Ibn 'AshurAz‑Zukhruf · 43:39–47

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Az-Zukhruf 43:39–47

43:39Page 492

وَلَن يَنفَعَكُمُ ٱلۡيَوۡمَ إِذ ظَّلَمۡتُمۡ أَنَّكُمۡ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٩

And never will it benefit you that Day, when you have wronged, that you are [all] sharing in the punishment.

﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ الظّاهِرُ أنَّ هَذِهِ الجُمْلَةَ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿قالَ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ﴾ [الزخرف: ٣٨] وأنَّ قَوْلًا مَحْذُوفًا دَلَّ عَلَيْهِ فِعْلُ جاءَنا الدّالُّ عَلى أنَّ الفَرِيقَيْنِ حَضَرا لِلْحِسابِ وتِلْكَ الحَضْرَةُ تُؤْذِنُ بِالمُقاوَلَةِ فَإنَّ الفَرِيقَيْنِ لَمّا حَضَرا وتَبَرَّأ أحَدُهُما مِنَ الآخَرِ قَصْدًا لِلتَّفَصِّي مِنَ المُؤاخَذَةِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ آنِفًا فَيَقُولُ اللَّهُ ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ.

والخِطابُ مُوَجَّهٌ لِلَّذِينِ عَشَوْا عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ ولِشَياطِينِهِمْ.

وفِي هَذا الكَلامِ إشارَةٌ إلى كَلامٍ مَطْوِيٍّ، والتَّقْدِيرُ: لا تُلْقُوا التَّبِعَةَ عَلى القُرَناءِ فَأنْتُمْ مُؤاخَذُونَ بِطاعَتِهِمْ وهم مُؤاخَذُونَ بِإضْلالِكم وأنْتُمْ مُشْتَرِكُونَ في العَذابِ ولَنْ يَنْفَعَكم أنَّكم في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ لِأنَّ عَذابَ فَرِيقٍ لا يُخَفِّفُ عَنْ فَرِيقٍ كَما قالَ تَعالى ﴿لِأُولاهم رَبَّنا هَؤُلاءِ أضَلُّونا فَآتِهِمْ عَذابًا ضِعْفًا مِنَ النّارِ قالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ ولَكِنْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٨] .

ووُقُوعُ فِعْلِ يَنْفَعُكم في سِياقِ النَّفْيِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ أنْ يَكُونَ الِاشْتِراكُ في العَذابِ نافِعًا بِحالٍ لِأنَّهُ لا يُخَفِّفُ عَنِ الشَّرِيكِ مِن عَذابِهِ. وأمّا ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ مِن تَسَلِّي أحَدٍ بِرُؤْيَةِ مِثْلِهِ مِمَّنْ مُنِيَ بِمُصِيبَةٍ؛ فَذَلِكَ مِن أوْهامِ البَشَرِ في الحَياةِ الدُّنْيا، ولَعَلَّ اللَّهَ جَعَلَ لَهم ذَلِكَ رَحْمَةً بِهِمْ في الدُّنْيا، وأمّا الآخِرَةُ فَعالَمُ الحَقائِقِ دُونَ الأوْهامِ. وفي هَذا التَّوَهُّمِ جاءَ قَوْلُ الخَنْساءِ:

ولَوْلا كَثْرَةُ الباكِينَ حَوْلِي عَلى إخْوانِهِمْ لَقَتَلْتُ نَفْسِي

وقَرَأ الجُمْهُورُ أنَّكم بِفَتْحِ هَمْزَةِ (أنَّ) عَلى جَعْلِ المَصْدَرِ فاعِلًا. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ إنَّكم بِكَسْرِ الهَمْزَةِ عَلى الِاسْتِئْنافِ ويَكُونُ الوَقْفُ عِنْدَ قَوْلِهِ إذْ ظَلَمْتُمْ

صفحة ٢١٥

وفاعِلُ يَنْفَعُكم ضَمِيرٌ عائِدٌ عَلى التَّمَنِّي بِقَوْلِهِمْ يا لَيْتَ بَيْنِي وبَيْنَكَ بُعْدَ المَشْرِقَيْنِ، أيْ لَنْ يَنْفَعَكم تَمَنِّيكم ولا تَفَصِّيكم.

و(إذْ) أصْلُهُ ظَرْفٌ مُبْهَمٌ لِلزَّمَنِ الماضِي تُفَسِّرُهُ الجُمْلَةُ الَّتِي يُضافُ هو إلَيْها ويَخْرُجُ عَنِ الظَّرْفِيَّةِ إلى ما يُقارِبُها بِتَوَسُّعٍ أوْ إلى ما يُشابِهُها بِالمَجازِ. وهو التَّعْلِيلُ، وهي هُنا مَجازٌ في مَعْنى التَّعْلِيلِ، شُبِّهَتْ عِلَّةُ الشَّيْءِ وسَبَبُهُ بِالظَّرْفِ في اللُّزُومِ لَهُ. وقَدْ ذُكِرَ في مُغْنِي اللَّبِيبِ مَعْنى التَّعْلِيلِ مِن مَعانِي (إذْ) ولَمْ يَنْسُبْهُ لِأحَدٍ مِن أئِمَّةِ النَّحْوِ واللُّغَةِ.

وجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أنْ تَكُونَ (إذْ) بَدَلًا مِنَ اليَوْمِ، وتَأوَّلَ الكَلامَ عَلى جَعْلِ فِعْلِ ”ظَلَمْتُمْ“ بِمَعْنى: تَبَيَّنَ أنَّكم ظَلَمْتُمْ، أيْ واسْتَعْمَلَ الإخْبارَ بِمَعْنى التَّبَيُّنِ، كَقَوْلِ زائِدِ بْنِ صَعْصَعَةَ الفَقْعَسِيِّ:

إذا ما انْتَسَبْنا لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ ∗∗∗ ولَمْ تَجِدِي مِن أنْ تُقِرِّي بِهِ بُدّا

أيْ تَبَيَّنَ أنْ لَمْ تَلِدْنِي لَئِيمَةٌ، وتَبِعَهُ ابْنُ الحاجِبِ في أمالِيهِ وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: راجَعْتُ أبا عَلِيٍّ مِرارًا في قَوْلِهِ تَعالى ﴿ولَنْ يَنْفَعَكُمُ اليَوْمَ إذْ ظَلَمْتُمْ﴾ الآيَةَ مُسْتَشْكِلًا إبْدالَ (إذْ) مِنَ اليَوْمِ؛ فَآخِرُ ما تَحَصَّلَ مِنهُ أنَّ الدُّنْيا والآخِرَةَ سَواءٌ في حُكْمِ اللَّهِ وعِلْمِهِ فَكَأنَّ اليَوْمَ ماضٍ أوْ كانَ (إذْ) مُسْتَقْبِلَةٌ ا ه. وهو جَوابٌ وهِنٌ مَدْخُولٌ.

وأقُولُ: اجْتَمَعَ في هَذِهِ الآيَةِ دَوالٌّ عَلى ثَلاثَةِ أزْمِنَةٍ وهي (لَنْ) لِنَفْيِ المُسْتَقْبَلِ، و”اليَوْمَ“ اسْمٌ لِزَمَنِ الحالِ، و(إذْ) اسْمٌ لِزَمَنِ المُضِيِّ، وثَلاثَتُها مَنُوطَةٌ بِفِعْلِ ”يَنْفَعَكم“ ومُقْتَضَياتُها يُنافِي بَعْضُها بَعْضًا، فالنَّفْيُ في المُسْتَقْبَلِ يُنافِي التَّقْيِيدَ بِـ ”اليَوْمَ“ الَّذِي هو لِلْحالِ، و(إذْ) يُنافِي نَفْيَ النَّفْعِ في المُسْتَقْبَلِ ويُنافِي التَّقْيِيدَ بِـ ”اليَوْمَ“ فَتَصَدّى الزَّمَخْشَرِيُّ وغَيْرُهُ لِدَفْعِ التَّنافِي بَيْنَ مُقْتَضى (إذْ) ومُقْتَضى ”اليَوْمَ“ بِتَأْوِيلِ مَعْنى (إذْ) كَما عَلِمْتَ، ولَمْ يَتَصَدَّ هو ولا غَيْرُهُ لِدَفْعِ التَّنافِي بَيْنَ مُقْتَضى (اليَوْمَ) الدّالِّ عَلى زَمَنِ الحالِ وبَيْنَ مُقْتَضى (لَنْ) وهو حُصُولُ النَّفْيِ في الِاسْتِقْبالِ. وأنا أرى لِدَفْعِهِ أنْ يَكُونَ اليَوْمَ ظَرْفًا لِلْحُكْمِ والإخْبارِ، أيْ تَقَرَّرَ اليَوْمَ انْتِفاءُ انْتِفاعِكم بِالِاشْتِراكِ في العَذابِ انْتِفاءً مُؤَبَّدًا مِنَ الآنَ، كَقَوْلِ مِقْدامٍ الدُّبَيْرِيِّ:

صفحة ٢١٦

٦٩ لَنْ يُخْلِصَ العامَ خَلِيلٌ عَشْرا ∗∗∗ ذاقَ الضِّمادَ أوْ يَزُورَ القَبْرا

وقَدْ حَصَلَ مِنِ اجْتِماعِ هَذِهِ الدَّوالِّ الثَّلاثِ في الآيَةِ طِباقٌ عَزِيزٌ بَيْنَ ثَلاثَةِ مَعانٍ مُتَضادَّةٍ في الجُمْلَةِ.

43:40Page 492

أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ أَوۡ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَمَن كَانَ فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٤٠

Then will you make the deaf hear, [O Muḥammad], or guide the blind or he who is in clear error?

﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أوْ تَهْدِي العُمْيَ ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا﴾ [الزخرف: ٣٦] لِأنَّ ذَلِكَ أفادَ تَوَغُّلَهم في الضَّلالَةِ وعُسْرَ انْفِكاكِهِمْ عَنْها، لِأنَّ مُقارَنَةَ الشَّياطِينِ لَهم تَقْتَضِي ذَلِكَ، فانْتَقَلَ مِنهُ إلى التَّهْوِينِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ ما يُلاقِيهِ مِنَ الكَدِّ والتَّحَرُّقِ عَلَيْهِمْ في تَصْمِيمِهِمْ عَلى الكُفْرِ والغَيِّ وفِيهِ إيماءٌ إلى تَأْيِيسٍ مِنَ اهْتِداءِ أكْثَرِهِمْ.

والِاسْتِفْهامُ لِإنْكارِ أنْ يَكُونَ حِرْصُ الرَّسُولِ ﷺ عَلى هُداهم ناجِعًا فِيهِمْ إذا كانَ اللَّهُ قَدَّرَ ضَلالَهم فَأوْجَدَ أسْبابَهُ، قالَ تَعالى ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهم فَإنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَن يُضِلُّ﴾ [النحل: ٣٧]، ولَمّا كانَ حالُ الرَّسُولِ ﷺ في مُعاوَدَةِ دَعْوَتِهِمْ كَحالِ مَن يَظُنُّ أنَّهُ قادِرٌ عَلى إيصالِ التَّذْكِيرِ إلى قُلُوبِهِمْ نَزَلَ مَنزِلَةَ مَن يَظُنُّ ذَلِكَ فَخُوطِبَ بِاسْتِفْهامِ الإنْكارِ وسُلِّطَ الِاسْتِفْهامُ عَلى كَلامٍ فِيهِ طَرِيقُ قَصْرٍ بِتَقْدِيمِ المُسْنَدِ إلَيْهِ عَلى الخَبَرِ الفِعْلِيِّ مَعَ إيلاءِ الضَّمِيرِ حَرْفَ الإنْكارِ وهو قَصْرٌ مُؤَكَّدٌ وقَصْرُ قَلْبٍ، أيْ أنْتَ لا تُسْمِعُهم ولا تَهْدِيهِمْ، بَلِ اللَّهُ يُسْمِعُهم ويَهْدِيهِمْ إنْ شاءَ، وهو نَظِيرُ ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] .

ومِن بَدِيعِ مَعْنى الآيَةِ أنَّ اللَّهَ وصَفَ حالَ إعْراضِهِمْ عَنِ الذَّكَرِ بِالعَشاءِ وهو النَّظَرُ الَّذِي لا يَتَبَيَّنُ شَبَحَ الشَّيْءِ المَنظُورِ إلَيْهِ ثُمَّ وصَفَهم هُنا بِالصُّمِّ العُمْيِ إشارَةً أنَّ التَّمَحُّلَ لِلضَّلالِ ومُحاوَلَةَ تَأْيِيدِهِ يَنْقَلِبُ بِصاحِبِهِ إلى أشَدِّ الضَّلالِ، لا أنَّ التَّخَلُّقَ يَأْتِي دُونَهُ الخُلُقُ، والأحْوالُ تَنْقَلِبُ مَلَكاتٍ. وهو مَعْنى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «لا يَزالُ العَبْدُ يَكْذِبُ حَتّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذّابًا» أيْ حَتّى يَحِقَّ عَلَيْهِ أنَّ الكَذِبَ مَلَكَةٌ لَهُ، وإذْ قَدْ كانَ إعْراضُهُمُ انْصِرافًا عَنِ اسْتِماعِ القُرْآنِ وعَنِ النَّظَرِ في الآياتِ كانَ حالُهم يُشْبِهُ حالَ الصُّمِّ العُمْيِ كَما مَهَّدَ لِذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ [الزخرف: ٣٦]

صفحة ٢١٧

كَما ذَكَرْناهُ هُنالِكَ، فَظَهَرَتِ المُناسَبَةُ بَيْنَ وصْفِهِمْ بِالعَشا وبَيْنَ ما في هَذا الِانْتِقالِ لِوَصْفِهِمْ بِالصُّمِّ العُمْيِ.

وعَطْفُ ”﴿ومَن كانَ في ضَلالٍ مُبِينٍ﴾“ فِيهِ مَعْنى التَّذْيِيلِ لِأنَّهُ أعَمُّ مِن كُلٍّ مِنَ الصُّمِّ والعُمْيِ بِاعْتِبارِ انْفِرادِهِما، وبِاعْتِبارِ أنَّ الصَّمَمَ والعَمى لَمّا كانا مَجازَيْنِ قَدْ يَكُونُ تَعَلُّقُهُما بِالمَسْمُوعِ والمُبْصَرِ جُزْئِيًّا في حالَةٍ خاصَّةٍ فَكانَ الوَصْفُ بِالكَوْنِ في الضَّلالِ المُبِينِ تَنْبِيهًا عَلى عُمُومِ الأحْوالِ وهو مَعَ ذَلِكَ تَرْشِيحٌ لِلِاسْتِعارَةِ لِأنَّ اجْتِماعَ الصَّمَمِ والعَمى أبْيَنُ ضَلالًا.

43:41–42Page 492

فَإِمَّا نَذۡهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنۡهُم مُّنتَقِمُونَ ٤١

And whether [or not] We take you away [in death], indeed, We will take retribution upon them.

أَوۡ نُرِيَنَّكَ ٱلَّذِي وَعَدۡنَٰهُمۡ فَإِنَّا عَلَيۡهِم مُّقۡتَدِرُونَ ٤٢

Or whether [or not] We show you that which We have promised them, indeed, We are Perfect in Ability.

﴿فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ”﴿أفَأنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ [الزخرف: ٤٠]“ إلى آخِرِها المُتَضَمِّنَةِ إيماءً إلى التَّأْسِيسِ مِنَ اهْتِدائِهِمْ، والصَّرِيحَةِ في تَسْلِيَةِ النَّبِيءِ ﷺ مِن شِدَّةِ الحِرْصِ في دَعْوَتِهِمْ، فَجاءَ هُنا تَحْقِيقُ وعْدٍ بِالِانْتِقامِ مِنهم، ومَعْناهُ: الوَعْدُ بِإظْهارِ الدِّينِ إنْ كانَ في حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ، ووَعِيدُهم بِالعِقابِ في الدُّنْيا قَبْلَ عِقابِ الآخِرَةِ، فَلِأجْلِ الوَفاءِ بِهَذَيْنَ الغَرَضَيْنِ ذُكِرَ في هَذِهِ الجُمْلَةِ أمْرانِ: الِانْتِقامُ مِنهم لا مَحالَةَ، وكَوْنُ ذَلِكَ واقِعًا في حَياةِ الرَّسُولِ ﷺ أوْ بَعْدَ وفاتِهِ. والمُفَرَّعُ هو فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ وما ذُكِرَ مَعَهُ، فَمُرادٌ مِنهُ تَحَقُّقُ ذَلِكَ عَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ.

و(إمّا) كَلِمَتانِ مُتَّصِلَتانِ أصْلُهُما (إنِ) الشَّرْطِيَّةُ و(ما) زائِدَةٌ بَعْدَ (إنْ)، وأُدْغِمَتْ نُونُ (إنْ) في المِيمِ مِن حَرْفِ (ما)، وزِيادَةُ (ما) لِلتَّأْكِيدِ، ويَكْثُرُ اتِّصالُ فِعْلِ الشَّرْطِ بَعْدَ (إنِ) المَزِيدَةِ بَعْدَها (ما) بِنُونِ التَّوْكِيدِ زِيادَةً في التَّأْكِيدِ، ويَكْتُبُونَها بِهَمْزَةٍ ومِيمٍ وألِفٍ تَبَعًا لِحالَةِ النُّطْقِ بِها.

والذَّهابُ بِهِ هُنا مُسْتَعْمَلٌ لِلتَّوَفِّي بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ ”﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾“ لِأنَّ المَوْتَ مُفارَقَةٌ لِلْأحْياءِ فالإماتَةُ كالِانْتِقالِ بِهِ، أيْ تَغْيِيبِهِ ولِذَلِكَ يُعَبَّرُ عَنِ المَوْتِ بِالِانْتِقالِ. والمَعْنى: فَإمّا نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ بَعْدَ وفاتِكَ.

صفحة ٢١٨

وقَدِ اسْتَعْمَلَ مُنْتَقِمُونَ لِلزَّمانِ المُسْتَقْبَلِ اسْتِعْمالَ اسْمِ الفاعِلِ في الِاسْتِقْبالِ، وهو مَجازٌ شائِعٌ مُساوٍ لِلْحَقِيقَةِ والقَرِينَةُ قَوْلُهُ فَإمّا نَذْهَبَنَّ بِكَ.

والمُرادُ بِـ الَّذِي وعَدْناهُمُ الِانْتِقامُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ. وقَدْ أراهُ اللَّهُ تَعالى الِانْتِقامَ مِنهم بِقَتْلِ صَنادِيدِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرى إنّا مُنْتَقِمُونَ﴾ [الدخان: ١٦] والبَطْشَةُ هي بَطْشَةُ بَدْرٍ.

وجُمْلَةُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ جَوابُ الشَّرْطِ، واقْتَرَنَ بِالفاءِ لِأنَّهُ جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ، وإنَّما صِيغَ كَذَلِكَ لِلدَّلالَةِ عَلى ثَباتِ الِانْتِقامِ ودَوامِهِ، وأمّا جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾“ فَهي دَلِيلُ جَوابِ جُمْلَةِ ﴿أوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهُمْ﴾ المَعْطُوفَةِ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ لِأنَّ اقْتِدارَ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لا يُناسِبُ أنْ يَكُونَ مُعَلَّقًا عَلى إراءَتِهِ الرَّسُولَ ﷺ الِانْتِقامَ مِنهم، فالجَوابُ مَحْذُوفٌ لا مَحالَةَ لِقَصْدِ التَّهْوِيلِ. وتَقْدِيرُهُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الَّذِي وعَدْناهم، وهو الِانْتِقامُ تَرَ انْتِقامًا لا يُفْلِتُونَ مِنهُ ﴿فَإنّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ﴾، أيْ مُتَقَدِّرُونَ الآنَ، فاسْمُ الفاعِلِ مُسْتَعْمَلٌ في زَمانِ الحالِ وهو حَقِيقَتُهُ.

ولا يَسْتَقِيمُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ”﴿فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ﴾“ دَلِيلًا عَلى الجَوابِ المَحْذُوفِ لِأنَّهُ يَصِيرُ: أوْ إمّا نُرِيَنَّكَ الِانْتِقامَ مِنهم فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورَيْنِ مِنهم وعَلَيْهِمْ عَلى مُتَعَلِّقَيْهِما لِلِاهْتِمامِ بِهِمْ في التَّمَكُّنِ بِالِانْتِقامِ والِاقْتِدارِ عَلَيْهِمْ.

والوَعْدُ هُنا بِمَعْنى الوَعِيدِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ قَبْلَهُ فَإنّا مِنهم مُنْتَقِمُونَ، فَإنَّ الوَعْدَ إذا ذُكِرَ مَفْعُولُهُ صَحَّ إطْلاقُهُ عَلى الخَيْرِ والشَّرِّ، وإذا لَمْ يُذْكَرْ مَفْعُولُهُ انْصَرَفَ لِلْخَيْرِ وأمّا الوَعِيدُ فَهو لِلشَّرِّ دائِمًا.

والِاقْتِدارُ: شِدَّةُ القُدْرَةِ، واقْتَدَرَ أبْلَغُ مِن قَدَرَ. وقَدْ غَفَلَ صاحِبُ القامُوسِ عَنِ التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ.

وقَدِ اشْتَمَلَ هَذانِ الشَّرْطانِ وجَواباهُما عَلى خَمْسَةِ مُؤَكِّداتٍ وهي (ما) الزّائِدَةُ، ونُونُ التَّوْكِيدِ، وحَرْفُ (إنَّ) لِلتَّوْكِيدِ، والجُمْلَةُ الِاسْمِيَّةُ، وتَقْدِيمُ المَعْمُولِ عَلى مُنْتَقِمُونَ.

صفحة ٢١٩

وفائِدَةُ التَّرْدِيدِ في هَذا الشَّرْطِ تَعْمِيمُ الحالَيْنِ حالِ حَياةِ النَّبِيءِ ﷺ وحالِ وفاتِهِ. والمَقْصُودُ: وقْتُ ذَيْنِكَ الحالَيْنِ لِأنَّ المَقْصُودَ تَوْقِيتُ الِانْتِقامِ مِنهم.

والمَعْنى: أنَّنا مُنْتَقِمُونَ مِنهم في الدُّنْيا، سَواءٌ كُنْتَ حَيًّا أوْ بَعْدَ مَوْتِكَ، أيْ فالِانْتِقامُ مِنهم مِن شَأْنِنا ولَيْسَ مِن شَأْنِكَ لِأنَّهُ مِن أجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْ أمْرِنا ودِينِنا، ولَعَلَّهُ لِدَفْعِ اسْتِبْطاءِ النَّبِيءِ ﷺ أوِ المُسْلِمِينَ تَأْخِيرَ الِانْتِقامِ مِنَ المُشْرِكِينَ ولِأنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَتَرَبَّصُونَ بِالنَّبِيءِ المَوْتَ فَيَسْتَرِيحُوا مِن دَعْوَتِهِ فَأعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يُفْلِتُهم مِنَ الِانْتِقامِ عَلى تَقْدِيرِ مَوْتِهِ، وقَدْ حَكى اللَّهُ عَنْهم قَوْلَهم نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ المَنُونِ فَفي هَذا الوَعِيدِ إلْقاءُ الرُّعْبِ في قُلُوبِهِمْ لِما يَسْمَعُونَهُ.

43:43Page 492

فَٱسۡتَمۡسِكۡ بِٱلَّذِيٓ أُوحِيَ إِلَيۡكَۖ إِنَّكَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٣

So adhere to that which is revealed to you. Indeed, you are on a straight path.

﴿فاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْكَ إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لَمّا هَوَّنَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ ما يُلاقِيهِ مِن شِدَّةِ الحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ ووَعَدَهُ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ، فَرَّعَ عَلى ذَلِكَ أنْ أمَرَهُ بِالثَّباتِ عَلى دِينِهِ وكِتابِهِ وأنْ لا يَخُورَ عَزْمُهُ في الدَّعْوَةِ ضَجَرًا مِن تَصَلُّبِهِمْ في كُفْرِهِمْ ونُفُورِهِمْ مِنَ الحَقِّ.

والِاسْتِمْساكُ: شِدَّةُ المَسْكِ، فالسِّينُ والتّاءُ فِيهِ لِلتَّأْكِيدِ.

والأمْرُ بِهِ مُسْتَعْمَلٌ في طَلَبِ الدَّوامِ، لِأنَّ الأمْرَ بِفِعْلٍ لِمَن هو مُتَلَبِّسٌ بِهِ لا يَكُونُ لِطَلَبِ الفِعْلِ بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وهو هُنا طَلَبُ الثَّباتِ عَلى التَّمَسُّكِ بِما أُوحِيَ إلَيْهِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: ”﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾“ وهَذا كَما يُدْعى لِلْعَزِيزِ المُكْرَمِ، فَيُقالُ: أعَزَّكَ اللَّهُ وأكْرَمَكَ، أيْ أدامَ ذَلِكَ، وقَوْلُهُ: أحْياكَ اللَّهُ، أيْ أطالَ حَياتَكَ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى في تَعْلِيمِ الدُّعاءِ ﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ [الفاتحة: ٦] .

والَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ هو القُرْآنُ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ تَأْيِيدٌ لِطَلَبِ الِاسْتِمْساكِ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ وتَعْلِيلٌ لَهُ.

صفحة ٢٢٠

والصِّراطُ المُسْتَقِيمُ: هو العَمَلُ بِالَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّهُ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ، ولَكِنْ عَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إلى ﴿إنَّكَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ لِيُفِيدَ أنَّ الرَّسُولُ ﷺ راسِخٌ في الِاهْتِداءِ إلى مُرادِ اللَّهِ تَعالى كَما يَتَمَكَّنُ السّائِرُ مِن طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ لا يَشُوبُهُ في سَيْرِهِ تَرَدُّدٌ في سُلُوكِهِ ولا خَشْيَةُ الضَّلالِ في بُنْياتِهِ. ومِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ﴾ [النمل: ٧٩] في سُورَةِ النَّمْلِ.

وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ المُرادِ بِهِ التَّمَكُّنُ كَقَوْلِهِ ﴿أُولَئِكَ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٥] .

وهَذا تَثْبِيتٌ لِلرَّسُولِ ﷺ وثَناءٌ عَلَيْهِ بِأنَّهُ ما زاغَ قَيْدَ أُنْمُلَةٍ عَمّا بَعَثَهُ اللَّهُ بِهِ، كَقَوْلِهِ إنَّكَ عَلى الحَقِّ المُبِينِ ويَتْبَعُهُ تَثْبِيتُ المُؤْمِنِينَ عَلى إيمانِهِمْ. وهَذا أيْضًا ثَناءٌ سادِسٌ عَلى القُرْآنِ.

43:44Page 492

وَإِنَّهُۥ لَذِكۡرٞ لَّكَ وَلِقَوۡمِكَۖ وَسَوۡفَ تُسۡـَٔلُونَ ٤٤

And indeed, it is a remembrance1 for you and your people, and you [all] are going to be questioned.

﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ وسَوْفَ تُسْئَلُونَ﴾ ذُكِرَ حَظُّ الرَّسُولِ ﷺ مِنَ الثَّناءِ والتَّأْيِيدِ في قَوْلِهِ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ المَجْعُولِ عِلَّةً لِلْأمْرِ بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، ثُمَّ عُطِفَ عَلَيْهِ تَعْلِيلٌ آخَرُ اشْتَمَلَ عَلى ذِكْرِ حَظِّ القُرْآنِ مِنَ المَدْحِ، والنَّفْعِ بِقَوْلِهِ وإنَّهُ لِذِكْرٌ، وتَشْرِيفُهُ بِهِ بِقَوْلِهِ لَكَ، وأُتْبِعَ بِحَظِّ التّابِعِينَ لَهُ ولِكِتابِهِ مِنَ الِاهْتِداءِ، والِانْتِفاعِ، بِقَوْلِهِ ولِقَوْمِكَ. ثُمَّ عَرَّضَ بِالمُعْرِضِينَ عَنْهُ والمُجازِفِينَ لَهُ بِقَوْلِهِ ”﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾“، مَعَ التَّوْجِيهِ في مَعْنى كَلِمَةِ (ذِكْرٌ) مِن إرادَةِ أنَّ هَذا الدِّينَ يُكْسِبُهُ ويُكْسِبُ قَوْمَهُ حُسْنَ السُّمْعَةِ في الأُمَمِ فَمَنِ اتَّبَعَهُ نالَ حَظَّهُ مِن ذَلِكَ ومَن أعْرَضَ عَنْهُ عُدَّ عِدادَ الحَمْقى كَما سَيَأْتِي، مَعَ الإشارَةِ إلى انْتِفاعِ المُتَّبِعِينَ بِهِ في الآخِرَةِ، واسْتِضْرارِ المُعْرِضِينَ عَنْهُ فِيها، وتَحْقِيقُ ذَلِكَ بِحَرْفِ الِاسْتِقْبالِ.

فَهَذِهِ الآيَةُ اشْتَمَلَتْ عَلى عَشَرَةِ مَعانٍ، وبِذَلِكَ كانَتْ أوْفَرَ مَعانِيَ مِن قَوْلِ امْرِئِ القَيْسِ:

قِفا نَبْكِ مِن ذِكْرى حَبِيبٍ ومَنزِلِ

صفحة ٢٢١

المَعْدُودِ أبْلَغَ كَلامٍ مِن كَلامِهِمْ في الإيجازِ إذْ وقَفَ، واسْتَوْقَفَ، وبَكى واسْتَبْكى. وذَكَرَ الحَبِيبَ، والمَنزِلَ في مِصْراعٍ. وهَذِهِ الآيَةُ لا تَتَجاوَزُ مِقْدارَ ذَلِكَ المِصْراعِ وعِدَّةُ مَعانِيها عَشَرَةٌ، في حِينَ كانَتْ مَعانِي مِصْراعِ امْرِئِ القَيْسِ سِتَّةً مَعَ ما تَزِيدُ بِهِ هَذِهِ الآيَةُ مِنَ الخُصُوصِيّاتِ، وهي التَّأْكِيدُ بِـ (إنَّ) واللّامِ والكِنايَةِ ومُحَسِّنِ التَّوْجِيهِ.

والذِّكْرُ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ ذِكْرَ العَقْلِ، أيِ اهْتِداءَهُ لِما كانَ غَيْرَ عالِمٍ بِهِ، فَشُبِّهَ بِتَذَكُّرِ الشَّيْءِ المَنسِيِّ وهو ما فُسِّرَ بِهِ كَثِيرُ الذِّكْرِ بِالتَّذْكِيرِ، أيِ المَوْعِظَةِ.

ويَحْتَمِلُ ذِكْرَ اللِّسانِ، أيْ أنَّهُ يُكْسِبُكَ وقَوْمَكَ ذِكْرًا، والذِّكْرُ بِهَذا المَعْنى غالِبٌ في الذِّكْرِ بِخَبَرِهِ.

والمَعْنى: أنَّ القُرْآنَ سَبَبُ الذِّكْرِ لِأنَّهُ يُكْسِبُ قَوْمَهُ شَرَفًا يُذْكَرُونَ بِسَبَبِهِ. وقَدْ رُوِيَ هَذا التَّفْسِيرُ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ في رِوايَةِ ابْنِ عَدِيٍّ وابْنِ مَرْدَوَيْهِ قالَ القُرْطُبِيُّ ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿وإنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ﴾ يَعْنِي القُرْآنُ شَرَفٌ لَكَ ولِقَوْمِكَ مِن قُرَيْشٍ، فالقُرْآنُ نَزَلَ بِلِسانِ قُرَيْشٍ فاحْتاجَ أهْلُ اللُّغاتِ كُلِّها إلى لِسانِهِمْ كُلُّ مَن آمَنَ بِذَلِكَ؛ فَشَرُفُوا بِذَلِكَ عَلى سائِرِ أهْلِ اللُّغاتِ. وقالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلى القَبائِلِ فَإذا قالُوا لَهُ: فَلِمَن يَكُونُ الأمْرُ بَعْدَكَ ؟ سَكَتَ حَتّى إذا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فَكانَ إذا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قالَ: لِقُرَيْشٍ» .

ودَرَجَ عَلَيْهِ كَلامُ الكَشّافِ.

فَفِي لَفْظِ ”ذِكْرٌ“ مُحَسِّنُ التَّوْجِيهِ فَإذا ضُمَّ إلَيْهِ أنَّ ذِكْرَهُ وقَوْمَهُ بِالثَّناءِ يَسْتَلْزِمُ ذَمَّ مَن خالَفَهم كانَ فِيهِ تَعْرِيضٌ بِالمُعْرِضِينَ عَنْهُ. و(قَوْمُهُ) هم قُرَيْشٌ لِأنَّهُمُ المَقْصُودُ بِالكَلامِ أوْ جَمِيعُ العَرَبِ؛ لِأنَّهم شَرُفُوا بِكَوْنِ الرَّسُولِ الأعْظَمِ ﷺ مِنهم ونُزُولِ القُرْآنِ بِلُغَتِهِمْ، وقَدْ ظَهَرَ ذَلِكَ الشَّرَفُ لَهم في سائِرِ الأعْصُرِ إلى اليَوْمِ، ولَوْلاهُ ما كانَ لِلْعَرَبِ مَن يَشْعُرُ بِهِمْ مِنَ الأُمَمِ العَظِيمَةِ الغالِبَةِ عَلى الأرْضِ.

وهَذا ثَناءٌ سابِعٌ عَلى القُرْآنِ.

والسُّؤالُ في قَوْلِهِ ﴿وسَوْفَ تُسْألُونَ﴾ سُؤالُ تَقْرِيرٍ. فَسُؤالُ المُؤْمِنِينَ عَنْ

صفحة ٢٢٢

مِقْدارِ العَمَلِ بِما كُلِّفُوا بِهِ، وسُؤالُ المُشْرِكِينَ سُؤالُ تَوْبِيخٍ وتَهْدِيدٍ، قالَ تَعالى: ”﴿سَتُكْتَبُ شَهادَتُهم ويُسْألُونَ﴾ [الزخرف: ١٩]“ وقالَ تَعالى: " ﴿ألَمْ يَأْتِكم نَذِيرٌ﴾ [الملك: ٨] إلى قَوْلِهِ ﴿فاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأصْحابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: ١١] .

43:45Page 492

وَسۡـَٔلۡ مَنۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ مِن رُّسُلِنَآ أَجَعَلۡنَا مِن دُونِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ءَالِهَةٗ يُعۡبَدُونَ ٤٥

And ask those We sent before you of Our messengers; have We made besides the Most Merciful deities to be worshipped?

﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا أجَعَلْنا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ الأمْرُ بِالسُّؤالِ هُنا تَمْثِيلٌ لِشُهْرَةِ الخَبَرِ وتَحَقُّقِهِ كَما في قَوْلِ السَّمَوْألِ أوِ الحارِثِيِّ:

سَلِي إنْ جَهِلْتِ النّاسَ عَنّا وعَنْهُمُ

وقَوْلِ زَيْدِ الخَيْلِ:

سائِلْ فَوارِسَ يَرْبُوعٍ بِشِدَّتِنا

وقَوْلِهِ ﴿فاسْألِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الكِتابَ مِن قَبْلِكَ﴾ [يونس: ٩٤] إذْ لَمْ يَكُنِ الرَّسُولُ ﷺ في شَكٍّ حَتّى يَسْألَ، وإلّا فَإنَّ سُؤالَهُ الرُّسُلَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِ مُتَعَذِّرٌ عَلى الحَقِيقَةِ. والمَعْنى: اسْتَقْرِ شَرائِعَ الرُّسُلِ وكُتُبَهم وأخْبارَهم هَلْ تَجِدُ فِيها عِبادَةَ آلِهَةٍ. وفي الحَدِيثِ واسْتَفْتِ قَلْبَكَ أيْ تَثَبَّتْ في مَعْرِفَةِ الحَلالِ والحَرامِ.

وجُمْلَةُ ”أجَعَلْنا“ بَدَلٌ مِن جُمْلَةِ ”واسْألْ“، والهَمْزَةُ لِلِاسْتِفْهامِ وهو إنْكارِيٌّ وهو المَقْصُودُ مِنَ الخَبَرِ، وهو رَدٌّ عَلى المُشْرِكِينَ في قَوْلِهِمْ ﴿إنّا وجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وإنّا عَلى آثارِهِمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢] أيْ لَيْسَ آباؤُكم بِأهْدى مِنَ الرُّسُلِ الأوَّلِينَ إنْ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ تَكْذِيبَ رَسُولِنا لِأنَّهُ أمَرَكم بِإفْرادِ اللَّهِ بِالعِبادَةِ.

ويَجُوزُ أنْ يُجْعَلَ السُّؤالُ عَنْ شُهْرَةِ الخَبَرِ.

ومَعْنى الكَلامِ: وإنّا ما أمَرْنا بِعِبادَةِ آلِهَةٍ دُونَنا عَلى لِسانِ أحَدٍ مِن رُسُلِنا. وهَذا رَدٌّ لِقَوْلِ المُشْرِكِينَ ﴿لَوْ شاءَ الرَّحْمَنُ ما عَبَدْناهُمْ﴾ [الزخرف: ٢٠] .

و(مِن) في قَوْلِهِ ”مِن قَبْلِكَ“ لِتَأْكِيدِ اتِّصالِ الظَّرْفِ بِعامِلِهِ.

صفحة ٢٢٣

و(مِن) في قَوْلِهِ مِن رُسُلِنا بَيانٌ لِـ ”قَبْلِكَ“ .

فَمَعْنى ”أجَعَلْنا“ ما جَعَلْنا ذَلِكَ، أيْ جَعْلَ التَّشْرِيعِ والأمْرِ، أيْ ما أمَرْنا بِأنْ تُعْبَدَ آلِهَةٌ دُونَنا.

فَوَصَفَ آلِهَةً بِـ يُعْبَدُونَ لِنَفْيِ أنْ يَكُونَ اللَّهُ يَرْضى بِعِبادَةِ غَيْرِهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ غَيْرَهُ إلَهًا مِثْلَهُ وذَلِكَ أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ الأصْنامَ وكانُوا في عَقائِدِهِمْ أشْتاتًا فَمِنهم مَن يَجْعَلُ الأصْنامَ آلِهَةً شُرَكاءَ لِلَّهِ، ومِنهم مَن يَزْعُمُ أنَّهُ يَعْبُدُهم لِيُقَرِّبُوهُ مِنَ اللَّهِ زُلْفى، ومِنهم مَن يَزْعُمُهم شُفَعاءَ لَهم عِنْدَ اللَّهِ. فَلَمّا نُفِيَ بِهَذِهِ الآيَةِ أنْ يَكُونَ جَعَلَ آلِهَةً يُعْبَدُونَ أبْطَلَ جَمِيعَ هَذِهِ التَّمَحُّلاتِ.

وأُجْرِيَ ”آلِهَةً“ مَجْرى العُقَلاءِ فَوُصِفُوا بِصِيغَةِ جَمْعِ العُقَلاءِ بِقَوْلِهِ ”يُعْبَدُونَ“ . ومِثْلُهُ كَثِيرٌ في القُرْآنِ جَرْيًا عَلى ما غَلَبَ في لِسانِ العَرَبِ إذِ اعْتَقَدُوهم عُقَلاءَ عالِمِينَ.

وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ والكِسائِيُّ (وسَلْ) بِتَخْفِيفِ الهَمْزَةِ.

43:46–47Page 492

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٤٦

And certainly did We send Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, and he said, "Indeed, I am the messenger of the Lord of the worlds."

فَلَمَّا جَآءَهُم بِـَٔايَٰتِنَآ إِذَا هُم مِّنۡهَا يَضۡحَكُونَ ٤٧

But when he brought them Our signs, at once they laughed at them.

﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ فَقالَ إنِّي رَسُولُ رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾

قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ في أوَّلِ السُّورَةِ قَوْلَهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ فَأهْلَكْنا أشَدَّ مِنهم بَطْشًا ومَضى مَثَلُ الأوَّلِينَ﴾ [الزخرف: ٦] . وساقَ بَعْدَ ذَلِكَ تَذْكِرَةً بِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَ قَوْمِهِ، وما تَفَرَّعَ عَلى ذَلِكَ مِن أحْوالِ أهْلِ الشِّرْكِ فَلَمّا تَقَضّى أُتْبِعَ بِتَنْظِيرِ حالِ الرَّسُولِ ﷺ مَعَ طُغاةِ قَوْمِهِ واسْتِهْزائِهِمْ بِحالِ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ، فَإنَّ لِلْمِثْلِ والنَّظائِرِ شَأْنًا في إبْرازِ الحَقائِقِ وتَصْوِيرِ الحالَيْنِ تَصْوِيرًا يُفْضِي إلى تَرَقُّبِ ما كانَ لِإحْدى الحالَتَيْنِ مِن عَواقِبَ أنْ تَلْحَقَ أهْلَ الحالَةِ الأُخْرى، فَإنَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ تَلَقَّوْا مُوسى بِالإسْرافِ في الكُفْرِ وبِالِاسْتِهْزاءِ بِهِ وبِاسْتِضْعافِهِ إذْ لَمْ يَكُنْ ذا بَذْخَةٍ ولا مُحَلًّى بِحِلْيَةِ الثَّراءِ وكانَتْ مُناسِبَةً قَوْلَهُ:

صفحة ٢٢٤

﴿واسْألْ مَن أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ مِن رُسُلِنا﴾ [الزخرف: ٤٥]، الآيَةُ هَيَّأتِ المَقامَ لِضَرْبِ المَثَلِ بِحالِ بَعْضِ الرُّسُلِ الَّذِينَ جاءُوا بِشَرِيعَةٍ عُظْمى قَبْلَ الإسْلامِ.

والمَقْصُودُ مِن هَذِهِ القِصَّةِ هو قَوْلُهُ فِيها ﴿فَلَمّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنهم فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥] ﴿فَجَعَلْناهم سَلَفًا ومَثَلًا لِلْآخِرِينَ﴾ [الزخرف: ٥٦]، فَإنَّ المُرادَ بِالآخِرِينَ المُكَذِّبُونَ صَنادِيدُ قُرَيْشٍ.

ومِنَ المَقْصُودِ مِنها بِالخُصُوصِ هُنا: قَوْلُهُ ”ومَلَئِهِ“ أيْ عُظَماءِ قَوْمِهِ فَإنَّ ذَلِكَ شَبِيهٌ بِحالِ أبِي جَهْلٍ وأضْرابِهِ، وقَوْلُهُ ﴿فَلَمّا جاءَهم بِآياتِنا إذا هم مِنها يَضْحَكُونَ﴾ لِأنَّ حالَهم في ذَلِكَ مُشابِهٌ لِحالِ قُرَيْشٍ الَّذِي أشارَ إلَيْهِ قَوْلُهُ ﴿وكَمْ أرْسَلْنا مِن نَبِيٍّ في الأوَّلِينَ وما يَأْتِيهِمْ مِن نَبِيٍّ إلّا كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ﴾ [الزخرف: ٦]، وقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ﴿أمْ أنا خَيْرٌ مِن هَذا الَّذِي هو مَهِينٌ﴾ [الزخرف: ٥٢] لِأنَّهم أشْبَهُوا بِذَلِكَ حالَ أبِي جَهِلٍ ونَحْوِهِ في قَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا نُزِّلَ هَذا القُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾ [الزخرف: ٣١] إلّا أنَّ كَلِمَةَ سادَةِ قُرَيْشٍ كانَتْ أقْرَبَ إلى الأدَبِ مِن كَلِمَةِ فِرْعَوْنَ لِأنَّ هَؤُلاءِ كانَ رَسُولُهم مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَتْرُكُوا جانِبَ الحَياءِ بِالمَرَّةِ وفِرْعَوْنُ كانَ رَسُولُهُ غَرِيبًا عَنْهم. وقَوْلُهُ ”﴿فَلَوْلا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أساوِرَةٌ مِن ذَهَبٍ﴾ [الزخرف: ٥٣]“ لِأنَّهُ مُشابِهٌ لِما تَضَمَّنَهُ قَوْلُ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ عَلى رَجُلٍ مِنَ القَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ، فَإنَّ عَظَمَةَ ذَيْنِكَ الرَّجُلَيْنِ كانَتْ بِوَفْرَةِ المالِ، ولِذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ مِثْلُهُ في غَيْرِ هَذِهِ القِصَّةِ مِن قِصَصِ بِعْثَةِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَوْلُهم يا أيُّها السّاحِرُ ادْعُ لَنا رَبَّكَ وهو مُضاهٍ لِقَوْلِهِ في قُرَيْشٍ ”﴿هَذا سِحْرٌ وإنّا بِهِ كافِرُونَ﴾ [الزخرف: ٣٠]“، وقَوْلُهُ ”﴿فَأغْرَقْناهم أجْمَعِينَ﴾ [الزخرف: ٥٥]“ الدّالُّ عَلى أنَّ اللَّهَ أهْلَكَهم كُلَّهم، وذَلِكَ إنْذارٌ بِما حَصَلَ مِنِ اسْتِئْصالِ صَنادِيدِ قُرَيْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ.

فَحَصَلَ مِنَ العِبْرَةِ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أمْرانِ: أحَدُهُما: أنَّ الكُفّارَ والجَهَلَةَ يَتَمَسَّكُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الشُّبْهَةِ في رَدِّ فَضْلِ الفُضَلاءِ فَيَتَمَسَّكُونَ بِخُيُوطِ العَنْكَبُوتِ مِنَ الأُمُورِ العَرَضِيَّةِ الَّتِي لا أثَرَ لَها في قِيمَةِ النُّفُوسِ الزَّكِيَّةِ.

وثانِيهِما: أنَّ فِرْعَوْنَ صاحِبَ العَظَمَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ المَحْضَةِ صارَ مَقْهُورًا مَغْلُوبًا انْتَصَرَ عَلَيْهِ الَّذِي اسْتَضْعَفَهُ، وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الآيَةِ غَيْرَ مَرَّةٍ.

صفحة ٢٢٥

و(إذا) حَرْفُ مُفاجَأةٍ، أيْ يَدُلُّ عَلى أنَّ ما بَعْدَهُ حَصَلَ مِن غَيْرِ تَرَقُّبٍ فَتُفْتَتَحُ بِهِ الجُمْلَةُ الَّتِي يُفادُ مِنها حُصُولُ حادِثٍ عَلى وجْهِ المُفاجَأةِ.

ووَقَعَتِ الجُمْلَةُ الَّتِي فِيها (إذا) جَوابًا لِحَرْفِ (لَمّا)، وهي جُمْلَةٌ اسْمِيَّةٌ و(لَمّا) تَقْتَضِي أنْ يَكُونَ جَوابُها جُمْلَةً فِعْلِيَّةً، لِأنَّ ما في (إذا) مِن مَعْنى المُفاجَأةِ يَقُومُ مَقامَ الجُمْلَةِ الفِعْلِيَّةِ.

والضَّحِكُ: كِنايَةً عَنِ الِاسْتِخْفافِ بِالآياتِ والتَّكْذِيبِ فَلا يَتَعَيَّنُ أنْ يَكُونَ كُلُّ الحاضِرِينَ صَدَرَ مِنهم ضَحِكٌ، ولا أنَّ ذَلِكَ وقَعَ عِنْدَ رُؤْيَةِ آيَةٍ إذْ لَعَلَّ بَعْضَها لا يَقْتَضِي الضَّحِكَ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском