَأْوِيلُ كُلِّ حُكْمٍ فِيهِ ضَرْبٌ عَلى أيْدِي الجَبابِرَةِ والظَّلَمَةِ بِما يُطْلِقُ أيْدِيَهم في ظُلْمِ الرَّعِيَّةِ مِن ضُرُوبِ التَّأْوِيلاتِ الباطِلَةِ، وتَحْذِيراتِ الَّذِينَ يَصْدَعُونَ بِتَغْيِيرِ المُنْكِرِ. وهَذِهِ الآيَةُ وإنْ كانَتْ في أهْلِ

صفحة ١٩٣

الكِتابِ إلّا أنَّ حُكْمَها يَشْمَلُ مَن يَرْتَكِبُ مِثْلَ صَنِيعِهِمْ مِنَ المُسْلِمِينَ لِاتِّحادِ جِنْسِ الحُكْمِ والعِلَّةِ فِيهِ.

3:188Page 75

لَا تَحۡسَبَنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡرَحُونَ بِمَآ أَتَواْ وَّيُحِبُّونَ أَن يُحۡمَدُواْ بِمَا لَمۡ يَفۡعَلُواْ فَلَا تَحۡسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٖ مِّنَ ٱلۡعَذَابِۖ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٨٨

And never think that those who rejoice in what they have perpetrated and like to be praised for what they did not do - never think them [to be] in safety from the punishment, and for them is a painful punishment.

﴿لا يَحْسِبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسِبَنَّهم بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .

تَكْمِلَةٌ لِأحْوالِ أهْلِ الكِتابِ المُتَحَدَّثِ عَنْهم بِبَيانِ حالَةِ خَلْقِهِمْ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ اخْتِلالَ أمانَتِهِمْ في تَبْلِيغِ الدِّينِ، وهَذا ضَرْبٌ آخَرُ جاءَ بِهِ فَرِيقٌ آخَرُ مِن أهْلِ الكِتابِ فَلِذَلِكَ عَبَّرَ عَنْهم بِالمَوْصُولِ لِلتَّوَصُّلِ إلى ذِكْرِ صِلَتِهِ العَجِيبَةِ مِن حالِ مَن يَفْعَلُ الشَّرَّ والخِسَّةَ ثُمَّ لا يَقِفُ عِنْدَ حَدِّ الِانْكِسارِ لِما فَعَلَ أوْ تَطَلُّبِ السِّتْرِ عَلى شَنْعَتِهِ، بَلْ يَرْتَقِي فَيَتَرَقَّبُ ثَناءَ النّاسِ عَلى سُوءِ صُنْعِهِ، ويَتَطَلَّبُ المَحْمَدَةَ عَلَيْهِ. وقِيلَ: نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، والخِطابُ لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لَهُ الخِطابُ، والمَوْصُولُ هُنا بِمَعْنى المُعَرَّفِ بِلامِ العَهْدِ لِأنَّهُ أُرِيدَ بِهِ قَوْمٌ مُعَيَّنُونَ مِنَ اليَهُودِ أوِ المُنافِقِينَ، فَمَعْنى ﴿يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ أنَّهم يَفْرَحُونَ بِما فَعَلُوا مِمّا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، وهو نَبْذُ الكِتابِ والِاشْتِراءُ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا وإنَّما فَرِحُوا بِما نالُوا بِفِعْلِهِمْ مِن نَفْعٍ في الدُّنْيا.

ومَعْنى ﴿يُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا﴾ أنَّهم يُحِبُّونَ الثَّناءَ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم حَفَظَةُ الشَّرِيعَةِ وحُرّاسُها والعالِمُونَ بِتَأْوِيلِها، وذَلِكَ خِلافُ الواقِعِ. هَذا ظاهِرُ مَعْنى الآيَةِ. وهو قَوْلُ مُجاهِدٍ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم أتَوْا إضْلالَ أتْباعِهِمْ عَنِ الإيمانِ بِمُحَمَّدٍ ﷺ وأحَبُّوا الحَمْدَ بِأنَّهم عُلَماءٌ بِكُتُبِ الدِّينِ.

وفِي البُخارِيِّ، عَنْ أبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّها نَزَلَتْ في المُنافِقِينَ، كانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنِ الغَزْوِ بِالمَعاذِيرِ، فَيَقْبَلُ مِنهُمُ النَّبِيءُ ﷺ ﴿ويُحِبُّونَ أنْ يُحْمَدُوا﴾ بِأنَّ لَهم نِيَّةَ المُجاهِدِينَ، ولَيْسَ المَوْصُولُ بِمَعْنى لامِ الِاسْتِغْراقِ. وفي البُخارِيِّ: أنَّ مَرْوانَ بْنَ الحَكَمِ قالَ لِبَوّابِهِ اذْهَبْ يا رافِعُ إلى ابْنِ عَبّاسٍ

صفحة ١٩٤

فَقُلْ: لَئِنْ كانَ كُلُّ امْرِئٍ فَرِحَ بِما أتى وأحَبَّ أنْ يُحْمَدَ بِما لَمْ يَفْعَلْ مُعَذَّبًا لَنُعَذَّبَنَّ أجْمَعُونَ، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: وما لَكَمَ ولِهَذِهِ ؟ إنَّما دَعا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَهُودَ، فَسَألَهم عَنْ شَيْءٍ فَأخْبَرُوهُ بِغَيْرِهِ فَأرَوْهُ أنَّهم قَدِ اسْتَحْمَدُوا إلَيْهِ بِما أخْبَرُوهُ وفَرِحُوا بِما أتَوْا مِن كِتْمانِهِمْ ثُمَّ قَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ ﴿وإذْ أخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ﴾ [آل عمران: ١٨٧] حَتّى قَوْلِهِ ﴿لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أتَوْا﴾ الآيَةَ.

والمَفازَةُ: مَكانُ الفَوْزِ. وهو المَكانُ الَّذِي مَن يَحِلُّهُ يَفُزْ بِالسَّلامَةِ مِنَ العَدُوِّ سُمِّيَتِ البَيْداءُ الواسِعَةُ مَفازَةً لِأنَّ المُنْقَطِعَ فِيها يَفُوزُ بِنَفْسِهِ مِن أعْدائِهِ وطَلَبَةِ الوَتَرِ عِنْدَهُ وكانُوا يَتَطَلَّبُونَ الإقامَةَ فِيها. قالَ النّابِغَةُ:

أوْ أضَعُ البَيْتَ في صَمّاءَ مُظْلِمَةٍ تُقَيِّدُ العِيرَ لا يَسْرِي بِها السّارِي

تُدافِعُ النّاسَ عَنّا حِينَ نَرْكَبُها ∗∗∗ مِنَ المَظالِمِ تُدْعى أُمُّ صَبّارِ

ولَمّا كانَتِ المَفازَةُ مُجْمَلَةً بِالنِّسْبَةِ لِلْفَوْزِ الحاصِلِ فِيها بَيَّنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿مِنَ العَذابِ﴾ . وحَرْفُ (مِن) مَعْناهُ البَدَلِيَّةُ، مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: ٧]، أوْ بِمَعْنى عَنْ بِتَضْمِينِ مَفازَةٍ مَعْنى مَنجاةٍ.

وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو جَعْفَرٍ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِالياءِ التَّحْتِيَّةِ عَلى الغَيْبَةِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِتاءِ الخِطابِ.

أمّا سِينُ تَحْسَبَنَّ فَقَرَأها بِالكَسْرِ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، وأبُو جَعْفَرٍ، ويَعْقُوبُ. وقَرَأها بِالفَتْحِ الباقُونَ.

وقَدْ جاءَ تَرْكِيبُ الآيَةِ عَلى نَظْمٍ بَدِيعٍ إذْ حُذِفَ المَفْعُولُ الثّانِي لِفِعْلِ الحُسْبانِ الأوَّلِ لِدَلالَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ وهو مَفْعُولُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾، والتَّقْدِيرُ: لا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ إلَخْ أنْفُسَهم. وأُعِيدَ فِعْلُ الحُسْبانِ في قَوْلِهِ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ مُسْنَدًا إلى المُخاطَبِ عَلى طَرِيقَةِ الِاعْتِراضِ بِالفاءِ وأُتِيَ بَعْدَهُ بِالمَفْعُولِ الثّانِي: وهو ﴿بِمَفازَةٍ مِنَ العَذابِ﴾ فَتَنازَعَهُ كِلا الفِعْلَيْنِ. وعَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ ﴿لا تَحْسِبَنَّ

صفحة ١٩٥

الَّذِينَ يَفْرَحُونَ﴾ بِتاءِ الخِطابِ يَكُونُ خِطابًا لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَعُمَّ كُلَّ مُخاطَبٍ، ويَكُونُ قَوْلُهُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾ اعْتِراضًا بِالفاءِ أيْضًا والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ مَعَ ما في حَذْفِ المَفْعُولِ الثّانِي لِفِعْلِ الحُسْبانِ الأوَّلِ، وهو مَحَلُّ الفائِدَةِ، مِن تَشْوِيقِ السّامِعِ إلى سَماعِ المَنهِيِّ عَنْ حُسْبانِهِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ﴿فَلا تَحْسِبَنَّهُمْ﴾: بِفَتْحِ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّ الفِعْلَ لِخِطابِ الواحِدِ؛ وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِضَمِّ الباءِ المُوَحَّدَةِ عَلى أنَّهُ لِخِطابِ الجَمْعِ، وحَيْثُ أنَّهُما قَرَآ أوَّلَهُ بِياءِ الغَيْبَةِ فَضَمُّ الباءِ يَجْعَلُ فاعِلَ يَحْسَبَنَّ ومَفْعُولَهُ مُتَّحِدَيْنِ أيْ لا يَحْسَبُونَ أنْفُسَهم، واتِّحادُ الفاعِلِ والمَفْعُولِ لِلْفِعْلِ الواحِدِ مِن خَصائِصِ أفْعالِ الظَّنِّ كَما هُنا وأُلْحِقَتْ بِها أفْعالٌ قَلِيلَةٌ، وهي: وجَدَ وعَدِمَ وفَقَدَ.

وأمّا سِينُ تَحْسَبَنَّهم فالقِراءاتُ مُماثِلَةٌ لِما في سِينِ يَحْسَبَنَّ.

3:189Page 75

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ١٨٩

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth, and Allāh is over all things competent.

﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ .

تَذْيِيلٌ بِوَعِيدٍ يَدُلُّ عَلى أنَّ اللَّهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ ما يَكْتُمُونَ مِن خَلائِقِهِمْ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском