Ibn 'AshurAl‑A'raf · 7:94–99

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

Al-A'raf 7:94–99

7:94–95Page 162

وَمَآ أَرۡسَلۡنَا فِي قَرۡيَةٖ مِّن نَّبِيٍّ إِلَّآ أَخَذۡنَآ أَهۡلَهَا بِٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمۡ يَضَّرَّعُونَ ٩٤

And We sent to no city a prophet [who was denied] except that We seized its people with poverty and hardship that they might humble themselves [to Allāh].

ثُمَّ بَدَّلۡنَا مَكَانَ ٱلسَّيِّئَةِ ٱلۡحَسَنَةَ حَتَّىٰ عَفَواْ وَّقَالُواْ قَدۡ مَسَّ ءَابَآءَنَا ٱلضَّرَّآءُ وَٱلسَّرَّآءُ فَأَخَذۡنَٰهُم بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ٩٥

Then We exchanged in place of the bad [condition], good, until they increased [and prospered] and said, "Our fathers [also] were touched with hardship and ease."1 So We seized them suddenly while they did not perceive.2

صفحة ١٦

﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ ﴿ثُمَّ بَدَّلْنا مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ حَتّى عَفَوْا وقالُوا قَدْ مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ فَأخَذْناهم بَغْتَةً وهم لا يَشْعُرُونَ﴾

عَطَفَتِ الواوُ جُمْلَةَ ما أرْسَلْنا عَلى جُمْلَةِ ﴿وإلى مَدْيَنَ أخاهم شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: ٨٥] عَطْفَ الأعَمِّ عَلى الأخَصِّ؛ لِأنَّ ما ذُكِرَ مِنَ القَصَصِ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: ٥٩] كُلُّهُ القَصْدُ مِنهُ العِبْرَةُ بِالأُمَمِ الخالِيَةِ ومَوْعِظَةٌ لِكُفّارِ العَرَبِ فَلَمّا تَلا عَلَيْهِمْ قَصَصَ خَمْسِ أُمَمٍ جاءَ الآنَ بِحُكْمٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ سائِرَ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ عَلى طَرِيقَةِ قِياسِ التَّمْثِيلِ، أوْ قِياسِ الِاسْتِقْراءِ النّاقِصِ، وهو أشْهَرُ قِياسٍ يُسْلَكُ في المَقاماتِ الخِطابِيَّةِ، وهَذِهِ الجُمَلُ إلى قَوْلِهِ: ثُمَّ بَعَثْنا مِن بَعْدِهِمْ مُوسى كالمُعْتَرِضَةِ بَيْنَ القَصَصِ، لِلتَّنْبِيهِ عَلى مَوْقِعِ المَوْعِظَةِ، وذَلِكَ هو المَقْصُودُ مِن تِلْكَ القَصَصِ، فَهو اعْتِراضٌ بِبَيانِ المَقْصُودِ مِنَ الكَلامِ وهَذا كَثِيرُ الوُقُوعِ في اعْتِراضِ الكَلامِ.

وعُدِيَّ أرْسَلْنا بِـ في دُونَ (إلى) لِأنَّ المُرادَ بِالقَرْيَةِ حَقِيقَتُها، وهي لا يُرْسَلُ إلَيْها وإنَّما يُرْسَلُ فِيها إلى أهْلِها، فالتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلى أهْلِها إلّا أخَذْنا أهْلَها فَهو كَقَوْلِهِ - تَعالى -: ﴿وما كانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ القُرى حَتّى يَبْعَثَ في أُمِّها رَسُولًا﴾ [القصص: ٥٩] ولا يَجْرِي في هَذا مِنَ المَعْنى ما يَجْرِي في قَوْلِهِ - تَعالى - الآتِي قَرِيبًا: ﴿فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ في المَدائِنِ حاشِرِينَ﴾ [الشعراء: ٥٣] إذْ لا داعِيَ إلَيْهِ هُنا.

و(مِن) مَزِيدٌ لِلتَّنْصِيصِ عَلى العُمُومِ المُسْتَفادِ مِن وُقُوعِ النَّكِرَةِ في سِياقِ النَّفْيِ، وتَخْصِيصِ القُرى بِإرْسالِ الرُّسُلِ فِيها دُونَ البَوادِي كَما أشارَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الآيَةُ وغَيْرُها مِن آيِ القُرْآنِ، وشَهِدَ بِهِ تارِيخُ الأدْيانِ، يُنْبِئُ أنَّ مُرادَ اللَّهِ - تَعالى - مِن إرْسالِ الرُّسُلِ هو بَثُّ الصَّلاحِ لِأصْحابِ الحَضارَةِ الَّتِي يَتَطَرَّقُ إلَيْها الخَلَلُ بِسَبَبِ اجْتِماعِ الأصْنافِ المُخْتَلِفَةِ، وأنَّ أهْلَ البَوادِي لا يَخْلُونَ عَنِ الِانْحِيازِ إلى القُرى والإيواءِ في حاجاتِهِمُ المَدَنِيَّةِ إلى القُرى القَرِيبَةِ. فَأمّا مَجِيءُ نَبِيءٍ غَيْرِ رَسُولٍ لِأهْلِ

صفحة ١٧

البَوادِي فَقَدْ جاءَ خالِدُ بْنُ سِنانٍ نَبِيًّا في بَنِي عَبْسٍ، وأمّا حَنْظَلَةُ بْنُ صَفْوانَ نَبِيءُ أهْلِ الرَّسِّ فالأظْهَرُ أنَّهُ رَسُولٌ لِأنَّ اللَّهَ ذَكَرَ أهْلَ الرَّسِّ في عِدادِ الأُمَمِ المُكَذِّبَةِ. وقَدْ قِيلَ: إنَّهُ ظَهَرَ بِقَرْيَةِ الرَّسِّ الَّتِي تُسَمّى أيْضًا ”فَتْحَ“ بِالمُهْمَلَةِ أوْ ”فَتْخَ“ بِالمُعْجَمَةِ أوْ ”فَيْجَ“ بِتَحْتِيَّةٍ وجِيمٍ، أوْ ”فَلْجَ“ بِلامٍ وجِيمٍ مِنَ اليَمامَةِ.

والِاسْتِثْناءُ مُفَرَّغٌ مِن أحْوالٍ، أيْ ما أرْسَلْنا نَبِيًّا في قَرْيَةٍ في حالٍ مِنَ الأحْوالِ إلّا في حالِ أنَّنا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ، وقَدْ وقَعَ في الكَلامِ إيجازُ حَذْفٍ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ فَإنَّهُ يَدُلُّ عَلى أنَّهم لَمْ يَضَّرَّعُوا قَبْلَ الأخْذِ بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ. فالتَّقْدِيرُ: وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا كَذَّبَهُ أهْلُ القَرْيَةِ فَخَوَّفْناهم لَعَلَّهم يَذِلُّونَ لِلَّهِ ويَتْرُكُونَ العِنادَ إلَخْ. . .

والأخْذُ: هُنا مَجازٌ في التَّناوُلِ والإصابَةِ بِالمَكْرُوهِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ دَفْعُهُ، وهو مَعْنى الغَلَبَةِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأنعام: ٤٢] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وقَوْلُهُ ﴿بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ تَقَدَّمَ ما يُفَسِّرُها في قَوْلِهِ ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى أُمَمٍ مِن قَبْلِكَ فَأخَذْناهم بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَتَضَرَّعُونَ﴾ [الأنعام: ٤٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. ويُفَسَّرُ بَعْضُها أيْضًا في قَوْلِهِ ﴿والصّابِرِينَ في البَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [البقرة: ١٧٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

واسْتَغْنَتْ جُمْلَةُ الحالِ الماضَوِيَّةُ عَلى الواوِ وقَدْ بِحَرْفِ الِاسْتِثْناءِ، فَلا يَجْتَمِعُ مَعَ قَدْ إلّا نادِرًا، أيْ: ابْتَدَأْناهم بِالتَّخْوِيفِ والمَصائِبِ لِتَفُلَّ مِن حِدَّتِهِمْ وتَصْرِفَ تَأمُّلَهم إلى تَطَلُّبِ أسْبابِ المَصائِبِ فَيَعْلَمُوا أنَّها مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فَيَتُوبُوا.

والتَّبْدِيلُ: التَّعْوِيضُ، فَحَقُّهُ أنْ يَتَعَدّى إلى المَفْعُولِ الثّانِي بِالباءِ المُفِيدَةِ مَعْنى البَدَلِيَّةِ ويَكُونُ ذَلِكَ المَفْعُولُ الثّانِي المَدْخُولُ لِلْباءِ هو المَتْرُوكَ، والمَفْعُولُ الأوَّلُ هو المَأْخُوذَ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - قالَ ﴿أتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هو أدْنى بِالَّذِي هو خَيْرٌ﴾ [البقرة: ٦١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وقَوْلِهِ ﴿ولا تَتَبَدَّلُوا الخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ﴾ [النساء: ٢] في سُورَةِ النِّساءِ، لِذَلِكَ انْتَصَبَ الحَسَنَةُ هُنا لِأنَّها المَأْخُوذَةُ لَهم بَعْدَ السَّيِّئَةِ فَهي المَفْعُولُ الأوَّلُ والسَّيِّئَةُ هي المَتْرُوكَةُ، وعَدَلَ عَنْ جَرِّ السَّيِّئَةِ بِالباءِ إلى لَفْظٍ يُؤَدِّي مُؤَدّى باءِ البَدَلِيَّةِ وهو

صفحة ١٨

لَفْظُ (مَكانَ) المُسْتَعْمَلُ ظَرْفًا مَجازًا عَنِ الخَلَفِيَّةِ، يُقالُ خُذْ هَذا مَكانَ ذَلِكَ، أيْ: خُذْهُ خَلَفًا عَنْ ذَلِكَ لِأنَّ الخَلَفَ يَحُلُّ في مَكانِ المَخْلُوفِ عَنْهُ. ومِن هَذا القَبِيلِ قَوْلُ امْرِئِ القَيْسِ:

وبُدِلْتُ قُرْحًا دامِيًا بَعْدَ نِعْمَةٍ

فَجَعَلَ ”بَعْدَ“ عِوَضًا عَنْ باءِ البَدَلِيَّةِ.

فَقَوْلُهُ (مَكانَ) مَنصُوبٌ عَلى الظَّرْفِيَّةِ مَجازًا، أيْ: بَدَّلْناهم حَسَنَةً في مَكانِ السَّيِّئَةِ، والحَسَنَةُ اسْمٌ اعْتُبِرَ مُؤَنَّثًا لِتَأْوِيلِهِ بِالحالَةِ والحادِثَةِ وكَذَلِكَ السَّيِّئَةُ فَهُما في الأصْلِ صِفَتانِ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ، ثُمَّ كَثُرَ حَذْفُ المَوْصُوفِ لِقِلَّةِ جَدْوى ذِكْرِهِ فَصارَتِ الصِّفَتانِ كالِاسْمَيْنِ، ولِذَلِكَ عُبِّرَ عَنِ الحَسَنَةِ في بَعْضِ الآياتِ بِما يُتَلَمَّحُ مِنهُ مَعْنى وصْفِيَّتِها نَحْوَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ولا تَسْتَوِي الحَسَنَةُ ولا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [فصلت: ٣٤] أيِ: ادْفَعِ السَّيِّئَةَ بِالحَسَنَةِ، فَلَمّا جاءَ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِيَّةِ والصِّلَةِ بِأفْعَلِ التَّفْضِيلِ تُلُمِّحَ مَعْنى الوَصْفِيَّةِ فِيهِما، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هي أحْسَنُ السَّيِّئَةَ﴾ [المؤمنون: ٩٦] . ومِثْلُهُما في هَذا: المُصِيبَةُ، كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - في سُورَةِ (بَراءَةَ): ﴿إنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهم وإنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أخَذْنا أمْرَنا مِن قَبْلُ﴾ [التوبة: ٥٠] أيْ: بَدَّلْناهم حالَةً حَسَنَةً بِحالَتِهِمُ السَّيِّئَةِ وهي حالَةُ البَأْساءِ والضَّرّاءِ.

فالتَّعْرِيفُ تَعْرِيفُ الجِنْسِ، وهو مُشْعِرٌ بِأنَّهم أُعْطُوا حالَةً حَسَنَةً بَطِيئَةَ النَّفْعِ لا تَبْلُغُ مَبْلَغَ البَرَكَةِ.

وحَتّى غايَةٌ لِما يَتَضَمَّنُهُ بَدَّلْنا مِنَ اسْتِمْرارِ ذَلِكَ وهي ابْتِدائِيَّةٌ، والجُمْلَةُ الَّتِي بَعْدَها لا مَحَلَّ لَها.

(وعَفَوْا) كَثُرُوا. يُقالُ: عَفا النَّباتُ، إذا كَثُرَ ونَما، وعَطَفَ، (وقالُوا) عَلى (عَفَوْا) فَهو مِن بَقِيَّةِ الغايَةِ.

والسَّرّاءُ: النِّعْمَةُ ورَخاءُ العَيْشِ، وهي ضِدُّ الضَّرّاءِ.

والمَعْنى أنّا نَأْخُذُهم بِما يُغَيِّرُ حالَهُمُ الَّتِي كانُوا فِيها مِن رَخاءٍ وصِحَّةٍ عَسى أنْ يَعْلَمُوا أنَّ سَلْبَ النِّعْمَةِ عَنْهم أمارَةٌ عَلى غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ مِن جَرّاءِ تَكْذِيبِهِمْ رَسُولَهم فَلا يَهْتَدُونَ، ثُمَّ نَرُدُّهم إلى حالَتِهِمُ الأُولى إمْهالًا لَهم واسْتِدْراجًا فَيَزْدادُونَ ضَلالًا، فَإذا رَأوْا ذَلِكَ تَعَلَّلُوا لِما أصابَهم مِنَ البُؤْسِ والضُّرِّ بِأنَّ ذَلِكَ التَّغْيِيرَ إنَّما هو عارِضٌ مِن عَوارِضِ

صفحة ١٩

الزَّمانِ وأنَّهُ قَدْ أصابَ أسْلافَهم مِن قَبْلِهِمْ ولَمْ يَجِئْهم رُسُلٌ.

وهَذِهِ عادَةُ اللَّهِ - تَعالى - في تَنْبِيهِ عِبادِهِ، فَإنَّهُ يُحِبُّ مِنهُمُ التَّوَسُّمَ في الأشْياءِ والِاسْتِدْلالَ بِالعَقْلِ والنَّظَرَ بِالمُسَبَّباتِ عَلى الأسْبابِ كَما قالَ - تَعالى - ﴿أوَلا يَرَوْنَ أنَّهم يُفْتَنُونَ في كُلِّ عامٍ مَرَّةً أوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لا يَتُوبُونَ ولا هم يَذَّكَّرُونَ﴾ [التوبة: ١٢٦] لِأنَّ اللَّهَ لَمّا وهَبَ الإنْسانَ العَقْلَ فَقَدْ أحَبَّ مِنهُ أنْ يَسْتَعْمِلَهُ فِيما يَبْلُغُ بِهِ الكَمالَ ويَقِيهِ الضَّلالَ.

وظاهِرُ الآيَةِ: أنَّ هَذا القَوْلَ الصّادِرَ بِألْسِنَتِهِمْ وهو يَكُونُ دائِرًا فِيما بَيْنَ بَعْضِهِمْ وبَعْضِ في مُجادَلَتِهِمْ لِرُسُلِهِمْ حِينَما يَعِظُونَهم بِما حَلَّ بِهِمْ ويَدْعُونَهم إلى التَّوْبَةِ والإيمانِ لِيُكْشَفَ عَنْهُمُ الضُّرُّ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا القَوْلُ أيْضًا: يَجِيشُ في نُفُوسِهِمْ لِيَدْفَعُوا بِذَلِكَ ما يَخْطُرُ بِبالِهِمْ مِن تَوَقُّعِ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ الضُّرُّ عِقابًا مِنَ اللَّهِ - تَعالى - وإذْ قَدْ كانَ مَحْكِيًّا عَنْ أُمَمٍ كَثِيرَةٍ كانَتْ لَهُ أحْوالٌ مُتَعَدِّدَةٌ بِتَعَدُّدِ مَيادِينِ النُّفُوسِ والأحْوالِ.

وحاصِلُ ما دَفَعُوا بِهِ دَلالَةَ الضَّرّاءِ عَلى غَضَبِ اللَّهِ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ قَدْ حَلَّ بِآبائِهِمُ الَّذِينَ لَمْ يَدْعُهم رَسُولٌ إلى تَوْحِيدِ اللَّهِ، وهَذا مِن خَطَأِ القِياسِ وفَسادِ الِاسْتِدْلالِ، وذَلِكَ بِحَصْرِ الشَّيْءِ ذِي الأسْبابِ المُتَعَدِّدَةِ في سَبَبٍ واحِدٍ، والغَفْلَةِ عَنْ كَوْنِ الأسْبابِ يَخْلُفُ بَعْضُها بَعْضًا، مَعَ الغَفْلَةِ عَنِ الفارِقِ في قِياسِ حالِهِمْ عَلى حالِ آبائِهِمْ بِأنَّ آباءَهم لَمْ يَأْتِهِمْ رُسُلٌ مِنَ اللَّهِ، وأمّا أقْوامُ الرُّسُلِ فَإنَّ الرُّسُلَ تُحَذِّرُهُمُ الغَضَبَ والبَأْساءَ والضَّرّاءَ فَتَحِيقُ بِهِمْ، أفَلا يَدُلُّهم ذَلِكَ عَلى أنَّ ما حَصَلَ لَهم هو مِن غَضَبِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ، عَلى أنَّ غَضَبَ اللَّهِ لَيْسَ مُنْحَصِرَ التَّرَتُّبِ عَلى مَعْصِيَةِ الرَّسُولِ بَلْ يَكُونُ أيْضًا عَنِ الِانْغِماسِ في الضَّلالِ المُبِينِ، مَعَ وُضُوحِ أدِلَّةِ الهُدى لِلْعُقُولِ، فَإنَّ الإشْراكَ ضَلالٌ، وأدِلَّةُ التَّوْحِيدِ واضِحَةٌ لِلْعُقُولِ، فَإذا تَأيَّدَتِ الدَّلالَةُ بِإرْسالِ الرُّسُلِ المُنْذِرِينَ قَوِيَتِ الضَّلالَةُ بِاسْتِمْرارِها، وانْقِطاعِ أعْذارِها، ومِثْلُ هَذا الخَطَأِ يَعْرِضُ لِلنّاسِ بِداعِي الهَوى وإلْفِ حالِ الضَّلالِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ فَأخَذْناهم لِلتَّعْقِيبِ عَنْ قَوْلِهِ عَفَوْا وقالُوا بِاعْتِبارِ كَوْنِهِما غايَةً لِإبْدالِ الحَسَنَةِ مَكانَ السَّيِّئَةِ، ولا إشْعارَ فِيهِ بِأنَّ قَوْلَهم ذَلِكَ هو سَبَبُ أخْذِهِمْ

صفحة ٢٠

بَغْتَةً ولَكِنَّهُ دَلَّ عَلى إصْرارِهِمْ، أيْ: فَحَصَلَ أخْذُنا إيّاهم عَقِبَ تَحَسُّنِ حالِهِمْ وبَطَرِهِمُ النِّعْمَةَ.

والتَّعْقِيبُ عُرْفِيٌّ فَيَصْدُقُ بِالمُدَّةِ الَّتِي لا تُعَدُّ طُولًا في العادَةِ لِحُصُولِ مِثْلِ هَذِهِ الحَوادِثِ العَظِيمَةِ.

والأخْذُ هُنا بِمَعْنى الإهْلاكِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أخَذْناهم بَغْتَةً فَإذا هم مُبْلِسُونَ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

والبَغْتَةُ: الفَجْأةُ، وتَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿حَتّى إذا جاءَتْهُمُ السّاعَةُ بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٣١]، وفي قَوْلِهِ ﴿حَتّى إذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ، وتَقَدَّمَ هُنالِكَ وجْهُ نَصْبِها.

وجُمْلَةُ وهم يَشْعُرُونَ حالٌ مُؤَكِّدَةٌ لِمَعْنى بَغْتَةً.

7:96–99Page 163

وَلَوۡ أَنَّ أَهۡلَ ٱلۡقُرَىٰٓ ءَامَنُواْ وَٱتَّقَوۡاْ لَفَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَرَكَٰتٖ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَٰكِن كَذَّبُواْ فَأَخَذۡنَٰهُم بِمَا كَانُواْ يَكۡسِبُونَ ٩٦

And if only the people of the cities had believed and feared Allāh, We would have opened [i.e., bestowed] upon them blessings from the heaven and the earth; but they denied [the messengers], so We seized them for what they were earning.1

أَفَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا بَيَٰتٗا وَهُمۡ نَآئِمُونَ ٩٧

Then, did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them at night while they were asleep?

أَوَأَمِنَ أَهۡلُ ٱلۡقُرَىٰٓ أَن يَأۡتِيَهُم بَأۡسُنَا ضُحٗى وَهُمۡ يَلۡعَبُونَ ٩٨

Or did the people of the cities feel secure from Our punishment coming to them in the morning while they were at play?1

أَفَأَمِنُواْ مَكۡرَ ٱللَّهِۚ فَلَا يَأۡمَنُ مَكۡرَ ٱللَّهِ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٩٩

Then, did they feel secure from the plan of Allāh? But no one feels secure from the plan of Allāh except the losing people.

﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى آمَنُوا واتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ ولَكِنْ كَذَّبُوا فَأخَذْناهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا وهم نائِمُونَ﴾ ﴿أوَ أمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾

عُطِفَتْ جُمْلَةُ (﴿ولَوْ أنَّ أهْلَ القُرى﴾) عَلى جُمْلَةِ (﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأعراف: ٩٤]) أيْ: ما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ نَبِيئًا فَكَذَّبَهُ أهْلُها إلّا نَبَّهْناهم واسْتَدْرَجْناهم ثُمَّ عاقَبْناهم ولَوْ أنَّ أهْلَ تِلْكَ القُرى المُهْلَكَةِ آمَنُوا بِما جاءَهم بِهِ رَسُولُهم واتَّقَوْا رَبَّهم لَما أصَبْناهم بِالبَأْساءِ ولَأحْيَيْناهم حَياةَ البَرَكَةِ، أيْ: ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ ولَكِنَّهم ظَلَمُوا أنْفُسَهم.

وشَرْطُ لَوِ الِامْتِناعِيَّةِ يَحْصُلُ في الزَّمَنِ الماضِي، ولَمّا جاءَتْ جُمْلَةُ شَرْطِها

صفحة ٢١

مُقْتَرِنَةً بِحَرْفِ أنَّ المُفِيدِ لِلتَّأْكِيدِ والمَصْدَرِيَّةِ، وكانَ خَبَرُ أنَّ فِعْلًا ماضِيًا تَوَفَّرَ مَعْنى المُضِيِّ في جُمْلَةِ الشَّرْطِ. والمَعْنى: لَوْ حَصَلَ إيمانُهم فِيما مَضى لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ.

والتَّقْوى: هي تَقْوى اللَّهِ بِالوُقُوفِ عِنْدَ حُدُودِهِ وذَلِكَ بَعْدَ الإيمانِ.

والتَّعْرِيفُ في القُرى تَعْرِيفُ العَهْدِ، فَإضافَةُ (أهْلَ) إلَيْهِ تُفِيدُ عُمُومَهُ بِقَدْرِ ما أُضِيفَ هو إلَيْهِ، وهَذا تَصْرِيحٌ بِما أفْهَمَهُ الإيجازُ في قَوْلِهِ (﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ﴾ [الأعراف: ٩٤]) الآيَةَ كَما تَقَدَّمَ، وتَعْرِيضٌ بِإنْذارِ الَّذِينَ كَذَّبُوا مُحَمَّدًا ﷺ مِن أهْلِ مَكَّةَ، وتَعْرِيضٌ بِبِشارَةِ أهْلِ القُرى الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ كَأهْلِ المَدِينَةِ، وقَدْ مَضى في صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ ما يُقَرِّبُ أنَّها مِن آخِرِ ما نَزَلَ بِمَكَّةَ، وقِيلَ إنَّ آياتٍ مِنها نَزَلَتْ بِالمَدِينَةِ كَما تَقَدَّمَ، وبِذَلِكَ يَظْهَرُ مَوْقِعُ التَّعْرِيضِ بِالنِّذارَةِ والبِشارَةِ لِلْفَرِيقَيْنِ مِن أهْلِ القُرى. وقَدْ أخَذَ اللَّهُ أهْلَ مَكَّةَ بَعْدَ خُرُوجِ المُؤْمِنِينَ مِنها فَأصابَهم بِسَبْعِ سِنِينَ مِنَ القَحْطِ، وبارَكَ لِأهْلِ المَدِينَةِ وأغْناهم وصَرَفَ عَنْهُمُ الحُمّى إلى الجُحْفَةِ، والجُحْفَةُ يَوْمَئِذٍ بِلادُ شِرْكٍ.

والفَتْحُ: إزالَةُ حَجْزِ شَيْءٍ حاجِزٍ عَنِ الدُّخُولِ إلى مَكانٍ، يُقالُ: فَتَحَ البابَ وفَتَحَ البَيْتَ، وتَعْدِيَتُهُ إلى البَيْتِ عَلى طَرِيقَةِ التَّوَسُّعِ، وأصْلُهُ فَتْحٌ لِلْبَيْتِ، وكَذَلِكَ قَوْلُهُ هُنا ﴿لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ بَرَكاتٍ﴾ وقَوْلُهُ ﴿ما يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنّاسِ مِن رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها﴾ [فاطر: ٢]، ويُقالُ فَتَحَ كُوَّةً، أيْ: جَعَلَها فَتْحَةً، والفَتْحُ هُنا اسْتِعارَةٌ لِلتَّمْكِينِ، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلَمّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمُ أبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ٤٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.

وتَعْدِيَةُ فِعْلِ الفَتْحِ إلى البَرَكاتِ هُنا اسْتِعارَةٌ مَكْنِيَّةٌ بِتَشْبِيهِ البَرَكاتِ بِالبُيُوتِ في الِانْتِفاعِ بِما تَحْتَوِيهِ، فَهُنا اسْتِعارَتانِ مَكْنِيَّةٌ وتَبَعِيَّةٌ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: لَفَتَّحْنا بِتَشْدِيدِ التّاءِ وهو يُفِيدُ المُبالِغَةَ.

والبَرَكاتُ: جَمْعُ بَرَكَةٍ، والمَقْصُودُ مِنَ الجَمْعِ تَعَدُّدُها، بِاعْتِبارِ تَعَدُّدِ أصْنافِ الأشْياءِ المُبارَكَةِ. وتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ البَرَكَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وهَذا كِتابٌ أنْزَلْناهُ مُبارَكٌ﴾ [الأنعام: ٩٢] في سُورَةِ الأنْعامِ. وتَقَدَّمَ أيْضًا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿إنَّ أوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبارَكًا﴾ [آل عمران: ٩٦]

صفحة ٢٢

فِي سُورَةِ آلِ عِمْرانَ. وتَقَدَّمَ أيْضًا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿تَبارَكَ اللَّهُ رَبُّ العالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] في هَذِهِ السُّورَةِ. وجِماعُ مَعْناها هو الخَيْرُ الصّالِحُ الَّذِي لا تَبِعَةَ عَلَيْهِ في الآخِرَةِ. فَهو أحْسَنُ أحْوالِ النِّعْمَةِ. ولِذَلِكَ عَبَّرَ في جانِبِ المَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ المُسْتَدْرَجِينَ بِلَفْظِ الحَسَنَةِ بِصِيغَةِ الإفْرادِ في قَوْلِهِ (﴿مَكانَ السَّيِّئَةِ الحَسَنَةَ﴾ [الأعراف: ٩٥]) وفي جانِبِ المُؤْمِنِينَ بِالبَرَكاتِ مَجْمُوعَةً.

وقَوْلُهُ مِنَ السَّماءِ والأرْضِ مُرادٌ بِهِ حَقِيقَتُهُ. لِأنَّ ما يَنالُهُ النّاسُ مِنَ الخَيْراتِ الدُّنْيَوِيَّةِ لا يَعْدُو أنْ يَكُونَ ناشِئًا مِنَ الأرْضِ، وذَلِكَ مُعْظَمُ المَنافِعِ. أوْ مِنَ السَّماءِ، مِثْلَ ماءِ المَطَرِ وشُعاعِ الشَّمْسِ وضَوْءِ القَمَرِ والنُّجُومِ والهَواءِ والرِّياحِ الصّالِحَةِ.

وقَوْلُهُ ولَكِنْ كَذَّبُوا اسْتِثْناءٌ لِنَقِيضِ شَرْطِ لَوْ، فَإنَّ التَّكْذِيبَ هو عَدَمُ الإيمانِ فَهو قِياسٌ اسْتِثْنائِيٌّ.

وجُمْلَةُ فَأخَذْناهم مُتَسَبِّبَةٌ عَلى جُمْلَةِ ولَكِنْ كَذَّبُوا وهو مِثْلُ نَتِيجَةِ القِياسِ. لِأنَّهُ مُساوِي نَقِيضِ التّالِي؛ لِأنَّ أخْذَهم بِما كَسَبُوا فِيهِ عَدَمُ فَتْحِ البَرَكاتِ عَلَيْهِمْ.

وتَقَدَّمَ مَعْنى الأخْذِ آنِفًا في قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَأخَذْناهم بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ٩٥] . والمُرادُ بِهِ أخْذُ الِاسْتِئْصالِ.

والباءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أيْ بِسَبَبِ ما كَسَبُوهُ مِنَ الكُفْرِ والعِصْيانِ.

والفاءُ في قَوْلِهِ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى عاطِفَةٌ أفادَتِ التَّرَتُّبَ الذِّكْرِيَّ. فَإنَّهُ لَمّا ذَكَرَ مِن أحْوالِ جَمِيعِهِمْ ما هو مَثارُ التَّعْجِيبِ مِن حالِهِمْ أعْقَبَهُ بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ مَعْطُوفًا بِفاءِ التَّرَتُّبِ. ومَحَلُّ التَّعْجِيبِ هو تَواطُؤُهم عَلى هَذا الغُرُورِ، أيْ يَتَرَتَّبُ عَلى حِكايَةِ تَكْذِيبِهِمْ وأخْذِهِمُ اسْتِفْهامُ التَّعْجِيبِ مِن غُرُورِهِمْ وأمْنِهِمْ غَضَبَ القادِرِ العَلِيمِ.

وقَدْ تَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى مِثْلِ هَذا التَّرْكِيبِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وجِيءَ بِقَوْلِهِ يَأْتِيهِمْ بِصِيغَةِ المُضارِعِ لِأنَّ المُرادَ حِكايَةُ أمْنِهِمُ الَّذِي مَضى مِن إتْيانِ بَأْسِ اللَّهِ في مُسْتَقْبَلِ ذَلِكَ الوَقْتِ.

صفحة ٢٣

وقَوْلُهُ ﴿أوَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا ضُحًى وهم يَلْعَبُونَ﴾ قَرَأهُ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ. وابْنُ عامِرٍ، وأبُو جَعْفَرٍ بِسِكُونِ الواوِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بِحَرْفِ ”أوْ“ الَّذِي هو لِأحَدِ الشَّيْئَيْنِ عَطْفًا عَلى التَّعْجِيبِ، أيْ: هو تَعْجِيبٌ مِن أحَدِ الحالَيْنِ. وقَرَأهُ الباقُونَ بِفَتْحِ الواوِ عَلى أنَّهُ عَطْفٌ بِالواوِ مُقَدَّمَةٌ عَلَيْهِ هَمْزَةُ الِاسْتِفْهامِ، فَهو عَطْفُ اسْتِفْهامٍ ثانٍ بِالواوِ المُفِيدَةِ لِلْجَمْعِ، فَيَكُونُ كِلا الِاسْتِفْهامَيْنِ مَدْخُولًا لِفاءِ التَّعْقِيبِ، عَلى قَوْلِ جُمْهُورِ النُّحاةِ. وأمّا عَلى رَأْيِ الزَّمَخْشَرِيِّ فَيَتَعَيَّنُ أنْ تَكُونَ الواوُ لِلتَّقْسِيمِ، أيْ تَقْسِيمِ الِاسْتِفْهامِ إلى اسْتِفْهامَيْنِ. وتَقَدَّمَ ذِكْرُ الرَّأْيَيْنِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿أفَكُلَّما جاءَكم رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

(وبَياتًا) تَقَدَّمَ مَعْناهُ ووَجْهُ نَصْبِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وكَمْ مِن قَرْيَةٍ أهْلَكْناها فَجاءَها بَأْسُنا بَياتًا﴾ [الأعراف: ٤] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

والضُّحى بِالضَّمِّ مَعَ القَصْرِ هو في الأصْلِ اسْمٌ لِضَوْءِ الشَّمْسِ إذا أشْرَقَ وارْتَفَعَ، وفَسَّرَهُ الفُقَهاءُ بِأنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ، ويُرادِفُهُ الضَّحْوَةُ والضَّحْوُ.

والضُّحى يُذَكَّرُ ويُؤَنَّثُ، وشاعَ التَّوْقِيتُ بِهِ عِنْدَ العَرَبِ ومَن قَبْلَهم، قالَ - تَعالى - حِكايَةً عَنْ مُوسى قالَ ﴿مَوْعِدُكم يَوْمُ الزِّينَةِ وأنْ يُحْشَرَ النّاسُ ضُحًى﴾ [طه: ٥٩] .

وتَقْيِيدُ التَّعْجِيبِ مِن أمْنِهِمْ مَجِيءَ البَأْسِ، بِوَقْتِيِ البَياتِ والضُّحى، مِن بَيْنِ سائِرِ الأوْقاتِ، وبِحالَيِ النَّوْمِ واللَّعِبِ، مِن بَيْنِ سائِرِ الأحْوالِ؛ لِأنَّ الوَقْتَيْنِ أجْدَرُ بِأنْ يُحْذَرَ حُلُولُ العَذابِ فِيهِما، لِأنَّهُما وقْتانِ لِلدَّعَةِ، فالبَياتُ لِلنَّوْمِ بَعْدَ الفَراغِ مِنَ الشُّغْلِ. والضُّحى لِلَّعِبِ قَبْلَ اسْتِقْبالِ الشُّغْلِ، فَكانَ شَأْنُ أُولِي النُّهى المُعْرِضِينَ عَنْ دَعْوَةِ رُسُلِ اللَّهِ أنْ لا يَأْمَنُوا عَذابَهُ، بِخاصَّةٍ في هَذَيْنِ الوَقْتَيْنِ والحالَيْنِ.

وفِي هَذا التَّعْجِيبِ تَعْرِيضٌ بِالمُشْرِكِينَ المُكَذِّبِينَ لِلنَّبِيءِ ﷺ أنْ يَحُلَّ بِهِمْ ما حَلَّ بِالأُمَمِ الماضِيَةِ، فَكانَ ذِكْرُ وقْتِ البَياتِ، ووَقْتِ اللَّعِبِ، أشَدَّ مُناسَبَةً بِالمَعْنى التَّعْرِيضِيِّ، تَهْدِيدًا لَهم بِأنْ يُصِيبَهُمُ العَذابُ بِأفْظَعِ أحْوالِهِ، إذْ يَكُونُ حُلُولُهُ بِهِمْ في ساعَةِ دَعَتِهِمْ وساعَةِ لَهْوِهِمْ نِكايَةً بِهِمْ.

وقَوْلُهُ ﴿أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ﴾ تَكْرِيرٌ لِقَوْلِهِ أفَأمِنَ أهْلُ القُرى قُصِدَ مِنهُ تَقْرِيرُ التَّعْجِيبِ مِن غَفْلَتِهِمْ، وتَقْرِيرُ مَعْنى التَّعْرِيضِ بِالسّامِعِينَ مِنَ المُشْرِكِينَ. مَعَ زِيادَةِ

صفحة ٢٤

التَّذْكِيرِ بِأنَّ ما حَلَّ بِأُولَئِكَ مِن عَذابِ اللَّهِ يُماثِلُ هَيْئَةَ مَكْرِ الماكِرِ بِالمَمْكُورِ فَلا يَحْسَبُوا الإمْهالَ إعْراضًا عَنْهم، ولْيَحْذَرُوا أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَفِعْلِ الماكِرِ بِعَدُوِّهِ.

والمَكْرُ حَقِيقَتُهً: فِعْلٌ يُقْصَدُ بِهِ ضُرُّ أحَدٍ في هَيْئَةٍ تَخْفى أوْ هَيْئَةٍ يَحْسَبُها مَنفَعَةً. وهو هُنا اسْتِعارَةٌ لِلْإمْهالِ والإنْعامِ في حالِ الإمْهالِ، فَهي تَمْثِيلِيَّةٌ، شَبَّهَ حالَ الأنْعامِ مَعَ الإمْهالِ، وتَعْقِيبَهُ بِالِانْتِقامِ بِحالِ المَكْرِ، وتَقَدَّمَ في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ عِنْدَ قَوْلِهِ ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] .

وقَوْلُهُ ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ مُتَرَتِّبٌ ومُتَفَرِّعٌ عَنِ التَّعْجِيبِ في قَوْلِهِ أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ لِأنَّ المَقْصُودَ مِنهُ تَفْرِيعُ أنَّ أهْلَ القُرى المَذْكُورِينَ خاسِرُونَ لِثُبُوتِ أنَّهم أمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ، والتَّقْدِيرُ: أفَأمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَهم قَوْمٌ خاسِرُونَ.

وإنَّما صِيغَ هَذا التَّفْرِيعُ بِصِيغَةٍ تَعُمُّ المُخْبَرَ عَنْهم وغَيْرَهم لِيَجْرِيَ مَجْرى المَثَلِ ويَصِيرَ تَذْيِيلًا لِلْكَلامِ، ويَدْخُلَ فِيهِ المُعَرَّضَ بِهِمْ في هَذِهِ المَوْعِظَةِ وهُمُ المُشْرِكُونَ الحاضِرُونَ، والتَّقْدِيرُ: فَهم قَوْمٌ خاسِرُونَ، إذْ لا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ.

والخُسْرانُ - هُنا - هو إضاعَةُ ما فِيهِ نَفْعُهم بِسُوءِ اعْتِقادِهِمْ، شَبَّهَ ذَلِكَ بِالخُسْرانِ وهو إضاعَةُ التّاجِرِ رَأْسَ مالِهِ بِسُوءِ تَصَرُّفِهِ، لِأنَّهم بِاطْمِئْنانِهِمْ إلى السَّلامَةِ الحاضِرَةِ، وإعْراضِهِمْ عَنِ التَّفَكُّرِ فِيما يَعْقُبُها مِنَ الأخْذِ الشَّبِيهِ بِفِعْلِ الماكِرِ قَدْ خَسِرُوا الِانْتِفاعَ بِعُقُولِهِمْ وخَسِرُوا أنْفُسَهم.

وتَقَدَّمَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٢] في سُورَةِ الأنْعامِ، وقَوْلُهُ ﴿فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ [الأعراف: ٩] في أوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ.

وتَقَدَّمَ أنَّ إطْلاقَ المَكْرِ عَلى أخْذِ اللَّهِ مُسْتَحِقِّي العِقابِ بَعْدَ إمْهالِهِمْ: أنَّ ذَلِكَ تَمْثِيلٌ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿ومَكَرُوا ومَكَرَ اللَّهُ واللَّهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ [آل عمران: ٥٤] في سُورَةِ آلِ عِمْرانَ.

واعْلَمْ أنَّ المُرادَ بِأمْنِ مَكْرِ اللَّهِ في هَذِهِ الآيَةِ هو الأمْنُ الَّذِي مِن نَوْعِ أمْنِ أهْلِ القُرى المُكَذِّبِينَ، الَّذِي ابْتُدِئَ الحَدِيثُ عَنْهُ مِن قَوْلِهِ (﴿وما أرْسَلْنا في قَرْيَةٍ مِن نَبِيءٍ إلّا أخَذْنا أهْلَها بِالبَأْساءِ والضَّرّاءِ لَعَلَّهم يَضَّرَّعُونَ﴾ [الأعراف: ٩٤]) ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أفَأمِنَ أهْلُ القُرى أنْ يَأْتِيَهم بَأْسُنا بَياتًا﴾ الآياتِ، وهو الأمْنُ النّاشِئُ عَنْ تَكْذِيبِ خَبَرِ الرَّسُولِ ﷺ، وعَنِ الغُرُورِ بِأنَّ دِينَ الشِّرْكِ هو الحَقُّ فَهو أمْنٌ

صفحة ٢٥

ناشِئٌ عَنْ كُفْرٍ. والمَأْمُونُ مِنهُ هو وعِيدُ الرُّسُلِ إيّاهم وما أُطْلِقَ عَلَيْهِ أنَّهُ مَكْرُ اللَّهِ.

ومِنَ الأمْنِ مِن عَذابِ اللَّهِ أصْنافٌ أُخْرى تُغايِرُ هَذا الأمْنَ، وتَتَقارَبُ مِنهُ، وتَتَباعَدُ، بِحَسَبِ اخْتِلافِ ضَمائِرِ النّاسِ ومَبالِغِ نِيّاتِهِمْ، فَأمّا ما كانَ مِنها مُسْتَنِدًا لِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَلا تَبِعَةَ عَلى صاحِبِهِ، وذَلِكَ مِثْلُ أمْنِ المُسْلِمِينَ مِن أمْثالِ عَذابِ الأُمَمِ الماضِيَةِ المُسْتَنِدِ إلى قَوْلِهِ - تَعالى - ﴿وما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، وإلى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ لَمّا نَزَلَ قَوْلُهُ - تَعالى - ﴿قُلْ هو القادِرُ عَلى أنْ يَبْعَثَ عَلَيْكم عَذابًا مِن فَوْقِكُمْ﴾ [الأنعام: ٦٥] فَقالَ النَّبِيءُ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ -: «أعُوذُ بِسُبُحاتِ وجْهِكِ الكَرِيمِ» أوْ مِن تَحْتِ أرْجُلِكم فَقالَ: «أعُوذُ بِسُبُحاتِ وجْهِكِ الكَرِيمِ» أوْ يَلْبِسَكم شِيَعًا الآيَةَ، فَقالَ: هَذِهِ أهْوَنُ كَما تَقَدَّمَ في تَفْسِيرِها في سُورَةِ الأنْعامِ ومِثْلُ أمْنِ أهْلِ بَدْرٍ مِن عَذابِ الآخِرَةِ لِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «ما يُدْرِيكَ لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ عَلى أهْلِ بَدْرٍفَقالَ: اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكم» في قِصَّةِ حاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ.

ومِثْلُ إخْبارِ النَّبِيءِ ﷺ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلامٍ أنَّهُ لا يَزالُ آخِذًا بِالعُرْوَةِ الوُثْقى، ومِثْلُ الأنْبِياءِ فَإنَّهم آمِنُونَ مِن مَكْرِ اللَّهِ بِإخْبارِ اللَّهِ إيّاهم بِذَلِكَ، وأوْلِياءُ اللَّهِ كَذَلِكَ، قالَ - تَعالى -: ﴿ألا إنَّ أوْلِياءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: ٦٣] فَمِنَ العَجِيبِ ما ذَكَرَهُ الخَفاجِيُّ أنَّ الحَنَفِيَّةَ، قالُوا: الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ كُفْرٌ لِقَوْلِهِ - تَعالى - ﴿فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلّا القَوْمُ الخاسِرُونَ﴾ .

والأمْنُ مُجْمَلٌ ومَكْرُ اللَّهِ تَمْثِيلٌ والخُسْرانُ مُشَكَّكُ الحَقِيقَةِ، وقالَ الخَفاجِيُّ: الأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ كَبِيرَةٌ عِنْدَ الشّافِعِيَّةِ، وهو الِاسْتِرْسالُ عَلى المَعاصِي اتِّكالًا عَلى عَفْوِ اللَّهِ وذَلِكَ مِمّا نَسَبَهُ الزَّرْكَشِيُّ في شَرْحِ جَمْعِ الجَوامِعِ إلى ولِيِّ الدِّينِ، ورَوى البَزّارُ وابْنُ أبِي حاتِمٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: «أنَّ النَّبِيءَ ﷺ سُئِلَ: ما الكَبائِرُ، فَقالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ واليَأْسُ مِن رَوْحِ اللَّهِ والأمْنُ مِن مَكْرِ اللَّهِ» . ولَمْ أقِفْ عَلى مَبْلَغِ هَذا الحَدِيثِ مِنَ الصِّحَّةِ، وقَدْ ذَكَرْنا غَيْرَ مَرَّةٍ أنَّ ما يَأْتِي في القُرْآنِ مِنَ الوَعِيدِ لِأهْلِ الكُفْرِ عَلى أعْمالٍ لَهم مُرادٌ مِنهُ أيْضًا تَحْذِيرُ المُسْلِمِينَ مِمّا يُشْبِهُ تِلْكَ الأعْمالَ بِقَدْرِ اقْتِرابِ شَبَهِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском