Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-An'am 6:27–31
6:27–28Page 130
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَى ٱلنَّارِ فَقَالُواْ يَٰلَيۡتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِـَٔايَٰتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٧
If you could but see when they are made to stand before the Fire and will say, "Oh, would that we could be returned [to life on earth] and not deny the signs of our Lord and be among the believers."
بَلۡ بَدَا لَهُم مَّا كَانُواْ يُخۡفُونَ مِن قَبۡلُۖ وَلَوۡ رُدُّواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ عَنۡهُ وَإِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٢٨
But what they concealed before has [now] appeared to them. And even if they were returned, they would return to that which they were forbidden; and indeed, they are liars.
﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ ولَوْ رَدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ .
صفحة ١٨٤
الخِطابُ لِلرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِأنَّ في الخَبَرِ الواقِعِ بَعْدَهُ تَسْلِيَةً لَهُ عَمّا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: ﴿وهم يَنْهَوْنَ عَنْهُ ويَنْأوْنَ عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٦] فَإنَّهُ ابْتَدَأ فَعَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وإنْ يُهْلِكُونَ إلّا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ٢٦] ثُمَّ أرْدَفَهُ بِتَمْثِيلِ حالِهِمْ يَوْمَ القِيامَةِ. ويَشْتَرِكُ مَعَ الرَّسُولِ في هَذا الخِطابِ كُلُّ مَن يَسْمَعُ هَذا الخَبَرَ.
و(لَوْ) شَرْطِيَّةٌ، أيْ لَوْ تَرى الآنَ، و(إذْ) ظَرْفِيَّةٌ، ومَفْعُولُ تَرى مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ ضَمِيرُ (وقَفُوا)، أيْ لَوْ تَراهم، و(وقَفُوا) ماضٍ لَفْظًا والمَعْنى بِهِ الِاسْتِقْبالُ، أيْ: إذْ يُوقَفُونَ. وجِيءَ فِيهِ بِصِيغَةِ الماضِي لِلتَّنْبِيهِ عَلى تَحْقِيقِ وُقُوعِهِ لِصُدُورِهِ عَمَّنْ لا خِلافَ في خَبَرِهِ.
ومَعْنى (﴿وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾) أُبْلِغُوا إلَيْها بَعْدَ سَيْرٍ إلَيْها، وهو يَتَعَدّى بِـ (عَلى) . والِاسْتِعْلاءُ المُسْتَفادُ بِـ (عَلى) مَجازِيٌّ مَعْناهُ قُوَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ، فَلا تَدُلُّ (عَلى) عَلى أنَّ وُقُوفَهم عَلى النّارِ كانَ مِن أعْلى النّارِ. وقَدْ قالَ تَعالى: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ﴾ [الأنعام: ٣٠]، وأصْلُهُ مِن قَوْلِ العَرَبِ: وقَفْتُ راحِلَتِي عَلى زَيْدٍ، أيْ بَلَغْتُ إلَيْهِ فَحَبَسْتُ ناقَتِي عَنِ السَّيْرِ. قالَ ذُو الرُّمَّةِ:
وقَفْتُ عَلى رَبْعٍ لِمَيَّةَ ناقَتِـي فَما زِلْتُ أبْكِي عِنْدَهُ وأُخاطِبُهْ
فَحَذَفُوا مَفْعُولَ (وقَفْتُ) لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ. ويُقالُ: وقَفَهُ فَوَقَفَ، ولا يُقالُ: أوْقَفَهُ بِالهَمْزَةِ.
وعَطَفَ عَلَيْهِ (فَقالُوا) بِالفاءِ المُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ، لِأنَّ ما شاهَدُوهُ مِنَ الهَوْلِ قَدْ عَلِمُوا أنَّهُ جَزاءُ تَكْذِيبِهِمْ بِإلْهامٍ أوْقَعَهُ اللَّهُ في قُلُوبِهِمْ أوْ بِإخْبارِ مَلائِكَةِ العَذابِ، فَعَجِلُوا فَتَمَنَّوْا أنْ يَرْجِعُوا.
وحَرْفُ النِّداءِ في قَوْلِهِمْ يا لَيْتَنا نُرَدُّ مُسْتَعْمَلٌ في التَّحَسُّرِ، لِأنَّ النِّداءَ يَقْتَضِي بُعْدَ المُنادى، فاسْتُعْمِلَ في التَّحَسُّرِ لِأنَّ المُتَمَنّى صارَ بَعِيدًا عَنْهم، أيْ غَيْرَ مُفِيدٍ لَهم، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿أنْ تَقُولَ نَفْسٌ يا حَسْرَتا عَلى ما فَرَّطْتُ في جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦] .
ومَعْنى نُرَدُّ نَرْجِعُ إلى الدُّنْيا، وعَطَفَ عَلَيْهِ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ بِرَفْعِ الفِعْلَيْنِ بَعْدَ (لا) النّافِيَةِ في قِراءَةِ الجُمْهُورِ عَطْفًا عَلى (نُرَدُّ)، فَيَكُونُ
صفحة ١٨٥
مِن جُمْلَةِ ما تَمَنَّوْهُ، ولِذَلِكَ لَمْ يُنْصَبْ في جَوابِ التَّمَنِّي إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ الجَزاءَ، ولِأنَّ اعْتِبارَ الجَزاءِ مَعَ الواوِ غَيْرُ مَشْهُورٍ، بِخِلافِهِ مَعَ الفاءِ لِأنَّ الفاءَ مُتَأصِّلَةٌ في السَّبَبِيَّةِ. والرَّدُّ غَيْرُ مَقْصُودٍ لِذاتِهِ وإنَّما تَمَنَّوْهُ لِما يَقَعُ مَعَهُ مِنَ الإيمانِ وتَرْكِ التَّكْذِيبِ. وإنَّما قَدَّمَ في الذِّكْرِ تَرْكَ التَّكْذِيبِ عَلى الإيمانِ لِأنَّهُ الأصْلُ في تَحْصِيلِ المُتَمَنّى عَلى اعْتِبارِ الواوِ لِلْمَعِيَّةِ واقِعَةً مَوْقِعَ فاءِ السَّبَبِيَّةِ في جَوابِ التَّمَنِّي.
وقَرَأهُ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ (ولا نُكَذِّبَ ونَكُونَ) بِنَصْبِ الفِعْلَيْنِ، عَلى أنَّهُما مَنصُوبانِ في جَوابِ التَّمَنِّي. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ ﴿ولا نُكَذِّبُ﴾ بِالرَّفْعِ كالجُمْهُورِ، عَلى مَعْنى أنَّ انْتِفاءَ التَّكْذِيبِ حاصِلٌ في حِينِ كَلامِهِمْ، فَلَيْسَ بِمُسْتَقْبَلٍ حَتّى يَكُونَ بِتَقْدِيرِ (أنْ) المُفِيدَةِ لِلِاسْتِقْبالِ. وقَرَأ (ونَكُونَ) بِالنَّصْبِ عَلى جَوابِ التَّمَنِّي، أيْ نَكُونَ مِنَ القَوْمِ الَّذِينَ يُعْرَفُونَ بِالمُؤْمِنِينَ. والمَعْنى لا يَخْتَلِفُ.
وقَوْلُهُ: ﴿بَلْ بَدا لَهم ما كانُوا يُخْفُونَ مِن قَبْلُ﴾ إضْرابٌ عَنْ قَوْلِهِمْ ﴿ولا نُكَذِّبُ بِآياتِ رَبِّنا ونَكُونُ مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾ . والمَعْنى بَلْ لِأنَّهم لَمْ يَبْقَ لَهم مَطْمَعٌ في الخَلاصِ. وبَدا الشَّيْءُ: ظَهَرَ. ويُقالُ: بَدا لَهُ الشَّيْءُ إذا ظَهَرَ لَهُ عِيانًا. وهو هُنا مَجازٌ في زَوالِ الشَّكِّ في الشَّيْءِ، كَقَوْلِ زُهَيْرٍ:
بَدا لِيَ أنِّي لَسْتُ مُدْرِكَ ما مَضى ∗∗∗ ولا سابِقًا شَيْئًا إذا كانَ جائِيا
ولَمّا قُوبِلَ (بَدا لَهم) في هَذِهِ الآيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يُخْفُونَ﴾ عَلِمْنا أنَّ البَداءَ هو ظُهُورُ أمْرٍ في أنْفُسِهِمْ كانُوا يُخْفُونَهُ في الدُّنْيا، أيْ خَطَرَ لَهم حِينَئِذٍ ذَلِكَ الخاطِرُ الَّذِي كانُوا يُخْفُونَهُ، أيِ الَّذِي كانَ يَبْدُو لَهم، أيْ يَخْطُرُ بِبالِهِمْ وُقُوعُهُ فَلا يُعْلِنُونَ بِهِ فَبَدا لَهُمُ الآنَ فَأعْلَنُوا بِهِ وصَرَّحُوا مُعْتَرِفِينَ بِهِ. فَفي الكَلامِ احْتِباكٌ، تَقْدِيرُهُ: بَلْ بَدا لَهم ما كانَ يَبْدُو لَهم في الدُّنْيا فَأظْهَرُوهُ الآنَ وكانُوا يُخْفُونَهُ. وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَخْطُرُ لَهُمُ الإيمانُ لِما يَرَوْنَ مِن دَلائِلِهِ أوْ مِن نَصْرِ المُؤْمِنِينَ فَيَصُدُّهم عَنْهُ العِنادُ والحِرْصُ عَلى اسْتِبْقاءِ السِّيادَةِ والأنَفَةِ مِنَ الِاعْتِرافِ بِفَضْلِ الرَّسُولِ وبِسَبْقِ المُؤْمِنِينَ إلى الخَيْراتِ قَبْلَهم، وفِيهِمْ ضُعَفاءُ القَوْمِ وعَبِيدُهم، كَما ذَكَرْناهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهم بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ [الأنعام: ٥٢] في هَذِهِ السُّورَةِ، وقَدْ أشارَ إلى هَذا المَعْنى قَوْلُهُ تَعالى:
صفحة ١٨٦
﴿رُبَما يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كانُوا مُسْلِمِينَ﴾ [الحجر: ٢] في سُورَةِ الحِجْرِ. وهَذا التَّفْسِيرُ يُغْنِي عَنِ الِاحْتِمالاتِ الَّتِي تَحَيَّرَ فِيها المُفَسِّرُونَ وهي لا تُلائِمُ نَظْمَ الآيَةِ، فَبَعْضُها يُساعِدُهُ صَدْرُها وبَعْضُها يُساعِدُهُ عَجُزُها ولَيْسَ فِيها ما يُساعِدُهُ جَمِيعُها.
وقَوْلُهُ: ﴿ولَوْ رُدُّوا لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ﴾ ارْتِقاءٌ في إبْطالِ قَوْلِهِمْ حَتّى يَكُونَ بِمَنزِلَةِ التَّسْلِيمِ الجَدَلِيِّ في المُناظَرَةِ، أيْ لَوْ أُجِيبَتْ أُمْنِيَّتُهم ورُدُّوا إلى الدُّنْيا لَعادُوا لِلْأمْرِ الَّذِي كانَ النَّبِيءُ يَنْهاهم عَنْهُ، وهو التَّكْذِيبُ وإنْكارُ البَعْثِ، وذَلِكَ لِأنَّ نُفُوسَهُمُ الَّتِي كَذَّبَتْ فِيما مَضى تَكْذِيبَ مُكابَرَةٍ بَعْدَ إتْيانِ الآياتِ البَيِّناتِ، هي النُّفُوسُ الَّتِي أُرْجِعَتْ إلَيْهِمْ يَوْمَ البَعْثِ، فالعَقْلُ العَقْلُ والتَّفْكِيرُ التَّفْكِيرُ، وإنَّما تَمَنَّوْا ما تَمَنَّوْا مِن شِدَّةِ الهَوْلِ فَتَوَهَّمُوا التَّخَلُّصَ مِنهُ بِهَذا التَّمَنِّي، فَلَوْ تَحَقَّقَ تَمَنِّيهِمْ ورُدُّوا واسْتَراحُوا مِن ذَلِكَ الهَوْلِ لَغَلَبَتْ أهْواؤُهم رُشْدَهم فَنَسُوا ما حَلَّ بِهِمْ ورَجَعُوا إلى ما ألِفُوا مِنَ التَّكْذِيبِ والمُكابَرَةِ.
وفِي هَذا دَلِيلٌ عَلى أنَّ الخَواطِرَ النّاشِئَةَ عَنْ عَوامِلِ الحِسِّ دُونَ النَّظَرِ والدَّلِيلِ لا قَرارَ لَها في النَّفْسِ ولا تَسِيرُ عَلى مُقْتَضاها إلّا رَيْثَما يَدُومُ ذَلِكَ الإحْساسُ فَإذا زالَ زالَ أثَرُهُ، فالِانْفِعالُ بِهِ يُشْبِهُ انْفِعالَ العَجْماواتِ مِنَ الزَّجْرِ والسَّوْطِ ونَحْوِهِما. ويَزُولُ بِزَوالِهِ حَتّى يُعاوِدَهُ مِثْلُهُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وإنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ تَذْيِيلٌ لِما قَبْلَهُ. جِيءَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ الدّالَّةِ عَلى الدَّوامِ والثَّباتِ، أيْ أنَّ الكَذِبَ سَجِيَّةٌ لَهم قَدْ تَطَبَّعُوا عَلَيْها مِنَ الدُّنْيا فَلا عَجَبَ أنْ يَتَمَنَّوُا الرُّجُوعَ لِيُؤْمِنُوا فَلَوْ رَجَعُوا لَعادُوا لَما كانُوا عَلَيْهِ فَإنَّ الكَذِبَ سَجِيَّتُهم. وقَدْ تَضَمَّنَ تَمَنِّيهِمْ وعْدًا، فَلِذَلِكَ صَحَّ إدْخالُهُ في حُكْمِ كَذِبِهِمْ دُخُولَ الخاصِّ في العامِّ، لِأنَّ التَّذْيِيلَ يُؤْذِنُ بِشُمُولِ ما ذُيِّلَ بِهِ وزِيادَةٌ. فَلَيْسَ وصْفُهم بِالكَذِبِ بِعائِدٍ إلى التَّمَنِّي بَلْ إلى ما تَضَمَّنَهُ مِنَ الوَعْدِ بِالإيمانِ وعَدَمِ التَّكْذِيبِ بِآياتِ اللَّهِ.
6:29Page 131
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا ٱلدُّنۡيَا وَمَا نَحۡنُ بِمَبۡعُوثِينَ ٢٩
And they say, "There is none but our worldly life, and we will not be resurrected."
﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ .
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ لَعادُوا لِما نُهُوا عَنْهُ فَيَكُونَ جَوابَ لَوْ، أيْ
صفحة ١٨٧
لَوْ رُدُّوا لَكَذَّبُوا بِالقُرْآنِ أيْضًا، ولَكَذَّبُوا بِالبَعْثِ كَما كانُوا مُدَّةَ الحَياةِ الأُولى. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ عُطِفَتْ عَلى جُمْلَةِ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ، ويَكُونَ ما بَيْنَ الجُمْلَتَيْنِ اعْتِراضًا يَتَعَلَّقُ بِالتَّكْذِيبِ لِلْقُرْآنِ.
وقَوْلُهُ إنْ هي (إنْ) نافِيَةٌ لِلْجِنْسِ، والضَّمِيرُ بَعْدَها مُبْهَمٌ يُفَسِّرُهُ ما بَعْدَ الِاسْتِثْناءِ المُفَرَّغِ. قَصَدَ مِن إبْهامِهِ الإيجازَ اعْتِمادًا عَلى مُفَسِّرِهِ، والضَّمِيرُ لَمّا كانَ مُفَسَّرًا بِنَكِرَةٍ فَهو في حُكْمِ النَّكِرَةِ، ولَيْسَ هو ضَمِيرَ قِصَّةٍ وشَأْنٍ، لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ مَعَهُ مَعْنى الِاسْتِثْناءِ، والمَعْنى إنِ الحَياةُ لَنا إلّا حَياتُنا الدُّنْيا، أيِ انْحَصَرَ جِنْسُ حَياتِنا في حَياتِنا الدُّنْيا فَلا حَياةَ لَنا غَيْرُها فَبَطَلَتْ حَياةُ بَعْدِ المَوْتِ، فالِاسْمُ الواقِعُ بَعْدَ (إلّا) في حُكْمِ البَدَلِ مِنَ الضَّمِيرِ.
وجُمْلَةُ ﴿وما نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ﴾ نَفْيٌ لِلْبَعْثِ، وهو يَسْتَلْزِمُ تَأْكِيدَ نَفْيِ الحَياةِ غَيْرِ حَياةِ الدُّنْيا، لِأنَّ البَعْثَ لا يَكُونُ إلّا مَعَ حَياةٍ. وإنَّما عُطِفَتْ ولَمْ تُفْصَلْ فَتَكُونُ مُؤَكِّدَةً لِلْجُمْلَةِ قَبْلَها، لِأنَّ قَصْدَهم إبْطالُ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ «إنَّهم يَحْيَوْنَ حَياةً ثانِيَةً»، وقَوْلِهِ تارَةً «إنَّهم مَبْعُوثُونَ بَعْدَ المَوْتِ»، فَقَصَدُوا إبْطالَ كُلٍّ بِاسْتِقْلالِهِ.
6:30Page 131
وَلَوۡ تَرَىٰٓ إِذۡ وُقِفُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ قَالَ أَلَيۡسَ هَٰذَا بِٱلۡحَقِّۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَرَبِّنَاۚ قَالَ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٠
If you could but see when they will be made to stand before their Lord. He will say, "Is this not the truth?" They will say, "Yes, by our Lord." He will [then] say, "So taste the punishment for what you used to deny."
﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى رَبِّهِمْ قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ قالُوا بَلى ورَبِّنا قالَ فَذُوقُوا العَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ﴾ .
لَمّا ذَكَرَ إنْكارَهُمُ البَعْثَ أعْقَبَهُ بِوَصْفِ حالِهِمْ حِينَ يُحْشَرُونَ إلى اللَّهِ، وهو حالُ البَعْثِ الَّذِي أنْكَرُوهُ.
والقَوْلُ في الخِطابِ وفي مَعْنى وُقِفُوا وفي جَوابِ لَوْ - تَقَدَّمَ في نَظَرِيَّتِها آنِفًا. وتَعْلِيقُ (عَلى رَبِّهِمْ) بِـ (وُقِفُوا) تَمْثِيلٌ لِحُضُورِهِمُ المَحْشَرَ عِنْدَ البَعْثِ. شُبِّهَتْ حالُهم في الحُضُورِ لِلْحِسابِ بِحالِ عَبْدٍ جَنى فَقُبِضَ عَلَيْهِ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ رَبِّهِ. وبِذَلِكَ تَظْهَرُ مَزِيَّةُ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ رَبِّهِمْ دُونَ اسْمِ الجَلالَةِ.
وجُمْلَةُ قالَ ﴿ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ، لِأنَّ قَوْلَهُ: ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا﴾ [الأنعام: ٢٧]
صفحة ١٨٨
قَدْ آذَنَ بِمَشْهَدٍ عَظِيمٍ مَهُولٍ فَكانَ مِن حَقِّ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: ماذا لَقُوا مِن رَبِّهِمْ، فَيُجابُ: قالَ ألَيْسَ هَذا بِالحَقِّ الآيَةَ.
والإشارَةُ إلى البَعْثِ الَّذِي عايَنُوهُ وشاهَدُوهُ. والِاسْتِفْهامُ تَقْرِيرِيٌّ دَخَلَ عَلى نَفْيِ الأمْرِ المُقَرَّرِ بِهِ لِاخْتِبارِ مِقْدارِ إقْرارِ المَسْئُولِ، فَلِذَلِكَ يَسْألُ عَنْ نَفْيِ ما هو واقِعٌ لِأنَّهُ إنْ كانَ لَهُ مَطْمَعٌ في الإنْكارِ تَذَرَّعَ إلَيْهِ بِالنَّفْيِ الواقِعِ في سُؤالِ المُقَرَّرِ. والمَقْصُودُ: أهَذا حَقٌّ، فَإنَّهم كانُوا يَزْعُمُونَهُ باطِلًا. ولِذَلِكَ أجابُوا بِالحَرْفِ المَوْضُوعِ لِإبْطالِ ما قَبْلَهُ وهو (بَلى) فَهو يُبْطِلُ النَّفْيَ فَهو إقْرارٌ بِوُقُوعِ المُنى، أيْ بَلى هو حَقٌّ، وأكَّدُوا ذَلِكَ بِالقَسَمِ تَحْقِيقًا لِاعْتِرافِهِمْ لِلْمُعْتَرِفِ بِهِ لِأنَّهُ مَعْلُومٌ لِلَّهِ تَعالى، أيْ نُقِرُّ ولا نَشُكُّ فِيهِ فَلِذَلِكَ نُقْسِمُ عَلَيْهِ.
وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ القَسَمِ لِتَأْكِيدِ لازِمِ فائِدَةِ الخَبَرِ.
وفَصَلَ ﴿قالَ فَذُوقُوا العَذابَ﴾ عَلى طَرِيقَةِ فَصْلِ المُحاوَراتِ. والفاءُ لِلتَّفْرِيعِ عَنْ كَلامِهِمْ، أوَ فاءٌ فَصِيحَةٌ، أيْ إذْ كانَ هَذا الحَقَّ فَذُوقُوا العَذابَ عَلى كُفْرِكم، أيْ بِالبَعْثِ.
والباءُ سَبَبِيَّةٌ، و(ما) مَصْدَرِيَّةٌ، أيْ بِسَبَبِ كُفْرِكم، أيْ بِهَذا. وذَوْقُ العَذابِ اسْتِعارَةٌ لِإحْساسِهِ، لِأنَّ الذَّوْقَ أقْوى الحَواسِّ المُباشِرَةِ لِلْجِسْمِ، فَشَبَّهَ بِهِ إحْساسَ الجِلْدِ.
6:31Page 131
قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَتۡهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ قَالُواْ يَٰحَسۡرَتَنَا عَلَىٰ مَا فَرَّطۡنَا فِيهَا وَهُمۡ يَحۡمِلُونَ أَوۡزَارَهُمۡ عَلَىٰ ظُهُورِهِمۡۚ أَلَا سَآءَ مَا يَزِرُونَ ٣١
Those will have lost who deny the meeting with Allāh, until when the Hour [of resurrection] comes upon them unexpectedly, they will say, "Oh, [how great is] our regret over what we neglected concerning it [i.e., the Hour]," while they bear their burdens [i.e., sins] on their backs. Unquestionably, evil is that which they bear.
﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً قالُوا يا حَسْرَتَنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمُ ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ .
اسْتِئْنافٌ لِلتَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ حِينَ يَقَعُونَ يَوْمَ القِيامَةِ في العَذابِ عَلى ما اسْتَدامُوهُ مِنَ الكُفْرِ الَّذِي جَرَّأهم عَلى اسْتَدامَتِهِ اعْتِقادُهم نَفْيَ البَعْثِ فَذاقُوا العَذابَ لِذَلِكَ، فَتِلْكَ حالَةٌ يَسْتَحِقُّونَ بِها أنْ يُقالَ فِيهِمْ: قَدْ خَسِرُوا وخابُوا.
والخُسْرانُ تَقَدَّمَ القَوْلُ فِيهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهم فَهم لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ٢٠] في هَذِهِ السُّورَةِ.
صفحة ١٨٩
والخَسارَةُ هُنا حِرْمانُ خَيْراتِ الآخِرَةِ لا الدُّنْيا. والَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقاءِ اللَّهِ هُمُ الَّذِينَ حَكى عَنْهم بِقَوْلِهِ ﴿وقالُوا إنْ هي إلّا حَياتُنا الدُّنْيا﴾ [الأنعام: ٢٩] فَكانَ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإضْمارُ تَبَعًا لِقَوْلِهِ ﴿ولَوْ تَرى إذْ وُقِفُوا عَلى النّارِ﴾ [الأنعام: ٢٧] وما بَعْدَهُ، بِأنْ يُقالَ: قَدْ خَسِرُوا، لَكِنْ عَدَلَ إلى الإظْهارِ لِيَكُونَ الكَلامُ مُسْتَقِلًّا ولِيُبْنى عَلَيْهِ ما في الصِّلَةِ مِن تَفْصِيلٍ بِقَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ إلَخْ.
ولِقاءُ اللَّهِ هو ظُهُورُ آثارِ رِضاهُ وغَضَبِهِ دُونَ تَأْخِيرٍ ولا إمْهالٍ ولا وِقايَةٍ بِأسْبابٍ عادِيَّةٍ مِن نِظامِ الحَياةِ الدُّنْيا، فَلَمّا كانَ العالَمُ الأُخْرَوِيُّ وهو ما بَعْدَ البَعْثِ عالَمَ ظُهُورِ الحَقائِقِ بِآثارِها دُونَ مَوانِعَ، وتِلْكَ الحَقائِقُ هي مُرادُ اللَّهِ الأعْلى الَّذِي جَعَلَهُ عالَمَ كَمالِ الحَقائِقِ، جَعَلَ المَصِيرَ إلَيْهِ مُماثِلًا لِلِقاءِ صاحِبِ الحَقِّ بَعْدَ الغَيْبَةِ والِاسْتِقْلالِ عَنْهُ زَمانًا طَوِيلًا، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ البَعْثُ مُلاقاةَ اللَّهِ، ولِقاءَ اللَّهِ ومَصِيرًا إلى اللَّهِ، ومَجِيئًا إلَيْهِ، في كَثِيرٍ مِنَ الآياتِ والألْفاظِ النَّبَوِيَّةِ، وإلّا فَإنَّ النّاسَ في الدُّنْيا هم في قَبْضَةِ تَصَرُّفِ اللَّهِ لَوْ شاءَ لَقَبَضَهم إلَيْهِ ولَعَجَّلَ إلَيْهِمْ جَزاءَهم. قالَ تَعالى ﴿ولَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجالَهم بِالخَيْرِ لَقُضِيَ إلَيْهِمُ أجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] . ولَكِنَّهُ لَمّا أمْهَلَهم واسْتَدْرَجَهم في هَذا العالَمِ الدُّنْيَوِيِّ ورَغَّبَ ورَهَّبَ ووَعَدَ وتَوَعَّدَ كانَ حالُ النّاسِ فِيهِ كَحالِ العَبِيدِ يَأْتِيهِمُ الأمْرُ مِن مَوْلاهُمُ الغائِبِ عَنْهم ويُرَغِّبُهم ويُحَذِّرُهم، فَمِنهم مَن يَمْتَثِلُ ومِنهم مَن يَعْصِي، وهم لا يَلْقَوْنَ حِينَئِذٍ جَزاءً عَنْ طاعَةٍ ولا عِقابًا عَنْ مَعْصِيَةٍ لِأنَّهُ يُمْلِي لَهم ويُؤَخِّرُهم، فَإذا طُوِيَ هَذا العالَمُ وجاءَتِ الحَياةُ الثّانِيَةُ صارَ النّاسُ في نِظامٍ آخَرَ، وهو نِظامُ ظُهُورِ الآثارِ دُونَ رَيْثٍ، قالَ تَعالى: ﴿ووَجَدُوا ما عَمِلُوا حاضِرًا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَكانُوا كَعَبِيدٍ لَقُوا رَبَّهم بَعْدَ أنْ غابُوا وأُمْهِلُوا. فاللِّقاءُ اسْتِعارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ: شَبَّهَتْ حالَةَ الخَلْقِ عِنْدَ المَصِيرِ إلى تَنْفِيذِ وعْدِ اللَّهِ ووَعِيدِهِ بِحالَةِ العَبِيدِ عِنْدَ حُضُورِ سَيِّدِهِمْ بَعْدَ غَيْبَةٍ لِيَجْزِيَهم عَلى ما فَعَلُوهُ في مُدَّةِ المَغِيبِ. وشاعَ هَذا التَّمْثِيلُ في القُرْآنِ وكَلامِ الرَّسُولِ ﷺ، كَما قالَ «مَن أحَبَّ لِقاءَ اللَّهِ أحَبَّ اللَّهُ لِقاءَهُ»، وفي القُرْآنِ ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ﴾ [غافر: ١٥] .
وقَوْلُهُ: ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ (حَتّى) ابْتِدائِيَّةٌ، وهي لا تُفِيدُ الغايَةَ وإنَّما تُفِيدُ السَّبَبِيَّةَ، كَما صَرَّحَ بِهِ ابْنُ الحاجِبِ، أيْ فَإذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً. ومِنَ المُفَسِّرِينَ مَن جَعَلَ
صفحة ١٩٠
مَجِيءَ السّاعَةِ غايَةً لِلْخُسْرانِ، وهو فاسِدٌ لِأنَّ الخُسْرانَ المَقْصُودَ هُنا هو خُسْرانُهم يَوْمَ القِيامَةِ، فَأمّا في الدُّنْيا فَفِيهِمْ مَن لَمْ يَخْسَرْ شَيْئًا. وقَدْ تَقَدَّمَ كَلامٌ عَلى (حَتّى) الِابْتِدائِيَّةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿وإنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِها حَتّى إذا جاءُوكَ يُجادِلُونَكَ﴾ [الأنعام: ٢٥] في هَذِهِ السُّورَةِ. وسَيَجِيءُ لِمَعْنى (حَتّى) زِيادَةُ بَيانٍ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللَّهِ كَذِبًا أوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ﴾ [الأعراف: ٣٧] إلى قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا جاءَتْهم رُسُلُنا﴾ [الأعراف: ٣٧] في سُورَةِ الأعْرافِ.
والسّاعَةُ: عَلَمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى ساعَةِ البَعْثِ والحَشْرِ.
والبَغْتَةُ: فَعْلَةٌ مِنَ البَغْتِ، وهو مَصْدَرٌ. بَغَتَهُ الأمْرُ إذا نَزَلَ بِهِ فَجْأةً مِن غَيْرِ تَرَقُّبٍ ولا إعْلامٍ ولا ظُهُورِ شَبَحٍ أوْ نَحْوِهِ. فَفي البَغْتِ مَعْنى المَجِيءِ عَنْ غَيْرِ إشْعارٍ. وهو مُنْتَصِبٌ عَلى الحالِ، فَإنَّ المَصْدَرَ يَجِيءُ حالًا إذا كانَ ظاهِرًا تَأْوِيلُهُ بِاسْمِ الفاعِلِ، وهو يَرْجِعُ إلى الإخْبارِ بِالمَصْدَرِ لِقَصْدِ المُبالَغَةِ.
وقَوْلُهُ (قالُوا) جَوابُ (إذا) . و(يا حَسْرَتَنا) نِداءٌ مَقْصُودٌ بِهِ التَّعَجُّبُ والتَّنَدُّمُ، وهو في أصْلِ الوَضْعِ نِداءٌ لِلْحَسْرَةِ بِتَنْزِيلِها مَنزِلَةَ شَخْصٍ يَسْمَعُ ويُنادى لِيَحْضُرَ كَأنَّهُ يَقُولُ: يا حَسْرَةً احْضُرِي فَهَذا أوانُ حُضُورِكِ. ومِنهُ قَوْلُهم: يا لَيْتَنِي فَعَلْتُ كَذا، ويا أسَفِي أوْ يا أسَفا، كَما تَقَدَّمَ آنِفًا.
وأضافُوا الحَسْرَةَ إلى أنْفُسِهِمْ لِيَكُونَ تَحَسُّرُهم لِأجْلِ أنْفُسِهِمْ، فَهُمُ المُتَحَسِّرُونَ والمُتَحَسَّرُ عَلَيْهِمْ، بِخِلافِ قَوْلِ القائِلِ: يا حَسْرَةً، فَإنَّهُ في الغالِبِ تَحَسَّرَ لِأجْلِ غَيْرِهِ فَهو يَتَحَسَّرُ لِحالِ غَيْرِهِ. ولِذَلِكَ تَجِيءُ مَعَهُ (عَلى) الَّتِي تَدْخُلُ عَلى الشَّيْءِ المُتَحَسَّرِ مِن أجْلِهِ داخِلَةً عَلى ما يَدُلُّ عَلى غَيْرِ التَّحَسُّرِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا حَسْرَةً عَلى العِبادِ﴾ [يس: ٣٠]، فَأمّا مَعَ (يا حَسْرَتِي، أوْ يا حَسْرَتا) فَإنَّما تَجِيءُ (عَلى) داخِلَةً عَلى الأمْرِ الَّذِي كانَ سَبَبًا في التَّحَسُّرِ كَما هُنا عَلى ما فَرَّطْنا فِيها. ومِثْلُ ذَلِكَ قَوْلُهم: يا ويْلِي ويا ويْلَتِي، قالَ تَعالى: ﴿ويَقُولُونَ يا ويْلَتَنا﴾ [الكهف: ٤٩]، فَإذا أرادَ المُتَكَلِّمُ أنَّ الوَيْلَ لِغَيْرِهِ قالَ: ويْلَكَ، قالَ تَعالى: ﴿ويْلَكَ آمِن﴾ [الأحقاف: ١٧] ويَقُولُونَ: ويْلٌ لَكَ.
صفحة ١٩١
والحَسْرَةُ: النَّدَمُ الشَّدِيدُ، وهو التَّلَهُّفُ، وهي فَعْلَةٌ مِن حَسِرَ يَحْسَرُ حَسَرًا، مِن بابِ فَرِحَ، ويُقالُ: تَحَسَّرَ تَحَسُّرًا. والعَرَبُ يُعامِلُونَ اسْمَ المَرَّةِ مُعامَلَةَ مُطْلَقِ المَصْدَرِ غَيْرَ مُلاحَظِينَ فِيهِ مَعْنى المَرَّةِ، ولَكِنَّهم يُلاحِظُونَ المَصْدَرَ في ضِمْنِ فَرْدٍ، كَمَدْلُولِ لامِ الحَقِيقَةِ، ولِذَلِكَ يَحْسُنُ هَذا الِاعْتِبارُ في مَقامِ النِّداءِ لِأنَّ المَصْدَرَ اسْمٌ لِلْحاصِلِ بِالفِعْلِ بِخِلافِ اسْمِ المَرَّةِ فَهو اسْمٌ لِفَرْدٍ مِن أفْرادِ المَصْدَرِ فَيَقُومُ مَقامَ الماهِيَّةِ.
و(فَرَّطْنا) أضَعْنا. يُقالُ: فَرَّطَ في الأمْرِ إذا تَهاوَنَ بِشَيْءٍ ولَمْ يَحْفَظْهُ، أوْ في اكْتِسابِهِ حَتّى فاتَهُ وأفْلَتَ مِنهُ. وهو يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ بِنَفْسِهِ، كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما فَرَّطْنا في الكِتابِ مِن شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٣٨] . والأكْثَرُ أنْ يَتَعَدّى بِحَرْفِ (في) فَيُقالُ فَرَّطَ في مالِهِ، إذا أضاعَهُ.
و(ما) مَوْصُولَةٌ ماصِدْقُها الأعْمالُ الصّالِحَةُ. ومَفْعُولُ فَرَّطْنا مَحْذُوفٌ يَعُودُ إلى (ما) . تَقْدِيرُهُ: ما فَرَّطْناهُ وهم عامٌّ مِثْلَ مُعادِهِ، أيْ نَدِمْنا عَلى إضاعَةِ كُلِّ ما مِن شَأْنِهِ أنْ يَنْفَعَنا فَفَرَطْناهُ، وضَمِيرُ فِيها عائِدٌ إلى السّاعَةِ. و(في) تَعْلِيلِيَّةٌ، أيْ ما فَوَّتْناهُ مِنَ الأعْمالِ النّافِعَةِ لِأجْلِ نَفْعِ هَذِهِ السّاعَةِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (في) لِلتَّعْدِيَةِ بِتَقْدِيرِ مُضافٍ إلى الضَّمِيرِ، أيْ في خَيْراتِها. والمَعْنى عَلى ما فَرَّطْنا في السّاعَةِ، يَعْنُونَ ما شاهَدُوهُ مِن نَجاةِ ونَعِيمِ أهْلِ الفَلّاحِ. ويَجُوزُ أنْ يَعُودَ ضَمِيرُ (فِيها) عَلى الحَياةِ الدُّنْيا، فَيَكُونَ (في) لِلظَّرْفِيَّةِ الحَقِيقِيَّةِ.
وجُمْلَةُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ قالُوا، أيْ قالُوا ذَلِكَ في حالِ أنَّهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم فَهم بَيْنَ تَلَهُّفٍ عَلى التَّفْرِيطِ في الأعْمالِ الصّالِحَةِ والإيمانِ وبَيْنَ مُقاساةِ العَذابِ عَلى الأوْزارِ الَّتِي اقْتَرَفُوها، أيْ لَمْ يَكُونُوا مَحْرُومِينَ مِن خَيْرِ ذَلِكَ اليَوْمِ فَحَسْبُ؛ بَلْ كانُوا مَعَ ذَلِكَ مُتْعَبِينَ مُثْقَلِينَ بِالعَذابِ.
والأوْزارُ جَمْعُ وِزْرٍ بِكَسْرِ الواوِ، وهو الحِمْلُ الثَّقِيلُ، وفِعْلُهُ وزَرَ يَزِرُ إذا حَمَلَ. ومِنهُ قَوْلُهُ هُنا ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ . وقَوْلُهُ ﴿ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى﴾ [الأنعام: ١٦٤] . وأُطْلِقَ الوِزْرُ عَلى الذَّنْبِ والجِنايَةِ لِثِقَلِ عاقِبَتِها عَلى جانِيها.
وقَوْلُهُ ﴿وهم يَحْمِلُونَ أوْزارَهم عَلى ظُهُورِهِمْ﴾ تَمْثِيلٌ لِهَيْئَةِ عَنَتِهِمْ مِن جَرّاءِ ذُنُوبِهِمْ
صفحة ١٩٢
بِحالِ مَن يَحْمِلُ حِمْلًا ثَقِيلًا. وذَكَرَ عَلى ظُهُورِهِمْ هُنا مُبالَغَةً في تَمْثِيلِ الحالَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] . فَذَكَرَ الأيْدِي لِأنَّ الكَسْبَ يَكُونُ بِاليَدِ، فَهو يُشْبِهُ تَخْيِيلَ الِاسْتِعارَةِ ولَكِنَّهُ لا يَتَأتّى التَّخْيِيلُ في التَّمْثِيلِيَّةِ لِأنَّ ما يُذْكَرُ فِيها صالِحٌ لِاعْتِبارِهِ مِن جُمْلَةِ الهَيْئَةِ، فَإنَّ الحَمْلَ عَلى الظَّهْرِ مُؤْذِنٌ بِنِهايَةِ ثِقَلِ المَحْمُولِ عَلى الحامِلِ.
ومِن لَطائِفِ التَّوْجِيهِ وضْعُ لَفْظِ الأوْزارِ في هَذا التَّمْثِيلِ؛ فَإنَّهُ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الأحْمالِ الثَّقِيلَةِ وبَيْنَ الذُّنُوبِ، وهم إنَّما وقَعُوا في هَذِهِ الشِّدَّةِ مِن جَرّاءِ ذُنُوبِهِمْ فَكَأنَّهم يَحْمِلُونَها لِأنَّهم يُعانُونَ شِدَّةَ آلامِها.
وجُمْلَةُ ﴿ألا ساءَ ما يَزِرُونَ﴾ تَذْيِيلٌ.
و(ألا) حَرْفُ اسْتِفْتاحٍ يُفِيدُ التَّنْبِيهَ لِلْعِنايَةِ بِالخَبَرِ. و(﴿ساءَ ما يَزِرُونَ﴾) إنْشاءُ ذَمٍّ. و(يَزِرُونَ) بِمَعْنى يَحْمِلُونَ، أيْ ساءَ ما يُمَثَّلُ مِن حالِهِمْ بِالحَمْلِ. و(ما يَزِرُونَ) فاعِلُ ساءَ. والمَخْصُوصُ بِالذَّمِّ مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: حِمْلُهم.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences