Ibn 'AshurYa-Sin · 36:31–37

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Ya-Sin 36:31–37

36:31Page 442

أَلَمۡ يَرَوۡاْ كَمۡ أَهۡلَكۡنَا قَبۡلَهُم مِّنَ ٱلۡقُرُونِ أَنَّهُمۡ إِلَيۡهِمۡ لَا يَرۡجِعُونَ ٣١

Have they not considered how many generations We destroyed before them - that they to them1 will not return?

﴿ألَمْ يَرَوْا كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] لِما فِيها مِن تَفْصِيلِ الإجْمالِ المُسْتَفادِ مِن قَوْلِهِ ﴿ما يَأْتِيهِمْ مِن رَسُولٍ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [يس: ٣٠] فَإنَّ عاقِبَةَ ذَلِكَ الِاسْتِهْزاءِ بِالرَّسُولِ كانَتْ هَلاكَ المُسْتَهْزِئِينَ، فَعَدَمُ اعْتِبارِ كُلِّ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها بِعاقِبَةِ المُكَذِّبِينَ قَبْلَها يُثِيرُ الحَسْرَةَ عَلَيْها وعَلى نُظَرائِها كَما أثارَها اسْتِهْزاؤُهم بِالرَّسُولِ وقِلَّةِ التَّبَصُّرِ في دَعْوَتِهِ ونِذارَتِهِ ودَلائِلِ صِدْقِهِ.

وضَمِيرُ ”يَرَوا“ عائِدٌ إلى العِبادِ كَما يَقْتَضِيهِ تَناسُقُ الضَّمائِرِ. والمُعادُ فِيهِ عُمُومٌ ادِّعائِيٌّ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا، فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَخُصَّ مِنهُ أوَّلَ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها وهم قَوْمُ نُوحٍ فَإنَّهم لَمْ يَسْبِقْ قَبْلَهم هَلاكُ أُمَّةٍ كَذَّبَتْ رَسُولَها. فَهَذا مِنَ التَّخْصِيصِ بِدَلِيلِ العَقْلِ لِأنَّ قَوْلَهُ قَبْلَهم يُرْشِدُ بِالتَّأمُّلِ إلى عَدَمِ شُمُولِهِ أوَّلَ أُمَّةٍ أُرْسِلَ إلَيْها.

وقِيلَ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضَمِيرُ ألَمْ يَرَوْا عائِدًا إلى ما عادَ إلَيْهِ مِن ضَمِيرِ ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا﴾ [يس: ١٣] ويَكُونُ المَثَلُ قَدِ انْتَهى بِجُمْلَةِ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠] . الآيَةَ. وهَذا بَعِيدٌ لِأنَّهُ كانَ يَقْتَضِي أنْ تُعْطَفَ الجُمْلَةُ عَلى جُمْلَةِ واضْرِبْ لَهم مَثَلًا كَما عُطِفَتْ جُمْلَةُ (﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيِّتَةُ أحْيَيْناها﴾ [يس: ٣٣]) الآيَةَ، وجُمْلَةُ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ [يس: ٣٧]، وجُمْلَةُ ﴿وآيَةٌ لَهم أنّا حَمَلْنا ذُرِّيَّتَهم في الفُلْكِ المَشْحُونِ﴾ [يس: ٤١]

صفحة ١٠

ولا مُلْجِئَ إلى هَذا الِاعْتِبارِ في المُعادِ، وقَدْ عَلِمْتَ تَوْجِيهَ الِاعْتِبارِ الأوَّلِ لِتَصْحِيحِ العُمُومِ.

والِاسْتِفْهامُ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ إنْكارِيًّا؛ نَزَلَتْ غَفْلَتُهم عَنْ إهْلاكِ القُرُونِ مَنزِلَةَ عَدَمِ العِلْمِ فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ العِلْمِ بِذَلِكَ وهو أمْرٌ مَعْلُومٌ مَشْهُورٌ، ويَجُوزُ كَوْنُ الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرِيًّا بُنِيَ التَّقْرِيرُ عَلى نَفْيِ العِلْمِ بِإهْلاكِ القُرُونِ اسْتِقْصاءً لِمَعْذِرَتِهِمْ حَتّى لا يَسَعَهم إلّا الإقْرارُ بِأنَّهم عامِلُونَ فَيَكُونُ إقْرارُهم أشَدَّ لُزُومًا لَهم؛ لِأنَّهُمُ اسْتَفْهَمُوا عَلى النَّفْيِ فَكانَ يَسَعُهم أنْ يَنْفُوا ذَلِكَ.

والرُّؤْيَةُ عَلى التَّقْدِيرَيْنِ عِلْمِيَّةٌ ولَيْسَتْ بَصَرِيَّةً لِأنَّ إهْلاكَ القُرُونِ لَمْ يَكُنْ مَشْهُودًا لِأُمَّةٍ جاءَتْ بَعْدَ الأُمَّةِ الَّتِي أُهْلِكَتْ قَبْلَها.

وفَعَلُ الرُّؤْيَةِ مُعَلَّقٌ عَنِ العَمَلِ بِوُرُودِ كَمْ لِأنَّ كَمْ لَها صَدْرُ الكَلامِ سَواءً كانَتِ اسْتِفْهامًا أمْ خَبَرًا، فَإنَّ كَمِ الخَبَرِيَّةَ مَنقُولَةٌ مِنَ الِاسْتِفْهامِيَّةِ وما لَهُ صَدْرُ الكَلامِ لا يَعْمَلُ ما قَبْلَهُ فِيما بَعْدَهُ.

و(وكَمْ) في مَوْضِعِ نَصْبٍ بِـ (أهْلَكْنا): ومُفادُها كَثْرَةٌ مُبْهَمَةٌ فُسِّرَتْ بِقَوْلِهِ مِنَ القُرُونِ ووَقَعَتْ كَمْ في مَوْضِعِ المَفْعُولِ لِقَوْلِهِ أهْلَكْنا.

و”قَبْلَهم“ ظَرْفٌ لِـ (أهْلَكْنا)، ومَعْنى قَبْلَهم: قَبْلَ وُجُودِهِمْ.

وقَوْلُهُ ”﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾“ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”أهْلَكْنا“ لِأنَّ الإهْلاكَ يَشْتَمِلُ عَلى عَدَمِ الرُّجُوعِ؛ أُبَدِلَ المَصْدَرُ المُنْسَبِكُ مِن (أنْ) وما بَعْدَها مِن مَعْنى جُمْلَةِ (﴿كَمْ أهْلَكْنا قَبْلَهم مِنَ القُرُونِ﴾) لِأنَّ مَعْنى تِلْكَ الجُمْلَةِ كَثْرَةُ الإهْلاكِ وكَثْرَةُ المُهْلَكِينَ. وفِعْلُ الرُّؤْيَةِ عامِلٌ في أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ لِتَسَلُّطِ مَعْنى الفِعْلِ عَلى جُمْلَةِ كَمْ أهْلَكْنا؛ لِأنَّ التَّعْلِيقَ يُبْطِلُ العَمَلَ في اللَّفْظِ لا في المَحَلِّ.

وفائِدَةُ هَذا البَدَلِ تَقْرِيرُ تَصْوِيرِ الإهْلاكِ لِزِيادَةِ التَّخْوِيفِ، ولِاسْتِحْضارِ تِلْكَ الصُّورَةِ في الإهْلاكِ أيْ إهْلاكًا لا طَماعِيَةَ مَعَهُ لِلرُّجُوعِ إلى الدُّنْيا، فَإنَّ ما يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الإهْلاكُ مِن عَدَمِ الرُّجُوعِ إلى الأهْلِ والأحْبابِ مِمّا يَزِيدُ الحَسْرَةَ اتِّضاحًا.

صفحة ١١

و”إلَيْهِمْ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ (يَرْجِعُونَ) وتَقْدِيمُهُ إلى مُتَعَلِّقِهِ لِلرِّعايَةِ عَلى الفاصِلَةِ.

وضَمِيرُ إلَيْهِمْ عائِدٌ إلى العِبادَةِ، وضَمِيرُ أنَّهم عائِدٌ إلى القُرُونِ.

36:32Page 442

وَإِن كُلّٞ لَّمَّا جَمِيعٞ لَّدَيۡنَا مُحۡضَرُونَ ٣٢

And indeed, all of them will yet be brought present before Us.

﴿وإنْ كُلٌّ لَما جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ أرى أنَّ عَطْفَهُ عَلى جُمْلَةِ (﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١]) واقِعٌ مَوْقِعَ الِاحْتِراسِ مِن تَوَهُّمِ المُخاطَبِينَ بِالقُرْآنِ أنَّ قَوْلَهُ ﴿أنَّهم إلَيْهِمْ لا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: ٣١] مُؤَيِّدٌ اعْتِقادَهُمُ انْتِفاءَ البَعْثِ.

و(أنْ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُخَفَّفَةً مِنَ الثَّقِيلَةِ والأفْصَحُ إهْمالُها عَنِ العَمَلِ فِيما بَعْدَها، والأكْثَرُ أنْ يَقْتَرِنَ خَبَرُ الِاسْمِ بِلامٍ تُسَمّى اللّامَ الفارِقَةَ لِأنَّها تُفَرِّقُ بَيْنَ (إنِ) المُخَفَّفَةِ مِنَ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ (إنِ) النّافِيَةِ لِئَلّا يَلْتَبِسَ الخَبَرُ المُؤَكَّدُ بِالخَبَرِ المَنفِيِّ فَيُناقِضَ مَقْصِدَ المُتَكَلِّمِ، وعَلى هَذا الوَجْهِ يَكُونُ قَوْلُهُ ”لَما“ مُخَفَّفُ المِيمِ كَما قَرَأ الجُمْهُورُ (لَما جَمِيعٌ)، فَهي مُرَكَّبَةٌ مِنَ اللّامِ الفارِقَةِ وما الزّائِدَةِ لِلتَّأْكِيدِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ (إنْ) نافِيَةً بِمَعْنى ”لا“ ويَكُونُ (لَمّا) بِتَشْدِيدِ المِيمِ عَلى أنَّها حَرْفُ اسْتِثْناءٍ بِمَعْنى ”إلّا“ تَقَعُ بَعْدَ النَّفْيِ ونَحْوِهِ كالقَسَمِ. وكَذَلِكَ قَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَمْزَةُ وأبُو جَعْفَرٍ. والتَّقْدِيرُ: وما كُلُّهم إلّا مُحْضَرُونَ لَدَيْنا.

و”كُلٌّ“ مُبْتَدَأٌ وتَنْوِينُهُ تَنْوِينُ العِوَضِ عَمّا أُضِيفَ إلَيْهِ (كُلٌّ)، أيْ: كُلُّ القُرُونِ، أوْ كُلُّ المَذْكُورِينَ مِنَ القُرُونِ والمُخاطَبِينَ.

و”جَمِيعٌ“ اسْمٌ عَلى وزْنِ فَعِيلٍ، أيْ مَجْمُوعٌ، وهو ضِدُّ المُتَفَرِّقِ. يُقالُ: جَمْعُ أشْياءَ كَذا، إذا جَعَلَها مُتَقارِبَةً مُتَّصِلَةً بَعْدَ أنْ كانَتْ مُشَتَّتَةً ومُتَباعِدَةً.

والمَعْنى: أنَّ كُلَّ القُرُونِ مُحْضَرُونَ لَدَيْنا مُجْتَمِعِينَ، أيْ لَيْسَ إحْضارُهم في أوْقاتٍ مُخْتَلِفَةٍ ولا في أمْكِنَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ؛ فَكَلِمَةُ (كُلٌّ) أفادَتْ أنَّ الإحْضارَ مُحِيطٌ بِهِمْ بِحَيْثُ لا يَنْفَلِتُ فَرِيقٌ مِنهم، وكَلِمَةُ (جَمِيعٌ) أفادَتْ أنَّهم مُحْضَرُونَ مُجْتَمِعِينَ فَلَيْسَتْ إحْدى الكَلِمَتَيْنِ بِمُغْنِيَّةٍ عَنْ ذِكْرِ الأُخْرى، ألا تَرى أنَّهُ لَوْ قِيلَ: وإنَّ أكْثَرَهم لَمّا

صفحة ١٢

جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ، لَمّا كانَ تَنافٍ بَيْنَ أكْثَرِهِمْ وبَيْنَ جَمِيعِهِمْ؛ أيْ أكْثَرُهم يَحْضُرُ مُجْتَمِعِينَ؛ فارْتَفَعَ (جَمِيعٌ) عَلى الخَبَرِيَّةِ في قِراءَةِ تَخْفِيفِ ”لَمّا“ وعَلى الِاسْتِثْناءِ عَلى قِراءَةِ تَشْدِيدِ ”لَمّا“ .

و”مُحْضَرُونَ“ نَعَتٌ لِـ (جَمِيعٌ) عَلى القِراءَتَيْنِ. ورُوعِيَ في النَّعْتِ مَعْنى المَنعُوتِ فَأُلْحِقَتْ بِهِ عَلامَةُ الجَماعَةِ، كَقَوْلِلَبِيَدٍ:

عَرِيَتْ وكانَ بِها الجَمِيعُ فَأبْكَرُوا مِنها وغُودِرَ نُؤْيُها وثُمامُها

والإحْضارُ: الإحْضارُ لِلْحِسابِ والجَزاءِ والعِقابِ.

36:33Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلۡأَرۡضُ ٱلۡمَيۡتَةُ أَحۡيَيۡنَٰهَا وَأَخۡرَجۡنَا مِنۡهَا حَبّٗا فَمِنۡهُ يَأۡكُلُونَ ٣٣

And a sign for them is the dead earth. We have brought it to life and brought forth from it grain, and from it they eat.

”﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ المَيِّتَةُ أحْيَيْناها وأخْرَجْنا مِنها حَبًّا فَمِنهُ يَأْكُلُونَ﴾“ عُطِفَ عَلى قِصَّةِ (﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلًا أصْحابَ القَرْيَةِ﴾ [يس: ١٣]) فَإنَّهُ ضَرَبَ لَهم مَثَلًا لِحالِ إعْراضِهِمْ وتَكْذِيبِهِمُ الرَّسُولَ ﷺ وما تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ تِلْكَ الحالُ مِن إشْراكٍ وإنْكارٍ لِلْبَعْثِ وأذًى لِلرَّسُولِ ﷺ وعاقِبَةُ ذَلِكَ كُلِّهِ. ثُمَّ أعْقَبَ ذَلِكَ التَّفْصِيلُ لِإبْطالِ ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الِاعْتِقاداتُ مِن إنْكارِ البَعْثِ ومِنَ الإشْراكِ بِاللَّهِ.

وابْتُدِئَ بِدَلالَةِ تَقْرِيبِ البَعْثِ لِمُناسَبَةِ الِانْتِقالِ مِن قَوْلِهِ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] عَلى أنَّ هَذِهِ لا تَخْلُو مِن دَلالَتِها عَلى الِانْفِرادِ بِالتَّصَرُّفِ، وفي ذَلِكَ إثْباتُ الوَحْدانِيَّةِ.

و(آيَةٌ) مُبْتَدَأٌ ولَهم صِفَةُ ”آيَةٌ“، و(الأرْضُ) خَبَرُ (آيَةٌ)، و(المَيِّتَةُ) صِفَةُ الأرْضِ.

وجُمْلَةُ أحْيَيْناها في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الأرْضِ وهي حالٌ مُقَيَّدَةٌ لِأنَّ إحْياءَ الأرْضِ هو مَناطٌ لِلدَّلالَةِ عَلى إمْكانِ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، أوْ يَكُونُ جُمْلَةُ ”أحْيَيْناها“ بَيانًا لِجُمْلَةِ ”﴿وآيَةً لَهُمُ الأرْضُ﴾“ لِبَيانِ مَوْقِعَ الآيَةِ فِيها، أوْ بَدَلَ اشْتِمالِ مِن جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾، أوِ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا كَأنَّ سائِلًا سَألَ: كَيْفَ كانَتِ الأرْضُ المَيِّتَةُ ؟

صفحة ١٣

ومَوْتُ الأرْضِ: جَفافُها وجَرازَتُها لِخُلُوِّها مِن حَياةِ النَّباتِ فِيها، وإحْياؤُها: خُرُوجُ النَّباتِ مِنها مِنَ العُشْبِ والكَلَأِ والزَّرْعِ.

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ ”المَيِّتَةُ“ بِتَشْدِيدِ الياءِ. وقَرَأ الباقُونَ بِتَخْفِيفِ الياءِ، والمَعْنى واحِدٌ وهُما سَواءٌ في الِاسْتِعْمالِ.

والحَبُّ: اسْمُ جَمْعِ حَبَّةٍ، وهو بَزْرَةُ النَّبْتِ مِثْلُ البُرَّةِ والشَّعِيرَةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى كَمَثَلِ حَبَّةٍ أنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وإخْراجُ الحَبِّ مِنَ الأرْضِ: هو إخْراجُهُ مِن نَباتِها فَهو جاءَ مِنها بِواسِطَةٍ. وهَذا إدْماجٌ لِلِامْتِنانِ في ضِمْنِ الِاسْتِدْلالِ ولِذَلِكَ فُرِّعَ عَلَيْهِ فَمِنهُ يَأْكُلُونَ، وتَقْدِيمُ مِنهُ عَلى يَأْكُلُونَ لِلِاهْتِمامِ تَنْبِيهًا عَلى النِّعْمَةِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ.

36:34–35Page 442

وَجَعَلۡنَا فِيهَا جَنَّٰتٖ مِّن نَّخِيلٖ وَأَعۡنَٰبٖ وَفَجَّرۡنَا فِيهَا مِنَ ٱلۡعُيُونِ ٣٤

And We placed therein gardens of palm trees and grapevines and caused to burst forth therefrom some springs -

لِيَأۡكُلُواْ مِن ثَمَرِهِۦ وَمَا عَمِلَتۡهُ أَيۡدِيهِمۡۚ أَفَلَا يَشۡكُرُونَ ٣٥

That they may eat of His fruit.1 And their hands have not produced it,2 so will they not be grateful?

﴿وجَعَلْنا فِيها جَنّاتٍ مِن نَخِيلٍ وأعْنابٍ وفَجَّرْنا فِيها مِنَ العُيُونِ﴾ ﴿لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ أفَلا يَشْكُرُونَ﴾ هَذا مِن إحْياءِ الأرْضِ بِإنْباتِ الأشْجارِ ذاتِ الثِّمارِ، وهو إحْياءٌ أعْجَبُ وأبْقى وإنْ كانَ الإحْياءُ بِإنْباتِ الزَّرْعِ والكَلَأِ أوْضَحَ دَلالَةً لِأنَّهُ سَرِيعُ الحُصُولِ.

وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الجَنّاتِ في أوَّلِ سُورَةِ الرَّعْدِ.

وتَفْجِيرُ العُيُونِ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنَّ مِنَ الحِجارَةِ لَما يَتَفَجَّرُ مِنهُ الأنْهارُ﴾ [البقرة: ٧٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والثَّمَرُ بِفَتْحَتَيْنِ وبِضَمَّتَيْنِ: ما يَغُلُّهُ النَّخْلُ والأعْنابُ مِن أصْنافِ الثَّمَرِ وأصْنافِ العِنَبِ والثَّمَرَةِ بِمَنزِلَةِ الحُبِّ لِلسُّنْبُلِ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ثَمَرِهِ“ بِفَتْحَتَيْنِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ بِضَمَّتَيْنِ.

والنَّخِيلُ: اسْمُ جَمْعِ نَخْلٍ.

والأعْنابُ جَمْعُ عِنَبٍ، وهو يُطْلَقُ عَلى شَجَرَةِ الكَرْمِ وعَلى ثَمَرِها. وجَمْعُ النَّخِيلِ

صفحة ١٤

والأعْنابِ بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْنافِ شَجَرِهِ المُثْمِرِ أصْنافًا مِن ثَمَرِهِ.

وضَمِيرُ (مِن ثَمَرِهِ) عائِدٌ إلى المَذْكُورِ، أيْ مِن ثَمَرِ ما ذَكَرْنا، كَقَوْلِ رُؤْبَةَ:

فِيها خُطُوطٌ مِن سَوادٍ وبَلَقْ كَأنَّهُ في الجِلْدِ تَوْلِيعَ البَهَقْ

فَقِيلَ لَهُ: هَلّا قُلْتَ: كَأنَّها ؟ فَقالَ: أرَدْتُ كَأنَّ ذَلِكَ ويْلَكَ. وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البقرة: ٦٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلى النَّخِيلِ وتُتْرَكُ الأعْنابُ لِلْعِلْمِ بِأنَّها مِثْلُ النَّخِيلِ. كَقَوْلِ الأزْرَقِ بْنِ طَرَفَةَ بْنِ العَمُودِ القَراطِيِّ الباهِلِيِّ:

رَمانِي بِذَنْبٍ كُنْتُ مِنهُ ووالِدِي ∗∗∗ بَرِيئًا ومِن أجْلِ الطَّوِيِّ رَمّانِي

فَلَمْ يَقُلْ: بَرِيئَيْنِ، لِلْعِلْمِ بِأنَّ والِدَهُ مِثْلُهُ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ما في قَوْلِهِ وما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ مَوْصُولَةً مَعْطُوفَةً عَلى ثَمَرِهِ، أيْ لِيَأْكُلُوا مِن ثَمَرِ ما عَمِلَتْهُ أيْدِيهِمْ، فَيَكُونُ إدْماجًا لِلْإرْشادِ إلى إقامَةِ الجَنّاتِ بِالخِدْمَةِ والسَّقْيِ والتَّعَهُّدِ لِيَكُونَ ذَلِكَ أوْفَرَ لِأغْلالِها. وضَمِيرُ عَمِلَتْهُ عَلى هَذا عائِدٌ إلى اسْمِ المَوْصُولِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ ”ما“ نافِيَةً، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى ما ذُكِرَ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. والمَعْنى: أنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْلُقُوهُ. وهَذا أوْفَرُ في الِامْتِنانِ وأنْسَبُ بِسِياقِ الآيَةِ مَساقَ الِاسْتِدْلالِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”وما عَمِلَتْهُ“ بِإثْباتِ هاءِ الضَّمِيرِ عائِدًا إلى المَذْكُورِ مِنَ الحَبِّ والنَّخِيلِ والأعْنابِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ وخَلَفٌ ”وما عَمِلَتْ“ بِدُونِ هاءٍ، وكَذَلِكَ هو مَرْسُومٌ في المُصْحَفِ الكُوفِيِّ وهو جارٍ عَلى حَذْفِ المَفْعُولِ إنْ كانَ مَعْلُومًا.

صفحة ١٥

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حَذْفِ المَفْعُولِ لِإرادَةِ العُمُومِ. والتَّقْدِيرُ: وما عَمِلَتْ أيْدِيهِمْ شَيْئًا مِن ذَلِكَ. وكِلا الحَذْفَيْنِ شائِعٌ.

وفُرِّعَ عَلَيْهِ اسْتِفْهامُ الإنْكارِ لِعَدَمِ شُكْرِهِمْ بِأنِ اتَّخَذُوا لِلَّذِي أوْجَدَ هَذا الصُّنْعَ العَجِيبَ أنْدادًا.

وجِيءَ بِالمُضارِعِ مُبالَغَةً في كُفْرِهِمْ بِأنَّ اللَّهَ حَقِيقٌ بِأنْ يُكَرَّرُوا شُكْرُهُ فَكَيْفَ يَسْتَمِرُّونَ عَلى الإشْراكِ بِهِ.

36:36Page 442

سُبۡحَٰنَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلۡأَزۡوَٰجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ وَمِنۡ أَنفُسِهِمۡ وَمِمَّا لَا يَعۡلَمُونَ ٣٦

Exalted is He who created all pairs1 - from what the earth grows and from themselves and from that which they do not know.

﴿سُبْحانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ اعْتِراضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ الأرْضُ﴾ [يس: ٣٣] وجُمْلَةِ ﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ﴾ [يس: ٣٧]، أثارَهُ ذِكْرُ إحْياءِ الأرْضِ وإخْراجِ الحَبِّ والشَّجَرِ مِنها؛ فَإنَّ في ذَلِكَ أحْوالًا وإبْداعًا عَجِيبًا يُذَكِّرُ بِتَعْظِيمِ مُودِعِ تِلْكَ الصَّنائِعِ بِحِكْمَتِهِ وذَلِكَ تَضَمَّنَ الِاسْتِدْلالُ بِخَلْقِ الأزْواجِ عَلى طَرِيقَةِ الإدْماجِ.

وسُبْحانَ هُنا لِإنْشاءِ تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعالى عَنْ أحْوالِ المُشْرِكِينَ تَنْزِيهًا عَنْ كُلِّ ما لا يَلِيقُ بِإلَهِيَّتِهِ وأعْظَمُهُ الإشْراكُ بِهِ وهو المَقْصُودُ هُنا.

وإجْراءُ المَوْصُولِ عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ لِلْإيماءِ إلى وجْهِ إنْشاءِ التَّنْزِيهِ والتَّعْظِيمِ. وقَدْ مَضّى الكَلامُ عَلى ”سُبْحانَ“ في سُورَةِ البَقَرَةِ وغَيْرِها. والأزْواجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وهو يُطْلَقُ عَلى كُلِّ مِنَ الذَّكَرِ والأُنْثى مِنَ الحَيَوانِ، ويُطْلَقُ الزَّوْجُ عَلى مَعْنى الصِّنْفِ المُتَمَيِّزِ بِخَواصِّهِ مِنَ المَوْجُوداتِ تَشْبِيهًا لَهُ بِصِنْفِ الذَّكَرِ وصِنْفِ الأُنْثى كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] وتَقَدَّمَ في سُورَةِ طه، والإطْلاقُ الأوَّلُ هو الكَثِيرُ كَما يُؤْخَذُ مِن كَلامِ الرّاغِبِ، وهو الَّذِي يُناسِبُهُ نَقْلُ اللَّفْظِ مِنَ الزَّوْجِ الَّذِي يَكُونُ ثانِيًا لِآخَرَ، فَيَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ الأزْواجُ في هَذِهِ الآيَةِ عَلى المَعْنى الأوَّلِ، فَيَكُونَ تَذْكِيرًا بِخَلْقِ أصْنافِ الحَيَوانِ الَّذِي مِنهُ الذَّكَرُ والأُنْثى، وتَكُونَ ”مِن“ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ ابْتِدائِيَّةً مُتَعَلِّقَةً بِفِعْلِ ”خَلَقَ“ .

صفحة ١٦

وهَذا إدْماجٌ لِذَكَرِ آيَةٍ أُخْرى مِن آياتِ الِانْفِرادِ بِالخَلْقِ، فَخَلْقُ الحَيَوانِ بِما فِيهِ مِنَ القُوى لِتَناسُلِهِ وحِمايَةِ نَوْعِهِ وإنْتاجِ مَنافِعِهِ، هو أدَقُّ الخَلْقِ صُنْعًا وأعْمَقُهُ حِكْمَةً، وأدْخَلُهُ في المِنَّةِ عَلى الإنْسانِ، بِأنْ جُعِلَتْ مَنافِعُ الحَيَوانِ لَهُ كَما في آيَةِ سُورَةِ المُؤْمِنِينَ. فَمِن أجْلِ ذَلِكَ خُصَّ مِن بَيْنِ الخَلْقِ الآخَرِ بِقَرْنِهِ بِالتَّسْبِيحِ لِخالِقِهِ تَنْوِيهًا بِشَأْنِهِ وتَفَنُّنًا في سَرْدِ أعْظَمِ المَوالِيدِ النّاشِئَةِ عَنْ إبْداعِ قُوَّةِ الحَياةِ لِلْأرْضِ وانْبِثاقِ أنْواعِ الأحْياءِ وأصْنافِها مِنها، كَما أشارَ إلَيْهِ الِابْتِداءُ بِذِكْرِ مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ قَبْلَ غَيْرِهِ مِن مَبادِئِ التَّخَلُّقِ؛ لِأنَّهُ الأسْبَقُ في تَكْوِينِ مَوادِّ حَياةِ الحَيَوانِ فَإنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنَ النُّطَفِ الذُّكُورُ والإناثُ، وتَتَوَلَّدُ النُّطَفُ مِن قُوى الأغْذِيَةِ الحاصِلَةِ مِن تَناوُلِ النَّباتِ فَذَلِكَ مِن مَعْنى قَوْلِهِ ﴿مِمّا تُنْبِتُ الأرْضُ ومِن أنْفُسِهِمْ﴾ أيْ ومِمّا يَتَكَوَّنُ فِيهِمْ مِن أجْزائِهِمُ الحَيَوانِيَّةِ.

وجِيءَ بِضَمِيرِ جَماعَةِ العُقَلاءِ تَغْلِيبًا لِنَوْعِ الإنْسانِ نَظَرًا لِكَوْنِهِ المَقْصُودَ بِالعِبْرَةِ بِهَذِهِ الآيَةِ، ولِلتَّخَلُّصِ إلى تَخْصِيصِهِ بِالعِبْرَةِ في قَوْلِهِ ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ .

وإشارَةُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ إلى أسْرارٍ مُودَعَةٍ في خَلْقِ أنْواعِ الحَيَوانِ وأصْنافِهِ هي الَّتِي مَيَّزَتْ أنْواعَهُ عَنْ بَعْضٍ ومَيَّزَتْ أصْنافَهُ وذُكُورَهُ عَنْ إناثِهِ، وأوْدَعَتْ فِيهِ الرُّوحَ الَّذِي امْتازَ بِهِ عَنِ النَّباتِ بِتَدْبِيرِ شُئُونِهِ عَلى حَسَبِ اسْتِعْدادِ كُلِّ نَوْعٍ وكُلِّ صِنْفٍ حَتّى يَبْلُغَ في الِارْتِقاءِ إلى أشْرَفِ الأنْواعِ وهو نَوْعُ الإنْسانِ، فَمَعْنى مِمّا لا يَعْلَمُونَ: مِمّا لا يَعْلَمُونَهُ تَفْصِيلًا وإنْ كانُوا قَدْ يَشْعُرُونَ بِهِ إجْمالًا، فَإنَّ المُتَأمِّلَ يَعْلَمُ أنَّ في المَخْلُوقاتِ أسْرارًا خَفِيَّةً لَمْ تَصِلْ أفْهامُهم إلى إدْراكِ كُنْهِها، ومِن ذَلِكَ الرُّوحُ فَقَدْ قالَ تَعالى ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي وما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] .

وقَدْ يَتَفاضَلُ النّاسُ في إدْراكِ بَعْضِ تِلْكَ الخَصائِصِ إجْمالًا وتَفْصِيلًا ثُمَّ يَسْتَوُونَ في عَدَمِ العِلْمِ بِبَعْضِها، وقَدْ يَمْتازُ بَعْضُ الطَّوائِفِ أوِ الأجْيالِ بِمَعْرِفَةِ شَيْءٍ مِن دَقائِقَ الخَلْقِ بِسَبَبِ اكْتِشافٍ أوْ تَجْرِبَةٍ أوْ تَقَصِّيَ آثارٍ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُها غَيْرُ أُولَئِكَ ثُمَّ يَسْتَوُونَ فِيما بَقِيَ تَحْتَ طَيِّ الخَفاءِ مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ، فَبِهَذا الشُّعُورِ الإجْمالِيِّ بِها وقَعَ عَدُّها في ضِمْنِ الِاعْتِبارِ بِآيَةِ خَلْقِ الأزْواجِ مِن جَمِيعِ النَّواحِي. وإذا حُمِلَ الأزْواجُ في قَوْلِهِ ﴿سَبَحْانَ الَّذِي خَلَقَ الأزْواجَ كُلَّها﴾ عَلى المَعْنى

صفحة ١٧

الثّانِي لِهَذا اللَّفْظِ وهو إطْلاقُهُ عَلى الأصْنافِ والأنْواعِ كَما في قَوْلِهِ ﴿فَأخْرَجْنا بِهِ أزْواجًا مِن نَباتٍ شَتّى﴾ [طه: ٥٣] كانَتْ ”مِن“ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ بَيانِيَّةً، والمَجْرُورُ بِها في فَحْوى عَطْفِ البَيانِ، أوْ بَدَلِ مُفَصَّلٍ مِن مُجْمَلِ قَوْلِهِ ”الأزْواجَ“ والمَعْنى: الأزْواجُ كُلُّها الَّتِي هي: ما تُنْبِتُ الأرْضُ، وأنْفُسُهم، وما لا يَعْلَمُونَ. ويَدُلُّ قَوْلُهُ ﴿ومِمّا لا يَعْلَمُونَ﴾ عَلى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: وما يَعْلَمُونَ، وذَلِكَ مِن دَلالَةِ الإشارَةِ.

فَخَصَّ بِالذِّكْرِ أصْنافَ النَّباتِ لِأنَّ بِها قِوامَ مَعاشِ النّاسِ ومَعاشِ أنْعامِهِمْ ودَوابِّهِمْ، وأصْنافِ أنْفُسِ النّاسِ لِأنَّ العِبْرَةَ بِها أقْوى، قالَ تَعالى ﴿وفِي أنْفُسِكم أفَلا تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] . ثُمَّ ذَكَرَ ما يَعُمُّ المَخْلُوقاتِ مِمّا يَعْلَمُهُ النّاسُ وما لا يَعْلَمُونَهُ في مُخْتَلَفِ الأقْطارِ والأجْيالِ والعُصُورِ.

وقَدَّمَ ذِكْرَ النَّباتِ إيثارًا لَهُ بِالأهَمِّيَّةِ في هَذا المَقامِ لِأنَّهُ أشْبَهَ بِالبَعْثِ الَّذِي أوْمَأ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وإنْ كُلٌّ لَمّا جَمِيعٌ لَدَيْنا مُحْضَرُونَ﴾ [يس: ٣٢] .

وتَكْرِيرُ حَرْفِ ”مِن“ بَعْدَ واوِ العَطْفِ لِلتَّوْكِيدِ عَلى كِلا التَّفْسِيرَيْنِ.

وضَمِيرُ ”أنْفُسِهِمْ“ عائِدٌ إلى العِبادِ في قَوْلِهِ ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، والمُرادُ بِهِمُ: المُكَذِّبُونَ لِلرَّسُولِ ﷺ .

36:37Page 442

وَءَايَةٞ لَّهُمُ ٱلَّيۡلُ نَسۡلَخُ مِنۡهُ ٱلنَّهَارَ فَإِذَا هُم مُّظۡلِمُونَ ٣٧

And a sign for them is the night. We remove1 from it the [light of] day, so they are [left] in darkness.

﴿وآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ فَإذا هم مُظْلِمُونَ﴾ انْتِقالٌ إلى دَلالَةِ مَظاهِرِ العَوالِمِ عَلى دَقِيقِ نِظامِ الخَلْقِ فِيها مِمّا تُؤْذِنُ بِهِ المُشاهَدَةُ مَعَ التَّبَصُّرِ.

وابْتُدِئَ مِنها بِنِظامِ اللَّيْلِ والنَّهارِ لِتَكَرُّرِ وُقُوعِهِ أمامَ المُشاهَدَةِ لِكُلِّ راءٍ. وجُمْلَةُ ﴿نَسْلَخُ مِنهُ النَّهارَ﴾ تَحْتَمِلُ جَمِيعَ الوُجُوهِ الَّتِي ذَكَرْناها في جُمْلَةِ أحْيَيْناها آنِفًا.

والسَّلْخُ: إزالَةُ الجِلْدِ عَنْ حَيَوانِهِ، وفِعْلُهُ يَتَعَدّى إلى الجِلْدِ المُزالِ بِنَفْسِهِ عَلى المَفْعُولِيَّةِ، ولِذَلِكَ يُقالُ لِلْجِلْدِ المُزالِ مِن جِسْمِ الحَيَوانِ: سِلْخٌ - بِكَسْرِ السِّينِ وسُكُونِ اللّامِ - بِمَعْنى مَسْلُوخٍ، ولا يُقالُ لِلْجِسْمِ الَّذِي أُزِيلَ جِلْدُهُ: سِلْخٌ. ويَتَعَدّى فِعْلُ سَلَخَ إلى الجِسْمِ الَّذِي أُزِيلَ جِلْدُهُ بِحَرْفِ الجَرِّ، والأكْثَرُ أنَّهُ (مِن)

صفحة ١٨

الِابْتِدائِيَّةِ، ويَتَعَدّى بِحَرْفِ ”عَنْ“ أيْضًا لِما في السَّلْخِ مِن مَعْنى المُباعَدَةِ والمُجاوَزَةِ بَعْدَ الِاتِّصالِ.

فَمَفْعُولُ ”نَسْلَخَ“ هُنا هو النَّهارُ بِلا رَيْبٍ، وعُدِّيَ السَّلْخُ إلى ضَمِيرِ اللَّيْلِ بِـ ”مِن“ فَصارَ المَعْنى: اللَّيْلُ آيَةٌ لَهم في حالِ إزالَةِ غِشاءِ نُورِ النَّهارِ عَنْهُ فَيَبْقى عَلَيْهِمُ اللَّيْلُ، فَشُبِّهَ النَّهارُ بِجِلْدِ الشّاةِ ونَحْوِها يُغَطِّي ما تَحْتَهُ مِنها كَما يُغَطِّي النَّهارُ ظُلْمَةَ اللَّيْلِ في الصَّباحِ. وشُبِّهَ كَشْفُ النَّهارِ وإزالَتِهِ بِسَلْخِ الجِلْدِ عَنْ نَحْوِ الشّاةِ فَصارَ اللَّيْلُ بِمَنزِلَةِ جِسْمِ الحَيَوانِ المَسْلُوخِ مِنهُ جِلْدُهُ، ولَيْسَ اللَّيْلُ بِمَقْصُودٍ بِالتَّشْبِيهِ وإنَّما المَقْصُودُ تَشْبِيهُ زَوالِ النَّهارِ عَنْهُ فاسْتَتْبَعَ ذَلِكَ أنَّ اللَّيْلَ يَبْقى شِبْهَ الجِسْمِ المَسْلُوخِ عَنْهُ جِلْدُهُ. ووَجْهُ ذَلِكَ أنَّ الظُّلْمَةَ هي الحالَةُ السّابِقَةُ لِلْعَوالِمِ قَبْلَ خَلْقِ النُّورِ في الأجْسامِ النَّيِّرَةِ؛ لِأنَّ الظُّلْمَةَ عَدَمٌ والنُّورُ وُجُودٌ، وكانَتِ المَوْجُوداتُ في ظُلْمَةٍ قَبْلَ أنْ يَخْلُقَ اللَّهُ الكَواكِبَ النَّيِّرَةَ ويُوصِلُ نُورَها إلى الأجْسامِ الَّتِي تَسْتَقْبِلُها كالأرْضِ والقَمَرِ.

وإذا كانَتِ الظُّلْمَةُ هي الحالَةُ الأصْلِيَّةُ لِلْمَوْجُوداتِ فَلَيْسَ يَلْزَمُ أنْ تَكُونَ أصْلِيَّةً لِلْأرْضِ لِأنَّ الظّاهِرَ أنَّ الأرْضَ انْفَصَلَتْ عَنِ الشَّمْسِ نَيِّرَةً وإنَّما ظُلْمَةُ نِصْفِ الكُرَةِ الأرْضِيَّةِ إذا غَشِيَها نُورُ الشَّمْسِ مُعْتَبَرَةٌ كالجِسْمِ الَّذِي غَشِيَهُ جِلْدُهُ فَإذا أُزِيلَ النُّورُ عادَتِ الظَّلَمَةُ فَشُبِّهَ ذَلِكَ بِسَلْخِ الجِلْدِ عَنِ الحَيَوانِ كَما قالَ تَعالى في مُقابِلِهِ في سُورَةِ الرَّعْدِ ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ﴾ [الرعد: ٣] .

فَلَيْسَ في الآيَةِ دَلِيلٌ عَلى أنَّ أصْلَ أحْوالِ العالَمِ الأرْضِيِّ هو الظُّلْمَةُ ولَكِنَّها ساقَتْ لِلنّاسِ اعْتِبارًا ودَلالَةً بِحالَةٍ مُشاهَدَةٍ لَدَيْهِمْ فَفَرَّعَ عَلَيْهِ فَإذا هم مُظْلِمُونَ بِناءً عَلى ما هو مُتَعارَفٌ.

وقَدِ اعْتَبَرَ أيِمَّةُ البَلاغَةِ الِاسْتِعارَةَ في الآيَةِ أصْلِيَّةً تَبَعِيَّةً ولَمْ يَجْعَلُوها تَمْثِيلِيَّةً لِما قَدَّمْناهُ مِن أنَّ المَقْصُودَ بِالتَّشْبِيهِ هو حالَةُ زَوالِ نُورِ النَّهارِ عَنِ الأُفُقِ فَتَخْلُفُها ظُلْمَةُ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فَإذا هم مُظْلِمُونَ.

وإسْنادُ مُظْلِمُونَ إلى النّاسِ مِن إسْنادِ إفْعالِ الَّذِي الهَمْزَةُ فِيهِ لِلدُّخُولِ في الشَّيْءِ مِثْلِ أصْبَحَ وأمْسى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском