Ibn 'AshurAl‑Fath · 48:11–15

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-Fath 48:11–15

48:11Page 512

سَيَقُولُ لَكَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ مِنَ ٱلۡأَعۡرَابِ شَغَلَتۡنَآ أَمۡوَٰلُنَا وَأَهۡلُونَا فَٱسۡتَغۡفِرۡ لَنَاۚ يَقُولُونَ بِأَلۡسِنَتِهِم مَّا لَيۡسَ فِي قُلُوبِهِمۡۚ قُلۡ فَمَن يَمۡلِكُ لَكُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡـًٔا إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ ضَرًّا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ نَفۡعَۢاۚ بَلۡ كَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرَۢا ١١

Those who remained behind1 of the bedouins will say to you, "Our properties and our families occupied us, so ask forgiveness for us." They say with their tongues what is not within their hearts. Say, "Then who could prevent Allāh at all if He intended for you harm or intended for you benefit? Rather, ever is Allāh, of what you do, Aware.

﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا فاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾

لَمّا حَذَّرَ مِنَ النَّكْثِ ورَغَّبَ في الوَفاءِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِذِكْرِ التَّخَلُّفِ عَنْ الِانْضِمامِ إلى جَيْشِ النَّبِيءِ ﷺ حِينَ الخُرُوجِ إلى عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ وهو ما فَعَلَهُ الأعْرابُ الَّذِينَ كانُوا نازِلِينَ حَوْلَ المَدِينَةِ وهم سِتُّ قَبائِلَ: غِفارُ، ومُزَيَّنَةُ، وجُهَيْنَةُ، وأشْجَعُ، وأسْلَمُ، والدَّيْلُ، بَعْدَ أنْ بايَعُوهُ عَلى الخُرُوجِ مَعَهُ فَإنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ

صفحة ١٦١

لَمّا أرادَ المَسِيرَ إلى العُمْرَةِ اسْتَنْفَرَ مِن حَوْلِ المَدِينَةِ مِنهم لِيَخْرُجُوا مَعَهُ فَيَرْهَبَهُ أهْلُ مَكَّةَ فَلا يَصُدُّوهُ عَنْ عُمْرَتِهِ فَتَثاقَلَ أكْثَرُهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ. وكانَ مِن أهْلِ البَيْعَةِ زَيْدُ بْنُ خالِدٍ الجُهَنِيُّ مَن جُهَيْنَةَ وخَرَجَ مَعَ النَّبِيءِ ﷺ مِن أسْلَمَ مِائَةُ رَجُلٍ مِنهم مِرْداسُ بْنُ مالِكٍ الأسْلَمِيُّ، والِدُ عَبّاسٍ الشّاعِرِ، وعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أوْفى، وزاهِرُ بْنُ الأسْوَدِ، وأُهْبانُ - بِضَمِّ الهَمْزَةِ - بْنُ أوْسٍ، وسَلَمَةُ بْنُ الأكْوَعِ الأسْلَمِيُّ، ومِن غِفارٍ خُفافُ - بِضَمِّ الخاءِ المُعْجَمَةِ - بْنُ أيْماءَ بِفَتْحِ الهَمْزَةِ بَعْدَها تَحْتِيَّةً ساكِنَةً، ومَن مُزَيَّنَةَ عائِذُ بْنُ عَمْرٍو.

وتَخَلَّفَ عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ مُعْظَمُهم وكانُوا يَوْمَئِذٍ لَمْ يَتَمَكَّنِ الإيمانُ مِن قُلُوبِهِمْ ولَكِنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُنافِقِينَ، وأعَدُّوا لِلْمَعْذِرَةِ بَعْدَ رُجُوعِ النَّبِيءِ ﷺ أنَّهم شَغَلَتْهم أمْوالُهم وأهْلُوهم، فَأخْبَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ بِما بَيَّتُوهُ في قُلُوبِهِمْ وفَضَحَ أمْرَهم مِن قَبْلِ أنْ يَعْتَذِرُوا. وهَذِهِ مِن مُعْجِزاتِ القُرْآنِ بِالأخْبارِ الَّتِي قَبْلَ وُقُوعِهِ.

فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا لِمُناسَبَةِ ذِكْرِ الإيفاءِ والنَّكْثِ، فَكُمِّلَ بِذِكْرِ مَن تَخَلَّفُوا عَنِ الدّاعِي لِلْعَهْدِ.

والمَعْنى: أنَّهم يَقُولُونَ ذَلِكَ عِنْدَ مَرْجِعِ النَّبِيءِ ﷺ إلى المَدِينَةِ مُعْتَذِرِينَ كاذِبِينَ في اعْتِذارِهِمْ.

والمُخَلَّفُونَ بِفَتْحِ اللّامِ هُمُ الَّذِينَ تَخَلَّفُوا.

وأُطْلِقَ عَلَيْهِمُ ”المُخَلَّفُونَ“ أيْ غَيْرُهم خَلَّفَهم وراءَهُ، أيْ تَرَكَهم خَلْفَهُ، ولَيْسَ ذَلِكَ بِمُقْتَضٍ أنَّهم مَأْذُونٌ لَهم بَلِ المُخَلَّفُ هو المَتْرُوكُ مُطْلَقًا. يُقالُ: خَلَّفْنا فَلانًا، إذا مَرُّوا بِهِ وتَرَكُوهُ لِأنَّهُمُ اعْتَذَرُوا مِن قَبْلِ خُرُوجِ النَّبِيءِ ﷺ فَعَذَرَهم بِخِلافِ الأعْرابِ فَإنَّهم تَخَلَّفَ أكْثَرُهم بَعْدَ أنِ اسْتُنْفِرُوا ولَمْ يَعْتَذِرُوا حِينَئِذٍ.

والأمْوالُ: الإبِلُ.

وأهْلُونَ: جَمْعُ أهْلٍ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّهُ غَيْرُ مُسْتَوْفٍ لِشُرُوطِ الجَمْعِ بِالواوِ والنُّونِ أوِ الياءِ والنُّونِ، فَعُدَّ مِمّا أُلْحِقَ بِجَمْعِ المُذَكَّرِ السّالِمِ.

ومَعْنى ﴿فاسْتَغْفِرْ لَنا﴾: اسْألْ لَنا المَغْفِرَةَ مِنَ اللَّهِ إذْ كانُوا مُؤْمِنِينَ فَهو طَلَبٌ

صفحة ١٦٢

حَقِيقِيٌّ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم ظَنُّوا أنَّ اسْتِغْفارَ النَّبِيءِ ﷺ لَهم يَمْحُو ما أضْمَرُوهُ مِنَ النَّكْثِ وذَهَلُوا عَنْ عِلْمِ اللَّهِ بِما أضْمَرُوهُ كَدَأْبِ أهْلِ الجَهالَةِ فَقَدْ قَتَلَ اليَهُودُ زَكَرِيّا مَخافَةَ أنْ تَصْدُرَ مِنهُ دَعْوَةٌ عَلَيْهِمْ حِينَ قَتَلُوا ابْنَهُ يَحْيى ولِذَلِكَ عُقِّبَ قَوْلُهم هُنا بِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ الآيَةَ.

وجُمْلَةُ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ بَدَلَ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ﴾ .

والمَعْنى: أنَّهم كاذِبُونَ فِيما زَعَمُوهُ مِنَ الِاعْتِذارِ، وإنَّما كانَ تَخَلُّفُهم لِظَنِّهِمْ أنَّ النَّبِيءَ ﷺ يَقْصِدُ قِتالَ أهْلِ مَكَّةَ أوْ أنَّ أهْلَ مَكَّةَ مُقاتِلُوهُ لا مَحالَةَ وأنَّ الجَيْشَ الَّذِينَ كانُوا مَعَ النَّبِيءِ ﷺ لا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يَغْلِبُوا أهْلَ مَكَّةَ، فَقَدْ رُوِيَ أنَّهم قالُوا: يَذْهَبُ إلى قَوْمٍ غَزَوْهُ في عُقْرِ دارِهِ بِالمَدِينَةِ يَعْنُونَ غَزْوَةَ الأحْزابِ وقَتَلُوا أصْحابَهُ فَيُقاتِلُهم وظَنُّوا أنَّهُ لا يَنْقَلِبُ إلى المَدِينَةِ وذَلِكَ مِن ضَعْفِ يَقِينِهِمْ.

* * *

﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ بِكم ضَرّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾

أُمِرَ الرَّسُولُ ﷺ بِأنْ يَقُولَ لَهم ما فِيهِ رَدُّ أمْرِهِمْ إلى اللَّهِ لِيُعْلِمَهم أنَّ اسْتِغْفارَهُ اللَّهَ لَهم لا يُكْرِهُ اللَّهَ عَلى المَغْفِرَةِ بَلِ اللَّهُ يَفْعَلُ ما يَشاءُ إذا أرادَهُ فَإنْ كانَ أرادَ بِهِمْ نَفْعًا نَفَعَهم وإنْ كانَ أرادَ بِهِمْ ضُرًّا ضَرَّهم فَما كانَ مِنَ النُّصْحِ لِأنْفُسِهِمْ أنْ يَتَوَرَّطُوا فِيما لا يُرْضِي اللَّهَ ثُمَّ يَسْتَغْفِرُونَهُ. فَلَعَلَّهُ لا يَغْفِرُ لَهم، فالغَرَضُ مِن هَذا تَخْوِيفُهم مِن عِقابِ ذَنْبِهِمْ إذْ تَخَلَّفُوا عَنْ نَفِيرِ النَّبِيءِ ﷺ وكَذَبُوا في الِاعْتِذارِ لِيُكْثِرُوا مِنَ التَّوْبَةِ وتَدارُكِ المُمْكِنِ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ - تَعالى - بَعْدَهُ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ.

فَمَعْنى إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا هُنا الإرادَةُ الَّتِي جَرَتْ عَلى وفْقِ عِلْمِهِ - تَعالى - مِن إعْطائِهِ النَّفْعَ إيّاهم أوْ إصابَتِهِ بِضُرٍّ وفي هَذا الكَلامِ تَوْجِيهٌ بِأنَّ

صفحة ١٦٣

تَخَلُّفَهم سَبَبٌ في حِرْمانِهِمْ مِن فَضِيلَةِ شُهُودِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ وفي حِرْمانِهِمْ مِن شُهُودِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ بِنَهْيِهِ عَنْ حُضُورِهِمْ فِيها.

ومَعْنى المِلْكُ هُنا: القُدْرَةُ والِاسْتِطاعَةُ، أيْ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُغَيِّرَ ما أرادَهُ اللَّهُ وتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذا التَّرْكِيبِ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إنْ أرادَ أنْ يُهْلِكَ المَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧] في سُورَةِ العُقُودِ.

والغالِبُ في مِثْلِ هَذا أنْ يَكُونَ لِنَفْيِ القُدْرَةِ عَلى تَحْوِيلِ الشَّرِّ خَيْرًا كَقَوْلِهِ ﴿ومَن يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [المائدة: ٤١] . فَكانَ الجَرْيُ عَلى ظاهِرِ الِاسْتِعْمالِ مُقْتَضِيًا الِاقْتِصارَ عَلى نَفْيِ أنْ يَمْلِكَ أحَدٌ لَهم شَيْئًا إذا أرادَ اللَّهُ ضَرَّهم دُونَ زِيادَةٍ أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا، فَتُوَجَّهُ هَذِهِ الزِّيادَةُ أنَّها لِقَصْدِ التَّتْمِيمِ والِاسْتِيعابِ، ونَظِيرُهُ ﴿قُلْ مَن ذا الَّذِي يَعْصِمُكم مِنَ اللَّهِ إنْ أرادَ بِكم سُوءًا أوْ أرادَ بِكم رَحْمَةً﴾ [الأحزاب: ١٧] في سُورَةِ الأحْزابِ. وقَدْ مَضى قَرِيبٌ مِن هَذا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ لا أمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا ولا ضَرًّا إلّا ما شاءَ اللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٨٨] في سُورَةِ الأعْرافِ، فَراجِعْهُ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”ضَرًّا“ بِفَتْحِ الضّادِ، وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّها وهُما بِمَعْنًى، وهو مَصْدَرٌ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ هُنا مُرادًا بِهِ مَعْنى المَصْدَرِ، أيْ إنْ أرادَ أنْ يَضُرَّكم أوْ يَنْفَعَكم. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى المَفْعُولِ كالخَلْقِ بِمَعْنى المَخْلُوقِ، أيْ إنْ أرادَ بِكم ما يَضُرُّكم وما يَنْفَعُكم.

ومَعْنى تَعَلُّقِ ”أرادَ“ بِهِ أنَّهُ بِمَعْنى أرادَ إيصالَ ما يَضُرُّكم أوْ ما يَنْفَعُكم.

وهَذا الجَوابُ لا عِدَةَ فِيهِ مِنَ اللَّهِ بِأنْ يَغْفِرَ لَهم إذِ المَقْصُودُ تَرْكُهم في حالَةِ وجَلٍ لِيَسْتَكْثِرُوا مِن فِعْلِ الحَسَناتِ. وقُصِدَتْ مُفاتَحَتُهم بِهَذا الإبْهامِ لِإلْقاءِ الوَجَلِ في قُلُوبِهِمْ أنْ لا يُغْفَرَ لَهم ثُمَّ سَيُتْبِعُهُ بِقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفتح: ١٤] الآيَةَ الَّذِي هو أقْرَبُ إلى الإطْماعِ.

و(بَلْ) في قَوْلِهِ ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ إضْرابٌ لِإبْطالِ قَوْلِهِمْ ﴿شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ . وبِهِ يَزْدادُ مَضْمُونُ قَوْلِهِ ﴿يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ في قُلُوبِهِمْ﴾ تَقْرِيرًا لِأنَّهُ يَتَضَمَّنُ إبْطالًا لِعُذْرِهِمْ، ومِن مَعْنى الإبْطالُ يَحْصُلُ بَيانُ

صفحة ١٦٤

الإجْمالِ الَّذِي في قَوْلِهِ كانَ اللَّهُ بِما تَعْلَمُونَ خَبِيرًا إذْ يُفِيدُ أنَّهُ خَبِيرٌ بِكَذِبِهِمْ في الِاعْتِذارِ فَلِذَلِكَ أبْطَلَ اعْتِذارَهم بِحَرْفِ الإبْطالِ.

وتَقْدِيمُ بِما تَعْمَلُونَ عَلى مُتَعَلِّقِهِ لِقَصْدِ الِاهْتِمامِ بِذِكْرِ عَمَلِهِمْ هَذا. وماصَدَقُ (ما تَعْمَلُونَ) ما اعْتَقَدُوهُ وما ماهُوا بِهِ مِن أسْبابِ تَخَلُّفِهِمْ عَنْ نَفِيرِ الرَّسُولِ وكَثِيرًا ما سَمّى القُرْآنُ الِاعْتِقادَ عَمَلًا. وفي قَوْلِهِ وكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا تَهْدِيدٌ ووَعِيدٌ.

48:12Page 512

بَلۡ ظَنَنتُمۡ أَن لَّن يَنقَلِبَ ٱلرَّسُولُ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِلَىٰٓ أَهۡلِيهِمۡ أَبَدٗا وَزُيِّنَ ذَٰلِكَ فِي قُلُوبِكُمۡ وَظَنَنتُمۡ ظَنَّ ٱلسَّوۡءِ وَكُنتُمۡ قَوۡمَۢا بُورٗا ١٢

But you thought that the Messenger and the believers would never return to their families, ever, and that was made pleasing in your hearts. And you assumed an assumption of evil and became a people ruined."

﴿بَلْ ظَنَنْتُمْ أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ إلى أهْلِيهِمْ أبَدًا وزُيِّنَ ذَلِكَ في قُلُوبِكم وظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا﴾

هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْلَمُونَ خَبِيرًا﴾ [الفتح: ١١]، أيْ خَبِيرًا بِما عَلِمْتُمْ، ومِنهُ ظَنُّكم ﴿أنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ والمُؤْمِنُونَ﴾ .

وأُعِيدَ حَرْفُ الإبْطالِ زِيادَةً لِتَحْقِيقِ مَعْنى البَدَلِيَّةِ. كَما يُكَرَّرُ العامِلُ في المُبْدَلِ مِنهُ والِانْقِلابُ: الرُّجُوعُ إلى المَأْوى.

و(أنْ) مُخَفَّفَةٌ مِن (أنَّ) المُشَدَّدَةِ واسْمُها ضَمِيرُ الشَّأْنِ وسَدَّ المَصْدَرُ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ظَنَنْتُمْ، وجِيءَ بِحَرْفِ (لَنْ) المُفِيدِ اسْتِمْرارَ النَّفْيِ، وأُكِّدَ بِقَوْلِهِ أبَدًا لِأنَّ ظَنَّهم كانَ قَوِيًّا.

والتَّزْيِينُ: التَّحْسِينُ، وهو كِنايَةٌ عَنْ قَبُولِ ذَلِكَ وإنَّما جُعِلَ ذَلِكَ الظَّنُّ مُزَيَّنًا في اعْتِقادِهِمْ لِأنَّهم لَمْ يَفْرِضُوا غَيْرَهُ مِن الِاحْتِمالِ، وهو أنْ يَرْجِعَ الرَّسُولُ ﷺ سالِمًا. وهَكَذا شَأْنُ العُقُولِ الواهِيَةِ والنُّفُوسِ الهاوِيَةِ أنْ لا تَأْخُذَ مِنَ الصُّوَرِ الَّتِي تَتَصَوَّرُ بِها الحَوادِثُ إلّا الصُّورَةَ الَّتِي تَلُوحُ لَها في بادِئِ الرَّأْيِ. وإنَّما تَلُوحُ لَها أوَّلَ شَيْءٍ لِأنَّها الصُّورَةُ المَحْبُوبَةُ ثُمَّ يَعْتَرِيها التَّزْيِينُ في العَقْلِ فَتَلْهُو عَنْ فَرْضِ غَيْرِها فَلا تَسْتَعِدُّ لِحِدْثانِهِ، ولِذَلِكَ قِيلَ (حُبُكَ الشَّيْءَ يُعْمِي ويُصِمُّ) .

كانُوا يَقُولُونَ بَيْنَ أقْوالِهِمْ: ”إنَّ مُحَمَّدًا ﷺ وأصْحابَهُ أكَلَةُ - بِفُتُحاتٍ ثَلاثٍ - رَأْسٍ“ كِنايَةً عَنِ القِلَّةِ، أيْ يُشْبِعُهم رَأْسُ بَعِيرٍ لا يَرْجِعُونَ، أيْ هم قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ لِقُرَيْشٍ والأحابِيشِ وكِنانَةَ، ومَن في حِلْفِهِمْ.

صفحة ١٦٥

وظَنَّ السَّوْءِ أعَمُّ مِن ظَنِّهِمْ أنْ لا يَرْجِعَ الرَّسُولُ ﷺ والمُؤْمِنُونَ، أيْ ظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ بِالدِّينِ وبِمَن بَقِيَ مِنَ المُوقِنِينَ لِأنَّهم جَزَمُوا بِاسْتِئْصالِ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وأنَّ المُشْرِكِينَ يَنْتَصِرُونَ ثُمَّ يَغْزُونَ المَدِينَةَ بِمَن يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ مِنَ القَبائِلِ فَيُسْقَطُ في أيْدِي المُؤْمِنِينَ ويَرْتَدُّونَ عَنِ الدِّينِ فَذَلِكَ ظَنُّ السَّوْءِ.

والسَّوْءِ بِفَتْحِ السِّينِ تَقَدَّمَ آنِفًا في قَوْلِهِ الظّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ.

والبُورُ: مَصْدَرٌ كالهُلْكِ بِناءً ومَعْنًى، ومِثْلُهُ البَوارُ بِالفَتْحِ كالهَلاكِ ولِذَلِكَ وقَعَ وصْفًا بِالإفْرادِ ومَوْصُوفِهِ في مَعْنى الجَمْعِ.

والمُرادُ الهَلاكُ المَعْنَوِيُّ، وهو عَدَمُ الخَيْرِ والنَّفْعِ في الدِّينِ والآخِرَةِ نَظِيرُ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ [التوبة: ٤٢] في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“ .

وإقْحامُ كَلِمَةِ ”قَوْمًا“ بَيْنَ ”كُنْتُمْ“ و”بُورًا“ لِإفادَةِ أنَّ البَوارَ صارَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لِشِدَّةِ تَلَبُّسِهِ بِجَمِيعِ أفْرادِهِمْ كَما تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿وما تُغْنِي الآياتُ والنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] في سُورَةِ يُونُسَ.

48:13Page 512

وَمَن لَّمۡ يُؤۡمِنۢ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ فَإِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَعِيرٗا ١٣

And whoever has not believed in Allāh and His Messenger - then indeed, We have prepared for the disbelievers a Blaze.

﴿ومَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ فَإنّا أعْتَدْنا لِلْكافِرِينَ سَعِيرًا﴾ جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ أجْزاءِ القَوْلِ المَأْمُورِ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿قُلْ فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] الآياتِ، وقَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [الفتح: ١٤] وهَذا الِاعْتِراضُ لِلتَّحْذِيرِ مِنَ اسْتِدْراجِهِمْ أنْفُسَهم في مَدارِجِ الشَّكِّ في إصابَةِ أعْمالِ الرَّسُولِ ﷺ أنْ يُفْضِيَ بِهِمْ إلى دَرَكاتِ الكُفْرِ بَعْدَ الإيمانِ إذْ كانَ تَخَلُّفُهم عَنِ الخُرُوجِ مَعَهُ وما عَلَّلُوا بِهِ تَثاقُلَهم في نُفُوسِهِمْ، وإظْهارُ عُذْرٍ مَكْذُوبٍ أضْمَرُوا خِلافَهُ، كُلُّ ذَلِكَ حَوْمًا حَوْلَ حِمى الشَّكِّ يُوشِكُونَ أنْ يَقَعُوا فِيهِ.

و(مِن) شَرْطِيَّةٌ. وإظْهارُ لَفْظِ الكافِرِينَ في مَقامِ أنْ يُقالَ: أعْتَدْنا لَهم سَعِيرًا، لِزِيادَةِ تَقْرِيرِ مَعْنى مَن لَمْ يُؤْمِن بِاللَّهِ ورَسُولِهِ.

والسَّعِيرُ: النّارُ المُسَعَّرَةُ وهو مِن أسْماءِ جَهَنَّمَ.

48:14Page 512

وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ يَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ١٤

And to Allāh belongs the dominion of the heavens and the earth. He forgives whom He wills and punishes whom He wills. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.

صفحة ١٦٦

﴿ولِلَّهِ مَلِكُ السَّماواتِ والأرْضِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] فَهو مِن أجْزاءِ القَوْلِ، وهَذا انْتِقالٌ مِنَ التَّخْوِيفِ الَّذِي أوْهَمَهُ ﴿فَمَن يَمْلِكُ لَكم مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الفتح: ١١] إلى إطْماعِهِمْ بِالمَغْفِرَةِ الَّتِي سَألُوها، ولِذَلِكَ قُدِّمَ الضُّرُّ عَلى النَّفْعِ في الآيَةِ الأُولى فَقِيلَ ﴿إنْ أرادَ بِكم ضَرًّا أوْ أرادَ بِكم نَفْعًا﴾ [الفتح: ١١] لِيَكُونَ احْتِمالُ إرادَةِ الضُّرِّ بِهِمْ أسْبَقَ في نُفُوسِهِمْ.

وقُدِّمَتِ المَغْفِرَةُ هُنا بِقَوْلِهِ يَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ لِيَتَقَرَّرَ مَعْنى الإطْماعِ في نُفُوسِهِمْ فَيَبْتَدِرُوا إلى اسْتِدْراكِ ما فاتَهم.

وهَذا تَمْهِيدٌ لِوَعْدِهِمُ الآتِي في قَوْلِهِ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ [الفتح: ١٦] إلى قَوْلِهِ ﴿فَإنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أجْرًا حَسَنًا﴾ [الفتح: ١٦] .

وزادَ رَجاءَ المَغْفِرَةِ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ ﴿وكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ أيِ الرَّحْمَةُ والمَغْفِرَةُ أقْرَبُ مِنَ العِقابِ، ولِلْأمْرَيْنِ مَواضِعُ ومَراتِبُ في القُرْبِ والبُعْدِ، والنَّوايا والعَوارِضِ، وقِيمَةُ الحَسَناتِ والسَّيِّئاتِ، ﴿قَدْ أحاطَ اللَّهُ بِها﴾ [الفتح: ٢١] وقَدَّرَها تَقْدِيرًا.

ولَفْظُ ”مَن يَشاءُ“ في المَوْضِعَيْنِ إجْمالٌ لِلْمَشِيئَةِ وأسْبابِها وقَدْ بُيِّنَتْ غَيْرَ مَرَّةٍ في تَضاعِيفِ القُرْآنِ والسُّنَّةِ ومِن ذَلِكَ قَوْلُهُ ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أنْ يُشْرَكَ بِهِ ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] .

48:15Page 512

سَيَقُولُ ٱلۡمُخَلَّفُونَ إِذَا ٱنطَلَقۡتُمۡ إِلَىٰ مَغَانِمَ لِتَأۡخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعۡكُمۡۖ يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُواْ كَلَٰمَ ٱللَّهِۚ قُل لَّن تَتَّبِعُونَا كَذَٰلِكُمۡ قَالَ ٱللَّهُ مِن قَبۡلُۖ فَسَيَقُولُونَ بَلۡ تَحۡسُدُونَنَاۚ بَلۡ كَانُواْ لَا يَفۡقَهُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٥

Those who remained1 behind will say when you set out toward the war booty to take it, "Let us follow you." They wish to change the words of Allāh. Say, "Never will you follow us. Thus did Allāh say before." So they will say, "Rather, you envy us." But [in fact] they were not understanding except a little.2

﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها ذَرُونا نَتَّبِعْكم يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونا كَذَلِكم قالَ اللَّهُ مِن قَبْلُ فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾ هَذا اسْتِئْنافٌ ثانٍ بَعْدَ قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ مِنَ الأعْرابِ شَغَلَتْنا أمْوالُنا وأهْلُونا﴾ [الفتح: ١١] .

وهُوَ أيْضًا إعْلامٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ بِما سَيَقُولُهُ المُخَلَّفُونَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ يَتَعَلَّقُ بِتَخَلُّفِهِمْ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ وعُذْرِهِمُ الكاذِبِ، وأنَّهم سَيَنْدَمُونَ عَلى تَخَلُّفِهِمْ حِينَ يَرَوْنَ اجْتِناءَ أهْلِ

صفحة ١٦٧

٧٢ الحُدَيْبِيَةِ ثَمَرَةَ غَزْوِهِمْ، ويَتَضَمَّنُ تَأْكِيدَ تَكْذِيبِهِمْ في اعْتِذارِهِمْ عَنِ التَّخَلُّفِ بِأنَّهم حِينَ يَعْلَمُونَ أنَّ هُنالِكَ مَغانِمَ مِن قِتالٍ غَيْرِ شَدِيدٍ يَحْرِصُونَ عَلى الخُرُوجِ ولا تَشْغَلُهم أمْوالُهم ولا أهالِيهِمْ، فَلَوْ كانَ عُذْرُهم حَقًّا لَما حَرَصُوا عَلى الخُرُوجِ إذا تَوَقَّعُوا المَغانِمَ ولَأقْبَلُوا عَلى الِاشْتِغالِ بِأمْوالِهِمْ وأهْلِيهِمْ.

ولِكَوْنِ هَذِهِ المَقالَةِ صَدَرَتْ مِنهم عَنْ قَرِيحَةٍ ورَغْبَةٍ لَمْ يُؤْتَ مَعَها بِمَجْرُورِ لَكَ كَما أُتِيَ بِهِ في قَوْلِهِ ﴿سَيَقُولُ لَكَ المُخَلَّفُونَ﴾ [الفتح: ١١] آنِفًا لِأنَّ هَذا قَوْلٌ راغِبٌ صادِقٌ غَيْرُ مُزَوَّرٍ لِأجْلِ التَّرْوِيجِ عَلى النَّبِيءِ ﷺ كَما عَلِمْتَ ذَلِكَ فِيما تَقَدَّمَ.

واسْتُغْنِيَ عَنْ وصْفِهِمْ بِأنَّهم مِنَ الأعْرابِ لِأنَّ تَعْرِيفَ المُخَلَّفُونَ تَعْرِيفُ العَهْدِ، أيِ المُخَلَّفُونَ المَذْكُورُونَ.

وقَوْلُهُ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ لِتَأْخُذُوها﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ ﴿سَيَقُولُ المُخَلَّفُونَ﴾ ولَيْسَ هو مَقُولُ القَوْلِ.

و(إذا) ظَرْفٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ، ووُقُوعُ فِعْلِ المُضِيِّ بَعْدَهُ دُونَ المُضارِعِ مُسْتَعارٌ لِمَعْنى التَّحْقِيقِ، و(إذا) قَرِينَةٌ عَلى ذَلِكَ لِأنَّها خاصَّةٌ بِالزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ.

والمُرادُ بِالمَغانِمِ في قَوْلِهِ ﴿إذا انْطَلَقْتُمْ إلى مَغانِمَ﴾: الخُرُوجُ إلى غَزْوَةِ خَيْبَرَ فَأُطْلِقَ عَلَيْها اسْمُ مَغانِمَ مَجازًا لِعَلاقَةِ الأوَّلِ، مِثْلُ إطْلاقِ خَمْرًا في قَوْلِهِ إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا. وفي هَذا المَجازِ إيماءٌ إلى أنَّهم مَنصُورُونَ في غَزْوَتِهِمْ.

وأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمّا رَجَعَ مِنَ الحُدَيْبِيَةِ إلى المَدِينَةِ أقامَ شَهْرَ ذِي الحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وأيّامًا مِن مُحَرَّمٍ سَنَةَ سَبْعٍ ثُمَّ خَرَجَ إلى غَزْوَةِ خَيْبَرَ ورامَ المُخَلَّفُونَ عَنِ الحُدَيْبِيَةِ أنْ يَخْرُجُوا مَعَهُ فَمَنَعَهم لِأنَّ اللَّهَ جَعَلَ غَزْوَةَ خَيْبَرَ غَنِيمَةً لِأهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوانِ خاصَّةً إذْ وعَدَهم بِفَتْحٍ قَرِيبٍ.

وقَوْلُهُ ”لِتَأْخُذُوها“ تَرْشِيحٌ لِلْمَجازِ وهو إيماءٌ إلى أنَّ المَغانِمَ حاصِلَةٌ لَهم لا مَحالَةَ.

وذَلِكَ أنَّ اللَّهَ أخْبَرَ نَبِيئَهُ ﷺ أنَّهُ وعَدَ أهْلَ الحُدَيْبِيَةِأنْ يُعَوِّضَهم عَنْ عَدَمِ دُخُولِ مَكَّةَ مَغانِمَ خَيْبَرَ.

صفحة ١٦٨

و”مَغانِمُ“: جَمْعُ مَغْنَمٍ وهو اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِن غَنِمَ إذا أصابَ ما فِيهِ نَفْعٌ لَهُ كَأنَّهم سَمَّوْهُ مَغْنَمًا بِاعْتِبارِ تَشْبِيهِ الشَّيْءِ المَغْنُومِ بِمَكانٍ فِيهِ غَنَمٌ فَصِيغَ لَهُ وزْنُ المَفْعَلِ.

وأشْعَرَ قَوْلُهُ ”ذَرُونا“ بِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ سَيَمْنَعُهم مِنَ الخُرُوجِ مَعَهُ إلى غَزْوِ خَيْبَرَ لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهُ أنْ لا يَخْرُجَ مَعَهُ إلى خَيْبَرَ إلّا مِن حَضَرَ الحُدَيْبِيَةَ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أقْتُلْ مُوسى﴾ [غافر: ٢٦] في سُورَةِ غافِرٍ.

وقَوْلُهُ ”نَتَّبِعْكم“ حِكايَةٌ لِمَقالَتِهِمْ وهو يَقْتَضِي أنَّهم قالُوا هَذِهِ الكَلِمَةَ اسْتِنْزالًا لِإجابَةِ طَلَبِهِمْ بِأنْ أظْهَرُوا أنَّهم يَخْرُجُونَ إلى غَزْوِ خَيْبَرَ كالأتْباعِ، أيْ أنَّهم راضُونَ بِأنْ يَكُونُوا في مُؤَخِّرَةِ الجَيْشِ فَيَكُونَ حَظُّهم في مَغانِمِهِ ضَعِيفًا.

وتَبْدِيلُ كَلامِ اللَّهِ: مُخالَفَةُ وحْيِهِ مِنَ الأمْرِ والنَّهْيِ والوَعْدِ كَرامَةً لِلْمُجاهِدِينَ وتَأْدِيبًا لِلْمُخَلَّفِينَ عَنِ الخُرُوجِ إلى الحُدَيْبِيَةِ. فالمُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ ما أوْحاهُ إلى رَسُولِهِ ﷺ مِن وعْدِ أهِلِ الحُدَيْبِيَةِ بِمَغانِمِ خَيْبَرَ خاصَّةً لَهم، ولَيْسَ المُرادُ بِكَلامِ اللَّهِ هُنا القُرْآنَ إذْ لَمْ يُنَزَّلْ في ذَلِكَ قُرْآنٌ يَوْمَئِذٍ. وقَدْ أُشْرِكَ مَعَ أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ مَن أُلْحِقَ بِهِمْ مَن أهْلِ هِجْرَةِ الحَبَشَةِ الَّذِينَ أعْطاهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِوَحْيٍ.

وأمّا ما رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أسْلَمَ أنَّ المُرادَ بِكَلامِ اللَّهِ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا ولَنْ تُقاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾ [التوبة: ٨٣] فَقَدْ رَدَّهُ ابْنُ عَطِيَّةَ بِأنَّها نَزَلَتْ بَعْدَ هَذِهِ السُّورَةِ وهَؤُلاءِ المُخَلَّفُونَ لَمْ يُمْنَعُوا مَنعًا مُؤَبَّدًا بَلْ مُنِعُوا مِنَ المُشارَكَةِ في غَزْوَةِ خَيْبَرَ لِئَلّا يُشارِكُوا في مَغانِمِها فَلا يُلاقِي قَوْلَهُ فِيها ﴿لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أبَدًا﴾ [التوبة: ٨٣] ويُنافِي قَوْلَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الأعْرابِ سَتُدْعَوْنَ إلى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقاتِلُونَهُمْ﴾ [الفتح: ١٦] الآيَةَ، فَإنَّها نَزَلَتْ في غَزْوَةِ تَبُوكَ وهي بَعْدَ الحُدَيْبِيَةِ بِثَلاثِ سِنِينَ.

وجُمْلَةُ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ.

والإرادَةُ في قَوْلِهِ ﴿يُرِيدُونَ أنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ﴾ عَلى حَقِيقَتِها لِأنَّهم سَيَعْلَمُونَ حِينَئِذٍ يَقُولُونَ: ﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾ أنَّ اللَّهَ أوْحى إلى نَبِيئِهِ ﷺ بِمَنعِهِمْ مِنَ المُشارَكَةِ في فَتْحِ خَيْبَرَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ تَنازُلُهم في قَوْلِهِمْ ”﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾“ فَهم يُرِيدُونَ حِينَئِذٍ أنْ

صفحة ١٦٩

يُغَيِّرُوا ما أمَرَّ اللَّهُ بِهِ رَسُولَهُ حِينَ يَقُولُونَ ”﴿ذَرُونا نَتَّبِعْكُمْ﴾“ إذِ اتِّباعُ الجَيْشِ والخُرُوجُ في أوَّلِهِ سَواءٌ في المَقْصُودِ مِنَ الخُرُوجِ.

وقَرَأ الجُمْهُورُ ”﴿كَلامَ اللَّهِ﴾“ . وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ وخَلَفٌ ”كَلِمَ اللَّهِ“ اسْمُ جَمْعِ كَلِمَةٍ.

وجِيءَ بِـ (لَنْ) المُفِيدَةِ تَأْكِيدَ النَّفْيِ لِقَطْعِ أطْماعِهِمْ في الإذْنِ لَهم بِاتِّباعِ الجَيْشِ الخارِجِ إلى خَيْبَرَ ولِذَلِكَ حُذِفَ مُتَعَلِّقُ ”تَتَّبِعُونا“ لِلْعِلْمِ بِهِ. و”مِن قَبْلُ“ تَقْدِيرُهُ: مِن قَبْلِ طَلَبِكُمُ الَّذِي تَطْلُبُونَهُ وقَدْ أخْبَرَ اللَّهُ عَنْهم بِما سَيَقُولُونَهُ إذْ قالَ ﴿فَسَيَقُولُونَ بَلْ تَحْسُدُونَنا﴾، وقَدْ قالُوا ذَلِكَ بَعْدَ نَحْوِ شَهْرٍ ونِصْفٍ فَلَمّا سَمِعَ المُسْلِمُونَ المُتَأهِّبُونَ لِلْخُرُوجِ إلى خَيْبَرَ مَقالَتَهم قالُوا: قَدْ أخْبَرَنا اللَّهُ في الحُدَيْبِيَةِ بِأنَّهم سَيَقُولُونَ هَذا.

و(بَلْ) هُنا لِلْإضْرابِ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ ”﴿لَنْ تَتَّبِعُونا﴾“ وهو إضْرابُ إبْطالٍ نَشَأ عَنْ فَوْرَةِ الغَضَبِ المَخْلُوطِ بِالجَهالَةِ وسُوءِ النَّظَرِ، أيْ لَيْسَ بِكُمُ الحِفاظُ عَلى أمْرِ اللَّهِ، بَلْ بِكم أنْ لا نُقاسِمَكم في المَغانِمِ حَسَدًا لَنا عَلى ما نُصِيبُ مِنَ المَغانِمِ.

والحَسَدُ: كَراهِيَةُ أنْ يَنالَ غَيْرُكَ خَيْرًا مُعَيَّنًا أوْ مُطْلَقًا سَواءٌ كانَ مَعَ تَمَنِّي انْتِقالِهِ إلَيْكَ أوْ بِدُونِ ذَلِكَ، فالحَسَدُ هُنا أُرِيدَ بِهِ الحِرْصُ عَلى الِانْفِرادِ بِالمَغانِمِ وكَراهِيَةِ المُشارَكَةِ فِيها لِئَلّا يَنْقُصَ سِهامُ الكارِهِينَ.

وتَقَدَّمَ الحَسَدُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿بَغْيًا أنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ﴾ [البقرة: ٩٠] وعِنْدَ قَوْلِهِ ﴿حَسَدًا مِن عِنْدِ أنْفُسِهِمْ﴾ [البقرة: ١٠٩] كِلاهُما في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وضَمِيرُ الرَّفْعِ مُرادٌ بِهِ أهْلُ الحُدَيْبِيَةِ، نَسَبُوهم إلى الحَسَدِ لِأنَّهم ظَنُّوا أنَّ الجَوابَ بِمَنعِهِمْ لِعَدَمِ رِضا أهْلِ الحُدَيْبِيَةِ بِمُشارَكَتِهِمْ في المَغانِمِ. ولا يُظَنُّ بِهِمْ أنْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ الضَّمِيرِ شُمُولَ النَّبِيءِ ﷺ لِأنَّ المُخَلَّفِينَ كانُوا مُؤْمِنِينَ لا يَتَّهِمُونَ النَّبِيءَ ﷺ بِالحَسَدِ ولِذَلِكَ أبْطَلَ اللَّهُ كَلامَهم بِالإضْرابِ الإبْطالِيِّ فَقالَ ﴿بَلْ كانُوا لا يَفْقَهُونَ إلّا قَلِيلًا﴾، أيْ لَيْسَ قَوْلُكَ لَهم ذَلِكَ لِقَصْدِ الِاسْتِبْشارِ بِالمَغانِمِ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ ولَكِنَّهُ أمْرُ اللَّهِ وحَقُّهُ لِأهْلِ الحُدَيْبِيَةِ وتَأْدِيبٌ لِلْمُخَلَّفِينَ لِيَكُونُوا عِبْرَةً لِغَيْرِهِمْ فِيما

صفحة ١٧٠

يَأْتِي وهم ظَنُّوهُ تَمالُؤًا مِن جَيْشِ الحُدَيْبِيَةِ لِأنَّهم لَمْ يَفْهَمُوا حِكْمَتَهُ وسَبَبَهم.

وإنَّما نَفى اللَّهُ عَنْهُمُ الفَهْمَ دُونَ الإيمانِ لِأنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ ولَكِنَّهم كانُوا جاهِلِينَ بِشَرائِعِ الإسْلامِ ونُظُمِهِ.

وأفادَ قَوْلُهُ لا يَفْقَهُونَ انْتِفاءَ الفَهْمِ عَنْهم لِأنَّ الفِعْلَ في سِياقِ النَّفْيِ كالنَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ يَعُمُّ، فَلِذَلِكَ اسْتَثْنى مِنهُ بِقَوْلِهِ ”إلّا قَلِيلًا“ أيْ إلّا فَهْمًا قَلِيلًا وإنَّما قَلَّلَهُ لِكَوْنِ فَهْمِهِمْ مُقْتَصِرًا عَلى الأُمُورِ الواضِحَةِ مِنَ العادِيّاتِ لا يَنْفُذُ إلى المُهِمّاتِ ودَقائِقِ المَعانِي، ومِن ذَلِكَ ظَنُّهم حِرْمانَهم مِن الِالتِحاقِ بِجَيْشِ غَزْوَةِ خَيْبَرَ مُنْبَعِثًا عَلى الحَسَدِ.

وقَدْ جَرَوْا في ظَنِّهِمْ هَذا عَلى المَعْرُوفِ مِن أهْلِ الأنْظارِ القاصِرَةِ والنُّفُوسِ الضَّئِيلَةِ مِنَ التَّوَسُّمِ في أعْمالِ أهِلِ الكَمالِ بِمِنظارِ ما يَجِدُونَ مِن دَواعِي أعْمالِهِمْ وأعْمالِ خُلَطائِهِمْ.

و”قَلِيلًا“ وصْفٌ لِلْمُسْتَثْنى المَحْذُوفِ، والتَّقْدِيرُ: إلّا فِقْهًا قَلِيلًا.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском