Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:19–27

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:19–27

43:19Page 490

وَجَعَلُواْ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ ٱلَّذِينَ هُمۡ عِبَٰدُ ٱلرَّحۡمَٰنِ إِنَٰثًاۚ أَشَهِدُواْ خَلۡقَهُمۡۚ سَتُكۡتَبُ شَهَٰدَتُهُمۡ وَيُسۡـَٔلُونَ ١٩

And they described the angels, who are servants of the Most Merciful, as females. Did they witness their creation? Their testimony will be recorded, and they will be questioned.

﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ الَّذِينَ هم عِنْدَ الرَّحْمَنِ إناثًا أاشْهِدُوا خَلْقَهم سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْئَلُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (﴿وجَعَلُوا لَهُ مِن عِبادِهِ جُزْءًا﴾ [الزخرف: ١٥]) أُعِيدَ ذَلِكَ مَعَ تَقَدُّمِ ما يُغْنِي عَنْهُ مِن قَوْلِهِ: ﴿أمِ اتَّخَذَ مِمّا يَخْلُقُ بَناتٍ﴾ [الزخرف: ١٦] لِيُبْنى عَلَيْهِ الإنْكارُ عَلَيْهِمْ بَقَوْلِهِ: (﴿أشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾) اسْتِقْراءً لِإبْطالِ مَقالِهِمْ إذْ أُبْطِلَ ابْتِداءً بِمُخالَفَتِهِ لِدَلِيلِ العَقْلِ وبِمُخالَفَتِهِ لِما يَجِبُ لِلَّهِ مِنَ الكَمالِ، فَكَمُلَ هُنا إبْطالُهُ بِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَنِدٍ لِدَلِيلِ الحِسِّ.

وجُمْلَةُ (﴿الَّذِينَ هم عِنْدَ الرَّحْمَنِ﴾) صِفَةُ المَلائِكَةِ.

قَرَأ نافِعٌ وابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ وأبُو جَعْفَرٍ ويَعْقُوبُ (عِنْدَ) بِعَيْنٍ فَنُونٍ ودالٍ مَفْتُوحَةٍ والعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ تَشْرِيفٍ، أيِ الَّذِينَ هم مَعْدُودُونَ في حَضْرَةِ القُدْسِ المُقَدَّسَةِ بِتَقْدِيسِ اللَّهِ فَهم يَتَلَقَّوْنَ الأمْرَ مِنَ اللَّهِ بِدُونِ وساطَةٍ وهم دائِبُونَ عَلى عِبادَتِهِ، فَكَأنَّهم في حَضْرَةِ اللَّهِ، وهَذا كَقَوْلِهِ: ﴿ولَهُ ما في السَّماواتِ والأرْضِ ومَن عِنْدَهُ﴾ [الأنبياء: ١٩]

صفحة ١٨٣

وقَوْلِهِ: ﴿إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبادَتِهِ﴾ [الأعراف: ٢٠٦] ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيءِ ﷺ «تَحاجَّ آدَمُ ومُوسى عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ» الحَدِيثَ، فالعِنْدِيَّةُ مَجازٌ والقَرِينَةُ هي شَأْنُ مَن أُضِيفَتْ إلَيْهِ (عِنْدَ) .

وقَرَأ الباقُونَ عِبادُ الرَّحْمَنِ بِعَيْنٍ ومُوَحَّدَةٍ بَعْدَها ألْفٌ ثُمَّ دالٌ مَضْمُومَةٌ عَلى مَعْنى: الَّذِينَ هم عِبادٌ مُكْرَمُونَ، فالإضافَةُ إلى اسْمِ الرَّحْمَنِ تُفِيدُ تَشْرِيفَهم، قالَ تَعالى: ﴿بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦] والعُبُودِيَّةُ عُبُودِيَّةٌ خاصَّةٌ وهي عُبُودِيَّةُ القُرْبِ كَقَوْلِهِ تَعالى فَكَذَّبُوا عَبْدَنا.

وجُمْلَةُ آاشْهِدُوا خَلْقَهم مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وجَعَلُوا المَلائِكَةَ﴾ وجُمْلَةِ ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .

وقَرَأ نافِعٌ وأبُو جَعْفَرٍ بِهَمْزَتَيْنِ أُولاهُما مَفْتُوحَةٌ والأُخْرى مَضْمُومَةٌ وسُكُونِ شِينِ (اشْهِدُوا) مَبْنِيًّا لِلنّائِبِ، وكَيْفِيَّةُ أداءِ الهَمْزَتَيْنِ يَجْرِي عَلى حُكْمِ الهَمْزَتَيْنِ في قِراءَةِ نافِعٍ، وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ فالهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو لِلْإنْكارِ والتَّوْبِيخِ. وجِيءَ بِصِيغَةِ النّائِبِ عَنِ الفاعِلِ دُونَ صِيغَةِ الفاعِلِ لِأنَّ الفاعِلَ مَعْلُومٌ أنَّهُ اللَّهُ تَعالى لِأنَّ العالَمَ العُلْوِيَّ الَّذِي كانَ فِيهِ خَلْقُ المَلائِكَةِ لا يَحْضُرُهُ إلّا مَن أمَرَ اللَّهُ بِحُضُورِهِ؛ ألا تَرى إلى ما ورَدَ في حَدِيثِ الإسْراءِ مِن قَوْلِ كُلِّ مَلَكٍ مُوَكَّلٍ بِبابٍ مِن أبْوابِ السَّماواتِ لِجِبْرِيلَ حِينَ يَسْتَفْتِحُ «مَن أنْتَ ؟ قالَ: جِبْرِيلُ، قالَ: ومَن مَعَكَ ؟ قالَ: مُحَمَّدٌ قالَ: وقَدْ أُرْسِلَ إلَيْهِ ؟ قالَ: نَعَمْ، قالَ: مَرْحَبًا ونِعْمَ المَجِيءُ جاءَ وفَتَحَ لَهُ» .

والمَعْنى: أأشْهَدَهُمُ اللَّهُ خَلْقَ المَلائِكَةِ، وكَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما أشْهَدْتُهم خَلْقَ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الكهف: ٥١] .

وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مَفْتُوحَةٍ فَشِينٍ مَفْتُوحَةٍ بِصِيغَةِ الفِعْلِ، فالهَمْزَةُ لِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ دَخَلَتْ عَلى فِعْلِ (شَهِدَ)، أيْ ما حَضَرُوا خَلْقَ المَلائِكَةِ عَلى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أمْ خَلَقْنا المَلائِكَةَ إناثًا وهم شاهِدُونَ﴾ [الصافات: ١٥٠] .

وجُمْلَةُ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ أأُشْهِدُوا خَلْقَهم لِأنَّ

صفحة ١٨٤

ذَلِكَ الإنْكارَ يَشْتَمِلُ عَلى الوَعِيدِ. وهَذا خَبَرٌ مُسْتَعْمَلٌ في التَّوَعُّدِ. وكِتابَةُ الشَّهادَةِ كِنايَةٌ عَنْ تَحَقُّقِ العَذابِ عَلى كَذِبِهِمْ كَما تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى سَنَكْتُبُ ما قالُوا. والسِّينُ في سَنَكْتُبُ لِتَأْكِيدِ الوَعِيدِ.

والمُرادُ بِشَهادَتِهِمْ: ادِّعاؤُهم أنَّ المَلائِكَةَ إناثٌ، وأطْلَقَ عَلَيْها شَهادَةً تَهَكُّمًا بِهِمْ.

والسُّؤالُ سُؤالُ تَهْدِيدٍ وإنْذارٍ بِالعِقابِ ولَيْسَ مِمّا يُتَطَلَّبُ عَنْهُ جَوابٌ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْألُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: ٨]، ومِنهُ قَوْلُ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ:

لَذاكَ أهْيَبُ عِنْدِي إذْ أُكَلِّمُهُ وقِيلَ إنَّكَ مَنسُوبٌ ومَسْئُولٌ

أيْ مَسْئُولٌ عَمّا سَبَقَ مِنكَ مِنَ التَّكْذِيبِ الَّذِي هو مَعْلُومٌ لِلسّائِلِ.

43:20Page 490

وَقَالُواْ لَوۡ شَآءَ ٱلرَّحۡمَٰنُ مَا عَبَدۡنَٰهُمۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنۡ عِلۡمٍۖ إِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٢٠

And they said, "If the Most Merciful had willed, we would not have worshipped them." They have of that no knowledge. They are not but misjudging.

﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَئِنْ سَألْتَهم مَن خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ العَزِيزُ العَلِيمُ﴾ [الزخرف: ٩]، فَإنَّها اسْتِدْلالٌ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى وعَلى أنَّ مَعْبُوداتِهِمْ غَيْرُ أهْلٍ لِأنْ تُعْبَدَ. فَحُكِيَ هُنا ما اسْتَظْهَرُوهُ مِن مَعاذِيرِهِمْ عِنْدَ نُهُوضِ الحُجَّةِ عَلَيْهِمْ يَرُومُونَ بِها إفْحامَ النَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ فَيَقُولُونَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما عَبَدْنا الأصْنامَ، أيْ لَوْ أنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ أنْ نَعْبُدَها لَكانَ اللَّهُ صَرَفَنا عَنْ أنْ نَعْبُدَها، وتَوَهَّمُوا أنَّ هَذا قاطِعٌ لِجِدالِ النَّبِيءِ ﷺ لَهم لِأنَّهم سَمِعُوا مِن دِينِهِ أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في الحَوادِثِ فَتَأوَّلُوهُ عَلى غَيْرِ المُرادِ مِنهُ. فَضَمِيرُ الغَيْبَةِ في ما عَبَدْناهم عائِدٌ إلى مَعْلُومٍ مِنَ المَقامِ ومِن ذِكْرِ فِعْلِ العِبادَةِ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وهُمُ الغالِبُ، وأقْوامٌ مِنهم يَعْبُدُونَ الجِنَّ؛ قالَ تَعالى: ﴿بَلْ كانُوا يَعْبُدُونَ الجِنَّ﴾ [سبإ: ٤١] .

قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كانَ نَفَرٌ مِنَ العَرَبِ يَعْبُدُونَ الجِنَّ، وأقْوامٌ يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ مِثْلَ بَنِي مُلَيْحٍ بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ وبِحاءٍ مُهْمَلَةٍ وهم حَيٌّ مِن خُزاعَةَ. فَضَمِيرُ جَمْعِ

صفحة ١٨٥

المُذَكِّرِ تَغْلِيبٌ ولَيْسَ عائِدًا إلى المَلائِكَةِ لِأنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَ المَلائِكَةَ إناثًا فَلَوْ أرادُوا المَلائِكَةَ لَقالُوا: ما عَبَدْناها أوْ: ما عَبَدْناهُنَّ.

وهَذا هو الوَجْهُ في مَعْنى الآيَةِ. ومِثْلُهُ مَرْوِيٌّ عَنْ مُجاهِدٍ وابْنِ جُرَيْجٍ واقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطَبَرِيُّ وابْنُ عَطِيَّةَ، ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ مُعادَ الضَّمِيرِ (المَلائِكَةَ) ولَعَلَّهم حَمَلَهم عَلى ذَلِكَ وُقُوعُ هَذا الكَلامِ عَقِبَ حِكايَةِ قَوْلِهِمْ في المَلائِكَةِ: إنَّهم إناثٌ ولَيْسَ اقْتِرانُ كَلامٍ بِكَلامٍ بِمُوجِبٍ اتِّحادَ مَحْمَلَيْهِما. وعَلى هَذا التَّفْسِيرِ دَرَجَ صاحِبُ الكَشّافِ وهو بَعِيدٌ عَنِ اللَّفْظِ لِتَذْكِيرِ الضَّمِيرِ كَما عَلِمْتَ، ومِنَ الواقِعِ؛ لِأنَّ العَرَبَ لَمْ يَعْبُدْ مِنهُمُ المَلائِكَةَ إلّا طَوائِفُ قَلِيلَةٌ عَبَدُوا الجِنَّ والمَلائِكَةَ مَعَ الأصْنامِ ولَيْسَتْ هي الدِّيانَةَ العامَّةَ لِلْعَرَبِ. وهَذِهِ المَقالَةُ مَثارُها تَخْلِيطُ العامَّةِ والدَّهْماءِ مِن عَهْدِ الجاهِلِيَّةِ بَيْنَ المَشِيئَةِ والإرادَةِ. وبَيْنَ الرِّضا والمَحَبَّةِ، فالعَرَبُ كانُوا يَقُولُونَ: شاءَ اللَّهُ وإنْ شاءَ اللَّهُ، وقالَ طَرَفَةُ:

فَلَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ عاصِمٍ ولَوْ شاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ

فَبَنَوْا عَلى ذَلِكَ تَخْلِيطًا بَيْنَ مَشِيئَةِ اللَّهِ بِمَعْنى تَعَلُّقِ إرادَتِهِ بِوُقُوعِ شَيْءٍ، وبَيْنَ مَشِيئَتِهِ الَّتِي قَدَّرَها في نِظامِ العالَمِ مِن إناطَةِ المُسَبَّباتِ بِأسْبابِها، واتِّصالِ الآثارِ بِمُؤَثِّراتِها الَّتِي رَتَّبَها اللَّهُ بِقَدَرٍ حِينَ كَوَّنَ العالَمَ ونَظَّمَهُ وأقامَ لَهُ سُنَنًا ونَوامِيسَ لا تَخْرُجُ عَنْ مَدارِها إلّا إذا أرادَ اللَّهُ قَلْبَ نُظُمِها لِحِكْمَةٍ أُخْرى.

فَمَشِيئَةُ اللَّهِ بِالمَعْنى الأوَّلِ يَدُلُّ عَلَيْها ما أقامَهُ مِن نِظامِ أحْوالِ العالَمِ وأهْلِهِ. ومَشِيئَتُهُ بِالمَعْنى الثّانِي تَدُلُّ عَلَيْها شَرائِعُهُ المَبْعُوثَةُ بِها رُسُلُهُ.

وهَذا التَّخْلِيطُ بَيْنَ المَشِيئَتَيْنِ هو مَثارُ خَبْطِ أهْلِ الضَّلالاتِ مِنَ الأُمَمِ، ومَثارُ حَيْرَةِ أهْلِ الجَهالَةِ والقُصُورِ مِنَ المُسْلِمِينَ في مَعْنى القَضاءِ والقَدَرِ ومَعْنى التَّكْلِيفِ والخِطابِ. وقَدْ بَيَّنّا ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أشْرَكُوا لَوْ شاءَ اللَّهُ ما أشْرَكْنا ولا آباؤُنا ولا حَرَّمْنا مِن شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ حَتّى ذاقُوا بَأْسَنا﴾ [الأنعام: ١٤٨] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وهَذا القَوْلُ الصّادِرُ مِنهم يُنْتَظَرُ مِنهُ قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ أنْ يُقالَ: لَوْ شاءَ اللَّهُ ما

صفحة ١٨٦

عَبَدْنا الأصْنامَ، بِدَلِيلِ أنَّ اللَّهَ هو المُتَصَرِّفُ في شُئُونِنا وُشُئُونِ الخَلائِقِ، لَكِنّا عَبَدْنا الأصْنامَ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ فَقَدْ شاءَ اللَّهُ أنْ نَعْبُدَ الأصْنامَ.

وقَدْ أُجِيبُوا عَنْ قَوْلِهِمْ بَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ﴾ أيْ لَيْسَ لَهم مُسْتَنَدٌ ولا حُجَّةٌ عَلى قِياسِهِمْ لِأنَّ مُقَدَّمَ القِياسِ الِاسْتِثْنائِيِّ وهو: ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ - مَبْنِيٌّ عَلى التِباسِ المَشِيئَةِ التَّكْوِينِيَّةِ بِالمَشِيئَةِ التَّكْلِيفِيَّةِ فَكانَ قِياسُهم خَلِيًّا عَنِ العِلْمِ وهو اليَقِينُ، فَلِذَلِكَ قالَ اللَّهُ ﴿ما لَهم بِذَلِكَ﴾ أيْ بَقَوْلِهِمْ ذَلِكَ ﴿مِن عِلْمٍ﴾ بَلْ هو مِن جَهالَةِ السَّفْسَطَةِ واللَّبْسِ.

والإشارَةُ إلى الكَلامِ المَحْكِيِّ بَقَوْلِهِ: ﴿وقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ﴾ .

وجُمْلَةُ ﴿إنْ هم إلّا يَخْرُصُونَ﴾ بَيانٌ لِجُمْلَةِ ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ.

والخَرْصُ: التَّوَهُّمُ والظَّنُّ الَّذِي لا حُجَّةَ فِيهِ؛ قالَ تَعالى: قُتِلَ الخَرّاصُونَ.

43:21Page 490

أَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُمۡ كِتَٰبٗا مِّن قَبۡلِهِۦ فَهُم بِهِۦ مُسۡتَمۡسِكُونَ ٢١

Or have We given them a book before it [i.e., the Qur’ān] to which they are adhering?

﴿أمْ آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ إضْرابٌ انْتِقالِيٌّ، عُطِفَ عَلى جُمْلَةِ: ما لَهم بِذَلِكَ مِن عِلْمٍ. فَبَعْدَ أنْ نَفى أنْ يَكُونَ قَوْلُهم: لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهم مُسْتَنِدًا إلى حُجَّةِ العَقْلِ، انْتَقَلَ إلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ مُسْتَنِدًا إلى حُجَّةِ النَّقْلِ عَنْ إخْبارِ العالِمِ بِحَقائِقِ الأشْياءِ الَّتِي هي مِن شُئُونِهِ.

واجْتَلَبَ لِلْإضْرابِ حَرْفَ (أمْ) دُونَ (بَلْ) لِما تُؤْذِنُ بِهِ (أمْ) مِنِ اسْتِفْهامٍ بَعْدَها، وهو إنْكارِيٌّ. والمَعْنى: وما آتَيْناهم كِتابًا مِن قَبْلِهِ. وضَمِيرُ (مِن قَبْلِهِ) عائِدٌ إلى القُرْآنِ المَذْكُورِ في أوَّلِ السُّورَةِ. وفي قَوْلِهِ: ﴿وإنَّهُ في أُمِّ الكِتابِ لَدَيْنا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ [الزخرف: ٤] . وفي هَذا ثَناءٌ ثالِثٌ عَلى القُرْآنِ ضِمْنِيٌّ لِاقْتِضائِهِ أنَّ القُرْآنَ لا يَأْتِي إلّا بِالحَقِّ الَّذِي يُسْتَمْسَكُ بِهِ.

وهَذا تَمْهِيدٌ لِلتَّخَلُّصِ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢] .

و(مِن) مَزِيدَةٌ لِتَوْكِيدِ مَعْنى (قَبْلَ) . والضَّمِيرُ المُضافُ إلَيْهِ (قَبْلَ) ضَمِيرُ

صفحة ١٨٧

القُرْآنِ ولَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ مُعادٌ في اللَّفْظِ ولَكِنَّهُ ظاهِرٌ مِن دَلالَةِ قَوْلِهِ: (كِتابًا) .

و(مُسْتَمْسِكُونَ) مُبالَغَةٌ في مُمْسِكُونَ؛ يُقالُ: أمْسَكَ بِالشَّيْءِ: إذا شَدَّ عَلَيْهِ يَدَهُ، وهو مُسْتَعْمَلٌ مَجازًا في مَعْنى الثَّباتِ عَلى الشَّيْءِ؛ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣] .

43:22Page 490

بَلۡ قَالُوٓاْ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّهۡتَدُونَ ٢٢

Rather, they say, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are in their footsteps [rightly] guided."

﴿بَلْ قالُوا إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ هَذا إضْرابُ إبْطالٍ عَنِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَهم بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾ [الزخرف: ٢١] فَهو إبْطالٌ لِلْمَنفِيِّ لا لِلنَّفْيِ؛ أيْ لَيْسَ لَهم عِلْمٌ فِيما قالُوهُ ولا نَقْلٌ. فَكانَ هَذا الكَلامُ مَسُوقًا مَساقَ الذَّمِّ لَهم إذْ لَمْ يُقارِنُوا بَيْنَ ما جاءَهم بِهِ الرَّسُولُ وبَيْنَ ما تَلَقَّوْهُ مِن آبائِهِمْ فَإنَّ شَأْنَ العاقِلِ أنْ يُمَيِّزَ ما يُلْقى إلَيْهِ مِن الِاخْتِلافِ ويَعْرِضَهُ عَلى مِعْيارِ الحَقِّ.

والأُمَّةُ هُنا بِمَعْنى المِلَّةِ والدِّينِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى في سُورَةِ الأنْبِياءِ: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكم أُمَّةً واحِدَةً﴾ [الأنبياء: ٩٢]، وقَوْلِ النّابِغَةِ:

وهَلْ يَأْثَمَن ذُو أُمَّةٍ وهو طائِعُ

أيْ ذُو دِينٍ.

و(عَلى) اسْتِعارَةُ تَبَعِيَّةٌ لِلْمُلابَسَةِ والتَّمَكُّنِ.

وقَوْلُهُ: (﴿عَلى آثارِهِمْ﴾) خَبَرُ (إنَّ) . و(مُهْتَدُونَ) خَبَرٌ ثانٍ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (﴿عَلى آثارِهِمْ﴾) مُتَعَلِّقًا بِـ (مُهْتَدُونَ) بِتَضْمِينِ (مُهْتَدُونَ) مَعْنى (سائِرُونَ) أيْ أنَّهم لا حُجَّةَ لَهم في عِبادَتِهِمُ الأصْنامَ إلّا تَقْلِيدُ آبائِهِمْ، وذَلِكَ ما يَقُولُونَهُ عِنْدَ المُحاجَّةِ إذْ لا حُجَّةَ لَهم غَيْرُ ذَلِكَ.

وجَعَلُوا اتِّباعَهم إيّاهُمُ اهْتِداءً لِشِدَّةِ غُرُورِهِمْ بِأحْوالِ آبائِهِمْ بِحَيْثُ لا يَتَأمَّلُونَ في مُصادَمَةِ أحْوالِهِمْ لِلْحَقِّ.

43:23Page 491

وَكَذَٰلِكَ مَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتۡرَفُوهَآ إِنَّا وَجَدۡنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰٓ أُمَّةٖ وَإِنَّا عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِم مُّقۡتَدُونَ ٢٣

And similarly, We did not send before you any warner into a city except that its affluent said, "Indeed, we found our fathers upon a religion, and we are, in their footsteps, following."

صفحة ١٨٨

﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ إلّا قالَ مُتْرَفُوها إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ لِتَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلى تَمَسُّكِ المُشْرِكِينَ بِدِينِ آبائِهِمْ، والإشارَةُ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِمْ: إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ، أيْ ومِثْلُ قَوْلِهِمْ ذَلِكَ قالَ المُتْرَفُونَ مِن أهْلِ القُرى المُرْسَلُ إلَيْهِمُ الرُّسُلُ مِن قَبْلِكَ.

والواوُ لِلْعَطْفِ أوْ لِلِاعْتِراضِ (وما الواوُ الِاعْتِراضِيَّةُ في الحَقِيقَةِ إلّا تَعْطِفُ الجُمْلَةَ المُعْتَرِضَةَ عَلى الجُمْلَةِ الَّتِي قَبْلَها عَطْفًا لَفْظِيًّا) .

والمَقْصُودُ أنَّ هَذِهِ شَنْشَنَةُ أهْلِ الضَّلالِ مِنَ السّابِقِينَ واللّاحِقِينَ، قَدِ اسْتَوَوْا فِيهِ كَما اسْتَوَوْا في مُثارِهِ وهو النَّظَرُ القاصِرُ المُخْطِئُ، كَما قالَ تَعالى: ﴿أتَواصَوْا بِهِ بَلْ هم قَوْمٌ طاغُونَ﴾ [الذاريات: ٥٣]، أيْ بَلْ هُمُ اشْتَرَكُوا في سَبَبِهِ الباعِثِ عَلَيْهِ وهو الطُّغْيانُ.

ويَتَضَمَّنُ هَذا تَسْلِيَةً لِلرَّسُولِ ﷺ عَلى ما لَقِيَهُ مِن قَوْمِهِ، بِأنَّ الرُّسُلَ مِن قَبْلِهِ لَقُوا مِثْلَ ما لَقِيَ.

وكافُ التَّشْبِيهِ مُتَعَلِّقٌ بَقَوْلِهِ: (﴿قالَ مُتْرَفُوها﴾) وقُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ لِلِاهْتِمامِ بِهَذِهِ المُشابَهَةِ والتَّشْوِيقِ لِما يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الإشارَةِ.

وجُمْلَةُ: إلّا قالَ مُتْرَفُوها. في مَوْضِعِ الحالِ؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ هُنا مِن أحْوالٍ مُقَدَّرَةٍ؛ أيْ ما أرْسَلْنا إلى أهْلِ قَرْيَةٍ في حالٍ مِن أحْوالِهِمْ إلّا في حالِ قَوْلٍ قالَهُ مُتْرَفُوها: إنّا وجَدْنا آباءَنا إلَخْ.

والمُتْرَفُونَ: جَمْعُ المُتْرَفِ وهو الَّذِي أُعْطِيَ التَّرَفَ، أيِ النِّعْمَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وارْجِعُوا إلى ما أُتْرِفْتُمْ فِيهِ﴾ [الأنبياء: ١٣] في سُورَةِ الأنْبِياءِ.

والمَعْنى: أنَّهم مِثْلُ قُرَيْشٍ في الِازْدِهاءِ بِالنِّعْمَةِ الَّتِي هم فِيها، أيْ في بَطَرِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ. فالتَّشْبِيهُ يَقْتَضِي أنَّهم مِثْلُ الأُمَمِ السّالِفَةِ في سَبَبِ الِازْدِهاءِ وهو ما هم

صفحة ١٨٩

فِيهِ مِن نِعْمَةٍ حَتّى نَسُوا احْتِياجَهم إلى اللَّهِ تَعالى، قالَ تَعالى: ﴿وذَرْنِي والمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ ومَهِّلْهم قَلِيلًا﴾ [المزمل: ١١] .

وقَدْ جاءَ في حِكايَةِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ الحاضِرِينَ وصْفُهم أنْفُسَهم بِأنَّهم مُهْتَدُونَ بِآثارِ آبائِهِمْ، وجاءَ في حِكايَةِ أقْوالِ السّابِقَيْنِ وصْفُهم أنْفُسَهم بِأنَّهم بِآبائِهِمْ مُقْتَدُونَ، لِأنَّ أقْوالَ السّابِقَيْنِ كَثِيرَةٌ مُخْتَلِفَةٌ يَجْمَعُ مُخْتَلِفَها أنَّها اقْتِداءٌ بِآبائِهِمْ، فَحِكايَةُ أقْوالِهِمْ مِن قَبِيلِ حِكايَةِ القَوْلِ بِالمَعْنى، وحِكايَةُ القَوْلِ بِالمَعْنى طَرِيقَةٌ في حِكايَةِ الأقْوالِ كَثُرَ وُرُودُها في القُرْآنِ وكَلامِ العَرَبِ.

43:24Page 491

۞ قَٰلَ أَوَلَوۡ جِئۡتُكُم بِأَهۡدَىٰ مِمَّا وَجَدتُّمۡ عَلَيۡهِ ءَابَآءَكُمۡۖ قَالُوٓاْ إِنَّا بِمَآ أُرۡسِلۡتُم بِهِۦ كَٰفِرُونَ ٢٤

[Each warner] said, "Even if I brought you better guidance than that [religion] upon which you found your fathers?" They said, "Indeed we, in that with which you were sent, are disbelievers."

﴿قُلْ أوَلَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِمّا وجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ (قُلْ) بِصِيغَةِ فِعْلِ الأمْرِ لِمُفْرَدٍ فَيَكُونُ أمْرًا لِلرَّسُولِ ﷺ بِأنْ يَقُولَهُ جَوابًا عَنْ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] .

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحَفْصٌ (قالَ) بِصِيغَةِ فِعْلِ المُضِيِّ المُسْنَدِ إلى المُفْرَدِ الغائِبِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ عائِدًا إلى نَذِيرِ الَّذِينَ قالُوا ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] . فَحَصَلَ مِنَ القِراءَتَيْنِ أنَّ جَمِيعَ الرُّسُلِ أجابُوا أقْوامَهم بِهَذا الجَوابِ، وعَلى كِلْتا القِراءَتَيْنِ جاءَ فِعْلُ (قُلْ) أوْ (قالَ) مَفْصُولًا غَيْرَ مَعْطُوفٍ لِأنَّهُ واقِعٌ في مَجالِ المُحاوَرَةِ كَما تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ، مِنها قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالُوا أتَجْعَلُ فِيها مَن يُفْسِدُ فِيها﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ (جِئْتُكم) بِضَمِيرِ تاءِ المُتَكَلِّمِ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ (جِئْناكم) بِنُونِ ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ المُشارِكِ وأبُو جَعْفَرٍ مِنَ الَّذِينَ قَرَأُوا (قُلْ) بِصِيغَةِ الأمْرِ فَيَكُونُ ضَمِيرُ (جِئْناكم) عائِدًا لِلنَّبِيءِ ﷺ المُخاطَبِ بِفِعْلِ (قُلْ) لِتَعْظِيمِهِ ﷺ مِن جانِبِ رَبِّهِ تَعالى الَّذِي خاطَبَهُ بَقَوْلِهِ: (قُلْ) .

والواوُ في قَوْلِهِ: (أوَلَوْ) عاطِفَةٌ الكَلامَ المَأْمُورَ بِهِ عَلى كَلامِهِمْ، وهَذا العَطْفُ مِمّا يُسَمّى عَطْفَ التَّلْقِينِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ إبْراهِيمَ: ﴿قالَ ومِن ذُرِّيَّتِي﴾ [البقرة: ١٢٤] .

صفحة ١٩٠

والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ التَّقْرِيرِيِّ المَشُوبِ بِالإنْكارِ. وقُدِّمَتْ عَلى الواوِ لِأجْلِ التَّصْدِيرِ.

و(لَوْ) وصْلِيَّةٌ، و(لَوْ) الوَصْلِيَّةُ تَقْتَضِي المُبالَغَةَ بِنِهايَةِ مَدْلُولِ شَرْطِها كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولَوِ افْتَدى بِهِ﴾ [آل عمران: ٩١] في آلِ عِمْرانَ، أيْ لَوْ جِئْتُكم بِأهْدى مِن دِينِ آبائِكم تَبْقَوْنَ عَلى دِينِ آبائِكم وتَتْرُكُونَ ما هو أهْدى.

والمَقْصُودُ مِن الِاسْتِفْهامِ تَقْرِيرُهم عَلى ذَلِكَ لِاسْتِدْعائِهِمْ إلى النَّظَرِ فِيما اتَّبَعُوا فِيهِ آباءَهم لَعَلَّ ما دَعاهم إلَيْهِ الرَّسُولُ أهْدى مِنهم.

وصَوْغُ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِنَ الهَدْيِ إرْخاءٌ لِلْعِنانِ لَهم لِيَتَدَبَّرُوا، نَزَّلَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مَنزِلَةَ ما فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الهُدى اسْتِنْزالًا لِطائِرِ المُخاطَبِينَ لِيَتَصَدَّوْا لِلنَّظَرِ كَقَوْلِهِ: ﴿وإنّا أوْ إيّاكم لَعَلى هُدًى أوْ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ [سبإ: ٢٤] .

* * *

﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣]، لِأنَّ ذَلِكَ يَشْتَمِلُ عَلى مَعْنى: لا نَتَّبِعُكم ونَتْرُكُ ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا، وضَمِيرُ (قالُوا) راجِعٌ إلى (مُتْرَفُوها) لِأنَّ مَوْقِعَ جُمْلَةِ (﴿فانْتَقَمْنا مِنهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٥]) يُعَيِّنُ أنَّ هَؤُلاءِ القائِلِينَ وقَعَ الِانْتِقامُ مِنهم فَلا يَكُونُ مِنهُمُ المُشْرِكُونَ الَّذِينَ وقَعَ تَهْدِيدُهم بِأُولَئِكَ.

وقَوْلُهم: ما أُرْسِلْتُمْ بِهِ. يَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً لِقَوْلِهِمْ، فَإطْلاقُهُمُ اسْمَ الإرْسالِ عَلى دَعْوَةِ رُسُلِهِمْ تَهَكُّمٌ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿مالِ هَذا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ﴾ [الفرقان: ٧] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حِكايَةً بِالمَعْنى وإنَّما قالُوا إنّا بِما زَعَمْتُمْ أنَّكم مُرْسَلُونَ بِهِ، وما أُرْسِلُوا بِهِ تَوْحِيدُ الإلَهِ.

43:25Page 491

فَٱنتَقَمۡنَا مِنۡهُمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٢٥

So We took retribution from them; then see how was the end of the deniers.

﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالُوا إنّا بِما أُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٢٤]، أيِ انْتَقَمْنا مِنهم عَقِبَ

صفحة ١٩١

تَصْرِيحِهِمْ بِتَكْذِيبِ الرُّسُلِ. وهَذا تَهْدِيدٌ بِالِانْتِقامِ مِنَ الَّذِينَ شابَهُوهم في مَقالِهِمْ، وهم كُفّارُ قُرَيْشٍ.

والِانْتِقامُ افْتِعالٌ مِنَ النَّقْمِ وهو المُكافَأةُ بِالسُّوءِ، وصِيغَةُ الِافْتِعالِ لِمُجَرَّدِ المُبالَغَةِ، يُقالُ: نَقِمَ كَعَلِمَ وضَرَبَ: إذا كافَأ عَلى السُّوءِ بِسُوءٍ، وفي مَثَلٍ: هو كالأرْقَمِ إنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ وإنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ. الأرْقَمُ: ضَرْبٌ مِنَ الحَيّاتِ يَعْتَقِدُ العَرَبُ أنَّهُ مِنَ الجِنِّ فَإنْ تَرَكَهُ المَرْءُ يَتَسَوَّرُ عَلَيْهِ فَيَلْسَعُهُ ويَقْتُلُهُ وإنْ قَتَلَهُ المَرْءُ انْتَقَمَ بِتَأْثِيرِهِ فَأماتَ قاتِلَهُ، وهَذا مِن أوْهامِ العَرَبِ.

والمُرادُ بِالِانْتِقامِ اسْتِئْصالُهم وانْقِراضُهم. وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فانْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ﴾ [الأعراف: ١٣٦] في سُورَةِ الأعْرافِ.

ولِذَلِكَ فالنَّظَرُ في قَوْلِهِ: ﴿فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ نَظَرُ التَّفَكُّرِ والتَّأمُّلِ فِيما قَصَّ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِن أخْبارِهِمْ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ سَنَنْظُرُ أصَدَقْتَ أمْ كُنْتَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ [النمل: ٢٧] في سُورَةِ النَّمْلِ، ولَيْسَ نَظَرَ البَصَرِ؛ إذْ لَمْ يَرَ النَّبِيءُ حالَةَ الِانْتِقامِ فِيهِمْ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ، أيْ لِكُلِّ مَن يَتَأتّى مِنهُ التَّأمُّلُ.

و(كَيْفَ) اسْتِفْهامٌ عَنِ الحالَةِ وهو قَدْ عَلَّقَ فِعْلَ النَّظَرِ عَنْ مَفْعُولِهِ.

43:26–27Page 491

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوۡمِهِۦٓ إِنَّنِي بَرَآءٞ مِّمَّا تَعۡبُدُونَ ٢٦

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said to his father and his people, "Indeed, I am disassociated from that which you worship

إِلَّا ٱلَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُۥ سَيَهۡدِينِ ٢٧

Except for He who created me; and indeed, He will guide me."

﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ ﴿إلّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينَ﴾ لَمّا ذَكَّرَهُمُ اللَّهُ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ وشَبَّهَ حالَهم بِحالِهِمْ ساقَ لَهم أمْثالًا في ذَلِكَ مِن مَواقِفِ الرُّسُلِ مَعَ أُمَمِهِمْ مِنها قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ.

وابْتَدَأ بِذِكْرِ إبْراهِيمَ وقَوْمِهِ إبْطالًا لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ: ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]، بِأنَّ أوْلى آبائِهِمْ بِأنْ يَقْتَدُوا بِهِ هو أبُوهُمُ الَّذِي يَفْتَخِرُونَ بِنِسْبَتِهِ إبْراهِيمُ.

صفحة ١٩٢

وجُمْلَةُ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾ عَطْفٌ عَلى عُمُومِ الكَلامِ السّابِقِ مِن قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ ما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ في قَرْيَةٍ مِن نَذِيرٍ﴾ [الزخرف: ٢٣] إلى قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ﴾، وهو عَطْفُ الغَرَضِ عَلى الغَرَضِ.

و(إذْ) ظَرْفٌ مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ، تَقْدِيرُهُ: واذْكُرْ إذْ قالَ إبْراهِيمُ، ونَظائِرُ هَذا كَثِيرَةٌ في القُرْآنِ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إنِّي جاعِلٌ في الأرْضِ خَلِيفَةً﴾ [البقرة: ٣٠] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والمَعْنى: واذْكُرْ زَمانَ قَوْلِ إبْراهِيمَ لِأبِيهِ وقَوْمِهِ قَوْلًا صَرِيحًا في التَّبَرِّي مِن عِبادَةِ الأصْنامِ.

وخُصَّ أبُو إبْراهِيمَ بِالذِّكْرِ قَبْلَ ذِكْرِ قَوْمِهِ وما هو إلّا واحِدٌ مِنهُمُ اهْتِمامًا بِذِكْرِهِ لِأنَّ بَراءَةَ إبْراهِيمَ مِمّا يَعْبُدُ أبُوهُ أدَلُّ عَلى تَجَنُّبِ عِبادَةِ الأصْنامِ بِحَيْثُ لا يُتَسامَحُ فِيها ولَوْ كانَ الَّذِي يَعْبُدُها أقْرَبَ النّاسِ إلى مُوَحِّدِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ مِثْلَ الأبِ، ولِتَكُونَ حِكايَةُ كَلامِ إبْراهِيمَ قُدْوَةً لِإبْطالِ قَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]؛ قالَ تَعالى: ﴿قَدْ كانَتْ لَكم أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ في إبْراهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قالُوا لِقَوْمِهِمْ إنّا بُرَآءُ مِنكم ومِمّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤] أيْ فَما كانَ لَكم أنْ تَقْتَدُوا بِآبائِكُمُ المُشْرِكِينَ وهَلّا اقْتَدَيْتُمْ بِأفْضَلِ آبائِكم وهو إبْراهِيمُ.

والبَراءُ بِفَتْحِ الباءِ مَصْدَرٌ بِوَزْنِ الفَعالِ مِثْلُ الظَّماءِ والسَّماعِ، يُخْبَرُ بِهِ ويُوصَفُ بِهِ في لُغَةِ أهْلِ العالِيَةِ وهي ما فَوْقَ نَجْدٍ إلى أرْضِ تِهامَةَ مِمّا وراءَ مَكَّةَ وأمّا أهْلُ نَجْدٍ فَيَقُولُونَ بَرِيءٌ.

والِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: إلّا الَّذِي فَطَرَنِي اسْتِثْناءٌ مِن (ما تَعْبُدُونَ) و(ما) مَوْصُولَةٌ؛ أيْ مِنَ الَّذِينَ تَعْبُدُونَهم فَإنَّ قَوْمَ إبْراهِيمَ كانُوا مُشْرِكِينَ مِثْلَ مُشْرِكِي العَرَبِ. وقَدْ بَسَطْنا ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿وإذْ قالَ إبْراهِيمُ لِأبِيهِ آزَرَ أتَتَّخِذُ أصْنامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] .

وفَرَّعَ عَلى هَذا قَوْلَهُ فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ؛ لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿إنَّنِي بَراءٌ مِمّا تَعْبُدُونَ﴾ يَتَضَمَّنُ مَعْنى: إنَّنِي اهْتَدَيْتُ إلى بُطْلانِ عِبادَتِكُمُ الأصْنامَ بِهَدْيٍ مِنَ اللَّهِ.

صفحة ١٩٣

وسِينُ الِاسْتِقْبالِ مُؤْذِنَةٌ بِأنَّهُ أخْبَرَهم بِأنَّ هِدايَةَ اللَّهِ إيّاهُ قَدْ تَمَكَّنَتْ وتَسْتَمِرُّ في المُسْتَقْبَلِ، ويُفْهَمُ أنَّها حاصِلَةٌ الآنَ بِفَحْوى الخِطابِ.

وتَوْكِيدُ الخَبَرِ بِـ (إنَّ) مَنظُورٌ فِيهِ إلى حالِ أبِيهِ وقَوْمِهِ لِأنَّهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ الآنَ عَلى هُدًى، فَهم يُنْكِرُونَ أنَّهُ سَيَكُونُ عَلى هُدًى في المُسْتَقْبَلِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском