Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Al-A'raf 7:103–108
7:103Page 163
ثُمَّ بَعَثۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِم مُّوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَآ إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَظَلَمُواْ بِهَاۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُفۡسِدِينَ ١٠٣
Then We sent after them Moses with Our signs to Pharaoh and his establishment, but they were unjust toward them.1 So see how was the end of the corrupters.
﴿ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى بِآياتِنا إلى فِرْعَوْنَ ومَلَإيهِ فَظَلَمُوا بِها فانْظُرْ كَيْفَ كانَ عُقْبَةُ المُفْسِدِينَ﴾
انْتِقالٌ مِن أخْبارِ الرِّسالاتِ السّابِقَةِ إلى أخْبارِ رِسالَةٍ عَظِيمَةٍ لِأُمَّةٍ باقِيَةٍ إلى وقْتِ نُزُولِ القُرْآنِ فَضَّلَها اللَّهُ بِفَضْلِهِ فَلَمْ تُوَفِّ حَقَّ الشُّكْرِ وتَلَقَّتْ رَسُولَها بَيْنَ طاعَةٍ وإباءٍ وانْقِيادٍ ونِفارٍ. فَلَمْ يُعامِلْها اللَّهُ بِالِاسْتِئْصالِ ولَكِنَّهُ أراها جَزاءَ مُخْتَلِفِ أعْمالِها، جَزاءً وِفاقًا، إنْ خَيْرًا فَخَيْرٌ، وإنْ شَرًّا فَشَرٌّ.
وخُصَّتْ بِالتَّفْضِيلِ قِصَّةُ إرْسالِ مُوسى لِما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الحَوادِثِ العَظِيمَةِ، والأنْباءِ القَيِّمَةِ. ولِأنَّ رِسالَتَهُ جاءَتْ بِأعْظَمِ شَرِيعَةٍ بَيْنَ يَدَيْ شَرِيعَةِ الإسْلامِ، وأُرْسِلَ رَسُولُها هادِيًا وشارِعًا تَمْهِيدًا لِشَرِيعَةٍ تَأْتِي لِأُمَّةِ أعْظَمَ مِنها تَكُونُ بَعْدَها، ولِأنَّ حالَ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ أشْبَهُ بِحالِ مِن أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُحَمَّدٌ ﷺ فَإنَّهم كانُوا فَرِيقَيْنِ كَثِيرَيْنِ اتَّبَعَ أحَدُهم مُوسى وكَفَرَ بِهِ الآخَرُ، كَما اتَّبَعَ مُحَمَّدًا - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - جَمْعٌ عَظِيمٌ وكَفَرَ بِهِ فَرِيقٌ كَثِيرٌ. فَأهْلَكَ اللَّهُ مَن كَفَرَ ونَصَرَ مَن آمَنَ.
وقَدْ دَلَّتْ ثُمَّ عَلى المُهْلَةِ: لِأنَّ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بُعِثَ بَعْدَ شُعَيْبٍ بِزَمَنٍ طَوِيلٍ، فَإنَّهُ تَوَجَّهَ إلى مَدْيَنَ حِينَ خُرُوجِهِ مِن مِصْرَ رَجا اللَّهَ أنْ يَهْدِيَهُ فَوَجَدَ شُعَيْبًا. وكانَ اتِّصالُهُ بِهِ ومُصاهَرَتُهُ تَدْرِيجًا لَهُ في سُلَّمِ قَبُولِ الرِّسالَةِ عَنِ اللَّهِ - تَعالى - . فالمُهْلَةُ بِاعْتِبارِ مَجْمُوعِ الأُمَمِ المَحْكِيِّ عَنْها قَبْلُ، فَإنَّ مِنها ما بَيْنَهُ وبَيْنَ مُوسى قُرُونٌ، مِثْلُ قَوْمِ نُوحٍ، ومِثْلُ عادٍ وثَمُودَ، وقَوْمِ لُوطٍ، فالمُهْلَةُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْها ثُمَّ مُتَفاوِتَةُ المِقْدارِ، مَعَ ما يَقْتَضِيهِ عَطْفُ الجُمْلَةِ بِحَرْفِ ثُمَّ مِنَ التَّراخِي الرُّتَبِيِّ وهو مُلازِمٌ لَها إذا عُطِفَتْ بِها الجُمَلُ. فَحَرْفُ ثُمَّ هُنا مُسْتَعْمَلٌ في مَعْنَيَيِ المُهْلَةِ الحَقِيقِيِّ والمَجازِيِّ.
والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ (مِن بَعْدِهِمْ) يَعُودُ إلى القُرى، بِاعْتِبارِ أهْلِها، كَما عادَتْ
صفحة ٣٥
عَلَيْهِمُ الضَّمائِرُ في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ جاءَتْهم رُسُلُهُمْ﴾ [الأعراف: ١٠١] الآيَتَيْنِ.
والباءُ في بِآياتِنا لِلْمُلابَسَةِ، وهي في مَوْضِعِ الحالِ مِن مُوسى، أيْ: مَصْحُوبًا بِآياتٍ مِنّا، والآياتُ: الدَّلائِلُ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، وهي المُعْجِزاتُ، قالَ - تَعالى - ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ [الأعراف: ١٠٦] ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧] .
و ”فِرْعَوْنُ“ عَلَمُ جِنْسٍ لِمَلِكِ مِصْرَ في القَدِيمِ، أيْ: قَبْلَ أنْ يَمْلِكَها اليُونانُ، وهو اسْمٌ مِن لُغَةِ القِبْطِ. قِيلَ: أصْلُهُ في القِبْطِيَّةِ ”فاراهُ“ ولَعَلَّ الهاءَ فِيهِ مُبْدَلَةٌ عَنِ العَيْنِ فَإنَّ (رَعْ) اسْمُ الشَّمْسِ فَمَعْنى ”فاراهُ“ نُورُ الشَّمْسِ لِأنَّهم كانُوا يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ فَجَعَلُوا مَلِكَ مِصْرَ بِمَنزِلَةِ نُورِ الشَّمْسِ؛ لِأنَّهُ يُصْلِحُ النّاسَ، نُقِلَ هَذا الِاسْمُ عَنْهم في كُتُبِ اليَهُودِ وانْتَقَلَ عَنْهم إلى العَرَبِيَّةِ، ولَعَلَّهُ مِمّا أدْخَلَهُ الإسْلامُ. وهَذا الِاسْمُ نَظِيرُ ”كِسْرى“ لِمَلِكِ مُلُوكِ الفُرْسِ القُدَماءِ، و”قَيْصَرَ“ لِمَلِكِ الرُّومِ، و”نُمْرُوذٍ“ لِمَلِكِ كَنْعانَ، و”النَّجاشِيِّ“ لِمَلِكِ الحَبَشَةِ، و”تُبَّعٍ“ لِمَلِكِ مُلُوكِ اليَمَنِ، و”خانَ“ لِمَلِكِ التُّرْكِ.
واسْمُ فِرْعَوْنَ الَّذِي أُرْسِلَ مُوسى إلَيْهِ: مِنفِطاحُ الثّانِي، أحَدُ مُلُوكِ العائِلَةِ التّاسِعَةَ عَشْرَةَ مِنَ العائِلاتِ الَّتِي مَلَكَتْ مِصْرَ، عَلى تَرْتِيبِ المُؤَرِّخِينَ مِنَ الإفْرِنْجِ وذَلِكَ في سَنَةِ ١٤٩١ قَبْلَ مِيلادِ المَسِيحِ.
والمَلَأُ: الجَماعَةُ مِن عِلْيَةِ القَوْمِ، وتَقَدَّمَ قَرِيبًا. وهم وُزَراءُ فِرْعَوْنَ وسادَةُ أهْلِ مِصْرَ مِنَ الكَهَنَةِ وقُوّادِ الجُنْدِ، وإنَّما خَصَّ فِرْعَوْنَ ومَلَأهُ لِأنَّهم أهْلُ الحَلِّ والعَقْدِ الَّذِينَ يَأْذَنُونَ في سَراحِ بَنِي إسْرائِيلَ، فَإنَّ مُوسى بَعَثَهُ اللَّهُ إلى بَنِي إسْرائِيلَ لِيُحَرِّرَهم مِنَ الرِّقِّ الَّذِي كانُوا فِيهِ بِمِصْرَ، ولَمّا كانَ خُرُوجُهم مِن مِصْرَ مُتَوَقِّفًا عَلى أمْرِ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ أرْسَلَ مُوسى بِذَلِكَ، وفي ضِمْنِ ذَلِكَ تَحْصُلُ دَعْوَةُ فِرْعَوْنَ لِلْهُدى، لِأنَّ كُلَّ نَبِيءٍ يُعْلِنُ التَّوْحِيدَ ويَأْمُرُ بِالهُدى، وإنْ كانَ المَأْمُورُ مِن غَيْرِ المَبْعُوثِ إلَيْهِمْ حِرْصًا عَلى الهُدى إلّا أنَّهُ لا يُقِيمُ فِيهِمْ ولا يُكَرِّرُ ذَلِكَ. والفاءُ في قَوْلِهِ فَظَلَمُوا لِلتَّعْقِيبِ أيْ فَبادَرُوا بِالتَّكْذِيبِ.
والظُّلْمُ: الِاعْتِداءُ عَلى حَقِّ الغَيْرِ، فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ فَظَلَمُوا هُنا عَلى أصْلِ وضْعِهِ وتَكُونُ الباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ. وحُذِفَ مَفْعُولُ ظَلَمُوا لِقَصْدِ العُمُومِ، والمَعْنى: فَظَلَمُوا كُلَّ مَن لَهُ حَقٌّ في الِانْتِفاعِ بِالآياتِ، أيْ مَنَعُوا النّاسَ مِنَ التَّصْدِيقِ بِها وآذَوُا الَّذِينَ
صفحة ٣٦
آمَنُوا بِمُوسى لَمّا رَأوْا آياتِهِ، كَما قالَ - تَعالى - ﴿قالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُمْ بِهِ قَبْلَ أنْ آذَنَ لَكُمْ﴾ [الأعراف: ١٢٣] إلى قَوْلِهِ ﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكم وأرْجُلَكم مِن خِلافٍ﴾ [الأعراف: ١٢٤] الآيَةَ.
وظَلَمُوا أنْفُسَهم إذْ كابَرُوا ولَمْ يُؤْمِنُوا، فَكانَ الظُّلْمُ بِسَبَبِ الآياتِ أيْ بِسَبَبِ الِاعْتِرافِ بِها.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ضُمِّنَ ظَلَمُوا مَعْنى كَفَرُوا فَعُدِّيَ إلى الآياتِ بِالباءِ، والتَّقْدِيرُ: فَظَلَمُوا إذْ كَفَرُوا بِها؛ لِأنَّ الكُفْرَ بِالآياتِ ظُلْمٌ، إذِ الظُّلْمُ الِاعْتِداءُ عَلى الحَقِّ، فَمَن كَفَرَ بِالدَّلائِلِ الواضِحَةِ المُسَمّاةِ آياتٍ فَقَدِ اعْتَدى عَلى حَقِّ التَّأمُّلِ والنَّظَرِ.
والفاءُ في قَوْلِهِ فانْظُرْ لِتَفْرِيعِ الأمْرِ عَلى هَذا الإخْبارِ، أيْ: لا تَتَرَيَّثْ عِنْدَ سَماعِ خَبَرِ كُفْرِهِمْ عَنْ أنْ تُبادِرَ بِالتَّدَبُّرِ فِيما سَنَقُصُّ عَلَيْكَ مِن عاقِبَتِهِمْ.
والمَنظُورُ هو عاقِبَتُهُمُ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها قَوْلُهُ فَأغْرَقْناهم في اليَمِّ بِأنَّهم كَذَّبُوا بِآياتِنا وكانُوا عَنْها غافِلِينَ وهَذا النَّظَرُ نَظَرُ العَقْلِ وهو الفِكْرُ المُؤَدِّي إلى العِلْمِ فَهو مِن أفْعالِ القُلُوبِ.
والخِطابُ لِلنَّبِيءِ ﷺ، والمُرادُ هو ومَن يَبْلُغُهُ، أوِ المُخاطَبُ غَيْرُ مُعَيَّنٍ وهو كُلُّ مَن يَتَأتّى مِنهُ النَّظَرُ والِاعْتِبارُ عِنْدَ سَماعِ هَذِهِ الآياتِ، فالتَّقْدِيرُ: فانْظُرْ أيُّها النّاظِرُ، وهَذا اسْتِعْمالٌ شائِعٌ في كُلِّ كَلامٍ مُوَجَّهٍ لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ.
ولَمّا كانَ ما آلَ إلَيْهِ أمْرُ فِرْعَوْنِ ومَلَئِهِ حالَةً عَجِيبَةً، عُبِّرَ عَنْهُ بِـ كَيْفَ المَوْضُوعَةِ لِلسُّؤالِ عَنِ الحالِ. والِاسْتِفْهامُ المُسْتَفادُ مِن كَيْفَ يَقْتَضِي تَقْدِيرَ شَيْءٍ، أيِ: انْظُرْ عاقِبَةَ المُفْسِدِينَ الَّتِي يُسْألُ عَنْها بِكَيْفَ.
وعُلِّقَ فِعْلُ النَّظَرِ عَنِ العَمَلِ لِمَجِيءِ الِاسْتِفْهامِ بَعْدَهُ، فَصارَ التَّقْدِيرُ: فانْظُرْ، ثُمَّ افْتَتَحَ كَلامًا بِجُمْلَةِ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ، والتَّقْدِيرُ في أمْثالِهِ أنْ يُقَدَّرَ: فانْظُرْ جَوابَ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُفْسِدِينَ.
والعاقِبَةُ: آخِرُ الأمْرِ ونِهايَتُهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿قُلْ سِيرُوا في الأرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ المُكَذِّبِينَ﴾ [الأنعام: ١١] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والمُرادُ بِالمُفْسِدِينَ: فِرْعَوْنُ ومَلَؤُهُ، فَهو مِنَ الإظْهارِ في مَقامِ الإضْمارِ تَنْبِيهًا عَلى أنَّهم أُصِيبُوا بِسُوءِ العاقِبَةِ لِكُفْرِهِمْ وفَسادِهِمْ، والكُفْرُ أعْظَمُ الفَسادِ لِأنَّهُ فَسادُ
صفحة ٣٧
القَلْبِ يَنْشَأُ عَنْهُ فَسادُ الأعْمالِ. وفي الحَدِيثِ: ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضْغَةً إذا صَلَحَتْ صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّهُ وإذا فَسَدَتْ فَسَدَ الجَسَدُ كُلُّهُ ألا وهي القَلْبُ.
7:104–108Page 163
وَقَالَ مُوسَىٰ يَٰفِرۡعَوۡنُ إِنِّي رَسُولٞ مِّن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And Moses said, "O Pharaoh, I am a messenger from the Lord of the worlds
حَقِيقٌ عَلَىٰٓ أَن لَّآ أَقُولَ عَلَى ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡحَقَّۚ قَدۡ جِئۡتُكُم بِبَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّكُمۡ فَأَرۡسِلۡ مَعِيَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ١٠٥
[Who is] obligated not to say about Allāh except the truth. I have come to you with clear evidence from your Lord, so send with me the Children of Israel."1
قَالَ إِن كُنتَ جِئۡتَ بِـَٔايَةٖ فَأۡتِ بِهَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١٠٦
[Pharaoh] said, "If you have come with a sign, then bring it forth, if you should be of the truthful."
فَأَلۡقَىٰ عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعۡبَانٞ مُّبِينٞ ١٠٧
So he [i.e., Moses] threw his staff, and suddenly it was a serpent, manifest.1
وَنَزَعَ يَدَهُۥ فَإِذَا هِيَ بَيۡضَآءُ لِلنَّٰظِرِينَ ١٠٨
And he drew out his hand; thereupon it was white [with radiance] for the observers.
﴿وقالَ مُوسى يا فِرْعَوْنُ إنِّي رَسُولٌ مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ ﴿حَقِيقٌ عَلَيَّ أنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم فَأرْسِلْ مَعِي بَنِي إسْرائِيلَ﴾ ﴿قالَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها إنْ كُنْتَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ ﴿فَألْقى عَصاهُ فَإذا هي ثُعْبانٌ مُبِينٌ﴾ ﴿ونَزَعَ يَدَهُ فَإذا هي بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ﴾ عُطِفَ قَوْلُ مُوسى بِالواوِ، ولَمْ يُفْصَلْ عَمّا قَبْلَهُ، مَعَ أنَّ جُمْلَةَ هَذا القَوْلِ بِمَنزِلَةِ البَيانِ لِجُمْلَةِ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى؛ لِأنَّهُ لَمّا كانَ قَوْلُهُ بِآياتِنا حالًا مِن مُوسى فَقَدْ فُهِمَ أنَّ المَقْصُودَ تَنْظِيرُ حالِ الَّذِينَ أُرْسِلَ إلَيْهِمْ مُوسى بِحالِ الأُمَمِ الَّتِي مَضى الإخْبارُ عَنْها في المُكابَرَةِ عَلى التَّكْذِيبِ، مَعَ ظُهُورِ آياتِ الصِّدْقِ، لِيَتِمَّ بِذَلِكَ تَشابُهُ حالِ الماضِينَ مَعَ حالِ الحاضِرِينَ المُكَذِّبِينَ بِمُحَمَّدٍ ﷺ، فَجُعِلَتْ حِكايَةُ مُحاوَرَةِ مُوسى مَعَ فِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ خَبَرًا مُسْتَقِلًّا لِأنَّهُ لَمْ يُحْكَ فِيهِ قَوْلُهُ المُقارِنُ لِإظْهارِ الآيَةِ بَلْ ذُكِرَتِ الآيَةُ مِن قَبْلُ، بِخِلافِ ما حُكِيَ في القَصَصِ الَّتِي قَبْلَها فَإنَّ حِكايَةَ أقْوالِ الرُّسُلِ كانَتْ قَبْلَ ذِكْرِ الآيَةِ، ولِأنَّ القِصَّةَ هُنا قَدْ حُكِيَ جَمِيعُها بِاخْتِصارٍ بِجُمَلِ بَعَثْنا، فَظَلَمُوا، فانْظُرْ، فَصارَتْ جُمْلَةُ قالَ تَفْصِيلًا لِبَعْضِ ما تَقَدَّمَ، فَلا تَكُونُ مَفْصُولَةً لِأنَّ الفَصْلَ إنَّما يَكُونُ بَيْنَ جُمْلَتَيْنِ، لا بَيْنَ جُمْلَةٍ وبَيْنَ عِدَّةِ جُمَلٍ أُخْرى.
والظّاهِرُ أنَّ خِطابَ مُوسى فِرْعَوْنَ بِقَوْلِهِ يا فِرْعَوْنُ خِطابُ إكْرامٍ لِأنَّهُ ناداهُ بِالِاسْمِ الدّالِّ عَلى المُلْكِ والسُّلْطانِ بِحَسَبِ مُتَعارَفِ أُمَّتِهِ فَلَيْسَ هو بِتَرَفُّعٍ عَلَيْهِ لِأنَّ اللَّهَ - تَعالى - قالَ لَهُ ولِهارُونَ فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا. والظّاهِرُ أيْضًا أنَّ قَوْلَ مُوسى هَذا هو أوَّلُ ما خاطَبَ بِهِ فِرْعَوْنَ. كَما دَلَّتْ عَلَيْهِ سُورَةُ (طه) .
صفحة ٣٨
وصَوْغُ حِكايَةِ كَلامِ مُوسى بِصِيغَةِ التَّأْكِيدِ بِحَرْفِ إنَّ؛ لِأنَّ المُخاطَبَ مَظِنَّةُ الإنْكارِ أوِ التَّرَدُّدِ القَوِيِّ في صِحَّةِ الخَبَرِ.
واخْتِيارُ صِفَةِ رَبِّ العالَمِينَ في الإعْلامِ بِالمُرْسِلِ إبْطالٌ لِاعْتِقادِ فِرْعَوْنَ أنَّهُ رَبُّ مِصْرَ وأهْلِها فَإنَّهُ قالَ لَهم أنا رَبُّكُمُ الأعْلى فَلَمّا وصَفَ مُوسى مُرْسِلَهُ بِأنَّهُ رَبُّ العالَمِينَ شَمِلَ فِرْعَوْنَ وأهْلَ مَمْلَكَتِهِ فَتَبْطُلُ دَعْوى فِرْعَوْنَ أنَّهُ إلَهُ مِصْرَ بِطَرِيقِ اللُّزُومِ، ودَخَلَ في ذَلِكَ جَمِيعُ البِلادِ والعِبادِ الَّذِينَ لَمْ يَكُنْ فِرْعَوْنُ يَدَّعِي أنَّهُ إلاهُهم مِثْلُ الفُرْسِ والآشُورِيِّينَ.
وقَوْلُهُ (حَقِيقٌ عَلَيَّ) قَرَأهُ نافِعٌ بِالياءِ في آخِرِ (عَلَيَّ) فَهي ياءُ المُتَكَلِّمِ دَخَلَ عَلَيْها حَرْفُ (عَلى) وتَعْدِيَةُ حَقِيقٍ بِحَرْفِ (عَلى) مَعْرُوفَةٌ، وقالَ - تَعالى - (فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا) ”الصّافّاتِ“، ولِأنَّ حَقِيقًا بِمَعْنى واجِبٍ، فَتَعْدِيَتُهُ بِحَرْفِ عَلى واضِحَةٌ.
و(حَقِيقٌ) خَبَرٌ ثانٍ عَنْ إنِّي، فَلَيْسَ في ضَمِيرِ المُتَكَلِّمِ مِن قَوْلِهِ (عَلَيَّ) عَلى قِراءَةِ نافِعٍ التِفاتٌ، بِخِلافِ ما لَوْ جُعِلَ قَوْلُهُ (حَقِيقٌ) صِفَةً لِـ (رَسُولٌ) فَحِينَئِذٍ يَكُونُ مُقْتَضى الظّاهِرِ الإتْيانَ بِضَمِيرِ الغائِبِ، فَيَقُولُ: حَقِيقٌ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ العُدُولُ إلى التَّكَلُّمِ التِفاتًا. وفاعِلُ (حَقِيقٌ) هو المَصْدَرُ المَأْخُوذُ مِن قَوْلِهِ أنْ لا أقُولَ أيْ: حَقِيقٌ عَلَيَّ عَدَمُ قَوْلِي عَلى اللَّهِ غَيْرَ الحَقِّ.
وحَقِيقٌ فَعِيلٌ بِمَعْنى فاعِلٍ، وهو مُشْتَقٌّ مِن حَقَّ بِمَعْنى وجَبَ وثَبَتَ أيْ: مُتَعَيِّنٌ وواجِبٌ عَلَيَّ قَوْلُ الحَقِّ عَلى اللَّهِ، و(عَلى) الأُولى لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ و(عَلى) الثّانِيَةُ بِمَعْنى عَنْ. وقَرَأ الجُمْهُورُ ”عَلى“ بِألِفٍ بَعْدَ اللّامِ. وهي ”عَلى“ الجارَّةُ.
فَفِي تَعَلُّقِ عَلى ومَجْرُورِها الظّاهِرِ بِـ (حَقِيقٌ) تَأْوِيلٌ بِوُجُوهٍ أحْسَنُها قَوْلُ الفَرّاءِ، وأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ: أنَّ (عَلى) هُنا بِمَعْنى الباءِ وأنَّ (حَقِيقٌ) فَعِيلٌ بِمَعْنى مَفْعُولٍ: أيْ مَحْقُوقٌ بِأنْ لا أقُولَ عَلى اللَّهِ إلّا الحَقَّ، أيْ: مَجْعُولٌ قَوْلُ الحَقِّ حَقًّا عَلَيَّ، كَقَوْلِ الأعْشى:
لَمَحْقُوقَةٌ أنْ تَسْتَجِيبِي لِقَوْلِهِ
أيْ مَحْقُوقَةٌ بِأنْ تَسْتَجِيبِي، وقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ولَوْ أنَّ أُحُدًا انْقَضَّ لِما صَنَعْتُمْ بِعُثْمانَ لَكانَ مَحْقُوقًا بِأنْ يَنْقَضَّ.
صفحة ٣٩
ومِنها ما قالَ صاحِبُ الكَشّافِ ”والأوْجَهُ الأدْخَلُ في نُكَتِ القُرْآنِ أنْ يُغْرِقَ مُوسى في وصْفِ نَفْسِهِ بِالصِّدْقِ في ذَلِكَ المَقامِ فَيَقُولَ: أنا حَقِيقٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ، أيْ: أنا واجِبٌ عَلى قَوْلِ الحَقِّ أنْ أكُونَ أنا قائِلَهُ والقائِمَ بِهِ“ قالَ شارِحُوهُ: فالمَعْنى لَوْ كانَ قَوْلُ الحَقِّ شَخْصًا عاقِلًا لَكُنْتُ أنا واجِبًا عَلَيْهِ. أنْ لا يَصْدُرَ إلّا عَنِّي وأنْ أكُونَ قائِلَهُ، وهو عَلى هَذا اسْتِعارَةٌ بِالكِنايَةِ: شُبِّهَ قَوْلُ الحَقِّ بِالعُقَلاءِ الَّذِينَ يَخْتارُونَ مَوارِدَهم ومَصادِرَهم. ورُمِزَ إلى المُشَبَّهِ بِهِ بِما هو مِن رَوادِفِهِ، وهو كَوْنُ ما يُناسِبُهُ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ.
ومِنها ما قِيلَ: ضُمِّنَ (حَقِيقٌ) مَعْنى حَرِيصٍ فَعُدِّيَ بِعَلى إشارَةً إلى ذَلِكَ التَّضْمِينِ. وأحْسَنُ مِن هَذا أنْ يُضَمَّنَ حَقِيقٌ مَعْنى مَكِينٍ وتَكُونَ (عَلى) اسْتِعارَةً لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ.
وجُمْلَةُ قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنافًا بَيانِيًّا؛ لِأنَّ مَقامَ الإنْكارِ مِمّا يُثِيرُ سُؤالَ سائِلٍ أنْ يَقُولَ هَذِهِ دَعْوى غَرِيبَةٌ تَحْتاجُ إلى بَيِّنَةٍ.
والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ. وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلَيْها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى ﴿قُلْ إنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ [الأنعام: ٥٧] في سُورَةِ الأنْعامِ. والحُجَّةُ هُنا يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِها البَراهِينَ العَقْلِيَّةَ عَلى صِدْقِ ما جاءَ بِهِ مُوسى مِنَ التَّوْحِيدِ والهُدى، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ المُعْجِزَةَ الدّالَّةَ عَلى صِدْقِ الرَّسُولِ، فَعَلى الوَجْهِ الأوَّلِ تَكُونُ الباءُ في قَوْلِهِ بِبَيِّنَةٍ لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ المَجِيءِ، وعَلى الوَجْهِ الثّانِي تَكُونُ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمُرادُ بِالمُلابَسَةِ مُلابَسَةُ التَّمَكُّنِ مِن إظْهارِ المُعْجِزَةِ الَّتِي أظْهَرَها اللَّهُ لَهُ كَما في سُورَةِ طَهَ وما تِلْكَ بِيَمِينِكَ يا مُوسى، ويُحْتَمَلُ المَعْنى الأعَمُّ الشّامِلُ لِلنَّوْعَيْنِ عَلى ما يَحْتَمِلُهُ كَلامُ مُوسى المُتَرْجَمُ عَنْهُ هُنا.
والفاءُ في قَوْلِهِ (فَأرْسِلْ) لِتَفْرِيعِ طَلَبِ تَسْرِيحِ بَنِي إسْرائِيلَ عَلى تَحَقُّقِ الرِّسالَةِ عَنْ رَبِّ العالَمِينَ، والِاسْتِعْدادِ لِإظْهارِ البَيِّنَةِ عَلى ذَلِكَ، وقَدْ بَنى مُوسى كَلامَهُ عَلى ما يَثِقُ بِهِ مِن صِدْقِ دَعْوَتِهِ مَعَ الِاسْتِعْدادِ لِلتَّبْيِينِ عَلى ذَلِكَ الصِّدْقِ بِالبَراهِينِ أوِ المُعْجِزَةِ إنْ طَلَبَها فِرْعَوْنُ لِأنَّ شَأْنَ الرُّسُلِ أنْ لا يَبْتَدِئُوا بِإظْهارِ المُعْجِزاتِ صَوْنًا لِمَقامِ الرِّسالَةِ عَنْ تَعْرِيضِهِ لِلتَّكْذِيبِ، كَما بَيَّنّاهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - وأقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ لَئِنْ جاءَتْهم آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِها الآياتِ في سُورَةِ الأنْعامِ.
والإرْسالُ: الإطْلاقُ والتَّخْلِيَةُ، كَقَوْلِهِمْ: أرْسَلَها العِراكَ، وهو هُنا مَجازٌ لُغَوِيٌّ في الإذْنِ لِبَنِي إسْرائِيلَ بِالخُرُوجِ، المَطْلُوبِ مِن فِرْعَوْنَ.
صفحة ٤٠
وتَقْيِيدُهُ بِـ (مَعِي) لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إخْراجِهِمْ مِن مِصْرَ أنْ يَكُونُوا مَعَ الرَّسُولِ لِيُرْشِدَهم ويُدَبِّرَ شُئُونَهم.
وقَوْلُ فِرْعَوْنَ إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِها مُتَعَيِّنٌ لِأنْ يَكُونَ مَعْناهُ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ بِمُعْجِزَةٍ، فَإنَّ أكْثَرَ مَوارِدِ الآيَةِ في القُرْآنِ مُرادٌ فِيهِ المُعْجِزَةُ، وأكْثَرَ مَوارِدِ البَيِّنَةِ مُرادٌ فِيهِ الحُجَّةُ، فالمُرادُ بِالبَيِّنَةِ في قَوْلِ مُوسى قَدْ جِئْتُكم بِبَيِّنَةٍ مِن رَبِّكم الحُجَّةُ عَلى إثْباتِ الإلَهِيَّةِ وعَلى حَقِيَّةِ ما جاءَ بِهِ مِن إرْشادٍ لِقَوْمِهِ، فَكانَ فِرْعَوْنُ غَيْرَ مُقْتَنِعٍ بِبُرْهانِ العَقْلِ أوْ قاصِرًا عَنِ النَّظَرِ فِيهِ فانْتَقَلَ إلى طَلَبِ خارِقِ العادَةِ، فالمَعْنى: إنْ كُنْتَ جِئْتَنا مُتَمَكِّنًا مِن إظْهارِ المُعْجِزاتِ، لِأنَّ فِرْعَوْنَ قالَ ذَلِكَ قَبْلَ أنْ يُظْهِرَ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُعْجِزَتَهُ، فالباءُ في قَوْلِهِ بِآيَةٍ لِلْمَعِيَّةِ التَّقْدِيرِيَّةِ، أيْ: مُتَمَكِّنًا مِن آيَةٍ، أوِ الباءُ لِلْمُلابَسَةِ، والمُلابَسَةُ مَعْناها واسِعٌ، أيْ: لَكَ تَمْكِينٌ مِن إظْهارِ آيَةٍ.
وقَوْلُهُ فَأْتِ بِها اسْتُعْمِلَ الإتْيانُ في الإظْهارِ مَجازًا مُرْسَلًا، فالباءُ في قَوْلِهِ بِها لِتَعْدِيَةِ فِعْلِ الإتْيانِ، وبِذَلِكَ يَتَّضِحُ ارْتِباطُ الجَزاءِ بِالشَّرْطِ؛ لِأنَّ الإتْيانَ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ في الجَزاءِ هو غَيْرُ المَجِيءِ بِالآيَةِ المَذْكُورَةِ في الشَّرْطِ، أيْ: إنْ كُنْتَ جِئْتَ مُتَمَكِّنًا مِن إظْهارِ الآيَةِ فَأظْهِرْ هَذِهِ الآيَةَ.
والإلْقاءُ: الرَّمْيُ عَلى الأرْضِ أوْ في الماءِ أوْ نَحْوُ ذَلِكَ، أيْ: فَرَمى عَصاهُ مِن يَدِهِ. و(إذا) لِلْمُفاجَأةِ وهي حُدُوثُ الحادِثِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ.
والثُّعْبانُ: حَيَّةٌ عَظِيمَةٌ، و(مُبِينٌ) اسْمُ فاعِلٍ مِن أبانَ القاصِرِ المُرادِفِ لِبانَ، أيْ: ظَهَرَ، أيِ: الظّاهِرُ الَّذِي لا شَكَّ فِيهِ ولا تَخَيُّلَ.
ونَزَعَ: أزالَ اتِّصالَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ، ومِنهُ نَزَعَ ثَوْبَهُ، والمَعْنى هُنا أنَّهُ أخْرَجَ يَدَهُ مِن جَيْبِ قَمِيصِهِ بَعْدَ أنْ أدْخَلَها في جَيْبِهِ كَما في سُورَةِ النَّمْلِ وسُورَةِ القَصَصِ فَلَمّا أخْرَجَها صارَتْ بَيْضاءَ، أيْ بَياضًا مِنَ النُّورِ.
وقَدْ دَلَّ عَلى هَذا البَياضِ قَوْلُهُ لِلنّاظِرِينَ، أيْ بَياضًا يَراهُ النّاظِرُونَ رُؤْيَةَ تَعَجُّبٍ مِن بَياضِها. فالمَقْصُودُ مِن ذِكْرِ قَوْلِهِ لِلنّاظِرِينَ تَتْمِيمُ مَعْنى البَياضِ.
واللّامُ في قَوْلِهِ لِلنّاظِرِينَ لَمْ يُعَرِّجِ المُفَسِّرُونَ عَلى بَيانِ مَعْناها ومَوْقِعِها سِوى أنَّ صاحِبَ الكَشّافِ قالَ: يَتَعَلَّقُ لِلنّاظِرِينَ بِبَيْضاءَ دُونَ أنْ يُبَيِّنَ نَوْعَ التَّعَلُّقِ ولا مَعْنى
صفحة ٤١
اللّامِ، وسَكَتَ عَلَيْهِ شُرّاحُهُ والبَيْضاوِيُّ، وظاهِرُ قَوْلِهِ يَتَعَلَّقُ أنَّهُ ظَرْفُ لَغْوٍ تَعَلَّقَ بِبَيْضاءَ فَلَعَلَّهُ لِما في بَيْضاءَ مِن مَعْنى الفِعْلِ كَأنَّهُ قِيلَ: ابْيَضَّتْ لِلنّاظِرِينَ كَما يَتَعَلَّقُ المَجْرُورُ بِالمُشْتَقِّ فَتَعَيَّنَ أنْ يَكُونَ مَعْنى اللّامِ هو ما سَمّاهُ ابْنُ مالِكٍ بِمَعْنى التَّعْدِيَةِ وهو يُرِيدُ بِهِ تَعْدِيَةً خاصَّةً لا مُطْلَقَ التَّعْدِيَةِ أيْ تَعْدِيَةَ الفِعْلِ القاصِرِ إلى ما لا يَتَعَدّى لَهُ بِأصْلِ وضْعِهِ لِأنَّ ذَلِكَ حاصِلٌ في جَمِيعِ حُرُوفِ الجَرِّ فَلا شَكَّ أنَّهُ أرادَ تَعْدِيَةً خاصَّةً لَمْ يُبَيِّنْ حَقِيقَتَها، وقَدْ مَثَّلَ لَها في شَرْحِ الكافِيَةِ بِقَوْلِهِ - تَعالى - فَهَبْ لِي مِن لَدُنْكَ ولِيًّا وجَعَلَ في شَرْحِ التَّسْهِيلِ هَذا المِثالَ مِثالًا لِمَعْنى شِبْهِ المِلْكِ، واخْتارَ ابْنُ هِشامٍ أنْ يُمَثَّلَ لِلتَّعْدِيَةِ بِنَحْوِ (ما أضْرَبَ زَيْدًا لِعَمْرٍو) .
ولَمْ يُفْصِحُوا عَنْ هَذِهِ التَّعْدِيَةِ الخاصَّةِ بِاللّامِ، ويَظْهَرُ لِي أنَّها عَمَلٌ لَفْظِيٌّ مَحْضٌ، أيْ لا يُفِيدُ مَعْنًى جُزْئِيًّا كَمَعانِي الحُرُوفِ، فَتَحَصَّلَ أنَّهم في ارْتِباكٍ في تَحْقِيقِ مَعْنى التَّعْدِيَةِ، وعِنْدِي أنَّ قَوْلَهُ - تَعالى - بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ أحْسُنُ ما يُمَثَّلُ بِهِ لِكَوْنِ اللّامِ لِلتَّعْدِيَةِ وأنْ نُفَسِّرَ هَذا المَعْنى بِأنَّهُ تَقْرِيبُ المُتَعَلِّقِ بِكَسْرِ اللّامِ بِالمُتَعَلِّقِ بِفَتْحِ اللّامِ تَقْرِيبًا لا يَجْعَلُهُ في مَعْنى المَفْعُولِ بِهِ.
وإنْ شِئْتَ إرْجاعَ مَعْنى التَّعْدِيَةِ إلى أصْلٍ مِنَ المَعانِي المَشْهُورَةِ لِلّامِ، فالظّاهِرُ أنَّها مِن فُرُوعِ مَعْنى شِبْهِ المِلْكِ كَما اقْتَضاهُ جَعْلُ ابْنِ مالِكٍ المِثالَ الَّذِي مَثَّلَ بِهِ لِلتَّعْدِيَةِ مِثالًا لِشِبْهِ المِلْكِ.
وأقْرَبُ مِن ذَلِكَ أنْ تَكُونَ اللّامُ بِمَعْنى ”عِنْدَ“ ويَكُونَ مُفادُ قَوْلِهِ - تَعالى - بَيْضاءُ لِلنّاظِرِينَ أنَّها بَيْضاءُ بَياضًا مُسْتَقِرًّا في أنْظارِ النّاظِرِينَ، ويَكُونُ الظَّرْفُ مُسْتَقِرًّا، يُجْعَلُ حالًا مِن ضَمِيرِ يَدِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences