Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
As-Sajdah 32:14–22
32:14Page 416
فَذُوقُواْ بِمَا نَسِيتُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَآ إِنَّا نَسِينَٰكُمۡۖ وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٤
So taste [punishment] because you forgot the meeting of this, your Day; indeed, We have [accordingly] forgotten you. And taste the punishment of eternity for what you used to do."
﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا إنّا نَسِيناكم وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾
هَذا جَوابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] الَّذِي هو إقْرارٌ بِصِدْقِ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، المُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهم: ﴿رَبَّنا أبْصَرْنا وسَمِعْنا﴾ [السجدة: ١٢] . فالفاءُ لِتَفْرِيعِ جَوابٍ
صفحة ٢٢٥
عَنْ إقْرارِهِمْ إلْزامًا لَهم بِمُوجَبِ إقْرارِهِمْ، أيْ فَيَتَفَرَّعُ عَلى اعْتِرافِكم بِحَقِيَّةِ ما كانَ الرَّسُولُ يَدْعُوكم إلَيْهِ أنْ يَلْحَقَكم عَذابُ النّارِ.
ومَجِيءُ التَّفْرِيعِ مِنَ المُتَكَلِّمِ عَلى ما هو مِن كَلامِ المُخاطَبِ فِيهِ إلْزامٌ بِالحُجَّةِ كالفاءاتِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ فاخْرُجْ مِنها فَإنَّكَ رَجِيمٌ﴾ [الحجر: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿قالَ رَبِّ فَأنْظِرْنِي إلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [الحجر: ٣٦] ﴿قالَ فَإنَّكَ مِنَ المُنْظَرِينَ﴾ [الحجر: ٣٧] ﴿إلى يَوْمِ الوَقْتِ المَعْلُومِ﴾ [الحجر: ٣٨] ﴿قالَ فَبِعِزَّتِكَ لِأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] وقَوْلِهِ ﴿فالحَقُّ والحَقَّ أقُولُ﴾ [ص: ٨٤] ﴿لَأمْلَأنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ ومِمَّنْ تَبِعَكَ مِنهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٥]؛ فَهَذِهِ خَمْسُ فاءاتٍ كُلُّ فاءٍ مِنها هي تَفْرِيعٌ مِنَ المُتَكَلِّمِ بِها عَلى كَلامِ غَيْرِهِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ في العَطْفِ بِالواوِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى قالَ: ”ومِن ذُرِّيَّتِي“ في سُورَةِ البَقَرَةِ.
واسْتِعْمالُ الذَّوْقِ بِمَعْنى مُطْلَقِ الإحْساسِ مَجازٌ مُرْسَلٌ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿لِيَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾ [المائدة: ٩٥] في سُورَةِ العُقُودِ.
ومَفْعُولُ ذُوقُوا مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ السِّياقُ، أيْ فَذُوقُوا ما أنْتُمْ فِيهِ مِمّا دَعاكم إلى أنْ تَسْألُوا الرُّجُوعَ إلى الدُّنْيا.
والنِّسْيانُ الأوَّلُ: الإهْمالُ والإضاعَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ”فَنَسِيَ“ في سُورَةِ طه.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ، أيْ بِسَبَبِ إهْمالِكُمُ الِاسْتِعْدادَ لِهَذا اليَوْمِ. والنِّسْيانُ في قَوْلِهِ ”﴿نَسِيناكُمْ﴾“ مُسْتَعْمَلٌ في الحِرْمانِ مِنَ الكَرامَةِ مَعَ المُشاكَلَةِ.
واللِّقاءُ: حَقِيقَتُهُ العُثُورِ عَلى ذاتٍ، فَمِنهُ لِقاءُ الرَّجُلِ غَيْرَهُ وتَجِيءُ مِنهُ المُلاقاةُ، ومِنهُ: لِقاءُ المَرْءِ ضالَّةً أوْ نَحْوَها. وقَدْ جاءَ مِنهُ: شَيْءٌ لَقًى، أيْ مَطْرُوحٌ. ولِقاءُ اليَوْمِ في هَذِهِ الآيَةِ مَجازٌ في حُلُولِ اليَوْمِ ووُجُودِهِ عَلى غَيْرِ تَرَقُّبٍ كَأنَّهُ عُثِرَ عَلَيْهِ.
وإضافَةُ يَوْمٍ إلى ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ تَهَكُّمٌ بِهِمْ لِأنَّهم كانُوا يُنْكِرُونَهُ فَلَمّا تَحَقَّقُوهُ جُعِلَ كَأنَّهُ أشَدُّ اخْتِصاصًا بِهِمْ عَلى طَرِيقَةِ الِاسْتِعارَةِ التَّهَكُّمِيَّةِ لِأنَّ اليَوْمَ إذا أُضِيفَ إلى القَوْمِ أوِ الجَماعَةِ إذا كانَ يَوْمَ انْتِصارٍ لَهم عَلى عَدُوِّهِمْ قالَ السَّمَوْألُ:
وأيّامُنا مَشْهُورَةٌ في عَدُوِّنا لَها غُرَرٌ مَعْلُومَةٌ وحُجُولُ
صفحة ٢٢٦
ويَقُولُونَ: أيّامُ بَنِي فُلانٍ عَلى بَنِي فُلانٍ، أيْ أيّامُ انْتِصارِهِمْ. وسَبَبُ ذَلِكَ أنَّ تَقْدِيرَ الإضافَةِ عَلى مَعْنى اللّامِ وهي تُفِيدُ الِاخْتِصاصَ المُنْتَزَعَ مِنَ المِلْكِ، قالَ عَمْرُو بْنُ كُلْثُومٍ:
وأيّامٍ لَنا غُرٍّ طِوالٍ
وقالَ تَعالى: ﴿ذَلِكَ اليَوْمُ الحَقُّ﴾ [النبإ: ٣٩]، أيْ يَوْمُ نَصْرِ المُؤْمِنِينَ عَلى المُشْرِكِينَ في الآخِرَةِ نَصْرًا مُؤَبَّدًا، أيْ لَيْسَ كَأيّامِكم في الدُّنْيا الَّتِي هي أيّامُ نَصْرٍ زائِلٍ.
والإشارَةُ بِـ ”هَذا“ إلى اليَوْمِ تَهْوِيلًا لَهُ.
وجُمْلَةُ ”﴿إنّا نَسِيناكُمْ﴾“ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا لِأنَّ المُجْرِمِينَ إذا سَمِعُوا ما عَلِمُوا مِنهُ أنَّهم مُلاقُو العَذابِ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ تَطَلَّعُوا إلى مَعْرِفَةِ مَدى هَذا العَذابِ المَذُوقِ وهَلْ لَهم مِنهُ مَخْلَصٌ وهَلْ يُجابُونَ إلى ما سَألُوا مِنَ الرَّجْعَةِ إلى الدُّنْيا لِيَتَدارَكُوا ما فاتَهم مِنَ التَّصْدِيقِ، فَأُعْلِمُوا بِأنَّ اللَّهَ مُمْهِلٌ شَأْنَهم، أيْ لا يَسْتَجِيبُ لَهم وهو كِنايَةٌ عَنْ تَرْكِهِمْ فِيما أُذِيقُوهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ طَهَ قَوْلُهُ: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنْسى﴾ [طه: ١٢٦] فَشُبِّهَ بِالنِّسْيانِ إظْهارًا لِلْعَدْلِ في الجَزاءِ وأنَّهُ مِن جِنْسِ العَمَلِ المُجازى عَنْهُ.
وقَدْ حُقِّقَ هَذا الخَبَرُ بِمُؤَكِّداتٍ وهي حَرْفُ التَّوْكِيدِ، وإخْراجُ الكَلامِ في صِيغَةِ الماضِي عَلى خِلافِ مُقْتَضى الظّاهِرِ مِن زَمَنِ الحالِ لِإفادَةِ تَحَقُّقِ الفِعْلِ حَتّى كَأنَّهُ مَضى ووَقَعَ.
وقَوْلُهُ ﴿وذُوقُوا عَذابَ الخُلْدِ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ، وهو وإنْ أفادَ تَأْكِيدَ تَسْلِيطِ العَذابِ عَلَيْهِمْ فَإنَّ عَطْفَهُ مُراعًى فِيهِ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ مِنَ المُغايَرَةِ بِالمُتَعَلِّقاتِ والقُيُودِ مُغايَرَةً اقْتَضَتْ أنْ تُعْتَبَرَ الجُمْلَةُ الثّانِيَةُ مُفِيدَةً فائِدَةً أُخْرى؛ فالجُمْلَةُ الأُولى تَضَمَّنَتْ أنَّ مِن سَبَبِ اسْتِحْقاقِهِمْ تِلْكَ الإذاقَةِ إهْمالَهُمُ التَّدَبُّرَ في حُلُولِ هَذا اليَوْمِ، والجُمْلَةُ الثّانِيَةُ تَضَمَّنَتْ أنَّ ذَلِكَ العَذابَ مُسْتَمِرٌّ وأنَّ سَبَبَ اسْتِمْرارِ العَذابِ وعَدَمِ تَخْفِيفِهِ أعْمالُهُمُ الخاطِئَةُ وهي أعَمُّ مِن نِسْيانِهِمْ لِقاءَ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ.
32:15–17Page 416
إِنَّمَا يُؤۡمِنُ بِـَٔايَٰتِنَا ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُواْ بِهَا خَرُّواْۤ سُجَّدٗاۤ وَسَبَّحُواْ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ۩ ١٥
Only those believe in Our verses who, when they are reminded by them, fall down in prostration and exalt [Allāh] with praise of their Lord, and they are not arrogant.
تَتَجَافَىٰ جُنُوبُهُمۡ عَنِ ٱلۡمَضَاجِعِ يَدۡعُونَ رَبَّهُمۡ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ١٦
Their sides part [i.e., they arise] from [their] beds; they supplicate their Lord in fear and aspiration, and from what We have provided them, they spend.1
فَلَا تَعۡلَمُ نَفۡسٞ مَّآ أُخۡفِيَ لَهُم مِّن قُرَّةِ أَعۡيُنٖ جَزَآءَۢ بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٧
And no soul knows what has been hidden for them of comfort for eyes [i.e., satisfaction] as reward for what they used to do.
صفحة ٢٢٧
﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا سُجَّدًا وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهم خَوْفًا وطَمَعًا ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾
اسْتِئْنافٌ ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ ”أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ“ الآيَةَ، تَفَرَّغَ المَقامُ لَهُ بَعْدَ أنْ أنْحى بِالتَّقْرِيعِ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ عَلى كُفْرِهِمْ بِلِقاءِ اللَّهِ، بِما أفادَتِ اسْمِيَّةُ جُمْلَةِ ﴿بَلْ هم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ﴾ [السجدة: ١٠] مِن أنَّهم ثابِتُونَ عَلى الكُفْرِ بِلِقاءِ اللَّهِ دائِمُونَ عَلَيْهِ، وهو مِمّا أنْذَرَتْهم بِهِ آياتُ القُرْآنِ، فالتَّكْذِيبُ بِلِقاءِ اللَّهِ تَكْذِيبٌ بِما جاءَ بِهِ القُرْآنُ فَهم لا يُؤْمِنُونَ، وإنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ ذُكِرَتْ أوْصافُهم هُنا.
والمُرادُ بِالآياتِ هُنا آياتُ القُرْآنِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾“ بِتَشْدِيدِ الكافِ، أيْ أُعِيدَ ذِكْرُها عَلَيْهِمْ وتَكَرَّرَتْ تِلاوَتُها عَلى مَسامِعِهِمْ.
ومُفادُ إنَّما قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ يُؤْمِنُ بِآياتِ اللَّهِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها تَذْكِيرًا بِما سَبَقَ لَهم سَماعُهُ لَمْ يَتَرَيَّثُوا عَنْ إظْهارِ الخُضُوعِ لِلَّهِ دُونَ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠])، وهَذا تَأْيِيسٌ لِلنَّبِيِ ﷺ مِن إيمانِهِمْ، وتَعْرِيضٌ بِهِمْ بِأنَّهم لا يَنْفَعُونَ المُسْلِمِينَ بِإيمانِهِمْ ولا يَغِيظُونَهم بِالتَّصَلُّبِ في الكُفْرِ.
وأُوثِرَتْ صِيغَةُ المُضارِعِ في إنَّما يُؤْمِنُ لِما تُشْعِرُ بِهِ مِن أنَّهم يَتَجَدَّدُونَ في الإيمانِ ويَزْدادُونَ يَقِينًا وقْتًا فَوَقْتًا، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾ [البقرة: ١٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وإلّا فَإنَّ المُؤْمِنِينَ قَدْ حَصَلَ إيمانُهم فِيما مَضى فَفِعْلُ المُضِيِّ آثَرُ بِحِكايَةِ حالِهِمْ في الكَلامِ المُتَداوَلِ لَوْلا هَذِهِ الخُصُوصِيَّةُ، ولِهَذا عُرِّفُوا بِالمَوْصُولِيَّةِ والصِّلَةِ الدّالِّ مَعْناها عَلى أنَّهم راسِخُونَ في الإيمانِ، فَعَبَّرَ عَنْ إبْلاغِهِمْ آياتِ القُرْآنِ وتِلاوَتِها عَلى أسْماعِهِمْ بِالتَّذْكِيرِ المُقْتَضِي أنَّ ما تَتَضَمَّنَهُ الآياتُ حَقائِقُ مُقَرَّرَةٌ عِنْدَهم لا يُفادُونَ بِها فائِدَةً لَمْ تَكُنْ حاصِلَةً في نُفُوسِهِمْ ولَكِنَّها تُكْسِبُهم تَذْكِيرًا ﴿فَإنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ المُؤْمِنِينَ﴾ [الذاريات: ٥٥] . وهَذِهِ الصِّفَةُ الَّتِي تَضَمَّنَتْها الصِّلَةُ هي حالُهُمُ الَّتِي عُرِفُوا بِها لِقُوَّةِ إيمانِهِمْ وتَمَيَّزُوا بِها عَنِ الَّذِينَ كَفَرُوا، ولَيْسَتْ تَقْتَضِي أنَّ مَن لَمْ يَسْجُدُوا عِنْدَ سَماعِ الآياتِ ولَمْ يُسَبِّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ مِنَ المُؤْمِنِينَ لَيْسُوا مِمَّنْ يُؤْمِنُونَ، ولَكِنَّ هَذِهِ
صفحة ٢٢٨
حالَةُ أكْمَلِ الإيمانِ وهي حالَةُ المُؤْمِنِينَ مَعَ النَّبِيِ ﷺ يَوْمَئِذٍ عُرِفُوا بِها، وهَذا كَما تَقُولُ لِلسّائِلِ عَنْ عُلَماءِ البَلَدِ: هُمُ الَّذِينَ يَلْبَسُونَ عَمائِمَ صِفَتُها كَذا. جاءَ في تَرْجَمَةِ مالِكِ بْنِ أنَسٍ أنَّهُ ما أفْتى حَتّى أجازَهُ سَبْعُونَ مُحَنَّكًا، أيْ عالِمًا يَجْعَلُ شُقَّةً مِن عِمامَتِهِ تَحْتَ حَنَكِهِ وهي لُبْسَةُ أهْلِ الفِقْهِ والحَدِيثِ. قالَ مالِكٌ - رَحِمَهُ اللَّهُ -: قُلْتُ لِأُمِّي: أذْهَبُ فَأكْتُبُ العِلْمَ، فَقالَتْ: تَعالَ فالبَسْ ثِيابَ العِلْمِ. فَألْبَسَتْنِي ثِيابًا مُشَمَّرَةً ووَضَعَتِ الطَّوِيلَةَ عَلى رَأْسِي وعَمَّمَتْنِي فَوْقَها.
والخُرُورُ: الهُوِيُّ مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ.
والسُّجُودُ: وضْعُ الجَبْهَةِ عَلى الأرْضِ إرادَةَ التَّعْظِيمِ والخُضُوعِ.
وانْتَصَبَ سُجَّدًا عَلى الحالِ المُبَيِّنَةِ لِلْقَصْدِ مِن خَرُّوا، أيْ سُجَّدًا لِلَّهِ وشُكْرًا لَهُ عَلى ما حَباهم بِهِ مِنَ العِلْمِ والإيمانِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَرْنُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وسَبَّحُوا بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ . والباءُ فِيهِ لِلْمُلابَسَةِ وتَقَدَّمَ في سُورَةِ الإسْراءِ ﴿إنَّ الَّذِينَ أُوتُوا العِلْمَ مِن قَبْلِهِ إذا يُتْلى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأذْقانِ سُجَّدًا﴾ [الإسراء: ١٠٧] .
ودَلَّتِ الجُمْلَةُ الشَّرْطِيَّةُ عَلى اتِّصالِ تَعَلُّقِ حُصُولِ الجَوابِ بِحُصُولِ الشَّرْطِ وتَلازُمِهِما.
وجِيءَ في نَفْيِ التَّكَبُّرِ عَنْهم بِالمُسْنَدِ الفِعْلِيِّ لِإفادَةِ اخْتِصاصِهِمْ بِذَلِكَ، أيْ دُونَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ كانَ الكِبْرُ خُلُقُهم فَهم لا يَرْضَوْنَ لِأنْفُسِهِمْ بِالِانْقِيادِ لِلنَّبِيءِ مِنهم وقالُوا: ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنا المَلائِكَةُ أوْ نَرى رَبَّنا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا في أنْفُسِهِمْ وعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا﴾ [الفرقان: ٢١] .
وقَوْلُهُ تَعالى ”﴿وهم لا يَسْتَكْبِرُونَ﴾“ مَوْضِعُ سَجْدَةٍ مِن سَجَداتِ تِلاوَةِ القُرْآنِ رَجاءَ أنْ يَكُونَ التّالِي مِن أُولَئِكَ الَّذِينَ أثْنى اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِأنَّهم إذا ذُكِّرُوا بِآياتِ اللَّهِ سَجَدُوا، فالقارِئُ يَقْتَدِي بِهِمْ.
وجُمْلَةُ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهُمْ﴾ حالٌ مِنَ المَوْصُولِ، أيِ الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها خَرُّوا ومِن حالِهِمْ ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾، أوِ اسْتِئْنافٌ.
وجِيءَ فِيها بِالمُضارِعِ لِإفادَةِ تَكَرُّرِ ذَلِكَ وتُجَدُّدِهِ مِنهم في أجْزاءٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الأوْقاتِ المُعَدَّةِ لِلِاضْطِجاعِ وهي الأوْقاتُ الَّتِي الشَّأْنُ فِيها النَّوْمُ.
صفحة ٢٢٩
والتَّجافِي: التَّباعُدُ والمُتارَكَةُ، والمَعْنى: أنَّ تَجافِيَ جُنُوبِهِمْ عَنِ المَضاجِعِ يَتَكَرَّرُ في اللَّيْلَةِ الواحِدَةِ، أيْ يُكْثِرُونَ السَّهَرَ بِقِيامِ اللَّيْلِ والدُّعاءِ لِلَّهِ؛ وقَدْ فَسَّرَهُ النَّبِيءُ ﷺ بِصَلاةِ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ، كَما سَيَأْتِي في حَدِيثِ مُعاذٍ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ.
والمَضاجِعُ: الفُرُشُ جَمْعُ مَضْجَعٍ، وهو مَكانُ الضَّجْعِ، أيِ الِاسْتِلْقاءِ لِلرّاحَةِ والنَّوْمِ. و(ألْ) فِيهِ عِوَضٌ عَنَ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ عَنْ مَضاجِعِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَإنَّ الجَنَّةَ هي المَأْوى﴾ [النازعات: ٤١] .
وهَذا تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ إذْ يُمْضُونَ لَيْلَهم بِالنَّوْمِ لا يَصْرِفُهُ عَنْهم تَفَكُّرٌ بَلْ يَسْقُطُونَ كَما تَسْقُطُ الأنْعامُ. وقَدْ صَرَّحَ بِهَذا المَعْنى
عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ
بِقَوْلِهِ يَصِفُ النَّبِيءَ ﷺ وهو سَيِّدُ أصْحابِ هَذا الشَّأْنِ:
يَبِيتُ يُجافِي جَنْبَهُ عَنْ فِراشِهِ إذا اسْتَثْقَلَتْ بِالمُشْرِكِينَ المَضاجِعُ
وجُمْلَةُ يَدْعُونَ رَبَّهم يَجُوزُ أنْ تَكُونَ حالًا مِن ضَمِيرِ جُنُوبِهِمْ والأحْسَنُ أنْ تُجْعَلَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ تَتَجافى جُنُوبُهم.
وانْتَصَبَ خَوْفًا وطَمَعًا عَلى الحالِ بِتَأْوِيلِ خائِفِينَ وطامِعِينَ، أيْ مِن غَضَبِهِ وطَمَعًا في رِضاهُ وثَوابِهِ، أيْ هاتانِ صِفَتانِ لَهم.
ويَجُوزُ أنْ يَنْتَصِبا عَلى المَفْعُولِ لِأجْلِهِ، أيْ لِأجْلِ الخَوْفِ مِن رَبِّهِمْ والطَّمَعِ في رَحْمَتِهِ.
ولَمّا ذَكَرَ إيثارَهُمُ التَّقَرُّبَ إلى اللَّهِ عَلى حُظُوظِ لَذّاتِهِمُ الجَسَدِيَّةِ ذَكَرَ مَعَهُ إيثارَهم إيّاهُ عَلى ما بِهِ نَوالُ لَذّاتٍ أُخْرى وهو المالُ إذْ يُنْفِقُونَ مِنهُ ما لَوْ أبْقَوْهُ لَكانَ مَجْلَبَةَ راحَةٍ لَهم فَقالَ: ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾ أيْ يَتَصَدَّقُونَ بِهِ ولَوْ أيْسَرَ أغْنِياؤُهم فُقَراءَهم.
ثُمَّ عَظَّمَ اللَّهُ جَزاءَهم إذْ قالَ: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهم مِن قُرَّةِ أعْيُنٍ﴾ أيْ لا تَبْلُغُ نَفْسٌ مِن أهْلِ الدُّنْيا مُعَرِفَةَ ما أعَدَّ اللَّهُ لَهم قالَ النَّبِيءُ ﷺ قالَ اللَّهُ تَعالى: «أعْدَدْتُ لِعِبادِيَ الصّالِحِينَ ما لا عَيْنٌ رَأتْ ولا أُذُنٌ سَمِعَتْ ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» فَدَلَّ عَلى أنَّ المُرادَ بِـ ”نَفْسٌ“ في هَذِهِ الآيَةِ أصْحابُ النُّفُوسِ البَشَرِيَّةِ
صفحة ٢٣٠
فَإنَّ مُدْرَكاتِ العُقُولِ مُنْتَهِيَةٌ إلى ما تُدْرِكُهُ الأبْصارُ مِنَ المَرْئِيّاتِ مِنَ الجَمالِ والزِّينَةِ، وما تُدْرِكُهُ الأسْماعُ مِن مَحاسِنِ الأقْوالِ ومَحامِدِها ومَحاسِنِ النَّغَماتِ، وإلى ما تَبْلُغُ إلَيْهِ المُتَخَيَّلاتُ مِن هَيْئاتٍ يَرْكَبُها الخَيالُ مِن مَجْمُوعِ ما يَعْهَدُهُ مِنَ المَرْئِيّاتِ والمَسْمُوعاتِ مِثْلَ الأنْهارِ مِن عَسَلٍ أوْ خَمْرٍ أوْ لَبَنٍ، ومِثْلَ القُصُورِ والقِبابِ مِنَ اللُّؤْلُؤِ، ومِثْلَ الأشْجارِ مِن زَبَرْجَدٍ، والأزْهارِ مِن ياقُوتٍ، وتُرابٍ مِن مِسْكٍ وعَنْبَرٍ، فَكُلُّ ذَلِكَ قَلِيلٌ في جانِبِ ما أُعِدَّ لَهم في الجَنَّةِ مِن هَذِهِ المَوْصُوفاتِ ولا تَبْلُغُهُ صِفاتُ الواصِفِينَ لِأنَّ مُنْتَهى الصِّفَةِ مَحْصُورٌ فِيما تَنْتَهِي إلَيْهِ دَلالاتُ اللُّغاتِ مِمّا يَخْطُرُ عَلى قُلُوبِ البَشَرِ فَلِذَلِكَ قالَ النَّبِيءُ ﷺ: «ولا خَطَرَ عَلى قَلْبِ بَشَرٍ» وهَذا كَقَوْلِهِمْ في تَعْظِيمِ شَيْءٍ: هَذا لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ.
قالَ الشّاعِرُ:
فَلَمْ يَدْرِ إلّا اللَّهُ ما هَيَّجَتْ لَنا ∗∗∗ عَشِيَّةَ آناءِ الدِّيارِ وِشامُها
وعَبَّرَ عَنْ تِلْكَ النِّعَمِ بِما أُخْفِيَ لِأنَّها مُغَيَّبَةٌ لا تُدْرَكُ إلّا في عالَمِ الخُلُودِ.
وقُرَّةُ الأعْيُنِ: كِنايَةٌ عَنِ المَسَرَّةِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ”وقَرِّي عَيْنًا“ في سُورَةِ مَرْيَمَ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (أُخْفِيَ) بِفَتْحِ الياءِ بِصِيغَةِ الماضِي المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ ويَعْقُوبُ (أُخْفِي) بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفْتَتَحِ بِهَمْزَةِ المُتَكَلِّمِ والياءِ ساكِنَةً، وجَزاءً مَنصُوبٌ عَلى الحالِ مِن ما أُخْفِي لَهم وقَدْ فَسَّرَ النَّبِيءُ ﷺ أنَّهُ جَزاءٌ عَلى هَذِهِ الأعْمالِ الصّالِحاتِ في حَدِيثٍ أغَرَّ رَواهُ
التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ قالَ: «قَلَتُ يا رَسُولَ اللَّهِ أخْبِرْنِي بِعَمَلٍ يُدْخِلُنِي الجَنَّةَ ويُباعِدُنِي عَنِ النّارِ. قالَ: لَقَدْ سَألْتَ عَنْ عَظِيمٍ وإنَّهُ لَيَسِيرٌ عَلى مَن يَسَّرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ: تَعْبُدُ اللَّهَ لا تُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وتُقِيمُ الصَّلاةَ وتُؤْتِي الزَّكاةَ وتَصُومُ رَمَضانَ وتَحُجُّ البَيْتَ ثُمَّ قالَ: ألا أدُلُّكَ عَلى أبْوابِ الخَيْرِ: الصَّوْمُ جُنَّةٌ والصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الخَطايا كَما يُطْفِئُ الماءُ النّارَ وصَلاةُ الرَّجُلِ في جَوْفِ اللَّيْلِ ثُمَّ تَلا ﴿تَتَجافى جُنُوبُهم عَنِ المَضاجِعِ﴾ حَتّى بَلَغَ ”. . . يَعْمَلُونَ“ . . الحَدِيثَ» .
32:18–20Page 416
أَفَمَن كَانَ مُؤۡمِنٗا كَمَن كَانَ فَاسِقٗاۚ لَّا يَسۡتَوُۥنَ ١٨
Then is one who was a believer like one who was defiantly disobedient? They are not equal.
أَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ فَلَهُمۡ جَنَّٰتُ ٱلۡمَأۡوَىٰ نُزُلَۢا بِمَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٩
As for those who believed and did righteous deeds, for them will be the Gardens of Refuge as accommodation for what they used to do.
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فَسَقُواْ فَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ كُلَّمَآ أَرَادُوٓاْ أَن يَخۡرُجُواْ مِنۡهَآ أُعِيدُواْ فِيهَا وَقِيلَ لَهُمۡ ذُوقُواْ عَذَابَ ٱلنَّارِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢٠
But as for those who defiantly disobeyed, their refuge is the Fire. Every time they wish to emerge from it, they will be returned to it while it is said to them, "Taste the punishment of the Fire which you used to deny."
صفحة ٢٣١
﴿أفَمَن كانَ مُؤْمِنًا كَمَن كانَ فاسِقًا لا يَسْتَوُونَ﴾ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى نُزُلًا بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾
فُرِّعَ بِالفاءِ عَلى ما تَقَدَّمَ مِنَ الآياتِ مِنَ الوَعْدِ لِلْمُؤْمِنِينَ والوَعِيدِ لِلْكافِرِينَ اسْتِفْهامٌ بِالهَمْزَةِ مُسْتَعْمَلٌ في إنْكارِ المُساواةِ بَيْنَ المُؤْمِنِ والكافِرِ، وهو إنْكارٌ بِتَنْزِيلِ السّامِعِ مَنزِلَةَ المُتَعَجِّبِ مِنَ البَوْنِ بَيْنَ جَزاءِ الفَرِيقَيْنِ في ذَلِكَ اليَوْمِ فَكانَ الإنْكارُ مُوَجَّهًا إلى ذَلِكَ التَّعَجُّبِ في مَعْنى الِاسْتِئْنافِ البَيانِيِّ.
والكافُ لِلتَّشْبِيهِ في الجَزاءِ.
وجُمْلَةُ لا يَسْتَوُونَ عَطْفُ بَيانٍ لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ.
والفاسِقُ هُنا هو: مَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ ﴿وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَ النّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ . فالمُرادُ: الفِسْقُ عَنِ الإيمانِ الَّذِي هو الشِّرْكُ وهو إطْلاقٌ كَثِيرٌ في القُرْآنِ.
ثُمَّ أكَّدَ كِلا الجَزاءَيْنِ بِذِكْرٍ مُرادِفٍ لِمَدْلُولِهِ مَعَ زِيادَةِ فائِدَةٍ، فَجُمْلَةُ فَلَهم جَنّاتُ المَأْوى إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ ما أُخْفِيَ لَهُمْ﴾ [السجدة: ١٧] إلى آخِرِها.
وجُمْلَةُ فَمَأْواهُمُ النّارُ إلى آخِرِها مُؤَكِّدَةٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ ﴿فَذُوقُوا بِما نَسِيتُمْ لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾ [السجدة: ١٤] إلى ﴿بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٤] .
ومَنِ المَوْصُولَةُ في المَوْضِعَيْنِ عامَّةٌ بِقَرِينَةِ التَّفْصِيلِ بِالجَمْعِ في قَوْلِهِ ﴿أمّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ إلْخَ ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا﴾، فَلَيْسَتِ الآيَةُ نازِلَةً في مُعَيَّنٍ كَما قِيلَ.
والمَأْوى: المَكانُ الَّذِي يُؤْوى إلَيْهِ، أيْ يُرْجَعُ إلَيْهِ.
والتَّعْرِيفُ بِاللّامِ فِيهِ لِلْعَهْدِ، أيْ مَأْوى المُؤْمِنِينَ قالَ تَعالى: ﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ [النجم: ١٥] . ولَكَ أنْ تَجْعَلَ اللّامَ عِوَضًا عَنِ المُضافِ إلَيْهِ، أيْ مَأْواهم بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ في
صفحة ٢٣٢
مُقابَلَةِ فَمَأْواهُمُ النّارُ. وإضافَةُ جَنّاتٍ إلى المَأْوى مِن إضافَةِ المَوْصُوفِ إلى الصِّفَةِ لِقَصْدِ التَّخْفِيفِ وهي واقِعَةٌ في الكَلامِ وإنِ اخْتَلَفَ البَصْرِيُّونَ والكُوفِيُّونَ في تَأْوِيلِها خِلافًا لا طائِلَ تَحْتَهُ، وذَلِكَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ: مَسْجِدُ الجامِعِ، وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما كُنْتَ بِجانِبِ الغَرْبِيِّ﴾ [القصص: ٤٤]، وقَوْلِهِمْ: عِشاءُ الآخِرَةِ. والمَعْنى: فَلَهُمُ الجَنّاتُ المَأْوى لَهم، أيِ المَوْعُودُونَ بِها.
وانْتَصَبَ نُزُلًا عَلى الحالِ مِن جَنّاتِ المَأْوى. والنُّزُلُ بِضَمَّتَيْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ النُّزُولِ فَيُطْلَقُ عَلى ما يُعَدُّ لِلنَّزِيلِ مِنَ العَطاءِ والقِرى قالَ في الكَشّافِ النُّزُلُ: عَطاءُ النّازِلِ، ثُمَّ صارَ عامًّا، أيْ يُطْلَقُ عَلى العَطاءِ ولَوْ بِدُونِ ضِيافَةٍ مَجازًا مُرْسَلًا. قُلْتُ: ويُطْلَقُ عَلى مَحَلِّ نُزُولِ الضَّيْفِ ولِأجْلِ هَذِهِ الإطْلاقاتِ يَخْتَلِفُ المُفَسِّرُونَ في المُرادِ مِنهُ في بَعْضِ الآياتِ رَعْيًا لِما يُناسِبُ سِياقَ الكَلامِ.
وفَسَّرَهُ الزَّجّاجُ في هَذِهِ الآيَةِ ونَحْوِها بِالمَنزِلِ، وفَسَّرَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ﴾ [الصافات: ٦٢] فَقالَ: يَقُولُ أذَلِكَ خَيْرٌ في بابِ الأنْزالِ الَّتِي تُمْكِنُ مَعَها الإقامَةُ أمْ نُزُلُ أهْلِ النّارِ. وقَدْ تَقَدَّمَ في آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. والباءُ في ﴿بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: ١٧] لِلسَّبَبِيَّةِ.
وقَوْلُهُ ﴿كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها أُعِيدُوا فِيها﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ في سُورَةِ الحَجِّ.
ويَتَّجِهُ في هَذِهِ الآيَةِ أنْ يُقالَ: لِماذا أظْهَرَ اسْمَ النّارِ في قَوْلِهِ ذُوقُوا عَذابَ النّارِ مَعَ أنَّ اسْمَ النّارِ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ فَمَأْواهُمُ النّارُ فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارَ بِأنْ يُقالَ: وقِيلَ لَهم ذُوقُوا عَذابَها. وهَذا السُّؤالُ أوْرَدَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وأجابَ بِوَجْهَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ سِياقَ الآيَةِ التَّهْدِيدُ وفي إظْهارِ لَفْظِ النّارِ مِنَ التَّخْوِيفِ ما لَيْسَ في الإضْمارِ الثّانِي: أنَّ الجُمْلَةَ حِكايَةٌ لِما يُقالُ لَهم يَوْمَئِذٍ فَناسَبَ أنْ يُحْكى كَما قِيلَ لَهم ولَيْسَ فِيما يُقالُ لَهم تَقَدُّمُ ذِكْرُ النّارِ.
32:21Page 417
وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَدۡنَىٰ دُونَ ٱلۡعَذَابِ ٱلۡأَكۡبَرِ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ ٢١
And We will surely let them taste the nearer punishment1 short of the greater punishment that perhaps they will return [i.e., repent].
﴿ولَنُذِيقَنَّهم مِنَ العَذابِ الأدْنى دُونَ العَذابِ الأكْبَرِ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ﴾
إخْبارٌ بِأنَّ لَهم عَذابًا آخَرَ لا يَبْلُغُ مَبْلَغَ عَذابِ النّارِ المَوْعُودِينَ بِهِ في الآخِرَةِ
صفحة ٢٣٣
فَتَعَيَّنَ أنَّ العَذابَ الأدْنى عَذابُ الدُّنْيا. والمَقْصُودُ مِن هَذا: التَّعْرِيضُ بِتَهْدِيدِهِمْ لِأنَّهم يَسْمَعُونَ هَذا الكَلامَ أوْ يُبَلَّغُ إلَيْهِمْ. وهَذا إنْذارٌ بِما لَحِقَهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ وهو ما مُحِنُوا بِهِ مِنَ الجُوعِ والخَوْفِ وكانُوا في أمْنٍ مِنهُما وما يُصِيبُهم يَوْمَ بَدْرٍ مِنَ القَتْلِ والأسْرِ ويَوْمَ الفَتْحِ مِنَ الذُّلِّ.
وجُمْلَةُ لَعَلَّهم يَرْجِعُونَ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِحِكْمَةِ إذاقَتِهِمُ العَذابَ الأدْنى في الدُّنْيا بِأنَّهُ لِرَجاءِ رُجُوعِهِمْ، أيْ رُجُوعِهِمْ عَنِ الكُفْرِ بِالإيمانِ، والمُرادُ: رُجُوعُ مَن يُمْكِنُ رُجُوعُهُ وهُمُ الأحْياءُ مِنهم. وإسْنادُ الرُّجُوعِ إلى ضَمِيرِ جَمِيعِهِمْ بِاعْتِبارِ القَبِيلَةِ والجَماعَةِ، أيْ لَعَلَّ جَماعَتَهم تَرْجِعُ.
وكَذَلِكَ كانَ، فَقَدْ آمَنَ كَثِيرٌ مِنَ النّاسِ بَعْدَ يَوْمِ بَدْرٍ وبِخاصَّةٍ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ، فَصارَ مَن تَحَقَّقَ فِيهِمُ الرُّجُوعُ المَرْجُوُّ مَخْصُوصِينَ مِن عُمُومِ الَّذِينَ فَسَقُوا في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأمّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْواهُمُ النّارُ كُلَّما أرادُوا أنْ يَخْرُجُوا مِنها﴾ [السجدة: ٢٠] الآيَةَ، فَبَقِيَ ذَلِكَ الوَعِيدُ لِلَّذِينَ ماتُوا عَلى الشِّرْكِ، وهي مَسْألَةُ المُوافاةِ عِنْدَ الأشْعَرِيِّ.
32:22Page 417
وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِۦ ثُمَّ أَعۡرَضَ عَنۡهَآۚ إِنَّا مِنَ ٱلۡمُجۡرِمِينَ مُنتَقِمُونَ ٢٢
And who is more unjust than one who is reminded of the verses of his Lord; then he turns away from them? Indeed We, from the criminals, will take retribution.
﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أعْرَضَ عَنْها إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾
عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما يُؤْمِنُ بِآياتِنا الَّذِينَ إذا ذُكِّرُوا بِها﴾ [السجدة: ١٥] إلى آخِرِها حَيْثُ اقْتَضَتْ أنَّ الَّذِينَ قالُوا (﴿أإذا ضَلَلْنا في الأرْضِ إنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [السجدة: ١٠]) لَيْسُوا كَأُولَئِكَ فانْتَقَلَ إلى الإخْبارِ عَنْهم بِأنَّهم أشَدُّ النّاسِ ظُلْمًا لِأنَّهم يُذَكَّرُونَ بِآياتِ اللَّهِ حِينَ يُتْلى عَلَيْهِمُ القُرْآنُ فَيُعْرِضُونَ عَنْ تَدَبُّرِها ويَلْغُونَ فِيها، فَآياتُ اللَّهِ مُرادٌ بِها القُرْآنُ.
وجِيءَ في عَطْفِ جُمْلَةِ أعْرَضَ بِحَرْفِ (ثُمَّ) لِقَصْدِ الدَّلالَةِ عَلى تَراخِي رُتْبَةِ الإعْراضِ عَنِ الآياتِ بَعْدَ التَّذْكِيرِ بِها تَراخِيَ اسْتِبْعادٍ وتَعْجِيبٍ مِن حالِهِمْ كَقَوْلِ جَعْفَرِ بْنِ عُلْبَةَ الحارِثِيِّ:
لا يَكْشِفُ الغَمّاءَ إلّا ابْنُ حُرَّةٍ يَرى غَمَراتِ المَوْتِ ثُمَّ يَزُورُها
صفحة ٢٣٤
أيْ عَجِيبٌ إقْدامُهُ عَلى مَواقِعِ الهَلاكِ بَعْدَ مُشاهَدَةِ غَمَراتِ المَوْتِ تَغْمُرُ الَّذِينَ أقْدَمُوا عَلى تِلْكَ المَواقِعِ.
ومَن لِلِاسْتِفْهامِ الإنْكارِيِّ كَقَوْلِهِ ﴿ومَن أظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَساجِدَ اللَّهِ أنْ يُذْكَرَ فِيها اسْمُهُ﴾ [البقرة: ١١٤] أيْ لا أظْلَمَ مِنهُ، أيْ لا أحَدَ أظْلَمَ مِنهُ لِأنَّهُ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِحِرْمانِها مِنَ التَّأمُّلِ فِيما نَفَعَهُ، وظَلَمَ الآياتِ بِتَعْطِيلِ نَفْعِها في بَعْضِ مَن أُرِيدَ انْتِفاعُهم بِها، وظَلَمَ الرَّسُولَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِتَكْذِيبِهِ والإعْراضِ عَنْهُ، وظَلَمَ حَقَّ رَبِّهِ إذْ لَمْ يَمْتَثِلْ ما أرادَ مِنهُ.
وجُمْلَةُ ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا ناشِئًا عَنْ تَفْظِيعِ ظُلْمِ الَّذِي ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ فَأعْرَضَ عَنْها لِأنَّ السّامِعَ يَتَرَقَّبُ جَزاءَ ذَلِكَ الظّالِمِ.
والمُرادُ بِالمُجْرِمِينَ هَؤُلاءِ الظّالِمُونَ، عَدَلَ عَنْ ذِكْرِ ضَمِيرِهِمْ لِزِيادَةِ تَسْجِيلِ فَظاعَةِ حالِهِمْ بِأنَّهم مُجْرِمُونَ مَعَ أنَّهم ظالِمُونَ، وقَدْ يُقالُ: إنَّ المُجْرِمِينَ أعَمُّ مِنَ الظّالِمِينَ فَيَكُونُ دُخُلُوهم في الِانْتِقامِ مِنَ المُجْرِمِينَ أحْرَوِيًّا وتَصِيرُ جُمْلَةُ ﴿إنّا مِنَ المُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ﴾ تَذْيِيلًا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences