Ibn 'AshurAt‑Taghabun · 64:13–16

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Taghabun 64:13–16

64:13Page 557

ٱللَّهُ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٣

Allāh - there is no deity except Him. And upon Allāh let the believers rely.

﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ .

جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿وأطِيعُوا اللَّهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢] وجُمْلَةِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ .

واسْمُ الجَلالَةِ مُبْتَدَأٌ وجُمْلَةُ ﴿لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ خَبَرٌ. وهَذا تَذْكِيرٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِما يَعْلَمُونَهُ. أيْ مَن آمَنَ بِأنَّ اللَّهَ لا إلَهَ إلّا هو كانَ حَقًّا عَلَيْهِ أنْ يُطِيعَهُ وأنْ لا يَعْبَأ

صفحة ٢٨٢

بِما يُصِيبُهُ في جانِبِ طاعَةِ اللَّهِ مِن مَصائِبَ وأذًى كَما قالَ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيٍّ:

لَسْتُ أُبالِي حَيْنَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلى أيِّ جَنْبٍ كانَ لِلَّهِ مَصْرَعِي

ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿اللَّهُ لا إلَهَ إلّا هُوَ﴾ في مَوْقِعِ العِلَّةِ لِجُمْلَةِ (﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ [التغابن: ١٢])، وتُفِيدُ أيْضًا تَعْلِيلَ جُمْلَةِ (﴿وأطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [التغابن: ١٢]) لِأنَّ طاعَةَ الرَّسُولِ تَرْجِعُ إلى طاعَةِ اللَّهِ قالَ تَعالى ﴿مَن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أطاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] .

وافْتِتاحُ الجُمْلَةِ بِاسْمِ الجَلالَةِ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ إذْ لَمْ يَقُلْ هو لا إلَهَ إلّا هو لِاسْتِحْضارِ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعالى بِما يَحْوِيهِ اسْمُ الجَلالَةِ مِن مَعانِي الكَمالِ، ولِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِها فَتَكُونُ جارِيَةً مَجْرى الأمْثالِ والكَلِمِ الجَوامِعِ.

* * *

﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ عَطْفٌ عَلى (﴿وأطِيعُوا اللَّهَ﴾ [التغابن: ١٢]) فَهو في مَعْنى: وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، فَإنَّ المُؤْمِنِينَ يَتَوَكَّلُونَ عَلى اللَّهِ لا عَلى غَيْرِهِ وأنْتُمْ مُؤْمِنُونَ فَتَوَكَّلُوا عَلَيْهِ.

وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ لِإفادَةِ الِاخْتِصاصِ، أيْ أنَّ المُؤْمِنِينَ لِا يَتَوَكَّلُونَ إلّا عَلى اللَّهِ.

وجِيءَ في ذَلِكَ بِصِيغَةِ أمْرِ المُؤْمِنِينَ بِالتَّوَكُّلِ عَلى اللَّهِ دُونَ غَيْرِهِ رَبْطًا عَلى قُلُوبِهِمْ وتَثْبِيتًا لِنُفُوسِهِمْ كَيْلا يَأْسَفُوا مِن إعْراضِ المُشْرِكِينَ وما يُصِيبُهم مِنهم وأنَّ ذَلِكَ لَنْ يَضُرَّهم.

فَإنَّ المُؤْمِنِينَ لا يَعْتَزُّونَ بِهِمْ ولا يَتَقَوَّوْنَ بِأمْثالِهِمْ، لِأنَّ اللَّهَ أمَرَهم أنْ لا يَتَوَكَّلُوا إلّا عَلَيْهِ، وفِيهِ إيذانٌ بِأنَّهم لا يُخالِفُونَ أمْرَ اللَّهِ وذَلِكَ يَغِيظُ الكافِرِينَ.

والإتْيانُ بِاسْمِ الجَلالَةِ في قَوْلِهِ ﴿وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ المُؤْمِنُونَ﴾ إظْهارٌ في مَقامِ الإضْمارِ لِتَكُونَ الجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً فَتَسِيرَ مَسْرى المَثَلِ، ولِذَلِكَ كانَ إظْهارُ لَفْظِ (﴿المُؤْمِنُونَ﴾) ولَمْ يَقُلْ: وعَلى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلُوا، ولِما في (﴿المُؤْمِنُونَ﴾) مِنَ العُمُومِ الشّامِلِ لِلْمُخاطَبِينَ وغَيْرِهِمْ لِيَكُونَ مَعْنى التَّمْثِيلِ.

64:14Page 557

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ مِنۡ أَزۡوَٰجِكُمۡ وَأَوۡلَٰدِكُمۡ عَدُوّٗا لَّكُمۡ فَٱحۡذَرُوهُمۡۚ وَإِن تَعۡفُواْ وَتَصۡفَحُواْ وَتَغۡفِرُواْ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

O you who have believed, indeed, among your spouses and your children are enemies to you, so beware of them. But if you pardon and overlook and forgive - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّ مِن أزْواجِكم وأوْلادِكم عَدُوًّا لَكم فاحْذَرُوهم وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ .

صفحة ٢٨٣

إقْبالٌ عَلى خِطابِ المُؤْمِنِينَ بِما يُفِيدُهم كَمالًا ويُجَنِّبُهم ما يَفْتِنُهم.

أخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ رَجُلًا سَألَهُ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ فَقالَ: هَؤُلاءِ رِجالٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا وأرادُوا أنْ يَأْتُوا النَّبِيءَ ﷺ فَأبى أزْواجُهم وأوْلادُهم أنْ يَدْعُوَهم، فَلَمّا أتَوُا النَّبِيءَ ﷺ أيْ بَعْدَ مُدَّةٍ وجاءَ مَعَهم أزْواجُهم وأوْلادُهم ورَأوُا النّاسَ قَدْ فَقِهُوا في الدِّينِ أيْ سَبَقُوهم بِالفِقْهِ في الدِّينِ لِتَأخُّرِ هَؤُلاءِ عَنِ الهِجْرَةِ فَهَمُّوا أنْ يُعاقِبُوهم عَلى ما تَسَبَّبُوا لَهم حَتّى سَبَقَهُمُ النّاسُ إلى الفِقْهِ في الدِّينِ فَأنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ أيْ حَتّى قَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ . وهو الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الواحِدِيُّ في أسْبابِ النُّزُولِ ومُقْتَضاهُ أنَّ الآيَةَ مَدَنِيَّةٌ.

وعَنْ عَطاءِ بْنِ يَسارٍ وابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا أنَّ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ في شَأْنِ عَوْفِ بْنِ مالِكٍ الأشْجَعِيِ كانَ ذا أهْلٍ ووَلَدٍ فَكانَ إذا أرادَ الغَزْوَ بَكَوْا إلَيْهِ ورَقَّقُوهُ وقالُوا: إلى مَن تَدَعُنا، فَيَرِقُّ لَهم فَيَقْعُدُ عَنِ الغَزْوِ. وشَكا ذَلِكَ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِهِمْ. فَهَذِهِ الآيَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا ابْتِدائِيًّا ويَكُونُ مَوْقِعُها هَذا سَبَبَ نُزُولِها صادَفَ أنْ كانَ عَقِبَ ما نَزَلَ قَبْلَها مِن هَذِهِ السُّورَةِ.

والمُناسَبَةُ بَيْنَها وبَيْنَ الآيَةِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّ كِلْتَيْهِما تَسْلِيَةٌ عَلى ما أصابَ المُؤْمِنِينَ مِن غَمٍّ مِن مُعامَلَةِ أعْدائِهِمْ إيّاهم ومِنِ انْحِرافِ بَعْضِ أزْواجِهِمْ وأوْلادِهِمْ عَلَيْهِمْ.

وإذا كانَتِ السُّورَةُ كُلُّها مَكِّيَّةً كَما هو قَوْلُ الضَّحّاكِ كانَتِ الآيَةُ ابْتِداءَ إقْبالٍ عَلى تَخْصِيصِ المُؤْمِنِينَ بِالخِطابِ بَعْدَ قَضاءِ حَقِّ الغَرَضِ الَّذِي ابْتُدِئَتْ بِهِ السُّورَةُ عَلى عادَةِ القُرْآنِ في تَعْقِيبِ الأغْراضِ بِأضْدادِها مِن تَرْغِيبٍ أوْ تَرْهِيبٍ، وثَناءٍ أوْ مَلامٍ، أوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِيُوفّى الطَّرَفانِ حَقَّيْهِما، وكانَتْ تَنْبِيهًا لِلْمُسْلِمِينَ لِأحْوالٍ في عائِلاتِهِمْ قَدْ تَخْفى عَلَيْهِمْ لِيَأْخُذُوا حِذْرَهم، وهَذا هو المُناسِبُ لَما قَبْلَ الهِجْرَةِ كانَ المُسْلِمُونَ بِمَكَّةَ مُمْتَزِجِينَ مَعَ المُشْرِكِينَ بِوَشائِجِ النَّسَبِ والصِّهْرِ والوَلاءِ فَلَمّا ناصَبَهُمُ المُشْرِكُونَ العَداءَ لِمُفارَقَتِهِمْ دِينِهِمْ وأضْمَرُوا لَهُمُ الحِقْدَ وأصْبَحُوا فَرِيقَيْنِ كانَ كُلُّ فَرِيقٍ غَيْرَ خالٍ مِن أفْرادٍ مُتَفاوِتِينَ في المُضادَّةِ تَبَعًا لِلتَّفاوُتِ في صَلابَةِ الدِّينِ، وفي أواصِرِ القَرابَةِ والصِّهْرِ، وقَدْ يَبْلُغُ العَداءُ إلى نِهايَةِ طَرَفِهِ فَتَنْدَحِضُ أمامَهُ جَمِيعُ الأواصِرِ فَيُصْبِحُ الأشَدُّ قُرْبًا أشَدَّ مَضَرَّةً عَلى قَرِيبِهِ مِن مَضَرَّةِ البَعِيدِ.

صفحة ٢٨٤

فَأيْقَظَتْ هَذِهِ الآيَةُ المُؤْمِنِينَ لِئَلّا يَغُرَّهم أهْلُ قَرابَتِهِمْ فِيما تُوُهِّمَ مِن جانِبِ غُرُورِهِمْ فَيَكُونُ ضُرُّهم أشُدَّ عَلَيْهِمْ وفي هَذا الإيقاظِ مَصْلَحَةٌ لِلدِّينِ ولِلْمُسْلِمِينَ ولِذَلِكَ قالَ تَعالى ﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾ ولَمْ يَأْمُرْ بِأنْ يَضُرُّوهم، وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ ﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، جَمْعًا بَيْنَ الحَذَرِ وبَيْنَ المُسالَمَةِ وذَلِكَ مِنَ الحَزْمِ.

و(مِن) تَبْعِيضِيَّةٌ. وتَقْدِيمُ خَبَرِ (إنَّ) عَلى اسْمِها لِلِاهْتِمامِ بِهَذا الخَبَرِ ولِما فِيهِ مِن تَشْوِيقٍ إلى الِاسْمِ لِيَتَمَكَّنَ مَضْمُونُ هَذا الخَبَرِ في الذِّهْنِ أتَمَّ تَمَكُّنٍ لِما فِيهِ مِنَ الغَرابَةِ والأهَمِّيَّةِ. وقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿ومِنَ النّاسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللَّهِ وبِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [البقرة: ٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

و(عَدُوٌّ) وصْفٌ مِنَ العَداوَةِ بِوَزْنِ فَعُولٍ بِمَعْنى فاعِلٍ فَلِذَلِكَ لَزَمَ حالَةَ الإفْرادِ والتَّذْكِيرِ إذا كانَ وصْفًا، وقَدْ مَضى ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿فَإنْ كانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ﴾ [النساء: ٩٢] في سُورَةِ النِّساءِ. فَأمّا إذا أُرِيدَ مِنهُ مَعْنى الِاسْمِيَّةِ فَيُطابِقُ ما أُجْرِي عَلَيْهِ، قالَ تَعالى ﴿يَكُونُوا لَكم أعْداءً﴾ [الممتحنة: ٢] .

والإخْبارُ عَنْ بَعْضِ الأزْواجِ والأوْلادِ بِأنَّهم عَدُوٌّ يَجُوزُ أنْ يُحْمَلَ عَلى الحَقِيقَةِ فَإنَّ بَعْضَهم قَدْ يُضْمِرُ عَداوَةً لِزَوْجِهِ وبَعْضَهم لِأبَوَيْهِ مِن جَرّاءِ المُعامَلَةِ بِما لا يَرُوقُ عِنْدَهُ مَعَ خَباثَةٍ في النَّفْسِ وسُوءِ تَفْكِيرٍ فَيَصِيرُ عَدُوًّا لِمَن حَقُّهُ أنْ يَكُونَ لَهُ صَدِيقًا، ويَكْثُرُ أنْ تَأْتِيَ هَذِهِ العَداوَةُ مِنِ اخْتِلافِ الدِّينِ ومِنَ الِانْتِماءِ إلى الأعْداءِ.

ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ عَلى مَعْنى التَّشْبِيهِ البَلِيغِ، أيْ كالعَدُوِّ في المُعامَلَةِ بِما هو مِن شَأْنِ مُعامَلَةِ الأعْداءِ كَما قِيلَ في المَثَلِ يَفْعَلُ الجاهِلُ بِنَفْسِهِ ما يَفْعَلُ العَدُوُّ لِعَدُوِّهِ. وهَذا مِنِ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ.

وعُطِفَ عَلى قَوْلِهِ (﴿فاحْذَرُوهُمْ﴾) جُمْلَةُ (﴿وإنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا﴾) إلى آخِرِها عَطْفَ الِاحْتِراسِ لِأنَّهُ إذا كانَ العَفْوُ مَطْلُوبًا مَحْبُوبًا إلى اللَّهِ تَعالى وهو لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ حُصُولِ الذَّنْبِ فَإنَّ عَدَمَ المُؤاخَذَةِ عَلى مُجَرَّدِ ظَنِّ العَداوَةِ أجْدَرُ بِالطَّلَبِ فَفُهِمَ النَّهْيُ عَنْ مُعامَلَةِ الأزْواجِ والأبْناءِ مُعامَلَةَ الأعْداءِ لِأجْلِ إيجاسِ العَداوَةِ، بَلِ المَقْصُودُ مِنَ التَّحْذِيرِ التَّوَقِّي وأخَذُ الحِيطَةِ لِابْتِداءِ المُؤاخَذَةِ، ولِذَلِكَ قِيلَ الحَزْمُ سُوءُ الظَّنِّ بِالنّاسِ، أيْ لَكِنْ دُونَ أنْ يُبْنى عَلى ذَلِكَ الظَّنِّ مُعامَلَةُ مَن صَدَرَ مِنهُ ما ظَنَنْتَ

صفحة ٢٨٥

بِهِ قالَ تَعالى (﴿إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢]) وقالَ (﴿أنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ﴾ [الحجرات: ٦]) .

والعَفْوُ: تَرْكُ المُعاقَبَةِ عَلى الذَّنْبِ بَعْدَ الِاسْتِعْدادِ لَها. ولَوْ مَعَ تَوْبِيخٍ.

والصَّفْحُ: الإعْراضُ عَنِ المُذْنِبِ، أيْ تَرْكُ عِقابِهِ عَلى ذَنْبِهِ دُونَ التَّوْبِيخِ.

والغَفْرُ: سَتْرُ الذَّنْبِ وعَدَمُ إشاعَتِهِ.

والجَمْعُ بَيْنَها هُنا إيماءٌ إلى تَراتُبِ آثارِ هَذِهِ العَداوَةِ وما تَقْتَضِيهِ آثارُها مِن هَذِهِ المُعامَلاتِ الثَّلاثِ. وحُذِفَ مُتَعَلِّقُ الأفْعالِ الثَّلاثَةِ لِظُهُورِ أنَّ المُرادَ مِن أوْلادِكم وأزْواجِكم فِيما يَصْدُرُ مِنهم مِمّا يُؤْذِيكم، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ حَذْفُ المُتَعَلِّقِ لِإرادَةِ عُمُومِ التَّرْغِيبِ في العَفْوِ.

وإنَّما يَعْفُو المَرْءُ ويَصْفَحُ ويَغْفِرُ عَنِ المُذْنِبِ إذا كانَ ذَنْبُهُ مُتَعَلِّقًا بِحَقِّ ذَلِكَ المَرْءِ وبِهَذِهِ الأفْعالِ المَذْكُورَةِ هُنا مُطْلَقَةً وفي أدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ تَقْيِيداتٌ لَها.

وجُمْلَةُ (﴿فَإنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾) دَلِيلُ جَوابِ الشَّرْطِ المَحْذُوفِ المُؤْذِنِ بِالتَّرْغِيبِ في العَفْوِ والصَّفْحِ والغَفْرِ فالتَّقْدِيرُ وأنْ تَعْفُوا وتَصْفَحُوا وتَغْفِرُوا يُحِبُّ اللَّهُ ذَلِكَ مِنكم لِأنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، أيْ لِلَّذِينَ يَغْفِرُونَ ويَرْحَمُونَ، وجَمَعَ وصْفُ (رَحِيمٌ) الخِصالَ الثَّلاثَ.

64:15Page 557

إِنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞۚ وَٱللَّهُ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ١٥

Your wealth and your children are but a trial, and Allāh has with Him a great reward.

﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ .

تَذْيِيلٌ لِأنَّ فِيهِ تَعْمِيمَ أحْوالِ الأوْلادِ بَعْدَ أنْ ذُكِرَ حالٌ خاصٌّ بِبَعْضِهِمْ.

وأُدْمِجَ فِيهِ الأمْوالُ لِأنَّها لَمْ يَشْمَلْها طَلَبُ الحَذَرِ ولا وصْفُ العَداوَةِ. وقُدِّمَ ذِكْرُ الأمْوالِ عَلى الأوْلادِ لِأنَّ الأمْوالَ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُها بِخِلافِ الأوْلادِ.

ووَجْهُ إدْماجِ الأمْوالِ هُنا أنَّ المُسْلِمِينَ كانُوا قَدْ أُصِيبُوا في أمْوالِهِمْ مِنَ المُشْرِكِينَ فَغَلَبُوهم عَلى أمْوالِهِمْ ولَمْ تُذْكَرِ الأمْوالُ في الآيَةِ السّابِقَةِ لِأنَّ الغَرَضَ هو التَّحْذِيرُ مِن أشَدِّ الأشْياءِ اتِّصالًا بِهِمْ وهي أزْواجُهم وأوْلادُهم. ولِأنَّ فِتْنَةَ هَؤُلاءِ مُضاعَفَةٌ لِأنَّ الدّاعِي إلَيْها يَكُونُ مِن أنْفُسِهِمْ ومِن مَساعِيَ الآخَرِينَ وتَسْوِيلِهِمْ. وجُرِّدَ عَنْ ذِكْرِ

صفحة ٢٨٦

الأزْواجِ هُنا اكْتِفاءً لِدَلالَةِ فِتْنَةِ الأوْلادِ عَلَيْهِنَّ بِدَلالَةِ فَحْوى الخِطابِ، فَإنَّ فِتْنَتَهُنَّ أشَدُّ مِن فِتْنَةِ الأوْلادِ لِأنَّ جُرْأتَهُنَّ عَلى التَّسْوِيلِ لِأزْواجِهِنَّ ما يُحاوِلْنَهُ مِنهم أشَدُّ مِن جُرْأةِ الأوْلادِ.

والقَصْرُ المُسْتَفادُ مِن (إنَّما) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلى صِفَةٍ، أيْ لَيْسَتْ أمْوالُكم وأوْلادُكم إلّا فِتْنَةً. وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في كَثْرَةِ مُلازَمَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ لِلْمَوْصُوفِ إذْ يَنْدُرُ أنْ تَخْلُوَ أفْرادُ هَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ، وهُما أمْوالُ المُسْلِمِينَ وأوْلادُهم عَنِ الِاتِّصافِ بِالفِتْنَةِ لِمَن يَتَلَبَّسُ بِهِما.

والإخْبارُ بِ (﴿فِتْنَةٌ﴾) لِلْمُبالَغَةِ. والمُرادُ: أنَّهم سَبَبُ فِتْنَةٍ سَواءً سَعَوْا في فِعْلِ الفَتْنِ أمْ لَمْ يَسْعَوْا. فَإنَّ الشُّغْلَ بِالمالِ والعِنايَةَ بِالأوْلادِ فِيهِ فِتْنَةٌ.

فَفِي هَذِهِ الآيَةِ مِن خُصُوصِيّاتِ عِلْمِ المَعانِي التَّذْيِيلُ والإدْماجُ، وكِلاهُما مِنَ الإطْنابِ، والِاكْتِفاءُ وهو مِنَ الإيجازِ، وفِيها الإخْبارُ بِالمَصْدَرِ وهو (﴿فِتْنَةٌ﴾)، والإخْبارُ بِهِ مِنَ المُبالَغَةِ فَهَذِهِ أرْبَعَةٌ مِنَ المُحَسِّناتِ البَدِيعِيَّةِ، وفِيها القَصْرُ، وفِيها التَّعْلِيلُ، وهو مِن خُصُوصِيّاتِ الفَصْلِ، وقَدْ يُعَدُّ مِن مُحَسِّناتِ البَدِيعِ أيْضًا فَتِلْكَ سِتُّ خُصُوصِيّاتٍ.

وفُصِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ عَنِ الَّتِي قَبْلَها لِأنَّها اشْتَمَلَتْ عَلى التَّذْيِيلِ والتَّعْلِيلِ وكِلاهُما مِن مُقْتَضَياتِ الفَصْلِ.

والفِتْنَةُ: اضْطِرابُ النَّفْسِ وحِيرَتُها مِن جَرّاءِ أحْوالٍ لا تُلائِمُ مَن عَرَضَتْ لَهُ، وتَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

أخْرَجَ أبُو داوُدَ عَنْ بُرَيْدَةَ قالَ: «إنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كانَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ حَتّى جاءَ الحَسَنُ والحُسَيْنُ يَعْثُرانِ ويَقُومانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ المِنبَرِ فَأخَذَهُما وجَذَبَهُما ثُمَّ قَرَأ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ . وقالَ رَأيْتُ هَذَيْنِ فَلَمْ أصْبِرْ، ثُمَّ أخَذَ في خُطْبَتِهِ» .

وذَكَرَ ابْنُ عَطِيَّةَ: أنَّ عُمَرَ قالَ لِحُذَيْفَةَ: كَيْفَ أصْبَحْتَ فَقالَ: أصْبَحْتُ أُحِبُّ الفِتْنَةَ وأكْرَهُ الحَقَّ. فَقالَ عُمَرُ: ما هَذا ؟ فَقالَ: أُحِبُّ ولَدِي وأكْرَهُ المَوْتَ.

صفحة ٢٨٧

وقَوْلُهُ ﴿واللَّهُ عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ لِأنَّ قَوْلَهُ ﴿عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾ كِنايَةٌ عَنِ الجَزاءِ عَنْ تِلْكَ الفِتْنَةِ لِمَن يُصابِرُ نَفْسَهُ عَلى مُراجَعَةِ ما تُسَوِّلُهُ مِنَ الِانْحِرافِ عَنْ مَرْضاةِ اللَّهِ إنْ كانَ في ذَلِكَ تَسْوِيلٌ. والأجْرُ العَظِيمُ عَلى إعْطاءِ حَقِّ المالِ والرَّأْفَةِ بِالأوْلادِ، أيْ واللَّهُ يَؤْجُرُكم عَلَيْها. لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «مَنِ ابْتُلِيَ مِن هَذِهِ البَناتِ بِشَيْءٍ كُنَّ لَهُ سِتْرًا مِنَ النّارِ» . وفي حَدِيثٍ آخَرَ «إنَّ الصَّبْرَ عَلى سُوءِ خُلُقِ الزَّوْجَةِ عِبادَةٌ» .

والأحادِيثُ كَثِيرَةٌ في هَذا المَعْنى مِنها ما رَواهُ حُذَيْفَةُ «فِتْنَةُ الرَّجُلِ في أهْلِهِ ومالِهِ تُكَفِّرُها الصَّلاةُ والصَّدَقَةُ» .

64:16Page 557

فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ وَٱسۡمَعُواْ وَأَطِيعُواْ وَأَنفِقُواْ خَيۡرٗا لِّأَنفُسِكُمۡۗ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفۡسِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُفۡلِحُونَ ١٦

So fear Allāh as much as you are able and listen and obey and spend [in the way of Allāh]; it is better for your selves. And whoever is protected from the stinginess of his soul - it is those who will be the successful.

﴿فاتَّقُوا اللَّهَ ما اسْتَطَعْتُمْ واسْمَعُوا وأطِيعُوا وأنْفِقُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ .

فاءٌ فَصِيحَةٌ وتَفْرِيعٌ عَلى ما تَقَدَّمَ، أيْ إذا عَلِمْتُمْ هَذا فاتَّقُوا اللَّهَ فِيما يَجِبُ مِنَ التَّقْوى في مُعامَلَةِ الأوْلادِ والأزْواجِ ومَصارِفَ في الأمْوالِ فَلا يَصُدُّكم حُبُّ ذَلِكَ والشُّغْلُ بِهِ عَنِ الواجِباتِ، ولا يُخْرِجُكُمُ الغَضَبُ ونَحْوُهُ عَنْ حَدِّ العَدْلِ المَأْمُورِ بِهِ، ولا حُبُّ المالِ عَنْ أداءِ حُقُوقِ الأمْوالِ وعَنْ طَلَبِها مِن وُجُوهِ الحَلالِ. فالأمْرُ بِالتَّقْوى شامِلٌ لِلتَّحْذِيرِ المُتَقَدِّمِ ولِلتَّرْغِيبِ في العَفْوِ كَما تَقَدَّمَ ولِما عَدا ذَلِكَ.

والخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ.

وحَذْفُ مُتَعَلِّقِ (اتَّقُوا) لِقَصْدِ تَعْمِيمِ ما يَتَعَلَّقُ بِالتَّقْوى مِن جَمِيعِ الأحْوالِ المَذْكُورَةِ وغَيْرِها وبِذَلِكَ يَكُونُ هَذا الكَلامُ كالتَّذْيِيلِ لِأنَّ مَضْمُونَهُ أعَمُّ مِن مَضْمُونِ ما قَبْلَهُ.

ولَمّا كانَتِ التَّقْوى في شَأْنِ المَذْكُوراتِ وغَيْرِها قَدْ يَعْرِضُ لِصاحِبِها التَّقْصِيرُ في إقامَتِها حِرْصًا عَلى إرْضاءِ شَهْوَةِ النَّفْسِ في كَثِيرٍ مِن أحْوالِ تِلْكَ الأشْياءِ زِيدَ تَأْكِيدُ الأمْرِ بِالتَّقْوى بِقَوْلِهِ (﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾) .

وما مَصْدَرِيَّةٌ ظَرْفِيَّةٌ، أيْ مُدَّةَ اسْتِطاعَتِكم لِيَعُمَّ الأزْمانَ كُلَّها ويَعُمَّ الأحْوالَ

صفحة ٢٨٨

تَبَعًا لِعُمُومِ الأزْمانِ ويَعُمَّ الِاسْتِطاعاتِ، فَلا يَتَخَلَّوْا عَنِ التَّقْوى في شَيْءٍ مِنَ الأزْمانِ. وجُعِلَتِ الأزْمانُ ظَرْفًا لِلِاسْتِطاعَةِ لِئَلّا يُقَصِّرُوا بالتَّفْرِيطِ في شَيْءٍ يَسْتَطِيعُونَهُ فِيما أُمِرُوا بِالتَّقْوى في شَأْنِهِ ما لَمْ يَخْرُجْ عَنْ حَدِّ الِاسْتِطاعَةِ إلى حَدِّ المَشَقَّةِ قالَ تَعالى ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ اليُسْرَ ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥] .

فَلَيْسَ في قَوْلِهِ ﴿ما اسْتَطَعْتُمْ﴾ تَخْفِيفٌ ولا تَشْدِيدٌ ولَكِنَّهُ عَدْلٌ. وإنْصافٌ. فَفِيهِ ما عَلَيْهِمْ وفِيهِ ما لَهم.

رَوى البُخارِيُّ عَنْ جابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قالَ: «بايَعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ فَلَقَّنَنِي: فِيما اسْتَطَعْتُ»، وعَنِ ابْنِ عُمَرَ «كُنّا إذا بايَعْنا النَّبِيءَ ﷺ عَلى السَّمْعِ والطّاعَةِ يَقُولُ لَنا فِيما اسْتَطَعْتُ» .

وعَطْفُ (﴿واسْمَعُوا وأطِيعُوا﴾) عَلى اتَّقُوا اللَّهَ مِن عَطْفِ الخاصِّ عَلى العامِّ لِلِاهْتِمامِ بِهِ، ولِأنَّ التَّقْوى تَتَبادَرُ في تَرْكِ المَنهِيّاتِ فَإنَّها مُشْتَقَّةٌ مِن وقى. فَتَقْوى اللَّهِ أنْ يَقِيَ المَرْءُ نَفْسَهُ مِمّا نَهاهُ اللَّهُ عَنْهُ، ولَمّا كانَ تَرْكُ المَأْمُوراتِ فَيُئَوَّلُ إلى إتْيانِ المَنهِيّاتِ، لِأنَّ تَرْكَ الأمْرِ مَنهِيٌّ عَنْهُ إذِ الأمْرُ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ. كانَ التَّصْرِيحُ بِهِ بِخُصُوصِهِ اهْتِمامًا بِكِلا الأمْرَيْنِ لِتَحْصُلَ حَقِيقَةُ التَّقْوى الشَّرْعِيَّةِ وهي اجْتِنابُ المَنهِيّاتِ وامْتِثالُ المَأْمُوراتِ.

والمُرادُ: اسْمَعُوا اللَّهَ، أيْ أطِيعُوا بِالسَّمْعِ لِلرَّسُولِ ﷺ وطاعَتِهِ.

والأمْرُ بِالسَّمْعِ أمْرٌ يَتَلَقّى الشَّرِيعَةَ والإقْبالَ عَلى سَماعِ مَواعِظِ النَّبِيءِ ﷺ وذَلِكَ وسِيلَةُ التَّقْوى قالَ تَعالى ﴿فَبَشِّرْ عِبادِي﴾ [الزمر: ١٧] ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ القَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] .

وعُطِفَ عَلَيْهِ (﴿وأطِيعُوا﴾ [التغابن: ١٢]): أيْ أطِيعُوا ما سَمِعْتُمْ مِن أمْرٍ ونَهْيٍ.

وعَطْفُ (﴿وأنْفِقُوا﴾) تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ فَإنَّ الإنْفاقَ مِمّا أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَهو مِنَ المَأْمُوراتِ.

وصِيغَةُ الأمْرِ تَشْتَمِلُ واجِبَ الإنْفاقِ والمَندُوبَ فَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلى الإنْفاقِ بِمَرْتَبَتِيهِ وهَذا مِنَ الِاهْتِمامِ بِالنَّزاهَةِ مِن فِتْنَةِ المالِ الَّتِي ذُكِرَتْ في قَوْلِهِ ﴿إنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥] .

صفحة ٢٨٩

وانْتَصَبَ (﴿خَيْرًا﴾) عَلى الصِّفَةِ لِمَصْدَرٍ مَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أنْفِقُوا) . والتَّقْدِيرُ: إنْفاقًا خَيْرًا لِأنْفُسِكم. هَذا قَوْلُ الكِسائِيِّ والفَرّاءِ فَيَكُونُ خَيْرٌ اسْمَ تَفْضِيلٍ. وأصْلُهُ: أخْيَرُ، وهو مَحْذُوفُ الهَمْزَةِ لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمالِ، أيِ الإنْفاقُ خَيْرٌ لَكم مِنَ الإمْساكِ. وعَنْ سِيبَوَيْهِ أنَّهُ مَنصُوبٌ عَلى أنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ لِفِعْلٍ مُضْمَرٍ دَلَّ عَلَيْهِ (أنْفِقُوا) . والتَّقْدِيرُ: ائْتُوا خَيْرًا لِأنْفُسِكم.

وجُمْلَةُ (﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾) تَذْيِيلٌ.

و(مَن) اسْمُ شَرْطٍ وهي مِن صِيَغِ العُمُومِ: أيْ كُلُّ مَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ، والعُمُومُ يَدُلُّ عَلى أنَّ (مَن) مُرادٌ بِها جِنْسٌ لا شَخْصٌ مُعِيَّنٌ ولا طائِفَةٌ، وهَذا حُبٌّ اقْتَضاهُ حِرْصُ أكْثَرِ النّاسِ عَلى حِفْظِ المالِ وادِّخارِهِ والإقْلالِ مِن نَفْعِ الغَيْرِ بِهِ وذَلِكَ الحِرْصُ يُسَمّى الشُّحُّ.

والمَعْنى: أنَّ الإنْفاقَ يَقِي صاحِبَهُ مِنَ الشُّحِّ المَنهِيِّ عَنْهُ فَإذا يُسِّرَ عَلى المَرْءِ الإنْفاقُ فِيما أمَرَ اللَّهُ بِهِ فَقَدْ وُقِيَ شُحَّ نَفْسِهِ وذَلِكَ مِنَ الفَلاحِ.

ولَمّا كانَ ذَلِكَ فَلاحًا عَظِيمًا جِيءَ في جانِبِهِ بِصِيغَةِ الحَصْرِ بِطَرِيقَةِ تَعْرِيفِ المُسْنَدِ، وهو قَصْرُ جِنْسِ المُفْلِحِينَ عَلى جِنْسِ الَّذِينَ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ، وهو قَصْرٌ ادِّعائِيٌّ لِلْمُبالَغَةِ في تَحَقُّقِ وصْفِ المُفْلِحِينَ الَّذِينَ وُقُوا شُحَّ أنْفُسِهِمْ نَزَلَ الآنَ فَلاحُ غَيْرِهِمْ بِمَنزِلَةِ العَدَمِ.

وإضافَةُ (﴿شُحَّ﴾) إلى النَّفْسِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّ الشُّحَّ مِن طِباعِ النَّفْسِ فَإنَّ النُّفُوسَ شَحِيحَةٌ بِالأشْياءِ المُحَبَّبَةِ إلَيْها قالَ تَعالى ﴿وأُحْضِرَتِ الأنْفُسُ الشُّحَّ﴾ [النساء: ١٢٨] .

وفِي الحَدِيثِ لَمّا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنْ أفْضَلِ الصَّدَقَةِ قالَ: «أنْ تَصَدَّقَ وأنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشى الفَقْرَ وتَأْمُلُ الغِنى. وأنْ لا تَدَعَ حَتّى إذا بَلَغَتِ الحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلانٍ كَذا ولِفُلانٍ كَذا وقَدْ كانَ لِفُلانٍ» وتَقَدَّمَ نَظِيرُ ﴿ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: ٩] في سُورَةِ الحَشْرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском