Ibn 'AshurSad · 38:34–40

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Sad 38:34–40

38:34–35Page 455

وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤

And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2

قَالَ رَبِّ ٱغۡفِرۡ لِي وَهَبۡ لِي مُلۡكٗا لَّا يَنۢبَغِي لِأَحَدٖ مِّنۢ بَعۡدِيٓۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلۡوَهَّابُ ٣٥

He said, "My Lord, forgive me and grant me a kingdom such as will not belong to anyone after me. Indeed, You are the Bestower."

﴿ولَقَدْ فَتَنّا سُلَيْمانَ وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أنابَ﴾ ﴿قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وهَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِيَ إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ﴾ قَدْ قُلْتُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ووَهَبْنا لِداوُدَ سُلَيْمانَ﴾ [ص: ٣٠] أنَّ ما ذُكِرَ مِن مَناقِبِ سُلَيْمانَ لَمْ يَخْلُ مِن مَقاصِدِ ائْتِساءٍ وعِبْرَةٍ وتَحْذِيرٍ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في ابْتِدارِ وسائِلِ الإرْشادِ بِالتَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ، فَكَذَلِكَ كانَتِ الآياتُ المُتَعَلِّقَةُ بِنَدَمِهِ عَلى الِاشْتِغالِ بِالخَيْلِ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ مَوقِعَ أُسْوَةٍ بِهِ في مُبادَرَةِ التَّوْبَةِ وتَحْذِيرٍ مِنَ الوُقُوعِ في مِثْلِ غَفْلَتِهِ، وكَذَلِكَ جاءَتْ هَذِهِ الآياتُ مُشِيرَةً إلى فِتْنَةٍ عَرَضَتْ لِسُلَيْمانَ أعْقَبَتْها إنابَةٌ ثُمَّ أعْقَبَتْها إفاضَةُ نِعَمٍ عَظِيمَةٍ فَذُكِرَتْ عَقِبَ ذِكْرِ قِصَّةِ ما نالَهُ مِنَ السَّهْوِ عَنْ عِبادَتِهِ وهو دُونَ الفِتْنَةِ.

والفَتْنُ والفُتُونُ والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ الحالِ الشَّدِيدِ الَّذِي يَظْهَرُ بِهِ مِقْدارُ صَبْرِ وثَباتِ مَن يَحِلُّ بِهِ، وتَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّما نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: ١٠٢] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَدْ أشارَتِ الآيَةُ إلى حَدَثٍ عَظِيمٍ حَلَّ بِسُلَيْمانَ، واخْتَلَفَتْ أقْوالُ المُفَسِّرِينَ في تَعْيِينِ هَذِهِ الفِتْنَةِ فَذَكَرُوا قَصَصًا هي بِالخُرافاتِ أشْبَهُ، ومَقامُ سُلَيْمانَ عَنْ أمْثالِها أنْزَهُ.

ومِن أغْرَبِها قَوْلُهم: إنَّهُ وُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَخافَ عَلَيْهِ النّاسَ أنْ يَقْتُلُوهُ فاسْتَوْدَعَهُ الرِّيحَ لِتَحْضُنَهُ وتُرْضِعَهُ دَرَّ ماءِ المُزْنِ فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ أصابَهُ المَوْتُ وألْقَتْهُ الرِّيحُ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ لِيَعْلَمَ أنَّهُ لا مَرَدَّ لِمَحْتُومِ المَوْتِ. وهَذا ما نَظَمَهُ المَعَرِّيُّ تَبَعًا لِأوْهامِ النّاسِ فَقالَ حِكايَةً عَنْ سُلَيْمانَ:

خافَ غَدْرَ الأنامِ فاسْتَوْدَعَ الرِّي حَ سَلِيلًا تَغْذُوهُ دَرَّ العِهادِ

وتَوَخّى النَّجاةَ وقَدْ أيْ ∗∗∗ قَنَ أنَّ الحِمامَ بِالمِرَصادِ

صفحة ٢٦٠

٢٠٦

فَرَمَتْهُ بِهِ عَلى جانِبِ الكُرْ ∗∗∗ سِيِّ أُمُّ اللُّهَيْمِ أُخْتُ النَّآدِ

والَّذِي يَظْهَرُ مِنَ السِّياقِ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى ﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ إشارَةٌ إلى شَيْءٍ مِن هَذِهِ الفِتْنَةِ لِيَرْتَبِطَ قَوْلُهُ ”﴿ثُمَّ أنابَ﴾“ بِذَلِكَ.

ويُحْتَمَلُ أنَّهُ قِصَّةٌ أُخْرى غَيْرُ قِصَّةِ فِتْنَتِهِ. وأظْهَرُ أقْوالِهِمْ أنْ تَكُونَ الآيَةُ إشارَةً إلى ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ: «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قالَ: قالَ سُلَيْمانُ: لَأطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلى تِسْعِينَ امْرَأةً، كُلُّهُنَّ تَأْتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبِيلِ اللَّهِ. فَقالَ لَهُ صاحِبُهُ: قُلْ إنْ شاءَ اللَّهُ. فَلَمْ يَقُلْ: إنْ شاءَ اللَّهُ. فَطافَ عَلَيْهِنَّ جَمِيعًا فَلَمْ تَحْمِلْ مِنهم إلّا امْرَأةٌ واحِدَةٌ جاءَتْ بِشِقِّ رَجُلٍ، وأيْمُ الَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ قالَ: إنْ شاءَ اللَّهُ لَجاهَدُوا في سَبِيلِ اللَّهِ فُرْسانًا أجْمَعُونَ»، ولَيْسَ في كَلامِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّ ذَلِكَ تَأْوِيلُ هَذِهِ الآيَةِ، ولا وضَعَ البُخارِيُّ ولا التِّرْمِذِيُّ الحَدِيثَ في التَّفْسِيرِ مِن كِتابَيْهِما. قالَ جَماعَةٌ: فَذَلِكَ النِّصْفُ مِنَ الإنْسانِ هو الجَسَدُ المُلْقى عَلى كُرْسِيِّهِ جاءَتْ بِهِ القابِلَةُ فَألْقَتْهُ لَهُ وهو عَلى كُرْسِيِّهِ، فالفِتْنَةُ عَلى هَذا خَيْبَةُ أمَلِهِ ومُخالَفَةُ ما أبْلَغَهُ صاحِبُهُ.

وإطْلاقُ الجَسَدِ عَلى ذَلِكَ المَوْلُودِ؛ إمّا لِأنَّهُ وُلِدَ مَيِّتًا، كَما هو ظاهِرُ قَوْلِهِ ”شِقِّ رَجُلٍ“، وإمّا لِأنَّهُ كانَ خِلْقَةً غَيْرَ مُعْتادَةٍ فَكانَ مُجَرَّدَ جَسَدٍ. وهَذا تَفْسِيرٌ بَعِيدٌ لِأنَّ الخَبَرَ لَمْ يَقْتَضِ أنَّ الشِّقَّ الَّذِي ولَدَتْهُ المَرْأةُ كانَ حَيًّا ولا أنَّهُ جَلَسَ عَلى كُرْسِيِّ سُلَيْمانَ. وتَرْكِيبُ هَذِهِ الآيَةِ عَلى ذَلِكَ الخَبَرِ تَكَلُّفٌ.

وقالَ وهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ وشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ: تَزَوَّجَ سُلَيْمانُ ابْنَةَ مَلِكِ صَيْدُونَ بَعْدَ أنْ غَزا أباها وقَتَلَهُ فَكانَتْ حَزِينَةً عَلى أبِيها، وكانَ سُلَيْمانُ قَدْ شَغَفَ بِحُبِّها فَسَألَتْهُ لِتَرْضى أنْ يَأْمُرَ المُصَوِّرِينَ لِيَصْنَعُوا صُورَةً لِأبِيها فَصُنِعَتْ لَها، فَكانَتْ تَغْدُو وتَرُوحُ مَعَ ولائِدِها يَسْجُدْنَ لِتِلْكَ الصُّورَةِ، فَلَمّا عَلِمَ سُلَيْمانُ بِذَلِكَ أمَرَ بِذَلِكَ التِّمْثالِ فَكُسِرَ، وقِيلَ: كانَتْ تَعْبُدُ صَنَمًا لَها مِن ياقُوتٍ خُفْيَةً فَلَمّا فَطِنَ سُلَيْمانُ أوْ أسْلَمَتِ المَرْأةُ تُرِكَ ذَلِكَ الصَّنَمُ.

صفحة ٢٦١

وهَذا القَوْلُ مُخْتَزَلٌ مِمّا وقَعَ في سِفْرِ المُلُوكِ الأوَّلِ مِن كُتُبٍ اليَهُودِ إذْ جاءَ في الإصْحاحِ الحادِي عَشَرَ ”وأحَبَّ سُلَيْمانُ نِساءً غَرِيبَةً كُثَيْرَةَ بِنْتَ فِرْعَوْنَ ومَعَها نِساءٌ مُؤابَياتٌ وعَمُونِيّاتٌ، وأدُومِيّاتٌ، وصَيْدَوَنِيّاتٌ، وحَثَياتٌ، مِنَ الأُمَمِ الَّتِي قالَ عَنْهُمُ الرَّبُّ لِبَنِي إسْرائِيلَ: لا تَدْخُلُونَ إلَيْهِمْ لِأنَّهم يُمِيلُونَ قُلُوبَكم وراءَ آلِهَتِهِمْ. فَبَنى هَيْكَلًا لِلصَّنَمِ (كَمُوشَ) صَنَمِ المُؤابِيِّينَ عَلى الجَبَلِ الَّذِي تُجاهَ أُورْشَلِيمَ فَقالَ اللَّهُ لَهُ: مِن أجْلِ أنَّكَ لَمْ تَحْفَظْ عَهْدِي فَإنِّي أُمَزِّقُ مَمْلَكَتَكَ بَعْدَكَ تَمْزِيقًا وأُعْطِيها لِعَبْدِكَ ولا أُعْطِي ابْنَكَ إلّا سِبْطًا واحِدًا“ إلَخْ.

ويُؤْخَذُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ: أنَّ سُلَيْمانَ اجْتَهَدَ وسَمَحَ لِنِسائِهِ المُشْرِكاتِ أنْ يَعْبُدْنَ أصْنامَهُنَّ في بُيُوتِهِنَّ الَّتِي هي بُيُوتُهُ أوْ بَنى لَهُنَّ مَعابِدَ يَعْبُدْنَ فِيها، فَلَمْ يَرْضَ اللَّهُ مِنهُ ذَلِكَ لِأنَّهُ وإنْ كانَ قَدْ أباحَ لَهُ تَزَوُّجَ المُشْرِكاتِ فَما كانَ يَنْبَغِي لِنَبِيءٍ أنْ يَسْمَحَ لِنِسائِهِ بِذَلِكَ الَّذِي أُبِيحَ لِعامَّةِ النّاسِ الَّذِينَ يَتَزَوَّجُونَ المُشْرِكاتِ، وإنْ كانَ سُلَيْمانُ تَأوَّلَ أنَّ ذَلِكَ قاصِرٌ عَلى المَرْأةِ لا يَتَجاوَزُ إلَيْهِ.

وعَلى هَذا التَّأْوِيلِ يَكُونُ المُرادُ بِالجَسَدِ الصَّنَمَ لِأنَّهُ صُورَةٌ بِلا رُوحٍ كَما سَمّى اللَّهُ العِجْلَ الَّذِي عَبَدَهُ بَنُو إسْرائِيلَ جَسَدًا في قَوْلِهِ ”﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ﴾ [طه: ٨٨]“ .

ويَكُونُ مَعْنى إلْقائِهِ عَلى كُرْسِيِّهِ نَصْبَهُ في بُيُوتِ زَوْجاتِهِ المُشْرِكاتِ بِقُرْبٍ مِن مَواضِعِ جُلُوسِهِ، إذْ يَكُونُ لَهُ في كُلِّ بَيْتٍ مِنها كُرْسِيٌّ يَجْلِسُ عَلَيْهِ.

وعُطِفَ ”ثُمَّ أنابَ“ بِحَرْفِ (ثُمَّ) المُفِيدِ لِلتَّراخِي الرُّتْبِيِّ لِأنَّ رُتْبَةَ الإنابَةِ أعْظَمُ ذِكْرٍ في قَوْلِهِ فَقالَ إنِّي أحْبَبْتُ حُبَّ الخَيْرِ، والإنابَةُ: التَّوْبَةُ.

وجُمْلَةُ قالَ ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي﴾ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ”أنابَ“ لِأنَّ الإنابَةَ تَشْتَمِلُ عَلى تَرَقُّبِ العَفْوِ عَمّا عَسى أنْ يَكُونَ قَدْ صَدَرَ مِنهُ مِمّا لا يَرْضى اللَّهُ تَعالى صُدُورَهُ مِن أمْثالِهِ.

وإرْدافُهُ طَلَبَ المَغْفِرَةِ بِاسْتِيهابِ مُلْكٍ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ لِأنَّهُ تَوَقَّعَ مِن غَضَبِ اللَّهِ أمْرَيْنِ: العِقابَ في الآخِرَةِ، وسَلْبَ النِّعْمَةِ في الدُّنْيا إذْ قَصَّرَ في شُكْرِها، وكانَ سُلَيْمانُ يَوْمَئِذٍ في مُلْكٍ عَظِيمٍ، فَسُؤالُ مَوْهِبَةِ المُلْكِ مُرادٌ بِهِ اسْتِدامَةُ

صفحة ٢٦٢

ذَلِكَ المُلْكِ، وصِيغَةُ الطَّلَبِ تَرِدُ لِطَلَبِ الدَّوامِ مِثْلَ ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] .

وتَنْكِيرُ ”مُلْكًا“ لِلتَّعْظِيمِ.

وارْتَقى سُلَيْمانُ في تَدَرُّجِ سُؤالِهِ إلى أنْ وصَفَ مُلْكًا أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، أيْ لا يَتَأتّى لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ، أيْ لا يُعْطِيهِ اللَّهُ أحَدًا يَبْتَغِيهِ مِن بَعْدِهِ. فَكَنّى بِ ”لا يَنْبَغِي“ عَنْ مَعْنى لا يُعْطى لِأحَدٍ، أيْ لا تُعْطِيهِ أحَدًا مِن بَعْدِي.

فَفِعْلُ ”يَنْبَغِي“ مُطاوِعُ بَغاهُ، يُقالُ: بَغاهُ فانْبَغى لَهُ، ولَيْسَ لِلْمُلْكِ اخْتِيارٌ وانْبِغاءٌ وإنَّما اللَّهُ هو المُعْطِي والمُيَسِّرُ فَإسْنادُ الِانْبِغاءِ إلى المُلْكِ مَجازٌ عَقْلِيٌّ، وحَقِيقَتُهُ: انْبِغاءُ سَبَبِهِ. وهَذا مِنَ التَّأدِّي في دُعائِهِ إذْ لَمْ يَقُلْ: لا تُعْطِهِ أحَدًا مِن بَعْدِي.

وسَألَ اللَّهَ أنْ لا يُقِيمَ لَهُ مُنازِعًا في مُلْكِهِ وأنْ يُبْقِيَ لَهُ ذَلِكَ المُلْكَ إلى مَوْتِهِ، فاسْتَجابَ فَكانَ سُلَيْمانُ يَخْشى ظُهُورَ عَبْدِهِ (يَرْبَعامَ بْنِ نَباطَ) مِن سِبْطِ أفْرايِمْ عَلَيْهِ إذْ كانَ أظْهَرَ الكَيْدَ لِسُلَيْمانَ فَطَلَبَهُ سُلَيْمانُ لِيَقْتُلَهُ فَهَرَبَ إلى (شَيْشَقَ) فِرْعَوْنِ مِصْرَ وبَقِيَ في مِصْرَ إلى وفاةِ سُلَيْمانَ. فَهَذا أيْضًا مِمّا حَمَلَ سُلَيْمانَ أنْ يَسْألَ اللَّهَ تَثْبِيتَ مُلْكِهِ وأنْ لا يُعْطِيَهُ أحَدًا غَيْرَهُ.

وكانَ لِسُلَيْمانَ عَدُوّانِ آخَرانِ هُما (هُدَدُ) الأدُومِيُّ (ورَزُونُ) مِن أهْلِ صِرْفَةَ مُقِييَمَيْنِ في تِخُومِ مَمْلَكَةِ إسْرائِيلَ فَخَشِيَ أنْ يَكُونَ اللَّهُ هَيَّأهُما لِإزالَةِ مُلْكِهِ.

واسْتُعْمِلَ ”مِن بَعْدِي“ في مَعْنى: مِن دُونِي، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن يَهْدِيهِ مِن بَعْدِ اللَّهِ﴾ [الجاثية: ٢٣]، فَيَكُونُ مَعْنى ”لا يَنْبَغِي“ أنَّهُ لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ غَيْرِي، أيْ في وقْتِ حَياتِي، فَهَذا دُعاءٌ بِأنْ لا يُسَلِّطَ أحَدًا عَلى مُلْكِهِ مُدَّةَ حَياتِهِ.

وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ لا يَكُونُ في سُؤالِهِ هَذا المُلْكَ شَيْءٌ مِنَ الِاهْتِمامِ بِأنْ لا يَنالَ غَيْرُهُ مِثْلَ ما نالَهُ هو فَلا يَرِدُ عَلى ذَلِكَ أنَّ مِثْلَ هَذا يُعَدُّ مِنَ الحَسَدِ.

ويَجُوزُ أنْ يَبْقى ”مِن بَعْدِي“ عَلى ظاهِرِهِ، أيْ بَعْدَ حَياتِي. فَمَعْنى ”لا يَنْبَغِي“: لا يَنْبَغِي مِثْلُهُ لِأحَدٍ بَعْدَ وفاتِي. وتَأْوِيلُ ذَلِكَ أنَّهُ قَصَدَ مِن سُؤالِهِ الإشْفاقَ

صفحة ٢٦٣

مِن أنْ يَلِيَ مِثْلَ ذَلِكَ المُلْكَ مَن لَيْسَ لَهُ مِنَ النُّبُوءَةِ والحِكْمَةِ والعِصْمَةِ ما يَضْطَلِعُ بِهِ لِأعْباءِ مُلْكٍ مِثْلِ ذَلِكَ المُلْكِ ومَن لَيْسَ لَهُ مِنَ النُّفُوذِ عَلى أُمَّتِهِ ما لِسُلَيْمانَ عَلى أُمَّتِهِ فَلا يَلْبَثُ أنْ يُحْسَدَ عَلى المُلْكِ فَيَنْجُمُ في الأُمَّةِ مُنازِعُونَ لِلْمَلِكِ عَلى مُلْكِهِ، فَيَنْتَفِي أيْضًا عَلى هَذا التَّأْوِيلِ إيهامُ أنَّهُ سَألَ ذَلِكَ غَيْرَةً عَلى نَفْسِهِ أنْ يُعْطى أحَدٌ غَيْرُهُ مِثْلَ مُلْكِهِ مِمّا تُشَمُّ مِنهُ رائِحَةُ الحَسَدِ.

وقَدْ تَضَمَّنَتْ دَعْوَتُهُ شَيْئَيْنِ: هُما أنْ يُعْطى مُلْكًا عَظِيمًا، وأنْ لا يُعْطى غَيْرُهُ مِثْلَهُ في عَظَمَتِهِ.

وقَدْ حَكى اللَّهُ دُعاءَ سُلَيْمانَ وهو سِرٌّ بَيْنَهُ وبَيْنَ رَبِّهِ إشْعارًا بِأنَّهُ ألْهَمَهُ إيّاهُ، وأنَّهُ اسْتَجابَ لَهُ دَعْوَتَهُ تَعْرِيفًا بِرِضاهُ عَنْهُ وبِأنَّهُ جَعَلَ اسْتِجابَتَهُ مَكْرُمَةَ تَوْبَتِهِ.

ومَعْنى ذَلِكَ أنَّهُ لا يَأْتِي مَلِكٌ بَعْدَهُ لَهُ مِنَ السُّلْطانِ جَمِيعُ ما لِسُلَيْمانَ اهـ.

وفِي الصَّحِيحِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ قالَ «إنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتِي فَأمْكَنَنِي اللَّهُ مِنهُ فَأخَذْتُهُ فَأرَدْتُ أنْ أرْبِطَهُ بِسارِيَةٍ مِن سَوارِي المَسْجِدِ حَتّى تَنْظُرُوا إلَيْهِ كُلُّكم فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أخِي سُلَيْمانَ ”رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِي“ فَرَدَدْتُهُ خاسِئًا» .

وجُمْلَةُ ”إنَّكَ أنْتَ الوَهّابُ“ عِلَّةٌ لِلسُّؤالِ كُلِّهِ وتَمْهِيدٌ لِلْإجابَةِ، فَقامَتْ إنَّ مَقامَ حَرْفِ التَّفْرِيعِ ودَلَّتْ صِيغَةُ المُبالَغَةِ في ”الوَهّابُ“ عَلى أنَّهُ تَعالى يَهَبُ الكَثِيرَ والعَظِيمَ لِأنَّ المُبالَغَةَ تُفِيدُ شِدَّةَ الكَمِّيَّةِ أوْ شِدَّةَ الكَيْفِيَّةِ أوْ كِلْتَيْهِما بِقَرِينَةِ مَقامِ الدُّعاءِ، فَمَغْفِرَةُ الذَّنْبِ مِنَ المَواهِبِ العَظِيمَةِ لِما يُرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن دَرَجاتِ الآخِرَةِ، وإعْطاءُ مِثْلِ هَذا المُلْكِ هو هِبَةٌ عَظِيمَةٌ. وأنْتَ ضَمِيرُ فَصْلٍ، وأفادَ الفَصْلُ بِهِ قَصْرًا فَصارَ المَعْنى: أنْتَ القَوِيُّ المَوْهِبَةِ لا غَيْرَكَ، لِأنَّ اللَّهَ يَهَبُ ما لا يَمْلِكُ غَيْرُهُ أنْ يَهَبَهُ.

38:36–38Page 455

فَسَخَّرۡنَا لَهُ ٱلرِّيحَ تَجۡرِي بِأَمۡرِهِۦ رُخَآءً حَيۡثُ أَصَابَ ٣٦

So We subjected to him the wind blowing by his command, gently, wherever he directed,

وَٱلشَّيَٰطِينَ كُلَّ بَنَّآءٖ وَغَوَّاصٖ ٣٧

And [also] the devils [of jinn] - every builder and diver

وَءَاخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٣٨

And others bound together in irons.

صفحة ٢٦٤

﴿فَسَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأمْرِهِ رُخاءً حَيْثُ أصابَ﴾ ﴿والشَّياطِينَ كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ﴾ ﴿وآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ﴾ اقْتَضَتِ الفاءُ وتَرْتِيبُ الجُمَلِ أنَّ تَسْخِيرَ الرِّيحِ وتَسْخِيرَ الشَّياطِينِ كانا بَعْدَ أنْ سَألَ اللَّهَ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ مِن بَعْدِهِ أنْ أعْطاهُ هاتَيْنِ المَوْهِبَتَيْنِ زِيادَةً في قُوَّةِ مُلْكِهِ وتَحْقِيقًا لِاسْتِجابَةِ دَعْوَتِهِ لِأنَّهُ إنَّما سَألَ مُلْكًا لا يَنْبَغِي لِأحَدٍ غَيْرِهِ ولَمْ يَسْألِ الزِّيادَةَ فِيما أُعْطِيَهُ مِنَ المُلْكِ.

ولَعَلَّ اللَّهَ أرادَ أنْ يُعْطِيَهُ هاتَيْنِ المَوْهِبَتَيْنِ وأنْ لا يُعْطِيَهُما أحَدًا بَعْدَهُ حَتّى إذا أعْطى أحَدًا بَعْدَهُ مُلْكًا مِثْلَ مُلْكِهِ فِيما عَدا هاتَيْنِ المَوْهِبَتَيْنِ لَمْ يَكُنْ قَدْ أخْلَفَ إجابَتَهُ.

والتَّسْخِيرُ الإلْجاءُ إلى عَمَلٍ بِدُونِ اخْتِيارٍ، وهو مُسْتَعارٌ هُنا لِتَكْوِينِ أسْبابِ تَصَرُّفِ الرِّيحِ إلى الجِهاتِ الَّتِي يُرِيدُ سُلَيْمانُ تَوْجِيهَ سُفُنِهِ إلَيْها لِتَكُونَ مُعِينَةً سُفُنَهُ عَلى سُرْعَةِ سَيْرِها، ولِئَلّا تُعاكِسَ وِجْهَةَ سُفُنِهِ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ غُدُوُّها شَهْرٌ ورَواحُها شَهْرٌ﴾ [سبإ: ١٢] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ ”الرِّياحَ“ بِصِيغَةِ الجَمْعِ.

وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَجْرِي بِأمْرِهِ إلى الأرْضِ الَّتِي بارَكْنا فِيها في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

واللّامُ في لَهُ لِلْعِلَّةِ، أيْ: لِأجْلِهِ، أيْ: ذَلِكَ التَّسْخِيرُ كَرامَةٌ مِنَ اللَّهِ لَهُ بِأنْ جَعَلَ تَصْرِيفَ الرِّياحِ مُقَدَّرًا عَلى نَحْوِ رَغْبَتِهِ.

والأمْرُ في قَوْلِهِ بِأمْرِهِ مُسْتَعارٌ لِلرَّغْبَةِ أوْ لِلدُّعاءِ بِأنْ يَدْعُوَ اللَّهَ أنْ تَكُونَ الرِّيحُ مُتَّجِهَةً إلى صَوْبِ كَذا حَسَبِ خُطَّةِ أسْفارِ سَفائِنِهِ، أوْ يَرْغَبَ ذَلِكَ في نَفْسِهِ، فَيَصْرِفَ اللَّهُ الرِّيحَ إلى ما يُلائِمُ رَغْبَتَهُ وهو العَلِيمُ بِالخَفِيّاتِ.

والرُّخاءُ: اللَّيِّنَةُ الَّتِي لا زَعْزَعَةَ في هُبُوبِها. وانْتَصَبَ رُخاءً عَلى الحالِ مِن ضَمِيرِ تَجْرِي أيْ تَجْرِي بِأمْرِهِ لَيِّنَةً مُساعِدَةً لِسَيْرِ السُّفُنِ وهَذا مِنَ التَّسْخِيرِ لِأنَّ شَأْنَ الرِّيحِ أنْ تَتَقَلَّبَ كَيْفِيّاتُ هُبُوبِها، وأكْثَرُ ما تَهُبُّ أنْ تَهُبَّ شَدِيدَةً عاصِفَةً، وقَدْ قالَ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ ﴿ولِسُلَيْمانَ الرِّيحَ عاصِفَةً﴾ [الأنبياء: ٨١] ومَعْناهُ: سَخَّرْنا

صفحة ٢٦٥

لِسُلَيْمانَ الرِّيحَ الَّتِي شَأْنُها العُصُوفُ، فَمَعْنى فَسَخَّرْنا لَهُ جَعَلْناها لَهُ رُخاءً. فانْتَصَبَ عاصِفَةً في آيَةِ سُورَةِ الأنْبِياءِ عَلى الحالِ مِنَ الرِّيحِ وهي حالٌ مُنْتَقِلَةٌ. ولَمّا أعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ تَجْرِي بِأمْرِهِ عُلِمَ أنَّ عَصْفَها يَصِيرُ إلى لِينٍ بِأمْرِ سُلَيْمانَ، أيْ دُعائِهِ، أوْ بِعَزْمِهِ، أوْ بِرَغْبَتِهِ لِأنَّهُ لا تَصْلُحُ لَهُ أنْ تَكُونَ عاصِفَةً بِحالٍ مِنَ الأحْوالِ، فَهَذا وجْهُ دَفْعِ التَّنافِي بَيْنَ الحالَيْنِ في الآيَتَيْنِ.

وأصابَ مَعْناهُ قَصَدَ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ الصَّوْبِ، أيِ الجِهَةِ، أيْ: تَجْرِي إلى حَيْثُ أيِّ جِهَةٍ قَصَدَ السَّيْرَ إلَيْها. حَكى الأصْمَعِيُّ عَنِ العَرَبِ ”أصابَ الصَّوابَ فَأخْطَأ الجَوابَ“ أيْ أرادَ الصَّوابَ فَلَمْ يُصِبْ.

وقِيلَ: هَذا اسْتِعْمالٌ لَها في لُغَةِ حِمْيَرَ، وقِيلَ في لُغَةِ هَجَرَ.

والشَّياطِينُ جَمْعُ شَيْطانٍ، وحَقِيقَتُهُ الجِنِّيُّ، ويُسْتَعْمَلُ مَجازًا لِلْبالِغِ غايَةَ المَقْدِرَةِ والحِذْقِ في العَمَلِ الَّذِي يَعْمَلُهُ. ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى وكَذَلِكَ جَعَلْنا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَياطِينَ الإنْسِ والجِنِّ فَسَخَّرَ اللَّهُ النَّوْعَ الأوَّلَ لِسُلَيْمانَ تَسْخِيرًا خارِقًا لِلْعادَةِ عَلى وجْهِ المُعْجِزَةِ فَهو مُسَخَّرٌ لَهُ في الأُمُورِ الرُّوحانِيَّةِ والتَّصَرُّفاتِ الخَفِيَّةِ ولَيْسَ مِن شَأْنِ جِنْسِهِمْ إيجادُ الصِّناعاتِ المُتْقَنَةِ كالبِناءِ، وسَخَّرَ النَّوْعَ الثّانِي لَهُ تَسْخِيرَ إذْلالٍ ومَغْلُوبِيَّةٍ لِعِظَمِ سُلْطانِهِ وإلْقاءِ مَهابَتِهِ في قُلُوبِ الأُمَمِ فَكانُوا يَأْتُونَ طَوْعًا لِلِانْضِواءِ تَحْتَ سُلْطانِهِ كَما فَعَلَتْ بِلْقِيسُ وقَدْ تَقَدَّمَ في سُورَةِ سَبَأٍ. فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ ”الشَّياطِينَ“ مُسْتَعْمَلًا في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وكُلَّ بَنّاءٍ: بَدَلٌ مِنَ الشَّياطِينِ: بَدَلُ بَعْضٍ مِن كُلٍّ، أيْ: كُلَّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ مِنهم، أي: مِنَ الشَّياطِينِ.

وكُلَّ: هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في مَعْنى الكَثِيرِ، وهو اسْتِعْمالٌ وارِدٌ في القُرْآنِ والكَلامِ الفَصِيحِ، قالَ تَعالى ﴿ولَوْ جاءَتْهم كُلُّ آيَةٍ﴾ [يونس: ٩٧] وقالَ: ﴿ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾ [النحل: ٦٩]، وقالَ النّابِغَةُ:

بِها كُلُّ ذَيّالٍ وخَنْساءَ تَرْعَوِي

وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها﴾ [الأنعام: ٢٥] في سُورَةِ الأنْعامِ.

صفحة ٢٦٦

والبَنّاءُ: الَّذِي يَبْنِي، وهو اسْمُ فاعِلٍ مَصُوغٌ عَلى زِنَةِ المُبالَغَةِ لِلِدَّلالَةِ عَلى مَعْنى الصِّناعَةِ مِثْلُ نَجّارٍ وقَصّارٍ وحَدّادٍ.

والغَوّاصُ: الَّذِي يَغُوصُ في البَحْرِ لِاسْتِخْراجِ مَحارِ اللُّؤْلُؤِ، وهو أيْضًا مِمّا صِيغَ عَلى وزْنِ المُبالَغَةِ لِلدَّلالَةِ عَلى الصِّناعَةِ، قالَ النّابِغَةُ:

أوْ دُرَّةٌ صَدَفِيَّةٌ غَوّاصُهَـا ∗∗∗ بَهِجٌ مَتى يَرَها يُهِلَّ ويَسْجُدِ

قالَ تَعالى ﴿ومِنَ الشَّياطِينِ مَن يَغُوصُونَ لَهُ ويَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ﴾ [الأنبياء: ٨٢] .

وقَدْ بَلَغَتِ الصِّناعَةُ في مُلْكِ سُلَيْمانَ مَبْلَغًا مِنَ الإتْقانِ والجَوْدَةِ والجَلالِ، وناهِيكَ بِبِناءِ هَيْكَلِ أُورْشَلِيمَ وهو الَّذِي سُمِّيَ في الإسْلامِ المَسْجِدَ الأقْصى وما جُلِبَ إلَيْهِ مِن مَوادِّ إقامَتِهِ مِنَ المَمالِكِ المُجاوِرَةِ لَهُ، وكَذَلِكَ الصَّرْحُ الَّذِي أقامَهُ وأُدْخِلَتْ عَلَيْهِ فِيهِ مَمْلَكَةُ سَبَأٍ.

وآخَرِينَ: عَطْفٌ عَلى كُلِّ بَنّاءٍ وغَوّاصٍ فَهو مِن جُمْلَةِ بَدَلِ البَعْضِ. وجَمْعُ آخَرٍ بِمَعْنى مُغايِرٍ، فَيَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُغايَرَةُ في النَّوْعِ مِن غَيْرِ نَوْعِ الجِنِّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُغايَرَةُ في الصِّفَةِ، أيْ: غَيْرَ بَنّائِينَ وغَوّاصِينَ. وقَدْ كانَ يُجْلَبُ مِنَ المَمالِكِ المُجاوِرَةِ لَهُ والدّاخِلَةِ تَحْتَ ظِلِّ سُلْطانِهِ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ في بِناءِ القُصُورِ والحُصُونِ والمُدُنِ، وكانَتْ مَمْلَكَتُهُ عَظِيمَةً وكُلُّ المُلُوكِ يَخْشَوْنَ بَأْسَهُ ويُصانِعُونَهُ.

والمُقَرَّنُ: اسْمُ مَفْعُولٍ مِن قَرَنَهُ مُبالَغَةً في قَرْنِهِ؛ أيْ: جَعْلُهُ قَرِينًا لِغَيْرِهِ لا يَنْفَكُّ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ.

والأصْفادُ: جَمْعُ صَفَدٍ، بِفَتْحَتَيْنِ، وهو القَيْدُ. يُقالُ: صَفَّدَهُ، إذا قَيَّدَهُ.

وهَذا صِنْفٌ مِمَّنْ عُبِّرَ عَنْهم بِالشَّياطِينِ شَدِيدُ الشَّكِيمَةِ يُخْشى تَفَلُّتُهُ ويُرامُ أنْ يَسْتَمِرَّ، يَعْمَلُ أعْمالًا لا يُجِيدُها غَيْرُهُ فَيُصَفَّدُ في القُيُودِ لِيَعْمَلَ تَحْتَ حِراسَةِ الحُرّاسِ. وقَدْ كانَ أهْلُ الرَّأْيِ مِنَ المُلُوكِ يَجْعَلُونَ أصْحابَ الخَصائِصِ في الصِّناعاتِ مَحْبُوسِينَ حَيْثُ لا يَتَّصِلُونَ بِأحَدٍ لِكَيْلا يَسْتَهْوِيَهم جَواسِيسُ مُلُوكٍ آخَرِينَ يَسْتَصْنِعُونَهم لِيَتَخَصَّصَ أهْلُ تِلْكَ المَمْلَكَةِ بِخَصائِصِ تِلْكَ الصِّناعاتِ فَلا تُشارِكُها فِيها مَمْلَكَةٌ أُخْرى وبِخاصَّةٍ في صُنْعِ آلاتِ الحَرْبِ مِن سُيُوفٍ ونِبالٍ وقِسِيٍّ ودَرَقٍ ومِجانٍ وخُوَذٍ وبَيْضاتٍ ودُرُوعٍ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْنى مُقَرَّنِينَ في الأصْفادِ

صفحة ٢٦٧

حَقِيقَةً، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَمْثِيلًا لِمَنعِ الشَّياطِينِ مِنَ التَّفَلُّتِ.

وقَدْ كانَ مُلْكُ سُلَيْمانَ مُشْتَهِرًا بِصُنْعِ الدُّرُوعِ السّابِغاتِ المُتْقَنَةِ. يُقالُ: دُرُوعٌ سُلَيْمانِيَّةٌ. قالَ النّابِغَةُ:

وكُلُّ صَمُوتٍ نَثْلَةٍ تُبَّـعِيَّةٍ ∗∗∗ ونَسْجُ سُلَيْمٍ كُلَّ قَمْصاءَ ذائِلِ

أرادَ نَسْجَ سُلَيْمانَ، أيْ نَسْجَ صُنّاعِهِ.

38:39Page 455

هَٰذَا عَطَآؤُنَا فَٱمۡنُنۡ أَوۡ أَمۡسِكۡ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٩

[We said], "This is Our gift, so grant or withhold without account."

﴿هَذا عَطاؤُنا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ والإشارَةُ إلى التَّسْخِيرِ المُسْتَفادِ مِن ﴿سَخَّرْنا لَهُ الرِّيحَ﴾ [ص: ٣٦] إلى قَوْلِهِ تَعالى والشَّياطِينَ؛ أيْ: هَذا التَّسْخِيرُ عَطاؤُنا.

والإضافَةُ لِتَعْظِيمِ شَأْنِ المُضافِ لِانْتِسابِهِ إلى المُضافِ إلَيْهِ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَذا عَطاءٌ عَظِيمٌ أعْطَيْناكَهُ. والعَطاءُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى المُعْطى؛ مِثْلُ الخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ.

وامْنُنْ: أمْرٌ مُسْتَعْمَلٌ في الإذْنِ والإباحَةِ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ المَنِّ المُكَنّى بِهِ عَنِ الأنْعامِ، أيْ: فَأنْعِمْ عَلى مَن شِئْتَ بِالإطْلاقِ، أوْ أمْسِكْ في الخِدْمَةِ مَن شِئْتَ.

فالمَنُّ: كِنايَةٌ عَنِ الإطْلاقِ بِلازِمِ اللّازِمِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإمّا مَنًّا بَعْدُ وإمّا فِداءً﴾ [محمد: ٤] .

وجَمُلَتا فامْنُنْ أوْ أمْسِكْ: مُعْتَرِضَتانِ بَيْنَ قَوْلِهِ عَطاؤُنا وقَولِهِ بِغَيْرِ حِسابٍ، وهو تَفْرِيعٌ مُقَدَّمٌ مِن تَأْخِيرٍ.

والتَّقْدِيمُ لِتَعْجِيلِ المَسَرَّةِ بِالنِّعْمَةِ، ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى مِن بَعْدُ ﴿هَذا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وغَسّاقٌ﴾ [ص: ٥٧] وقَولُ عَنْتَرَةَ:

ولَقَدْ نَزَلْتِ فَلا تَظُنِّي غَيْرَهُ مِنِّي بِمَنزِلَةِ المُحَبِّ المُكْرَمِ

وقَولُ بَشّارٍ:

كَقائِلَةٍ إنَّ الحِمَـارَ فـَنَـحِّـهِ ∗∗∗ عَنِ القَتِّ أهلُ السِّمْسِمِ المُتَهَذِّبِ

مَجازًا وكِنايَةً في التَّحْدِيدِ والتَّقْدِيرِ، أيْ: هَذا عَطاؤُنا غَيْرَ مُحَدَّدٍ ولا مُقَتَّرٍ فِيهِ، أيْ: عَطاؤُنا واسِعًا وافِيًا لا تَضْيِيقَ فِيهِ عَلَيْكَ.

صفحة ٢٦٨

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِغَيْرِ حِسابٍ حالًا مِن ضَمِيرِ امْنُنْ أوْ أمْسِكْ، ويَكُونَ الحِسابُ بِمَعْنى المُحاسَبَةِ المُكَنّى بِها عَنِ المُؤاخَذَةِ. والمَعْنى: امْنُنْ أوْ أمْسِكْ لا مُؤاخَذَةَ عَلَيْكَ فِيمَن مَنَنْتَ عَلَيْهِ بِالإطْلاقِ إنْ كانَ مُفْسِدًا، ولا فِيمَن أمْسَكْتَهُ في الخِدْمَةِ إنْ كانَ صالِحًا.

38:40Page 455

وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٤٠

And indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.

﴿وإنَّ لَهُ عِنْدَنا لَزُلْفى وحُسْنَ مَآبٍ﴾ تَقَدَّمَ نَظِيرُهُ آنِفًا في قِصَّةِ داوُدَ وبَيانُ نُكْتَةِ التَّأْكِيدِ بِحَرْفِ إنَّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском