Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Saba 34:27–31
34:27Page 431
قُلۡ أَرُونِيَ ٱلَّذِينَ أَلۡحَقۡتُم بِهِۦ شُرَكَآءَۖ كـَلَّاۚ بَلۡ هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡعَزِيزُ ٱلۡحَكِيمُ ٢٧
Say, "Show me those whom you have attached to Him as partners. No! Rather, He [alone] is Allāh, the Exalted in Might, the Wise."
صفحة ١٩٦
﴿قُلْ أرُونِيَ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ كَلّا بَلْ هو اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ﴾ أُعِيدَ الأمْرُ بِالقَوْلِ رابِعَ مَرَّةٍ لِمَزِيدِ الِاهْتِمامِ وهو رُجُوعٌ إلى أنَّ الِاحْتِجاجَ عَلى بُطْلانِ الشِّرْكِ فَهو كالنَّتِيجَةِ لِجُمْلَةِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ.
والأمْرُ في قَوْلِهِ ”أرُونِي“ مُسْتَعْمَلٌ في التَّعْجِيزِ، وهو تَعْجِيزٌ لِلْمُشْرِكِينَ عَنْ إبْداءِ حُجَّةٍ لِإشْراكِهِمْ، وهو انْتِقالٌ مِنَ الِاحْتِجاجِ عَلى بُطْلانِ إلَهِيَّةِ الأصْنامِ بِدَلِيلِ النَّظِيرِ في قَوْلِهِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم إلى إبْطالِ ذَلِكَ بِدَلِيلِ البَداهَةِ. وقَدْ سَلَكَ مِن طُرُقِ الجَدَلِ أنَّ طَرِيقَ الِاسْتِفْسارِ، والمُصْطَلَحَ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِ الجَدَلِ أنْ يَكُونَ الِاسْتِفْسارُ مُقَدَّمًا عَلى طَرائِقِ المُناظَرَةِ وإنَّما أُخِّرَ هُنا لِأنَّهُ كانَ مُفْضِيًا إلى إبْطالِ دَعْوى الخَصْمِ بِحَذافِرِها فَأُرِيدَ تَأْخِيرُهُ لِئَلّا يَفُوتَ افْتِضاحُ الخَصْمِ بِالأدِلَّةِ السّابِقَةِ تَبْسِيطًا لِبِساطِ المُجادَلَةِ حَتّى يَكُونَ كُلُّ دَلِيلٍ مُنادِيًا عَلى غَلَطِ الخُصُومِ وباطِلِهِمْ. وافْتِضاحُ الخَطَأِ مِن مَقاصِدِ المُناظِرِ الَّذِي قامَتْ حُجَّتُهُ.
والإراءَةُ هُنا مِن الرُّؤْيَةِ البَصَرِيَّةِ فَيَتَعَدّى إلى مَفْعُولَيْنِ: أحَدُهُما بِالأصالَةِ، والثّانِي بِهَمْزَةِ التَّعْدِيَةِ.
والمَقْصُودُ: أرُونِي شُخُوصَهم لِنُبْصِرَ هَلْ عَلَيْها ما يُناسِبُ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ، أيْ أنَّ كُلَّ مَن يُشاهِدُ الأصْنامَ بادِئَ مَرَّةٍ يَتَبَيَّنُ لَهُ أنَّها خَلِيَّةٌ عَنْ صِفاتِ الإلَهِيَّةِ إذْ يَرى حِجارَةً لا تَسْمَعُ ولا تُبْصِرُ ولا تَفْقَهُ لِأنَّ انْتِفاءَ الإلَهِيَّةِ عَنِ الأصْنامِ بَدِيهِيٌّ ولا يَحْتاجُ إلى أكْثَرَ مِن رُؤْيَةِ حالِها كَقَوْلِ البُحْتُرِيِّ:
أنْ يَرى مُبْصِرٌ ويَسْمَعَ واعٍ
والتَّعْبِيرُ عَنِ المَرْئِيِّ بِطَرِيقِ المَوْصُولِيَّةِ لِتَنْبِيهِ المُخاطَبِينَ عَلى خَطَئِهِمْ في جَعْلِهِمْ إيّاهم شُرَكاءَ لِلَّهِ تَعالى في الرُّبُوبِيَّةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِ عَبْدَةَ بْنِ الطَّيِّبِ:
إنَّ الَّذِينَ تَرُونَهم إخْوانَكم ∗∗∗ يَشْفِي غَلِيلَ صُدُورِهِمْ أنْ تُصْرَعُوا
وفِي جَعْلِ الصِّلَةِ ”ألْحَقْتُمْ“ إيماءً إلى أنَّ تِلْكَ الأصْنامَ لَمْ تَكُنْ مَوْصُوفَةً بِالإلَهِيَّةِ وصْفًا ذاتِيًّا حَقًّا ولَكِنَّ المُشْرِكِينَ ألْحَقُوها بِاللَّهِ تَعالى، فَتِلْكَ خُلْعَةٌ خَلَعَها عَلَيْهِمْ أصْحابُ الأهْواءِ.
وتِلْكَ حالَةٌ تُخالِفُ صِفَةَ الإلَهِيَّةِ لِأنَّ الإلَهِيَّةَ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ قَدِيمَةٌ، وهَذا الإلْحاقُ اخْتَرَعَهُ لَهم عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ ولَمْ يَكُنْ عِنْدَ العَرَبِ مِن قَبْلُ، وضَمِيرُ ”بِهِ“ عائِدٌ إلى اسْمِ الجَلالَةِ مِن جُمْلَةِ قُلْ مَن يَرْزُقُكم مِنَ السَّماواتِ والأرْضِ قُلِ اللَّهُ.
وانْتَصَبَ ”شُرَكاءَ“ عَلى الحالِ مِنِ اسْمِ المَوْصُولِ. والمَعْنى: شُرَكاءَ لَهُ.
صفحة ١٩٧
ولَمّا أعْرَضَ عَنِ الخَوْضِ في آثارِ هَذِهِ الإراءَةِ عُلِمَ أنَّهم مُفْتَضَحُونَ عِنْدَ تِلْكَ الإراءَةِ فَقُدِّرَتْ حاصِلَةٌ، وأُعْقِبَ طَلَبُ تَحْصِيلِها بِإثْباتِ أثَرِها وهو الرَّدْعُ عَنِ اعْتِقادِ إلَهِيَّتِها، وإبْطالُها عَنْهم بِإثْباتِها لِلَّهِ تَعالى وحْدَهُ فَلِذَلِكَ جَمَعَ بَيْنَ حَرْفَيِ الرَّدْعِ والإبْطالِ ثُمَّ الِانْتِقالِ إلى تَعْيِينِ الإلَهِ الحَقِّ عَلى طَرِيقَةِ قَوْلِهِ كَلّا بَلْ لا تُكْرِمُونَ اليَتِيمَ.
وضَمِيرُ هو اللَّهُ ضَمِيرُ الشَّأْنِ. والجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرٌ لِمَعْنى الشَّأْنِ والعَزِيزُ الحَكِيمُ خَبَرانِ، أيْ بَلِ الشَّأْنُ المُهِمُّ اللَّهُ العَزِيزُ الحَكِيمُ لا آلِهَتُكم، فَفي الجُمْلَةِ قَصْرُ العِزَّةِ والحُكْمِ عَلى اللَّهِ تَعالى كِنايَةً عَنْ قَصْرِ الإلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعالى قَصْرَ إفْرادٍ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى الإلَهِ المَفْهُومِ مِن قَوْلِهِ الَّذِينَ ألْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكاءَ وهو مُبْتَدَأٌ والجُمْلَةُ بَعْدَهُ خَبَرٌ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عائِدًا إلى المُسْتَحْضَرِ في الذِّهْنِ وهو اللَّهُ. وتَفْسِيرُهُ قَوْلُهُ (اللَّهُ) فاسْمُ الجَلالَةِ عَطْفُ بَيانٍ. والعَزِيزُ الحَكِيمُ خَبَرانِ عَنِ الضَّمِيرِ. والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ وبَيْنَ الوَجْهِ الأوَّلِ يَظْهَرُ في اخْتِلافِ مَدْلُولِ الضَّمِيرِ المُنْفَصِلِ واخْتِلافِ مَوْقِعِ اسْمِ الجَلالَةِ بَعْدَهُ، واخْتِلافِ مَوْقِعِ الجُمْلَةِ بَعْدَ ذَلِكَ.
والعِزَّةُ: الِاسْتِغْناءُ عَنِ الغَيْرِ. والحَكِيمُ: وصْفٌ مِنَ الحِكْمَةِ وهي مُنْتَهى العِلْمِ، أوْ مِنَ الإحْكامِ وهو إتْقانُ الصُّنْعِ، شاعَ في الأمْرَيْنِ. وهَذا إثْباتٌ لِافْتِقارِ أصْنامِهِمْ وانْتِفاءِ العِلْمِ عَنْها. وهَذا قَوْلُ إبْراهِيمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - يا أبَتِ لِمَ تَعْبُدُ ما لا يَسْمَعُ ولا يُبْصِرُ ولا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا.
34:28Page 431
وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا كَآفَّةٗ لِّلنَّاسِ بَشِيرٗا وَنَذِيرٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٢٨
And We have not sent you except comprehensively1 to mankind as a bringer of good tidings and a warner. But most of the people do not know.
﴿وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ بَشِيرًا ونَذِيرًا ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ﴾ انْتِقالٌ مِن إبْطالِ ضَلالِ المُشْرِكِينَ في أمْرِ الرُّبُوبِيَّةِ إلى إبْطالِ ضَلالِهِمْ في شَأْنِ صِدْقِ الرَّسُولِ ﷺ .
وغَيَّرَ أُسْلُوبَ الكَلامِ مِنَ الأمْرِ بِمُحاجَّةِ المُشْرِكِينَ إلى الإخْبارِ بِرِسالَةِ النَّبِيءِ ﷺ تَشْرِيفًا لَهُ بِتَوْجِيهِ هَذا الإخْبارِ بِالنِّعْمَةِ العَظِيمَةِ إلَيْهِ، ويَحْصُلُ إبْطالُ مَزاعِمِ المُشْرِكِينَ بِطَرِيقِ التَّعْرِيضِ.
صفحة ١٩٨
وفِي هَذِهِ الآيَةِ إثْباتُ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ وإثْباتُ عُمُومِها عَلى مُنْكِرِيها مِنَ اليَهُودِ.
فَإنَّ ”كافَّةً“ مِن ألْفاظِ العُمُومِ ووَقَعَتْ هُنا حالًا مِنَ النّاسِ مُسْتَثْنًى مِن عُمُومِ الأحْوالِ وهي حالٌ مُقَدَّمَةٌ عَلى صاحِبِها المَجْرُورِ بِالحَرْفِ، وقَدْ مَضى الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ [البقرة: ٢٠٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿وقاتِلُوا المُشْرِكِينَ كافَّةً﴾ [التوبة: ٣٦] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ . وذَكَرْنا أنَّ التَّحْقِيقَ: أنَّ كافَّةً يُوصَفُ بِهِ العاقِلُ وغَيْرُهُ وأنَّهُ تَعْتَوِرُهُ وُجُوهُ الإعْرابِ كَما هو مُخْتارُ الزَّمَخْشَرِيِّ وشَهِدَ لَهُ القُرْآنُ والِاسْتِعْمالُ خِلافًا لِابْنِ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ، وأنَّ ما شُدِّدَ بِهِ التَّنْكِيرُ عَلى الزَّمَخْشَرِيِّ تَهْوِيلٌ وتَضْيِيقٌ في الجَوازِ. والتَّقْدِيرُ في هَذِهِ الآيَةِ: وما أرْسَلْناكَ لِلنّاسِ إلّا كافَّةً. وقَدَّمَ الحالَ عَلى صاحِبِهِ لِلِاهْتِمامِ بِها لِأنَّها تَجْمَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرِسالَتِهِ كُلِّهِمْ.
وتَقْدِيمُ الحالِ عَلى المَجْرُورِ جائِزٌ عَلى رَأْيِ المُحَقِّقِينَ مِن أهْلِ العَرَبِيَّةِ وإنْ أباهُ الزَّمَخْشَرِيُّ هُنا وجَعَلَهُ بِمَنزِلَةِ تَقْدِيمِ المَجْرُورِ عَلى حَرْفِ الجَرِّ فَجَعَلَ ”كافَّةً“ نَعْتًا لِمَحْذُوفٍ، أيْ إرْسالَهُ كافَّةً، أيْ عامَّةً. وقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ ابْنُ مالِكٍ في التَّسْهِيلِ وقالَ: قَدْ جَوَّزَهُ في هَذِهِ الآيَةِ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ وابْنُ كَيْسانَ. وقُلْتُ: وجَوَّزَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ والرَّضِيُّ. وجَعَلَ الزَّجّاجُ ”كافَّةً“ هُنا حالًا مِنَ الكافِ في أرْسَلْناكَ وفَسَّرَهُ بِمَعْنى جامِعٍ لِلنّاسِ في الإنْذارِ والإبْلاغِ، وتَبِعَهُ أبُو البَقاءِ. قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وحَقُّ التّاءِ عَلى هَذا التَّفْسِيرِ أنْ تَكُونَ لِلْمُبالَغَةِ كَتاءِ العَلّامَةِ والرّاوِيَةِ وكَذَلِكَ تَقْدِيمُ المُسْتَثْنى لِلْغَرَضِ أيْضًا.
وقَدِ اشْتَرَكَ الزَّجّاجُ والزَّمَخْشَرِيُّ هُنا في إخْراجِ ”كافَّةً“ عَنْ مَعْنى الوَصْفِ بِإفادَةِ الشُّمُولِ الَّذِي هو شُمُولٌ جُزْئِيٌّ في غَرَضٍ مُعَيَّنٍ إلى مَعْنى الجَمْعِ الكُلِّيِّ المُسْتَفادِ مِن وراءِ ذَلِكَ. وهَذا كَمَن يَعْمِدُ إلى كُلٍّ فَيَقُولُ: إنَّكَ كُلٌّ لِلنّاسِ، أيْ جامِعٌ لِلنّاسِ، أوْ يَعْمِدُ إلى ”عَلى“ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِعْلاءِ الجُزْئِيِّ فَيَسْتَعْمِلُها بِمَعْنى الِاسْتِعْلاءِ الكُلِّيِّ فَيَقُولُ: إيّاكَ وعَلى، يُرِيدُ إيّاكَ والِاسْتِعْلاءَ.
و”البَشِيرُ النَّذِيرُ“ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنّا أرْسَلْناكَ بِالحَقِّ بَشِيرًا ونَذِيرًا﴾ [فاطر: ٢٤] في البَقَرَةِ.
صفحة ١٩٩
وأفادَ تَرْكِيبُ وما أرْسَلْناكَ إلّا كافَّةً لِلنّاسِ قَصْرَ حالَةِ عُمُومِ الرِّسالَةِ عَلى كافِ الخِطابِ في قَوْلِهِ أرْسَلْناكَ وهو قَصْرٌ إضافِيٌّ، أيْ دُونَ تَخْصِيصِ إرْسالِكَ بِأهْلِ مَكَّةَ أوْ بِالعَرَبِ أوْ بِمَن يَجِيئُكَ يَطْلُبُ الإيمانَ والإرْشادَ كَما قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيِّ بْنِ سَلُولٍ لِلنَّبِيءِ ﷺ حِينَ جاءَ مَجْلِسًا هو فِيهِ وقَرَأ عَلَيْهِمُ القُرْآنَ فَقالَ ابْنُ أُبَيٍّ: لا أُحْسِنَ مِمّا تَقُولُ أيُّها المَرْءُ ولَكِنِ اقْعُدْ في رَحْلِكَ فَمَن جاءَ فاقْرَأْ عَلَيْهِ، ويَقْتَضِي ذَلِكَ إثْباتَ رِسالَتِهِ بِدَلالَةِ الِاقْتِضاءِ إذْ لا يَصْدُقُ ذَلِكَ القَصْرُ إلّا إذا ثَبَتَ أصْلُ رِسالَتِهِ فاقْتَضى ذَلِكَ الرَّدَّ عَلى المُنْكِرِينَ كُلِّهِمْ سَواءً مَن أنْكَرَ رِسالَتَهُ مِن أصْلِها ومَن أنْكَرَ عُمُومَها وزَعَمَ تَخْصِيصَها.
ومَوْقِعُ الِاسْتِدْراكِ بِقَوْلِهِ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ رَفْعُ ما يُتَوَهَّمُ مِنِ اغْتِرارِ المُغْتَرِّينَ بِكَثْرَةِ عَدَدِ المُنْكِرِينَ رِسالَتَهُ بِأنَّ كَثْرَتَهم تَغُرُّ المُتَأمِّلَ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ.
ومَفْعُولُ يَعْلَمُونَ مَحْذُوفٌ لِدَلالَةِ ما قَبْلَهُ عَلَيْهِ، أيْ لا يَعْلَمُونَ ما بَشَّرْتَ بِهِ المُؤْمِنِينَ وما أنْذَرْتَ بِهِ الكافِرِينَ، أيْ يَحْسَبُونَ البِشارَةَ والنِّذارَةَ غَيْرَ صادِقَتَيْنِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ فِعْلُ يَعْلَمُونَ مُنَزَّلًا مَنزِلَةَ اللّامِ مَقْصُودًا مِنهُ نَفْيُ صِفَةِ العِلْمِ عَنْهم عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ والَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: ٩] أيْ ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ جاهِلُونَ قَدْرَ البِشارَةِ والنِّذارَةِ.
34:29–30Page 431
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٩
And they say, "When is this promise, if you should be truthful?"
قُل لَّكُم مِّيعَادُ يَوۡمٖ لَّا تَسۡتَـٔۡخِرُونَ عَنۡهُ سَاعَةٗ وَلَا تَسۡتَقۡدِمُونَ ٣٠
Say, "For you is the appointment of a Day [when] you will not remain thereafter an hour, nor will you precede [it]."
﴿ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ﴾ ﴿قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ لا تَسْتَئْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً ولا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ كانَ مِن أعْظَمِ ما أنْكَرُوهُ مِمّا جاءَ بِهِ الرَّسُولُ ﷺ القِيامَةُ والبَعْثُ ولِذَلِكَ عَقَّبَ إبْطالَ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ الرِّسالَةِ بِإبْطالِ قَوْلِهِمْ في إنْكارِ البَعْثِ، والجُمْلَةُ مَعْطُوفَةٌ عَلى خَبَرِ ”لَكِنَّ“ . والتَّقْدِيرُ: ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يَعْلَمُونَ حَقَّ البِشارَةِ والنِّذارَةِ ويَتَهَكَّمُونَ فَيَسْألُونَ عَنْ وقْتِ هَذا الوَعْدِ الَّذِي هو مَظْهَرُ البِشارَةِ والنِّذارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً والواوُ لِلِاسْتِئْنافِ.
وضَمِيرُ يَقُولُونَ عائِدٌ إلى المُحاجِّينَ مِنَ المُشْرِكِينَ الَّذِينَ صَدَرَتْ عَنْهم هَذِهِ
صفحة ٢٠٠
المَقالَةُ. وصِيغَةُ المُضارِعِ في يَقُولُونَ تُفِيدُ التَّعْجِيبَ مِن مَقالَتِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ مَعَ إفادَتِها تَكَرُّرَ ذَلِكَ القَوْلِ مِنهم وتَجَدُّدَهُ.
وجُمْلَةُ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ إلى آخِرِها مَسُوقَةٌ مَساقَ الجَوابِ عَنْ مَقالَتِهِمْ ولِذَلِكَ فُصِلَتْ ولَمْ تُعْطَفْ، عَلى طَرِيقَةِ حِكايَةِ المُحاوَراتِ في القُرْآنِ، وهَذا الجَوابُ جَرى عَلى طَرِيقَةِ الأُسْلُوبِ الحَكِيمِ، أيْ أنَّ الأهَمَّ لِلْعُقَلاءِ أنْ تَتَوَجَّهَ هِمَمُهم إلى تَحَقُّقِ وُقُوعِ الوَعْدِ في الوَقْتِ الَّذِي عَيَّنَهُ اللَّهُ لَهُ وإنَّهُ لا يُؤَخِّرُهُ شَيْءٌ ولا يُقَدِّمُهُ، وحَسَّنَ هَذا الأُسْلُوبَ أنَّ سُؤالَهم إنَّما أرادُوا بِهِ الكِنايَةَ عَنِ انْتِفاءِ وُقُوعِهِ.
وفِي هَذا الجَوابِ تَعْرِيضٌ بِالتَّهْدِيدِ فَكانَ مُطابِقًا لِلْمَقْصُودِ مِنَ الِاسْتِفْهامِ، ولِذَلِكَ زِيدَ في الجَوابِ كَلِمَةُ ”لَكم“ إشارَةً إلى أنَّ هَذا المِيعادَ مُنْصَرِفٌ إلَيْهِمُ ابْتِداءً.
وضَمِيرُ جَمْعِ المُخاطَبِ في قَوْلِهِ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ إمّا لِلرَّسُولِ ﷺ بِاعْتِبارِ أنَّ مَعَهُ جَماعَةً يُخْبِرُونَ بِهَذا الوَعْدِ، وإمّا الخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
واسْمُ الإشارَةِ في هَذا الوَعْدِ لِلِاسْتِخْفافِ والتَّحْقِيرِ كَقَوْلِ قَيْسِ بْنِ الخَطِيمِ:
مَتى يَأْتِ هَذا المَوْتُ لا تَبْقَ حاجَةٌ لِنَفْسِي إلّا قَدْ قَضَيْتُ قَضاءَها
وجَوابُ كُنْتُمْ صادِقِينَ دَلَّ عَلَيْهِ السُّؤالُ، أيْ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ فَعَيِّنُوا لَنا مِيقاتَ هَذا الوَعْدِ. وهَذا كَلامٌ صادِرٌ عَنْ جَهالَةٍ لِأنَّهُ لا يَلْزَمُ مِنَ الصِّدْقِ في الإخْبارِ بِشَيْءٍ أنْ يَكُونَ المُخْبِرُ عالِمًا بِوَقْتِ حُصُولِهِ ولَوْ في المُضِيِّ فَكَيْفَ بِهِ في الِاسْتِقْبالِ. وخُولِفَ مُقْتَضى الظّاهِرِ في الجَوابِ مِنَ الإتْيانِ بِضَمِيرِ الوَعْدِ الواقِعِ في كَلامِهِمْ إلى الإتْيانِ باسِمٍ ظاهِرٍ وهو مِيعادُ يَوْمٍ لِما في هَذا الِاسْمِ النَّكِرَةِ مِنَ الإبْهامِ الَّذِي يُوَجِّهُ نُفُوسَ السّامِعِينَ إلى كُلِّ وجْهٍ مُمْكِنٍ في مَحْمَلِ ذَلِكَ، وهو أنْ يَكُونَ يَوْمُ البَعْثِ أوْ يَوْمًا آخَرَ يَحِلُّ فِيهِ عَذابُ أئِمَّةِ الكُفْرِ وزُعَماءِ المُشْرِكِينَ وهو يَوْمُ بَدْرٍ ولَعَلَّ الَّذِينَ قُتِلُوا يَوْمَئِذٍ هم أصْحابُ مَقالَةِ مَتى هَذا الوَعْدُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ. وأفادَ تَنْكِيرُ يَوْمَ تَهْوِيلًا وتَعْظِيمًا بِقَرِينَةِ المَقامِ.
والمِيعادُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ لِلْوَعْدِ فَإضافَتُهُ إلى ظَرْفِهِ بَيانِيَّةٌ. ويَجُوزُ كَوْنُهُ مُسْتَعْمَلًا
صفحة ٢٠١
فِي الزَّمانِ وإضافَتُهُ إلى اليَوْمِ بَيانِيَّةٌ لِأنَّ المِيعادَ هو اليَوْمُ نَفْسُهُ.
وجُمْلَةُ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ ساعَةً إمّا صِفَةٌ لِـ ”مِيعادُ“ وإمّا حالٌ مِن ضَمِيرِ ”لَكم“ .
والِاسْتِئْخارُ والِاسْتِقْدامُ مُبالَغَةٌ في التَّأخُّرِ والتَّقَدُّمِ مِثْلَ: اسْتَجابَ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلْمُبالَغَةِ.
وقَدَّمَ الِاسْتِئْخارَ عَلى الِاسْتِقْدامِ إيماءً إلى أنَّهُ مِيعادُ بَأْسٍ وعَذابٍ عَلَيْهِمْ مِن شَأْنِهِ أنْ يَتَمَنَّوْا تَأخُّرَهُ، ويَكُونُ ”ولا تَسْتَقْدِمُونَ“ تَتْمِيمًا لِتَحَقُّقِهِ عِنْدَ وقْتِهِ المُعَيَّنِ في عِلْمِ اللَّهِ.
والسّاعَةُ: حِصَّةٌ مِنَ الزَّمَنِ، وتَنْكِيرُها لِلتَّقْلِيلِ بِمَعُونَةِ المَقامِ.
34:31Page 431
وَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن نُّؤۡمِنَ بِهَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ وَلَا بِٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِۗ وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذِ ٱلظَّٰلِمُونَ مَوۡقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمۡ يَرۡجِعُ بَعۡضُهُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٍ ٱلۡقَوۡلَ يَقُولُ ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُواْ لَوۡلَآ أَنتُمۡ لَكُنَّا مُؤۡمِنِينَ ٣١
And those who disbelieve say, "We will never believe in this Qur’ān nor in that before it." But if you could see when the wrongdoers are made to stand before their Lord, refuting each others' words...1 Those who were oppressed will say to those who were arrogant, "If not for you, we would have been believers."
﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ كانَ المُشْرِكُونَ لَمّا فاجَأتْهم دَعْوَةُ الإسْلامِ وأخَذَ أمْرُهُ في الظُّهُورِ قَدْ سَلَكُوا طَرائِقَ مُخْتَلِفَةً لِقَمْعِ تِلْكَ الدَّعْوَةِ، وقَدْ كانُوا قَبْلَ ظُهُورِ الإسْلامِ لاهِينَ عَنِ الخَوْضِ فِيما سَلَفَ مِنَ الشَّرائِعِ فَلَمّا قَرَعَتْ أسْماعَهم دَعْوَةُ الإسْلامِ اضْطَرَبَتْ أقْوالُهم: فَقالُوا ما أنْزَلَ اللَّهُ عَلى بَشَرٍ مِن شَيْءٍ، وقالُوا غَيْرَ ذَلِكَ، فَمِن ذَلِكَ أنَّهم لَجَأُوا إلى أهْلِ الكِتابِ وهم عَلى مَقْرُبَةٍ مِنهم بِالمَدِينَةِ وخَيْبَرَ وقُرَيْظَةَ لِيَتَلَقَّوْا مِنهم مُلَقَّناتٍ يُفْحِمُونَ بِها النَّبِيءَ ﷺ فَكانَ أهْلُ الكِتابِ يُمْلُونَ عَلَيْهِمْ كُلَّما لَقُوهم ما عَساهم أنْ يُمَوِّهُوا عَلى النّاسِ عَدَمَ صِحَّةِ الرِّسالَةِ المُحَمَّدِيَّةِ، فَمَرَّةً يَقُولُونَ:
﴿لَوْلا أُوتِيَ مِثْلَ ما أُوتِيَ مُوسى﴾ [القصص: ٤٨]، ومَرَّةً يَقُولُونَ:
﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ﴾ [الإسراء: ٩٣]، وكَثِيرًا ما كانُوا يَحْسَبُونَ مُساواتِهِ لِلنّاسِ في الأحْوالِ البَشَرِيَّةِ مُنافِيَةً لِكَوْنِهِ رَسُولًا إلَيْهِمْ مُخْتارًا مِن عِنْدِ اللَّهِ فَقالُوا ما لِهَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ ويَمْشِي في الأسْواقِ، وهم لا يُحاجُّونَ بِذَلِكَ عَنِ اعْتِقادٍ بِصِحَّةِ رِسالَةِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ولَكِنَّهم يَجْعَلُونَهُ وسِيلَةً لِإبْطالِ رِسالَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ فَلَمّا دَمَغَتْهم حُجَجُ القُرْآنِ العَدِيدَةُ النّاطِقَةُ بِأنَّ مُحَمَّدًا ما هو بِدْعٌ مِنَ الرُّسُلِ وأنَّهُ جاءَ بِمِثْلِ ما جاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ فَحاجَّهم بِقَوْلِهِ قُلْ فَأْتُوا بِكِتابٍ مِن
صفحة ٢٠٢
عِنْدِ اللَّهِ هو أهْدى مِنهُما أتَّبِعْهُ إنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ الآيَةَ. فَلَمّا لَمْ يَجِدُوا سَبِيلًا لِلْمُكابَرَةِ في مُساواةِ حالِهِ بِحالَةِ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ وأوَوْا إلى مَأْوى الشِّرْكِ الصَّرِيحِ فَلَجَأُوا إلى إنْكارِ رِسالَةِ الرُّسُلِ كُلِّهِمْ حَتّى لا تَنْهَضَ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ بِمُساواةِ أحْوالِ الرَّسُولِ وأحْوالِ الرُّسُلِ الأقْدَمِينَ، فَكانَ مِن مُسْتَقَرِّ أمْرِهِمْ أنْ قالُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذا القُرْآنِ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ.
وقَدْ كانَ القُرْآنُ حاجَّهم بِأنَّهم كَفَرُوا بِما أُوتِيَ مُوسى مِن قَبْلُ كَما في سُورَةِ القَصَصِ، أيْ كَفَرَ أمْثالُهم مِن عَبْدَةِ الأصْنامِ وهم قِبْطُ مِصْرَ بِما أُوتِيَ مُوسى وهو مِنَ الِاسْتِدْلالِ بِقِياسِ المُساواةِ والتَّمْثِيلِ.
فَهَذا وجْهُ قَوْلِهِمْ ولا بِالَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ لِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مَدْعُوِّينَ لا يُؤْمِنُونَ بِكِتابٍ آخَرَ غَيْرِ القُرْآنِ ولَكِنْ جَرى ذَلِكَ في مَجارِي الجِدالِ والمُناظَرَةِ، فَعَدَمُ إيمانِهِمْ بِالقُرْآنِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ وإنَّما أرادُوا قَطْعَ وسائِلِ الإلْزامِ الجَدَلِيِّ.
وهَذِهِ الآيَةُ انْتِقالٌ إلى ذِكْرِ طَعْنِ المُشْرِكِينَ في القُرْآنِ وهي مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ.
والِاقْتِصارُ عَلى حِكايَةِ مَقالَتِهِمْ دُونَ تَعْقِيبٍ بِما يُبْطِلُها إيماءٌ إلى أنَّ بُطْلانَها بادٍ لِكُلِّ مَن يَسْمَعُها حَيْثُ جَمَعَتِ التَّكْذِيبَ بِجَمِيعِ الكُتُبِ والشَّرائِعِ وهَذا بُهْتانٌ واضِحٌ.
وحِكايَةُ مَقالَتِهِمْ هَذِهِ بِصِيغَةِ الماضِي تُؤْذِنُ بِأنَّهم أقْلَعُوا عَنْها.
وجِيءَ بِحَرْفِ ”لَنْ“ لِتَأْكِيدِ نَفْيِ إيمانِهِمْ بِالكُتُبِ المُنَزَّلَةِ عَلى التَّأْبِيدِ تَأْيِيسًا لِلنَّبِيِّ والمُسْلِمِينَ مِنَ الطَّمَعِ في إيمانِهِمْ بِهِ.
واسْمُ الإشارَةِ مُشارٌ بِهِ إلى حاضِرٍ في الأذْهانِ لِأنَّ الخَوْضَ في القُرْآنِ شائِعٌ بَيْنَ النّاسِ مِن مُؤَيِّدٍ ومُنْكَرٍ فَكَأنَّهُ مُشاهَدٌ. ولَيْسَ في اسْمِ الإشارَةِ مَعْنى التَّحْقِيرِ لِأنَّهم ما كانُوا يَنْبِزُونَ القُرْآنَ بِالنُّقْصانِ، ألا تَرى إلى قَوْلِ الوَلِيدِ بْنِ المُغِيرَةِ: إنَّ أعْلاهُ لَمُثْمِرٌ وإنَّ أسْفَلَهُ لَمُغْدِقٌ، وقَوْلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ: لا أحْسَنَ مِمّا تَقُولُ أيُّها المَرْءُ، «وأنَّ عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ لَمّا قَرَأ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ القُرْآنَ وقالَ لَهُ: هَلْ تَرى بِما أقُولُ بَأْسًا ؟ فَقالَ: لا والدِّماءِ» . وكَيْفَ وقَدْ تَحَدّاهُمُ بِالإتْيانِ
صفحة ٢٠٣
بِسُورَةٍ مِثْلِهِ فَلَمْ يَفْعَلُوا، ولَوْ كانُوا يَنْبِزُونَهُ بِنَقْصٍ أوْ سَخَفٍ لَقالُوا: نَحْنُ نَتَرَفَّعُ عَنْ مُعالَجَةِ الإتْيانِ بِمِثْلِهِ.
ومَعْنى بَيْنَ يَدَيْهِ القَرِيبُ مِنهُ، سَواءً كانَ سابِقًا كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ هو إلّا نَذِيرٌ لَكم بَيْنَ يَدَيْ عَذابٍ شَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٤٦] وقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «بُعِثْتُ بَيْنَ يَدَيِ السّاعَةِ» أمْ كانَ جائِيًا بَعْدَهُ كَما حَكى اللَّهُ عَنْ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - ﴿ومُصَدِّقًا لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ﴾ [المائدة: ٤٦] في سُورَةِ (آلِ عِمْرانَ) . ولَيْسَ مُرادًا هُنا لِأنَّهُ غَيْرُ مَفْرُوضٍ ولا مُدَّعًى.
* * *
﴿ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ﴾
أُرْدِفَتْ حِكاياتُ أقْوالِهِمْ وكُفْرانِهِمْ بَعْدَ اسْتِيفاءِ أصْنافِها بِذِكْرِ جَزائِهِمْ وتَصْوِيرِ فَظاعَتِهِ بِما في قَوْلِهِ ولَوْ تَرى إذِ الظّالِمُونَ الآيَةَ مِنَ الإبْهامِ المُفِيدِ لِلتَّهْوِيلِ.
والمُناسَبَةُ ما تَقَدَّمَ مِن قَوْلِهِ ويَقُولُونَ مَتى هَذا الوَعْدُ فَإنَّهُ بَعْدَ أنْ ألْقَمَهُمُ الحَجَرَ بِقَوْلِهِ قُلْ لَكم مِيعادُ يَوْمٍ الَخْ أتْبَعَهُ بِتَصْوِيرِ حالِهِمْ فِيهِ.
والخِطابُ في ولَوْ تَرى لِكُلِّ مَن يَصْلُحُ لِتَلَقِّي الخِطابِ مِمَّنْ تَبْلُغُهُ هَذِهِ الآيَةُ، أيْ ولَوْ يَرى الرّائِي هَذا الوَقْتَ.
وجَوابُ ”لَوْ“ مَحْذُوفٌ لِلتَّهْوِيلِ وهو حَذْفٌ شائِعٌ. وتَقْدِيرُهُ: لَرَأيْتَ أمْرًا عَجَبًا. وإذْ ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”تَرى“ أيْ لَوْ تَرى في الزَّمانِ الَّذِي يُوقَفُ فِيهِ الظّالِمُونَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِمْ.
والظّالِمُونَ: المُشْرِكُونَ، قالَ تَعالى ﴿إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: ١٣] وتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَدْ وقَعَ التَّصْرِيحُ بِأنَّهُ إيقافٌ جَمَعَ بَيْنَ المُشْرِكِينَ والَّذِينَ دَعَوْهم إلى الإشْراكِ في قَوْلِهِ تَعالى ويَوْمَ
صفحة ٢٠٤
نَحْشُرُهم جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينِ أشْرَكُوا مَكانَكم أنْتُمْ وشُرَكاؤُكم فَزَيَّلْنا بَيْنَهم وقالَ شُرَكاؤُهم ما كُنْتُمْ إيّانا تَعْبُدُونَ الآيَةَ في سُورَةِ يُونُسَ.
والإتْيانُ بِالجُمْلَةِ الَّتِي أُضِيفَ إلَيْها الظَّرْفُ اسْمِيَّةً هُنا لِإفادَةِ طُولِ وُقُوفِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ طُولًا يَسْتَوْجِبُ الضَّجَرَ ويَمْلَأُ القُلُوبَ رُعْبًا وهو ما أشارَ لَهُ حَدِيثُ أنَسٍ وحَدِيثُ أبِي هُرَيْرَةَ في شَفاعَةِ النَّبِيءِ ﷺ لِأهْلِ المَحْشَرِ:
«تَدْنُو الشَّمْسُ مِن رُءُوسِ الخَلائِقِ فَيَشْتَدُّ عَلَيْهِمْ حَرُّها فَيَقُولُونَ: لَوِ اسْتَشْفَعْنا إلى رَبِّنا حَتّى يُرِيحَنا مِن مَكانِنا» الحَدِيثَ.
وجُمْلَةُ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الظّالِمُونَ أوْ مِن ضَمِيرِ مَوْقُوفُونَ.
وجِيءَ بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ لِاسْتِحْضارِ الحالَةِ كَقَوْلِهِ تَعالى يُجادِلُنا في قَوْمِ لُوطٍ.
ورَجْعُ القَوْلِ: الجَوابُ، ورَجْعُ البَعْضِ إلى البَعْضِ: المُجاوَبَةُ والمُحاوَرَةُ. وهي أنْ يَقُولَ بَعْضُهم كَلامًا ويُجِيبَهُ الآخَرُ عَنْهُ وهَكَذا، شَبَّهَ الجَوابَ عَنِ القَوْلِ بِإرْجاعِ القَوْلِ كَأنَّ المُجِيبَ أرْجَعَ إلى المُتَكَلِّمِ كَلامَهُ بِعَيْنِهِ إذْ كانَ قَدْ خاطَبَهُ بِكِفائِهِ وعَدْلِهِ قالَ بَشّارٌ:
وكَأنَّ رَجْعَ حَدِيثِها قَطْعُ الرِّياضِ كُسِينَ زَهْرا
أيْ كَأنَّ جَوابَها حَيْثُ تُجِيبُهُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْجَوابِ رَدٌّ. ورَجْعُ الرَّشْقِ في الرَّمْيِ: ما تَرُدُّ عَلَيْهِ مِنَ التَّراشُقِ.
* * *
﴿يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أنْتُمْ لَكُنّا مُؤْمِنِينَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ وما ذُكِرَ بَعْدَها مِنَ الجُمَلِ المَحْكِيَّةِ بِأفْعالِ القَوْلِ بَيانٌ لِجُمْلَةِ يَرْجِعُ بَعْضُهم إلى بَعْضٍ القَوْلَ لِيَكُونَ البَيانُ كالمُبَيَّنِ بِها لِاسْتِحْضارِ حالَةِ
صفحة ٢٠٥
القَوْلِ لِأنَّها حالَةٌ غَرِيبَةٌ لِما فِيها مِن جُرْأةِ المُسْتَضْعَفِينَ عَلى المُسْتَكْبِرِينَ ومِن تَنَبُّهِ هَؤُلاءِ مِن غَفْلَتِهِمْ عَمّا كانَ المُسْتَكْبِرُونَ يَغُرُّونَهم بِهِ حَتّى أوْقَعُوهم في هَذا المَأْزِقِ والسِّينُ والتّاءُ في اسْتُضْعِفُوا لِلْعَدِّ والحُسْبانِ، أيِ الَّذِينَ يَعُدُّهُمُ النّاسُ ضُعَفاءَ لا يَؤْبَهُ بِهِمْ وإنَّما يَعُدُّهُمُ النّاسُ كَذَلِكَ لِأنَّهم كَذَلِكَ ويُعْلَمُ أنَّهم يَسْتَضْعِفُونَ أنْفُسَهم بِالأوْلى لِأنَّهم أعْلَمُ بِما في أنْفُسِهِمْ.
والضَّعْفُ هُنا الضَّعْفُ المَجازِيُّ وهو حالَةُ الِاحْتِجاجِ في المَهامِّ إلى مَن يَضْطَلِعُ بِشُئُونِهِمْ ويَذُبُّ عَنْهم ويُصَرِّفُهم كَيْفَ يَشاءُ.
ومِن مَشْمُولاتِهِ الضَّعَةُ والضَّراعَةُ ولِذَلِكَ قُوبِلَ بِـ ”الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا“، أيْ عَدُّوا أنْفُسَهم كُبَراءَ وهم ما عَدُّوا أنْفُسَهم كُبَراءَ إلّا لِما يَقْتَضِي اسْتِكْبارَهم لِأنَّهم لَوْ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ لَوُصِفُوا بِالغُرُورِ والإعْجابِ الكاذِبِ. ولِهَذا عَبَّرَ في جانِبِ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ وفي جانِبِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بِالفِعْلِ المَبْنِيِّ لِلْمَعْلُومِ، وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ هُودٍ.
و”لَوْلا“ حَرْفُ امْتِناعٍ لِوُجُودٍ، أيْ حَرْفٌ يَدُلُّ عَلى امْتِناعِ جَوابِهِ أيِ انْتِفائِهِ لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ فَعُلِمَ أنَّها حَرْفُ شَرْطٍ ولَكِنَّهُمُ اخْتَصَرُوا العِبارَةَ، ومَعْنى: لِأجْلِ وُجُودِ شَرْطِهِ، أيْ حُصُولِهِ في الوُجُودِ، وهو حَرْفٌ مِنَ الحُرُوفِ المُلازِمَةِ الدُّخُولَ عَلى الجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ فَيَلْزَمُ إيلاؤُهُ اسْمًا ومُبْتَدَأً. وقَدْ كَثُرَ حَذْفُ خَبَرِ ذَلِكَ المُبْتَدَأِ في الكَلامِ غالِبًا بِحَيْثُ يَبْقى مِن شَرْطِها اسْمٌ واحِدٌ وذَلِكَ اخْتِصارٌ لِأنَّ حَرْفَ لَوْلا يُؤْذِنُ بِتَعْلِيقِ حُصُولِ جَوابِهِ عَلى وُجُودِ شَرْطِهِ. فَلَمّا كانَ الِاسْمُ بَعْدَها في مَعْنى شَيْءٍ مَوْجُودٍ حَذَفُوا الخَبَرَ اخْتِصارًا. ويُعْلَمُ مِنَ المَقامِ أنَّ التَّعْلِيقَ في الحَقِيقَةِ عَلى حالَةٍ خاصَّةٍ مِنَ الأحْوالِ الَّتِي يَكُونُ عَلَيْها الوُجُودُ مَفْهُومَةٍ مِنَ السِّياقِ لِأنَّهُ لا يَكُونُ الوُجُودُ المُجَرَّدُ لِشَيْءٍ سَبَبًا في وُجُودِ غَيْرِهِ وإنَّما يُؤْخَذُ أخَصُّ أحْوالِهِ المُلازِمَةِ لِوُجُودِهِ.
وهَذا المَعْنى عَبَّرَ عَنْهُ النَّحْوِيُّونَ بِالوُجُودِ المُطْلَقِ وهي عِبارَةٌ غَيْرُ مُتْقَنَةٍ ومُرادُهم أعْلَقُ أحْوالِ الوُجُودِ بِهِ، وإلّا فَإنَّ الوُجُودَ المُطْلَقَ، أيِ المُجَرَّدَ لا يَصْلُحُ لِأنْ يُعَلَّقَ عَلَيْهِ شَرْطٌ.
صفحة ٢٠٦
وقَدْ جاءَ في هَذِهِ الآيَةِ رَبْطُ التَّعْلِيقِ بِضَمِيرِ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا فاقْتَضى أنَّ جَمِيعَ أحْوالِ المُسْتَكْبِرِينَ كانَتْ تُدَنْدِنُ حَوْلَ مَنعِهِمْ مِنَ الإيماءِ فَكانَ وجُودُهم لا أثَرَ لَهُ إلّا في ذَلِكَ المَنعِ وهو ما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهم فِيما بَعْدَ بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ والنَّهارِ إذْ تَأْمُرُونَنا أنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ مِن فَرْطِ إلْحاحِهِمْ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وتَكْرِيرِهِ في مُعْظَمِ الأوْقاتِ، فَكَأنَّهُ اسْتَغْرَقَ وُجُودَهم، لِأنَّ الوُجُودَ كَوْنٌ في أزْمِنَةٍ فَكانَ قَوْلُهم هُنا لَوْلا أنْتُمْ مُبالَغَةً في شِدَّةِ حِرْصِهِمْ عَلى كُفْرِهِمْ. وهَذا وجْهٌ وجِيهٌ في الِاعْتِبارِ البَلاغِيِّ فَمُقْتَضى الحالِ مِن هَذِهِ الآيَةِ هو حَذْفُ المُشَبَّهِ.
واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِقَوْلِهِمْ: مُؤْمِنِينَ بِالمَعْنى اللَّقَبِيِّ الَّذِي اشْتُهِرَ بِهِ المُسْلِمُونَ فَكَذَلِكَ لا يُقَدَّرُ لِـ ”مُؤْمِنِينَ“ مُتَعَلِّقٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences