Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-Hashr 59:13–18
59:13Page 547
لَأَنتُمۡ أَشَدُّ رَهۡبَةٗ فِي صُدُورِهِم مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَفۡقَهُونَ ١٣
You [believers] are more fearful within their breasts than Allāh. That is because they are a people who do not understand.
﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ﴾ .
لَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن ذِكْرِ وهْنِ المُنافِقِينَ في القِتالِ تَشْدِيدَ نَفْسِ النَّبِيءِ ﷺ وأنْفُسِ المُؤْمِنِينَ حَتّى لا يَرْهَبُوهم ولا يَخْشَوْا مُسانَدَتَهم لِأهْلِ حَرْبِ المُسْلِمِينَ أحْلافِ المُنافِقِينَ قُرَيْظَةَ وخَيْبَرَ أعْقَبَ ذَلِكَ بِإعْلامِ المُؤْمِنِينَ بِأنَّ المُنافِقِينَ وأحْلافَهم يَخْشَوْنَ المُسْلِمِينَ خَشْيَةً شَدِيدَةً وُصِفَتْ شِدَّتُها بِأنَّها أشَدُّ مِن خَشْيَتِهِمُ اللَّهَ
صفحة ١٠٢
تَعالى، فَإنَّ خَشْيَةَ جَمِيعِ الخَلْقِ مِنَ اللَّهِ أعْظَمُ خَشْيَةً فَإذا بَلَغَتِ الخَشْيَةُ في قَلْبِ أحَدٍ أنْ تَكُونَ أعْظَمَ مِن خَشْيَةِ اللَّهِ فَذَلِكَ مُنْتَهى الخَشْيَةِ.
والمَقْصُودُ تَشْدِيدُ نُفُوسِ المُسْلِمِينَ لِيَعْلَمُوا أنَّ عَدُوَّهم مُرْهَبٌ مِنهم، وذَلِكَ مِمّا يَزِيدُ المُسْلِمِينَ إقْدامًا في مُحارَبَتِهِمْ إذْ لَيْسَ سِياقُ الكَلامِ لِلتَّسْجِيلِ عَلى المُنافِقِينَ واليَهُودِ قِلَّةَ رَهْبَتِهِمْ لِلَّهِ بَلْ إعْلامَ المُسْلِمِينَ بِأنَّهم أرْهَبُ لَهم مِن كُلِّ أعْظَمِ الرَّهَباتِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ ومَن مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ.
والصُّدُورُ مُرادٌ بِها: النُّفُوسُ والضَّمائِرُ لِأنَّ مَحَلَّ أجْهِزَتِها في الصُّدُورِ.
والرَّهْبَةُ: مَصْدَرُ رَهِبَ، أيْ خافَ.
وقَوْلُهُ (في صُدُورِهِمْ) لِ (رَهْبَةً) فَهي رَهْبَةُ أُولَئِكَ.
وضَمِيرُ (صُدُورِهِمْ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ نافَقُوا و(الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ) إذْ لَيْسَ اسْمُ أحَدِ الفَرِيقَيْنِ أوْلى بِعَوْدِ الضَّمِيرِ إلَيْهِ مَعَ صَلاحِيَّةِ الضَّمِيرِ لِكِلَيْهِما، ولِأنَّ المَقْصُودِينَ بِالقِتالِ هم يَهُودُ قُرَيْظَةَ وخَيْبَرَ وأمّا المُنافِقُونَ فَكانُوا أعْوانًا لَهم.
وإسْنادُ ”أشَدُّ“ إلى ضَمِيرِ المُسْلِمِينَ المُخاطَبِينَ إسْنادٌ سَبَبِيٌّ كَأنَّهُ قِيلَ: لَرَهْبَتُكُمِ في صُدُورِهِمْ أشَدُّ مِن رَهْبَةٍ فِيها. فالرَّهْبَةُ في مَعْنى المَصْدَرِ المُضافِ إلى مَفْعُولِهِ، وكُلُّ مَصْدَرٍ لِفِعْلٍ مُتَعَدٍّ يَحْتَمِلُ أنْ يُضافَ إلى فاعِلِهِ أوْ إلى مَفْعُولِهِ، ولِذَلِكَ فَسَّرَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِأشَدَّ مَرْهُوبِيَّةً.
ومِنَ اللَّهِ هو المُفَضَّلُ عَلَيْهِ، وهو عَلى حَذْفِ مُضافٍ، أيْ مِن رَهْبَةِ اللَّهِ، أيْ مِن رَهْبَتِهِمُ اللَّهَ كَما قالَ النّابِغَةُ:
وقَدْ خِفْتُ حَتّى ما تَزِيدُ مَخافَتِي عَلى وعْلٍ في ذِي المَطارَةِ عاقِلِ
أيْ عَلى مَخافَةِ وعْلٍ.
وهَذا تَرْكِيبٌ غَرِيبُ النَّسْجِ بَدِيعُهُ. والمَأْلُوفُ في أداءِ مِثْلِ هَذا المَعْنى أنْ يُقالَ: لَرَهْبَتُهم مِنكم في صُدُورِهِمْ أشَدُّ مِن رَهْبَتِهِمْ مِنَ اللَّهِ، فَحُوِّلَ عَنْ هَذا النَّسْجِ إلى
صفحة ١٠٣
النَّسْجِ الَّذِي حَبَكَ عَلَيْهِ في الآيَةِ، لِيَتَأتّى الِابْتِداءُ بِضَمِيرِ المُسْلِمِينَ اهْتِمامًا بِهِ ولِيَكُونَ مُتَعَلِّقُ الرَّهْبَةِ ذَواتِ المُسْلِمِينَ لِتَوَقُّعِ بَطْشِهِمْ ولِيَأْتِيَ التَّمْيِيزُ المُحَوَّلُ عَنِ الفاعِلِ لِما فِيهِ مِن خُصُوصِيَّةِ الإجْمالِ مَعَ التَّفْصِيلِ كَما تَقَرَّرَ في خُصُوصِيَّةِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿واشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا﴾ [مريم: ٤] دُونَ: واشْتَعَلَ شَيْبُ رَأْسِي. ولِيَتَأتّى حَذْفُ المُضافِ في تَرْكِيبِ (مِنَ اللَّهِ)، إذِ التَّقْدِيرُ: مِن رَهْبَةِ اللَّهِ لِأنَّ حَذْفَهُ لا يَحْسُنُ إلّا إذا كانَ مَوْقِعُهُ مُتَّصِلًا بِلَفْظِ رَهْبَةٍ، إذْ لا يَحْسُنُ أنْ يُقالَ: لَرَهْبَتُهم أشَدُّ مِنَ اللَّهِ. وانْظُرْ ما تَقَدَّمَ عِنْدَ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إذا فَرِيقٌ مِنهم يَخْشَوْنَ النّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أوْ أشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: ٧٧] في سُورَةِ النِّساءِ.
فاليَهُودُ والمُنافِقُونَ مِن شَأْنِهِمْ أنْ يَخْشُوا اللَّهَ. أمّا اليَهُودُ فَلِأنَّهم أهْلُ دِينٍ فَهم يَخافُونَ اللَّهَ ويَحْذَرُونَ عِقابَ الدُّنْيا وعِقابَ الآخِرَةِ. وأمّا المُنافِقُونَ فَهم مُشْرِكُونَ وهم يَعْتَرِفُونَ بِأنَّ اللَّهَ تَعالى هو الإلَهُ الأعْظَمُ، وأنَّهُ أوْلى المَوْجُوداتِ بِأنْ يُخْشى لِأنَّهُ رَبُّ الجَمِيعِ وهم لا يُثْبِتُونَ البَعْثَ والجَزاءَ فَخَشِيَتْهُمُ اللَّهَ قاصِرَةٌ عَلى خَشْيَةِ عَذابِ الدُّنْيا مِن خَسْفٍ وقَحْطٍ واسْتِئْصالٍ ونَحْوِ ذَلِكَ ولَيْسَ وراءَ ذَلِكَ خَشْيَةٌ. وهَذا بِشارَةٌ لِلنَّبِيءِ ﷺ والمُسْلِمِينَ بِأنَّ اللَّهَ أوْقَعَ الرُّعْبَ مِنهم في نُفُوسِ عَدُوِّهم كَما قالَ النَّبِيءُ ﷺ «نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ» .
ووَجْهُ وصْفِ الرَّهْبَةِ بِأنَّها في صُدُورِهِمُ الإشارَةُ إلى أنَّها رَهْبَةٌ جَدُّ خَفِيَّةٍ، أيْ أنَّهم يَتَظاهَرُونَ بِالِاسْتِعْدادِ لِحَرْبِ المُسْلِمِينَ ويَتَطاوَلُونَ بِالشَّجاعَةِ لِيَرْهَبَهُمُ المُسْلِمُونَ وما هم بِتِلْكَ المَثابَةِ فَأطْلَعَ اللَّهُ رَسُولَهُ ﷺ عَلى دَخِيلَتِهِمْ فَلَيْسَ قَوْلُهُ (في صُدُورِهِمْ) وصْفًا كاشِفًا.
وإذْ قَدْ حَصُلَتِ البِشارَةُ مِنَ الخَبَرِ عَنِ الرُّعْبِ الَّذِي في قُلُوبِهِمْ ثُنِيَ عَنانُ الكَلامِ إلى مَذَمَّةِ هَؤُلاءِ الأعْداءِ مِن جَرّاءِ كَوْنِهِمْ أخْوَفَ لِلنّاسِ مِنهم لِلَّهِ تَعالى بِأنَّ ذَلِكَ مِن قِلَّةٍ فَقْهِ نُفُوسِهِمْ، ولَوْ فَقِهُوا لَكانُوا أخْوَفَ لِلَّهِ مِنهم لِلنّاسِ فَنَظَرُوا فِيما يُخَلِّصُهم مِن عِقابِ التَّفْرِيطِ في النَّظَرِ في دَعْوَةِ الرَّسُولِ ﷺ فَعَلِمُوا صِدْقَهُ فَنَجَوْا مِن عَواقِبِ كُفْرِهِمْ بِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ فَكانَتْ رَهْبَتُهم مِنَ المُسْلِمِينَ هَذِهِ الرَّهْبَةُ مُصِيبَةً عَلَيْهِمْ وفائِدَةً لِلْمُسْلِمِينَ.
فالجُمْلَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ البَيانِ ومُبَيِّنِهِ.
صفحة ١٠٤
والإشارَةُ بِذَلِكَ إلى المَذْكُورِ مِن قَوْلِهِ ﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ واجْتِلابُ اسْمِ الإشارَةِ لِيَتَمَيَّزَ الأمْرُ المَحْكُومُ عَلَيْهِ أتَمَّ تَمْيِيزٍ لِغَرابَتِهِ.
والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ والمَجْرُورُ خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ، أيْ سَبَبُ ذَلِكَ المَذْكُورِ وهو انْتِفاءُ فَقاهَتِهِمْ.
وإقْحامُ لَفْظِ (قَوْمٍ) لِما يُؤْذِنُ بِهِ مِن أنَّ عَدَمَ فِقْهِ أنْفُسِهِمْ أمْرٌ عُرِفُوا بِهِ جَمِيعًا وصارَ مِن مُقَوِّماتِ قَوْمِيَّتِهِمْ لا يَخْلُو عَنْهُ أحَدٌ مِنهم، وقَدْ تَقَدَّمَ بَيانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ في اخْتِلافِ اللَّيْلِ والنَّهارِ﴾ [يونس: ٦] إلى قَوْلِهِ ﴿لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
والفِقْهُ: فَهْمُ المَعانِيَ الخَفِيَّةِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَما لِهَؤُلاءِ القَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٧٨] في سُورَةِ النِّساءِ، وقَوْلِهِ ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآياتِ لَعَلَّهم يَفْقَهُونَ﴾ [الأنعام: ٦٥] في سُورَةِ الأنْعامِ، ذَلِكَ أنَّهم تَبِعُوا دَواعِيَ الخَوْفِ المُشاهَدِ وذَهَلُوا عَنِ الخَوْفِ المُغَيَّبِ عَنْ أبْصارِهِمْ، وهو خَوْفُ اللَّهِ فَكانَ ذَلِكَ مِن قِلَّةِ فَهْمِهِمْ لِلْخَفِيّاتِ.
59:14Page 547
لَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرٗى مُّحَصَّنَةٍ أَوۡ مِن وَرَآءِ جُدُرِۭۚ بَأۡسُهُم بَيۡنَهُمۡ شَدِيدٞۚ تَحۡسَبُهُمۡ جَمِيعٗا وَقُلُوبُهُمۡ شَتَّىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ١٤
They will not fight you all except within fortified cities or from behind walls. Their violence [i.e., enmity] among themselves is severe. You think they are together, but their hearts are diverse. That is because they are a people who do not reason.
﴿لا يُقاتِلُونَكم جَمِيعًا إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ﴾ .
هَذِهِ الجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمالٍ مِن جُمْلَةِ ﴿لَأنْتُمْ أشَدُّ رَهْبَةً في صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١٣]، لِأنَّ شِدَّةَ الرَّهْبَةِ مِنَ المُسْلِمِينَ تَشْتَمِلُ عَلى شَدَّةِ التَّحَصُّنِ لِقِتالِهِمْ إيّاهم، أيْ لا يَقْدِرُونَ عَلى قِتالِكم إلّا في هاتِهِ الأحْوالِ والضَّمِيرُ المَرْفُوعُ في يُقاتِلُونَكم عائِدٌ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا مِن أهْلِ الكِتابِ.
وقَوْلُهُ جَمِيعًا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى كُلَّهم كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إلى اللَّهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٤٨] فَيَكُونُ لِلشِّمُولِ، أيْ كُلُّهم لا يُقاتِلُونَكُمُ اليَهُودُ والمُنافِقُونَ إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ إلَخْ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُجْتَمَعِينَ، أيْ لا يُقاتِلُونَكم جُيُوشًا كَشَأْنِ جُيُوشِ المُتَحالِفِينَ فَإنَّ ذَلِكَ قِتالُ مَن لا يَقْبَعُونَ في قُراهم فَيَكُونُ النَّفْيُ مُنْصَبًّا إلى هَذا
صفحة ١٠٥
القَيْدِ، أيْ لا يَجْتَمِعُونَ عَلى قِتالِكُمُ اجْتِماعَ الجُيُوشِ، أيْ لا يُهاجِمُونَكم ولَكِنْ يُقاتِلُونَ قِتالَ دِفاعٍ في قُراهم.
واسْتِثْناءُ ”إلّا في قُرًى“ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في ”جَمِيعًا“ اسْتِثْناءٌ حَقِيقِيٌّ مِن عُمُومِ الأحْوالِ، أيْ لا يُقاتِلُونَكم كُلُّهم في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ الكَوْنِ في قُرًى مُحَصَّنَةٍ إلَخْ. وهو عَلى الوَجْهِ الثّانِي في ”جَمِيعًا“ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لِأنَّ القِتالَ في القُرى ووَراءَ الجُدُرِ لَيْسَ مِن أحْوالِ قِتالِ الجُيُوشِ المُتَسانِدِينَ.
وعَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ فالكَرَمُ يُفِيدُ أنَّهم لا يُقاتِلُونَ إلّا مُتَفَرِّقِينَ كُلُّ فَرِيقٍ في قَرْيَتِهِمْ، وإلّا خائِفِينَ مُتَتَرِّسِينَ.
والمَعْنى: لا يُهاجِمُونَكم، وإنْ هاجَمْتُمُوهم لا يَبْرُزُونَ إلَيْكم ولَكِنَّهم يُدافِعُونَكم في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ يُقاتِلُونَكم مِن وراءِ جُدُرٍ، أيْ في الحُصُونِ والمَعاقِلِ ومِن وراءِ الأسْوارِ، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ مَصِيرِهِمْ إلى الهَزِيمَةِ إذْ ما حُورِبَ قَوْمٌ في عُقْرِ دارِهِمْ إلّا ذَلُّوا كَما قالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: وهَذا إطْلاعٌ لَهم عَلى تَطْمِينٍ لِلرَّسُولِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ ودَخائِلِ الأعْداءِ.
والجُدُرُ بِضَمَّتَيْنِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ جَمْعُ جِدارٍ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو (جِدارٌ) عَلى الإفْرادِ، والمُرادُ الجِنْسُ تُساوِي الجَمْعَ.
و(مُحَصَّنَةٍ): مَمْنُوعَةٍ مِمَّنْ يُرِيدُ أخْذَها بِأسْوارٍ أوْ خَنادِقَ.
وقُرًى: بِالقَصْرِ جَمْعُ قَرْيَةٍ، ووَزْنُهُ وقَصْرُهُ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِأنَّ ما كانَ عَلى زِنَةِ فَعْلَةٍ مُعْتَلِّ اللّامِ مِثْلَ قَرْيَةٍ يُجْمَعُ عَلى فِعالٍ بِكَسْرِ الفاءِ مَمْدُودًا مِثْلَ: رَكْوَةٍ ورِكاءٍ، وشَكْوَةٍ وشِكاءٍ. ولَمْ يُسْمَعِ القَصْرُ إلّا في كَوَّةٍ بِفَتْحِ الكافِ لُغَةٌ وكُوًى، وقَرْيَةٍ وقُرًى ولِذَلِكَ قالَ الفَرّاءُ: قُرًى شاذٌّ، يُرِيدُ خارِجٌ عَنِ القِياسِ.
* * *
﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ تَحْسِبُهم جَمِيعًا وقُلُوبُهم شَتّى ذَلِكَ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِأنَّ الإخْبارَ عَنْ أهْلِ الكِتابِ وأنْصارِهِمْ بِأنَّهم لا يُقاتِلُونَ
صفحة ١٠٦
المُسْلِمِينَ إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ المُفِيدُ أنَّهم لا يَتَّفِقُونَ عَلى جَيْشٍ واحِدٍ مُتَسانِدِينَ فِيهِ مِمّا يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ عَنْ مُوجِبِ ذَلِكَ مَعَ أنَّهم مُتَّفِقُونَ عَلى عَداوَةِ المُسْلِمِينَ. فَيُجابُ بِأنَّ بَيْنَهم بَأْسًا شَدِيدًا وتَدابُرًا، فَهم لا يَتَّفِقُونَ.
وافْتُتِحَتِ الجُمْلَةُ بِـ (بَأْسُهم) لِلِاهْتِمامِ بِالأِخْبارِ عَنْهُ بِأنَّهُ بَيْنَهم، أيْ مُتَسَلِّطٌ مِن بَعْضِهِمْ عَلى بَعْضٍ ولَيْسَ بَأْسُهم عَلى المُسْلِمِينَ، وفي تَهَكُّمٍ.
ومَعْنى بَيْنَهم: أنَّ مَجالَ البَأْسِ في مُحِيطِهِمْ فَما في بَأْسِهِمْ مِن إضْرارٍ فَهو مُنْعَكِسٌ إلَيْهِمْ، وهَذا التَّرْكِيبُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعالى رُحَماءُ بَيْنَهم.
وجُمْلَةُ (تَحَسَبُهم جَمِيعًا) إلى آخِرِها اسْتِئْنافٌ عَنْ جُمْلَةِ ﴿بَأْسُهم بَيْنَهم شَدِيدٌ﴾ . لِأنَّهُ قَدْ يَسْألُ السّائِلُ: كَيْفَ ذَلِكَ ونَحْنُ نَراهم مُتَّفِقِينَ ؟ فَأُجِيبُ بِأنَّ ظاهِرَ حالِهِمْ حالُ اجْتِماعٍ واتِّحادٍ وهم في بَواطِنِهِمْ مُخْتَلِفُونَ فَآراؤُهم غَيْرُ مُتَّفِقَةٍ لا إلْفَةَ بَيْنَهم لِأنَّ بَيْنَهم إحَنًا وعَداواتٍ فَلا يَتَعاضَدُونَ.
والخِطابُ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ لا يَحْسَبُ ذَلِكَ. وهَذا تَشْجِيعٌ لِلْمُسْلِمِينَ عَلى قِتالِهِمْ والِاسْتِخْفافِ بِجَماعَتِهِمْ. وفي الآيَةِ تَرْبِيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لِيَحْذَرُوا مِنَ التَّخالُفِ والتَّدابُرِ ويَعْلَمُوا أنْ الأُمَّةَ لا تَكُونُ ذاتَ بَأْسٍ عَلى أعْدائِها إلّا إذا كانَتْ مُتَّفِقَةَ الضَّمائِرِ يَرَوْنَ رَأْيًا مُتَماثِلًا في أُصُولِ مَصالِحِهِما المُشْتَرِكَةِ، وإنِ اخْتَلَفَتْ في خُصُوصِيّاتِها الَّتِي لا تَنْقُضُ أُصُولَ مَصالِحِها، ولا تُفَرِّقُ جامِعَتِها، وأنَّهُ لا يَكْفِي في الِاتِّحادِ تَوافُقُ الأقْوالِ ولا التَّوافُقُ عَلى الأغْراضِ إلّا أنْ تَكُونَ الضَّمائِرُ خالِصَةً مِنَ الإحَنِ والعَداواتِ.
والقُلُوبُ: العُقُولُ والأفْكارُ، وإطْلاقُ القَلْبِ عَلى العَقْلِ كَثِيرٌ في اللُّغَةِ.
وشَتّى: جَمْعُ شَتِيتٍ بِمَعْنى مُفارِقٍ بِوَزْنِ فَعْلى مَثَلَ قَتِيلٍ وقَتْلى، شُبِّهَتِ العُقُولُ المُخْتَلِفَةُ مَقاصِدُها بِالجَماعاتِ المُتَفَرِّقِينَ في جِهاتٍ في أنَّها لا تَتَلاقى في مَكانٍ واحِدٍ، والمَعْنى: أنَّهم لا يَتَّفِقُونَ عَلى حَرْبِ المُسْلِمِينَ.
وقَوْلُهُ (ذَلِكَ) إشارَةٌ إلى ما ذُكِرَ مِن أنَّ بَأْسَهم بَيْنَهم ومِن تَشَتُّتِ قُلُوبِهِمْ أيْ ذَلِكَ مُسَبَّبٌ عَلى عَدَمِ عَقْلِهِمْ إذِ انْساقُوا إلى إرْضاءِ خَواطِرِ الأحْقادِ والتَّشَفِّي بَيْنَ أفْرادِهِمْ وأهْمَلُوا النَّظَرَ في عَواقِبِ الأُمُورِ واتِّباعِ المَصالِحِ فَأضاعُوا مَصالِحَ قَوْمِهِمْ.
صفحة ١٠٧
ولِذَلِكَ أقْحَمَ لَفْظَ القَوْمِ في قَوْلِهِ بِأنَّهم قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ إيماءٌ إلى أنَّ ذَلِكَ مِن آثارِ ضَعْفِ عُقُولِهِمْ حَتّى صارَتْ عُقُولُهم كالمَعْدُومَةِ فالمُرادُ: أنَّهم لا يَعْقِلُونَ المَعْقِلَ الصَّحِيحَ.
وأُوثِرَ هُنا (لا يَعْقِلُونَ) . وفي الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها (لا يَفْقَهُونَ) لِأنَّ مَعْرِفَةَ مَآلِ التَّشَتُّتِ في الرَّأْيِ وصَرْفِ البَأْسِ إلى المُشارِكِ في المَصْلَحَةِ مِنَ الوَهْنِ والفَتِّ في ساعِدِ الأُمَّةِ مَعْرِفَةٌ (مَشْهُورَةٌ) بَيْنَ العُقَلاءِ قالَ أحَدُ بَنِي نَبْهانَ يُخاطِبُ قَوْمَهُ إذْ أزْمَعُوا عَلى حَرْبِ بَعْضِهِمْ:
وأنَّ الحَزامَةَ أنْ تَصْرِفُوا لِحَيٍ سِوانا صُدُورَ الأسَلْ.
فَإهْمالُهم سُلُوكَ ذَلِكَ جَعَلَهم سَواءً مَعَ مَن لا عُقُولَ لَهم فَكانَتْ هَذِهِ الحالَةُ شِقْوَةً لَهم حَصُلَتْ مِنها سَعادَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ.
وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرُ مَرَّةٍ أنَّ إسْنادَ الحُكْمِ إلى عُنْوانِ قَوْمٍ يُؤْذِنُ بِأنَّ ذَلِكَ الحُكْمَ كالجِبِلَّةِ المُقَوِّمَةِ لِلْقَوْمِيَّةِ وقَدْ ذَكَرْتُهُ آنِفًا.
59:15Page 547
كَمَثَلِ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡ قَرِيبٗاۖ ذَاقُواْ وَبَالَ أَمۡرِهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١٥
[Theirs is] like the example of those shortly before them: they tasted the bad consequence of their affair, and they will have a painful punishment.
﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذاقُوا وبالَ أمْرِهِمْ ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ .
خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذا الخَبَرُ، فالتَّقْدِيرُ: مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا، أيْ حالُ أهْلِ الكِتابِ المَوْعُودِ بِنَصْرِ المُنافِقِينَ كَحالِ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ قَرِيبًا.
والمُرادُ: أنَّ حالَهُمُ المُرَكَّبَةَ مِنَ التَّظاهُرِ بِالبَأْسِ مَعَ إضْمارِ الخَوْفِ مِنَ المُسْلِمِينَ، ومِنَ التَّفَرُّقِ بَيْنَهم وبَيْنَ إخْوانِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ، ومِن خِذْلانِ المُنافِقِينَ إيّاهم عِنْدَ الحاجَةِ، ومِن أنَّهم لا يُقاتِلُونَ المُسْلِمِينَ إلّا في قُرًى مُحَصَّنَةٍ أوْ مِن وراءِ جُدُرٍ، كَحالِ الَّذِينَ كانُوا مِن قَبْلِهِمْ في زَمَنٍ قَرِيبٍ وهم بَنُو النَّضِيرِ فَإنَّهم أظْهَرُوا الِاسْتِعْدادَ لِلْحَرْبِ وأبَوُا الجَلاءَ، فَلَمْ يُحارِبُوا إلّا في قَرْيَتِهِمْ إذْ حَصَّنُوها وقَبَعُوا فِيها حَتّى أعْياهُمُ الحِصارُ فاضْطُرُّوا إلى الجَلاءِ ولَمْ يَنْفَعْهُمُ المُنافِقُونَ ولا إخْوانُهم مِن أهْلِ الكِتابِ.
صفحة ١٠٨
وعَنْ مُجاهِدٍ أنَّ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ.
و(مِن) زائِدَةٌ لِتَأْكِيدَ ارْتِباطِ الظَّرْفِ بِعامِلِهِ.
وانْتَصَبَ (قَرِيبًا) عَلى الظَّرْفِيَّةِ مُتَعَلِّقًا بِالكَوْنِ المُضْمَرِ في قَوْلِهِ (كَمَثَلِ)، أيْ كَحالٍ كائِنٍ قَرِيبٍ، أوِ انْتَصَبَ عَلى الحالِ (مِنَ الَّذِينَ) أيِ القَوْمُ القَرِيبُ مِنهم، كَقَوْلِهِ ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [هود: ٨٩] .
والوَبالُ أصْلُهُ: وخامَةُ المَرْعى المُسْتَلَذِّ بِهِ لِلْماشِيَةِ يُقالُ: كَلَأٌ وبِيلٌ، إذا كانَ مَرْعًى خَضِرًا (حُلْوًا) تَهَشُّ إلَيْهِ الإبِلُ فَيُحْبِطُها ويُمَرِضُها أوْ يَقْتُلُها، فَشُبِّهُوا في إقْدامِهِمْ عَلى حَرْبِ المُسْلِمِينَ مَعَ الجَهْلِ بِعاقِبَةِ تِلْكَ الحَرْبِ بِإبِلٍ تَرامَتْ عَلى مَرْعًى وبِيلٍ فَهَلَكَتْ وأُثْبِتَ الذَّوْقُ عَلى طَرِيقَةِ المَكَنِيَّةِ وتَخْيِيلِها، فَكانَ ذِكْرُ ذاقُوا مَعَ وبالٍ إشارَةً إلى هَذِهِ الِاسْتِعارَةِ.
و(أمْرِهِمْ) شَأْنُهم وما دَبَّرُوهُ وحَسَبُوا لَهُ حِسابَهُ وذَلِكَ أنَّهم أوْقَعُوا أنْفُسَهم في الجَلاءِ وتَرْكِ الدِّيارِ وما فِيها، أيْ ذاقُوا سُوءَ أعْمالِهِمْ في الدُّنْيا.
وضَمِيرُ (ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ) عائِدٌ إلى الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ أيْ زِيادَةٌ عَلى ما ذاقُوهُ مِن عَذابِ الدُّنْيا بِالجَلاءِ وما فِيهِ مِن مَشَقَّةٍ عَلى الأنْفُسِ والأجْسادِ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ في الآخِرَةِ عَلى الكُفْرِ.
59:16–17Page 547
كَمَثَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ إِذۡ قَالَ لِلۡإِنسَٰنِ ٱكۡفُرۡ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيٓءٞ مِّنكَ إِنِّيٓ أَخَافُ ٱللَّهَ رَبَّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٦
[The hypocrites are] like the example of Satan when he says to man, "Disbelieve." But when he disbelieves, he says, "Indeed, I am disassociated from you. Indeed, I fear Allāh, Lord of the worlds."
فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَٰٓؤُاْ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٧
So the outcome for both of them is that they will be in the Fire, abiding eternally therein. And that is the recompense of the wrongdoers.
﴿كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ قالَ لِلْإنْسانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّيَ أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ .
هَذا مَثَلٌ آخَرُ لِمُمَثَّلٍ آخَرَ، ولَيْسَ مَثَلًا مُنْضَمًّا إلى المَثَلِ الَّذِي قَبْلَهُ لِأنَّهُ لَوْ كانَ ذَلِكَ لَكانَ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ بِالواوِ، أوْ بِـ (أوْ) كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] .
والوَجْهُ: أنَّ هَذا المَثَلَ مُتَّصِلٌ بِقَوْلِهِ (ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ) كَما يُفْصِحُ عَنْهُ قَوْلُهُ في آخِرِهِ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ الآيَةَ، أيْ مَثَلُهم في تَسَبُّبِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ
صفحة ١٠٩
عَذابَ الآخِرَةِ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إذْ يُوَسْوِسُ لِلْإنْسانِ بِأنْ يَكْفُرَ ثُمَّ يَتْرُكَهُ ويَتَبَرَّأ مِنهُ فَلا يَنْتَفِعُ أحَدُهُما بِصاحِبِهِ ويَقَعانِ مَعًا في النّارِ.
فَجُمْلَةُ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ حالٌ مِن ضَمِيرِ (ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ) أيْ في الآخِرَةِ.
والتَّعْرِيفُ في (الشَّيْطانِ) تَعْرِيفُ الجِنْسِ وكَذَلِكَ تَعْرِيفُ (الإنْسانِ) . والمُرادُ بِهِ الإنْسانُ الكافِرُ.
ولَمْ تُرَدْ في الآخِرَةِ حادِثَةٌ مُعَيَّنَةٌ مِن وسْوَسَةِ الشَّيْطانِ لِإنْسانٍ مُعَيَّنٍ في الدُّنْيا، وكَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ واللَّهُ تَعالى يَقُولُ: ﴿فَلَمّا كَفَرَ قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إنِّي أخافُ اللَّهَ رَبَّ العالَمِينَ﴾، وهَلْ يَتَكَلَّمُ الشَّيْطانُ مَعَ النّاسِ في الدُّنْيا فَإنَّ ظاهِرَةَ قَوْلِهِ ﴿قالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ﴾ أنَّهُ يَقُولُهُ لِلْإنْسانِ، وأمّا احْتِمالُ أنْ يَقُولَهُ في نَفْسِهِ فَهو احْتِمالٌ بَعِيدٌ. فالحَقُّ: أنَّ قَوْلَ الشَّيْطانِ هَذا هو ما في آيَةِ ﴿وقالَ الشَّيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللَّهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلّا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ﴾ [إبراهيم: ٢٢] في سُورَةِ إبْراهِيمَ.
وقَدْ حَكى ابْنُ عَبّاسٍ وغَيْرُهُما مِنَ السَّلَفِ في هَذِهِ الآيَةِ قِصَّةَ راهِبٍ بِحِكايَةٍ مُخْتَلِفَةٍ جُعِلَتْ كَأنَّها المُرادُ مِنَ الإنْسانِ في هَذِهِ الآيَةِ. ذَكَرَها ابْنُ جَرِيرٍ والقُرْطُبِيُّ وضَعَّفَ ابْنُ عَطِيَّةَ أسانِيدَها فَلَئِنْ كانُوا ذَكَرُوا القِصَّةَ فَإنَّما أرادُوا أنَّها تَصْلُحُ مِثالًا لِما يَقَعُ مِنَ الشَّيْطانِ لِلْإنْسانِ كَما مالَ إلَيْهِ ابْنُ كَثِيرٍ.
فالمَعْنى: إذْ قالَ لِلْإنْسانِ في الدُّنْيا اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ ووافى القِيامَةَ عَلى الكُفْرِ قالَ الشَّيْطانُ يَوْمَ القِيامَةِ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ، أيْ قالَ كُلُّ شَيْطانٍ لِقَرِينِهِ مِنَ الإنْسِ إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ طَمَعًا في أنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُنْجِيهِ مِنَ العَذابِ.
فَفِي الآيَةِ إيجازُ حَذْفٍ حُذِفَ فِيها مَعْطُوفاتٌ مُقَدَّرَةٌ بَعْدَ شَرْطِ (لَمّا) هي داخِلَةٌ في الشَّرْطِ إذِ التَّقْدِيرُ: فَلَمّا كَفَرَ واسْتَمَرَّ عَلى الكُفْرِ وجاءَ يَوْمَ الحَشْرِ واعْتَذَرَ بِأنَّ الشَّيْطانَ أضَلَّهُ قالَ الشَّيْطانُ: إنِّي بَرِيءٌ مِنكَ إلَخْ. وهَذِهِ المُقَدَّراتُ مَأْخُوذَةٌ مِن آياتٍ أُخْرى مِثْلِ آيَةِ سُورَةِ إبْراهِيمَ وآيَةِ سُورَةِ ق. ﴿قالَ قَرِينُهُ رَبَّنا ما أطْغَيْتُهُ﴾ [ق: ٢٧]
صفحة ١١٠
الآيَةَ. وظاهِرٌ أنَّ هَذِهِ المُحاجَّةَ لا تَقَعُ إلّا في يَوْمِ الجَزاءِ وبَعْدَ مَوْتِ الكافِرِ عَلى الكُفْرِ دُونَ مَن أسْلَمُوا.
وقَوْلُ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ خالِدَيْنِ فِيها﴾ مِن تَمامِ المَثَلِ. أيْ كانَ عاقِبَةُ المَثَلِ بِهِما خُسْرانَهُما مَعًا. وكَذَلِكَ تَكُونُ عاقِبَةُ الفَرِيقَيْنِ المُمَثَّلَيْنِ أنَّهُما خائِبانِ فِيما دَبَّرا وكادا لِلْمُسْلِمِينَ.
وجُمْلَةُ ﴿وذَلِكَ جَزاءُ الظّالِمِينَ﴾ تَذْيِيلٌ، والإشارَةُ إلى ما يَدُلُّ عَلَيْهِ ﴿فَكانَ عاقِبَتَهُما أنَّهُما في النّارِ﴾ مِن مَعْنى، فَكانَتْ عاقِبَتُهُما سُوأى والعاقِبَةُ السُّوأى جَزاءُ جَمِيعِ الظّالِمِينَ المُعْتَدِينَ عَلى اللَّهِ والمُسْلِمِينَ، فَكَما كانَتْ عاقِبَةُ الكافِرِ وشَيْطانِهِ عاقِبَةَ سُوءٍ كَذَلِكَ لِكَوْنِ عاقِبَةِ المُمَثِّلَيْنِ بِهِما وقَدِ اشْتَرَكا في ظُلْمِ أهْلِ الخَيْرِ والهُدى.
59:18Page 548
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلۡتَنظُرۡ نَفۡسٞ مَّا قَدَّمَتۡ لِغَدٖۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٨
O you who have believed, fear Allāh. And let every soul look to what it has put forth for tomorrow - and fear Allāh. Indeed, Allāh is Aware of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ واتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ .
انْتِقالٌ مِن الِامْتِنانِ عَلى المُسْلِمِينَ بِما يَسَّرَ اللَّهُ مِن فَتْحِ قَرْيَةِ بَنِي النَّضِيرِ بِدُونِ قِتالٍ، وما أفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ﷺ مِنهم، ووَصْفُ ما جَرى مِن خَيْبَتِهِمْ وخَيْبَةِ أمَلِهِمْ في نُصْرَةِ المُنافِقِينَ، ومِنَ الإيذانِ بِأنَّ عاقِبَةَ أهْلِ القُرى الباقِيَةِ كَعاقِبَةِ أسْلافِهِمْ. وكَذَلِكَ مَوْقِفُ أنْصارِهِمْ مَعَهم إلى الأمْرِ بِتَقْوى اللَّهِ شُكْرًا لَهُ عَلى ما مَنَحَ وما وعَدَ مِن صادِقِ الوَعْدِ فَإنَّ الشُّكْرَ جَزاءُ العَبْدِ عَنْ نِعْمَةِ رَبِّهِ إذْ لا يَسْتَطِيعُ جَزاءً غَيْرَ ذَلِكَ فَأقْبَلَ عَلى خِطابِ الَّذِينَ آمَنُوا بِالأمِرِ بِتَقْوى اللَّهِ.
ولَمّا كانَ ما تَضَمَّنَتْهُ السُّورَةُ مِن تَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهم وفَيْضِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ كانَ مِن مَنافِعَ الدُّنْيا، أعْقَبَهُ بِتَذْكِيرِهِمْ بِالإعْدادِ لِلْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ أيْ لِتَتَأمَّلْ كُلُّ نَفْسٍ فِيما قَدَّمَتْهُ لِلْآخِرَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ عَطْفُ أمْرٍ عَلى أمْرٍ آخَرَ. وهي مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (اتَّقُوا اللَّهَ) وجُمْلَةِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ . وذِكْرُ
صفحة ١١١
(نَفْسٌ) إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِأنَّ مُقْتَضى الظّاهِرِ: وانْظُرُوا ما قَدَّمْتُمْ، فَعَدَلَ عَنِ الإظْهارِ لِقَصْدِ العُمُومِ أيْ لِتَنْظُرُوا وتَنْظُرْ كُلُّ نَفْسٍ.
وتَنْكِيرُ نَفْسٍ يُفِيدُ العُمُومَ في سِياقِ الأمْرِ، أيْ لِتَنْظُرْ كُلُّ نَفْسٍ، فَإنَّ الأمْرَ والدُّعاءَ ونَحْوَهُما كالشَّرْطِ تَكُونُ النَّكِرَةُ في سِياقِها مِثْلَ ما هي في سِياقِ النَّفْيِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ أحَدٌ مِنَ المُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦] وكَقَوْلِ الحَرِيرِيِّ:
يا أهْلَ ذا المَغْنى وُقِيتُمْ ضُرًّا
أيْ (كُلَّ ضُرٍّ) وإنَّما لَمْ يُعَرِّفْ بِلامِ التَّعْرِيفِ عَلى العُمُومِ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ نَفْسٌ مَعْهُودَةٌ.
وأطْلَقَ (غَدٍ) عَلى الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مَجازًا لِتَقْرِيبِ الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ مِنَ البَعِيدِ لِمُلازَمَةِ اقْتِرابِ الزَّمَنِ لِمَفْهُومِ الغَدِ، لِأنَّ الغَدَ هو اليَوْمَ المُوالِي لِلْيَوْمِ الَّذِي فِيهِ المُتَكَلِّمِ فَهو أقْرَبُ أزْمِنَةِ المُسْتَقْبَلِ كَما قالَ قُرادُ بْنُ أجْدَعَ: فَإنْ يَكُ صَدْرُ هَذا اليَوْمَ ولّى ∗∗∗ فَإنَّ غَدًا لِناظِرِهِ قَرِيبُوَهَذا المَجازُ شائِعٌ في كَلامِ العَرَبِ في لَفْظِ غَدٍ وأخَواتِهِ قالَ زُهَيْرٌ:
وأعْلَمُ عِلْمَ اليَوْمِ والأمْسِ قَبْلَهُ ∗∗∗ ولَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ ما في غَدٍ عَمِ
يُرِيدُ بِاليَوْمِ الزَّمَنَ الحاضِرَ، وبِالأمْسِ الزَّمَنَ الماضِي، وبِالغَدِ الزَّمَنَ المُسْتَقْبَلَ.
وتَنْكِيرُ غَدٍ لِلتَّعْظِيمِ والتَّهْوِيلِ، أيْ لِغَدٍ لا يُعْرَفُ كُنْهُهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ (لِغَدٍ) لامُ العِلَّةِ، أيْ ما قَدَّمَتْهُ لِأجْلِ يَوْمِ القِيامَةِ، أيْ لِأجْلِ الِانْتِفاعِ بِهِ.
والتَّقْدِيمُ: مُسْتَعارٌ لِلْعَمَلِ الَّذِي يُعْمَلُ لِتَحْصِيلِ فائِدَتِهِ في زَمَنٍ آتٍ شَبَّهَ قَصْدَ الِانْتِفاعِ بِهِ في المُسْتَقْبَلِ بِتَقْدِيمِ مَن يَحِلُّ في المَنزِلِ قَبْلَ وُرُودِ السّائِرِينَ إلَيْهِ مِن جَيْشٍ أوْ سَفَرٍ لِيُهَيِّءَ لَهم ما يُصْلِحُ أمْرَهم، ومِنهُ مُقَدِّمَةُ الجَيْشِ وتَقْدِيمُ الرّائِدِ قَبْلَ القافِلَةِ. قالَ تَعالى: ﴿وما تُقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِن خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ١١٠] ويُقالُ في ضِدِّهِ: أخَّرَ، إذا تَرَكَ عَمَلَ شَيْءٍ قالَ تَعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ وأخَّرَتْ﴾ [الإنفطار: ٥] .
صفحة ١١٢
وإعادَةُ (واتَّقُو اللَّهَ) لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ فَيَحْصُلُ الرَّبْطُ بَيْنَ التَّعْلِيلِ والمُعَلَّلِ إذْ وقَعَ بَيْنَهُما فَصْلُ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ وإنَّما أُعِيدَ بِطَرِيقِ العَطْفِ لِزِيادَةِ التَّأْكِيدِ فَإنَّ التَّوْكِيدَ اللَّفْظِيَّ يُؤْتى بِهِ تارَةً مَعْطُوفًا كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْلى لَكَ فَأوْلى ثُمَّ أوْلى لَكَ فَأوْلى﴾ [القيامة: ٣٤] وقَوْلِهِ ﴿كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ثُمَّ كَلّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [التكاثر: ٣] . وقَوْلِ عَدِيِّ بْنِ زَيْدٍ.
وألْفى قَوْلَها كَذِبًا ومَيْنا.
وذَلِكَ أنَّ في العَطْفِ إيهامَ أنْ يَكُونَ التَّوْكِيدُ يُجْعَلُ كالتَّأْسِيسِ لِزِيادَةِ الِاهْتِمامِ بِالمُؤَكَّدِ.
فَجُمْلَةُ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ تَعْلِيلٌ لِلْحَثِّ عَلى تَقْوى اللَّهِ ومَوْقِعُ (إنَّ) فِيها مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (اتَّقُوا اللَّهَ) المَذْكُورُ أوَّلًا مُرادًا بِهِ التَّقْوى بِمَعْنى الخَوْفِ مِنَ اللَّهِ وهي الباعِثَةُ عَلى العَمَلِ ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿ولْتَنْظُرْ نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ ويَكُونُ (اتَّقُوا اللَّهَ) المَذْكُورُ ثانِيًا مُرادًا بِهِ الدَّوامُ عَلى التَّقْوى الأُولى، أيْ ودُومُوا عَلى التَّقْوى عَلى حَدِّ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [النساء: ١٣٦] ولِذَلِكَ أرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ أيْ بِمِقْدارِ اجْتِهادِكم في التَّقْوى، وأرْدَفَ بِقَوْلِهِ ﴿ولا تَكُونُوا كالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأنْساهم أنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩] أيْ أهْمَلُوا التَّقْوى بَعْدَ أنْ تَقَلَّدُوها كَما سَيَأْتِي أنَّهُمُ المُنافِقُونَ فَإنَّهم تَقَلَّدُوا الإسْلامَ وأضاعُوهُ قالَ تَعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهم إنَّ المُنافِقِينَ هُمُ الفاسِقُونَ﴾ [التوبة: ٦٧] . وفي قَوْلِهِ ﴿إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ﴾ إظْهارُ اسْمِ الجَلالَةِ في مَقامِ الإضْمارِ، فَتَكُونُ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِدِلالَتِها أتَمَّ اسْتِقْلالٍ فَتَجْرِي مَجْرى الأمْثالِ ولِتَرْبِيَةِ المَهابَةِ في نَفْسِ المُخاطَبِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences