Ibn 'AshurAt‑Tawbah · 9:39–42

Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic

At-Tawbah 9:39–42

9:39Page 193

إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّوهُ شَيۡـٔٗاۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٣٩

If you do not go forth, He will punish you with a painful punishment and will replace you with another people, and you will not harm Him at all. And Allāh is over all things competent.

صفحة ١٩٩

﴿إلّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكم ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

هَذا وعِيدٌ وتَهْدِيدٌ عُقِّبَ بِهِ المَلامُ السّابِقُ؛ لِأنَّ اللَّوْمَ وقَعَ عَلى تَثاقُلٍ حَصَلَ، ولَمّا كانَ التَّثاقُلُ مُفْضِيًا إلى التَّخَلُّفِ عَنِ القِتالِ، صَرَّحَ بِالوَعِيدِ والتَّهْدِيدِ إنْ يَعُودُوا لِمِثْلِ ذَلِكَ التَّثاقُلِ، فَهو مُتَعَلِّقٌ بِالمُسْتَقْبَلِ كَما هو مُقْتَضى أداةِ الشَّرْطِ. فالجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ لِغَرَضِ الإنْكارِ بَعْدَ اللَّوْمِ. فَإنْ كانَ هَذا وعِيدًا فَقَدِ اقْتَضى أنَّ خُرُوجَ المُخاطَبِينَ إلى الجِهادِ الَّذِي اسْتَنْفَرَهم إلَيْهِ الرَّسُولُ ﷺ قَدْ وجَبَ عَلى أعْيانِهِمْ كُلِّهِمْ بِحَيْثُ لا يُغْنِي بَعْضُهم عَنْ بَعْضٍ، أيْ تَعَيَّنَ الوُجُوبُ عَلَيْهِمْ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ التَّعْيِينُ بِسَبَبِ تَعْيِينِ الرَّسُولِ ﷺ إيّاهم لِلْخُرُوجِ بِسَبَبِ النَّفِيرِ العامِّ، وأنْ يَكُونَ بِسَبَبِ كَثْرَةِ العَدُوِّ الَّذِي اسْتُنْفِرُوا لِقِتالِهِ، بِحَيْثُ وجَبَ خُرُوجُ جَمِيعِ القادِرِينَ مِنَ المُسْلِمِينَ لِأنَّ جَيْشَ العَدُوِّ كانُوا مِثْلَيْ عَدَدِ جَيْشِ المُسْلِمِينَ. وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّ هَذا الحُكْمَ مَنسُوخٌ نَسَخَهُ قَوْلُهُ - تَعالى: ﴿وما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِنهم طائِفَةٌ﴾ [التوبة: ١٢٢] فَيَكُونُ الجِهادُ قَدْ سَبَقَ لَهُ حُكْمُ فَرْضِ العَيْنِ ثُمَّ نُقِلَ إلى فَرْضِ الكِفايَةِ.

وهَذا بِناءٌ عَلى أنَّ المُرادَ بِالعَذابِ الألِيمِ في قَوْلِهِ: ﴿يُعَذِّبْكم عَذابًا ألِيمًا﴾ هو عَذابُ الآخِرَةِ كَما هو المُعْتادُ في إطْلاقِ العَذابِ ووَصْفِهِ بِالألِيمِ، وقِيلَ: المُرادُ بِالعَذابِ الألِيمِ عَذابُ الدُّنْيا كَقَوْلِهِ: ﴿أنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذابٍ مِن عِنْدِهِ أوْ بِأيْدِينا﴾ [التوبة: ٥٢] فَلا يَكُونُ في الآيَةِ حُجَّةٌ عَلى كَوْنِ ذَلِكَ الجِهادِ واجِبًا عَلى الأعْيانِ، ولَكِنَّ اللَّهَ تَوَعَّدَهم، إنْ لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، بِأنْ يُصِيبَهم بِعَذابٍ في الدُّنْيا، فَيَكُونُ الكَلامُ تَهْدِيدًا لا وعِيدًا. وقَدْ يُرَجَّحُ هَذا الوَجْهُ بِأنَّهُ قُرِنَ بِعَواقِبَ دُنْيَوِيَّةٍ في قَوْلِهِ: ﴿ويَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ . والعُقُوباتُ الدُّنْيَوِيَّةُ مَصائِبُ تَتَرَتَّبُ عَلى إهْمالِ أسْبابِ النَّجاحِ وبِخاصَّةٍ تَرْكُ الِانْتِصاحِ بِنَصائِحِ الرَّسُولِ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - كَما أصابَهم يَوْمَ أُحُدٍ، فالمَقْصُودُ تَهْدِيدُهم بِأنَّهم إنْ تَقاعَدُوا عَنِ النَّفِيرِ هاجَمَهُمُ العَدُوُّ في دِيارِهِمْ فاسْتَأْصَلُوهم وأتى اللَّهُ بِقَوْمٍ غَيْرَهم.

صفحة ٢٠٠

والألِيمُ المُؤْلِمُ، فَهو فَعِيلٌ مَأْخُوذٌ مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿تِلْكَ آياتُ الكِتابِ الحَكِيمِ﴾ [يونس: ١]، وقَوْلِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ:

أمِن رَيْحانَةَ الدّاعِي السَّمِيعِ

أيِ المُسْمَعِ.

وكُتِبَ في المَصاحِفِ إلّا مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْفِرُوا﴾ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها لامْ ألِفْ عَلى كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها مُدْغَمَةً، والقِياسُ أنْ يُكْتَبَ (إنْ لا) بِنُونٍ بَعْدَ الهَمْزَةِ ثُمَّ لامْ ألِفْ.

والضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ في ”يُعَذِّبْكم“ عائِدٌ إلى اللَّهِ لِتَقَدُّمِهِ في قَوْلِهِ: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣٨] . وتَنْكِيرُ ”قَوْمًا“ لِلنَّوْعِيَّةِ إذْ لا تَعَيُّنَ لِهَؤُلاءِ القَوْمِ ضَرُورَةَ أنَّهُ مُعَلَّقٌ عَلى شَرْطِ عَدَمِ النَّفِيرِ وهم قَدْ نَفَرُوا لَمّا اسْتُنْفِرُوا إلّا عَدَدًا غَيْرَ كَثِيرٍ وهُمُ المُخَلَّفُونَ.

(ويَسْتَبْدِلْ) يُبَدِّلْ، فالسِّينُ والتّاءُ لِلتَّأْكِيدِ والبَدَلُ هو المَأْخُوذُ عِوَضًا كَقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَبَدَّلِ الكُفْرَ بِالإيمانِ﴾ [البقرة: ١٠٨] أيْ ويَسْتَبْدِلْ بِكم غَيْرَكم.

والضَّمِيرُ في (تَضُرُّوهُ) عائِدٌ إلى ما عادَ إلَيْهِ ضَمِيرُ (يُعَذِّبْكم) والواوُ لِلْحالِ: أيْ (يُعَذِّبْكم ويَسْتَبْدِلْ) قَوْمًا غَيْرَكم في حالِ أنْ لا تَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا بِقُعُودِكم، أيْ يُصِبْكُمُ الضُّرُّ ولا يُصِبِ الَّذِي اسْتَنْفَرَكم في سَبِيلِهِ ضُرٌّ، فَصارَ الكَلامُ في قُوَّةِ الحَصْرِ، كَأنَّهُ قِيلَ: إلّا تَنْفِرُوا لا تَضُرُّوا إلّا أنْفُسَكم.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِلْكَلامِ لِأنَّهُ يُحَقِّقُ مَضْمُونَ لَحاقِ الضُّرِّ بِهِمْ لِأنَّهُ قَدِيرٌ عَلَيْهِمْ في جُمْلَةِ كُلِّ شَيْءٍ، وعَدَمُ لَحاقِ الضُّرِّ بِهِ لِأنَّهُ قَدِيرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ فَدَخَلَتِ الأشْياءُ الَّتِي مِن شَأْنِها الضُّرُّ.

9:40Page 193

إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٤٠

If you do not aid him [i.e., the Prophet (ﷺ)] - Allāh has already aided him when those who disbelieved had driven him out [of Makkah] as one of two,1 when they were in the cave and he [i.e., Muḥammad (ﷺ)] said to his companion, "Do not grieve; indeed Allāh is with us." And Allāh sent down His tranquility upon him and supported him with soldiers [i.e., angels] you did not see and made the word2 of those who disbelieved the lowest,3 while the word of Allāh4 - that is the highest. And Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إذْ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُما في الغارِ إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾

اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ لِقَوْلِهِ: ﴿ولا تَضُرُّوهُ شَيْئًا واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [التوبة: ٣٩] لِأنَّ نَفْيَ أنْ يَكُونَ قُعُودُهم عَنِ النَّفِيرِ مُضِرًّا بِاللَّهِ ورَسُولِهِ، يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ سُؤالًا عَنْ

صفحة ٢٠١

حُصُولِ النَّصْرِ بِدُونِ نَصِيرٍ، فَبَيَّنَ بِأنَّ اللَّهَ يَنْصُرُهُ كَما نَصَرَهُ حِينَ كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ لا جَيْشَ مَعَهُ، فالَّذِي نَصَرَهُ حِينَ كانَ ثانِيَ اثْنَيْنِ قَدِيرٌ عَلى نَصْرِهِ وهو في جَيْشٍ عَظِيمٍ، فَتَبَيَّنَ أنَّ تَقْدِيرَ قُعُودِهِمْ عَنِ النَّفِيرِ لا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا.

والضَّمِيرُ المَنصُوبُ بِـ (تَنْصُرُوهُ) عائِدٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ، وإنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ؛ لِأنَّهُ واضِحٌ مِنَ المَقامِ.

وجُمْلَةُ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ جَوابٌ لِلشَّرْطِ، جُعِلَتْ جَوابًا لَهُ لِأنَّها دَلِيلٌ عَلى مَعْنى الجَوابِ المُقَدَّرِ لِكَوْنِها في مَعْنى العِلَّةِ لِلْجَوابِ المَحْذُوفِ: فَإنَّ مَضْمُونَ ﴿فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ قَدْ حَصَلَ في الماضِي فَلا يَكُونُ جَوابًا لِلشَّرْطِ المَوْضُوعِ لِلْمُسْتَقْبَلِ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ لا تَنْصُرُوهُ فَهو غَنِيٌّ عَنْ نُصْرَتِكم بِنَصْرِ اللَّهِ إيّاهُ إذْ قَدْ نَصَرَهُ في حِينِ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ إلّا واحِدٌ لا يَكُونُ بِهِ نَصْرٌ، فَكَما نَصَرَهُ يَوْمَئِذٍ يَنْصُرُهُ حِينَ لا تَنْصُرُونَهُ. وسَيَجِيءُ في الكَلامِ بَيانُ هَذا النَّصْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ الآيَةَ.

ويَتَعَلَّقُ ”إذْ أخْرَجَهُ“ بِـ (نَصَرَهُ) أيْ زَمَنَ إخْراجِ الكُفّارِ إيّاهُ، أيْ مِن مَكَّةَ، والمُرادُ خُرُوجُهُ مُهاجِرًا. وأسْنَدَ الإخْراجَ إلى الَّذِينَ كَفَرُوا لِأنَّهم تَسَبَّبُوا فِيهِ بِأنْ دَبَّرُوا لِخُرُوجِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ كَما قالَ - تَعالى: ﴿وإذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخْرِجُوكَ﴾ [الأنفال: ٣٠]، وبِأنْ آذَوْهُ وضايَقُوهُ في الدَّعْوَةِ إلى الدِّينِ، وضايَقُوا المُسْلِمِينَ بِالأذى والمُقاطَعَةِ، فَتَوَفَّرَتْ أسْبابُ خُرُوجِهِ ولَكِنَّهم كانُوا مَعَ ذَلِكَ يَتَرَدَّدُونَ في تَمْكِينِهِ مِنَ الخُرُوجِ خَشْيَةَ أنْ يَظْهَرَ أمْرُ الإسْلامِ بَيْنَ ظَهْرانَيْ قَوْمٍ آخَرِينَ، فَلِذَلِكَ كانُوا في آخِرِ الأمْرِ مُصَمِّمِينَ عَلى مَنعِهِ مِنَ الخُرُوجِ، وأقامُوا عَلَيْهِ مَن يَرْقُبُهُ وحاوَلُوا الإرْسالَ وراءَهُ لِيَرُدُّوهُ إلَيْهِمْ، وجَعَلُوا لِمَن يَظْفَرُ بِهِ جَزاءً جَزِلًا، كَما جاءَ في حَدِيثِ سُراقَةَ بْنِ جُعْشُمٍ.

كُتِبَ في المَصاحِفِ ”إلّا“ مِن قَوْلِهِ: ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ بِهَمْزَةٍ بَعْدَها لامْ ألِفْ، عَلى كَيْفِيَّةِ النُّطْقِ بِها مُدْغَمَةً، والقِياسُ أنْ تُكْتَبَ (إنْ لا) - بِهَمْزَةٍ فَنُونٍ فَلامْ ألِفْ - لِأنَّهُما حَرْفانِ: (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ و(لا) النّافِيَةُ، ولَكِنَّ رَسْمَ المُصْحَفِ سُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ، ولَمْ تَكُنْ لِلرَّسْمِ في القَرْنِ الأوَّلِ قَواعِدُ مُتَّفَقٌ عَلَيْها، ومِثْلُ ذَلِكَ كُتِبَ ﴿إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ في الأرْضِ﴾ [الأنفال: ٧٣]

صفحة ٢٠٢

فِي سُورَةِ الأنْفالِ. وهم كَتَبُوا قَوْلَهُ: ﴿بَلْ رانَ﴾ [المطففين: ١٤] في سُورَةِ المُطَفِّفِينَ بِلامٍ بَعْدَ الباءِ وراءٍ بَعْدَها، ولَمْ يَكْتُبُوها بِباءٍ وراءٍ مُشَدَّدَةٍ بَعْدَها.

وقَدْ أثارَ رَسْمُ ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ﴾ بِهَذِهِ الصُّورَةِ في المُصْحَفِ خَشْيَةَ تَوَهُّمِ مُتَوَهِّمٍ أنَّ إلّا هي حَرْفُ الِاسْتِثْناءِ فَقالَ ابْنُ هِشامٍ في مُغْنِي اللَّبِيبِ: ”تَنْبِيهٌ لَيْسَ مِن أقْسامِ (إلّا)، (إلّا) الَّتِي في نَحْوِ ﴿إلّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ﴾ وإنَّما هَذِهِ كَلِمَتانِ (إنْ) الشَّرْطِيَّةُ و(لا) النّافِيَةُ ومِنَ العَجَبِ أنَّ ابْنَ مالِكٍ عَلى إمامَتِهِ ذَكَرَها في شَرْحِ التَّسْهِيلِ مِن أقْسامِ إلّا ولَمْ يَتْبَعْهُ الدَّمامِينِيُّ في شُرُوحِهِ الثَّلاثَةِ عَلى المُغْنِي ولا الشُّمُنِّيُّ. وقالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الرَّصّاعُ في كِتابِ الجامِعِ الغَرِيبِ لِتَرْتِيبِ آيِ مُغْنِي اللَّبِيبِ:“ وقَدْ رَأيْتُ لِبَعْضِ أهْلِ العَصْرِ المَشارِقَةِ مِمَّنِ اعْتَنى بِشَرْحِ هَذا الكِتابِ - أيِ التَّسْهِيلِ - أخَذَ يَعْتَذِرُ عَنِ ابْنِ مالِكٍ والإنْصافُ أنَّ فِيهِ بَعْضَ الإشْكالِ ”. وقالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ الأمِيرُ في تَعْلِيقِهِ عَلى المُغْنِي“ لَيْسَ ما في شَرْحِ التَّسْهِيلِ نَصًّا في ذَلِكَ وهو يُوهِمُهُ فَإنَّهُ عَرَّفَ المُسْتَثْنى بِالمُخْرِجِ بِـ (إلّا) وقالَ ”واحْتَرَزْتُ عَنْ (إلّا) بِمَعْنى إنْ لَمْ ومَثَّلَ بِالآيَةِ، أيْ فَلا إخْراجَ فِيها“ . وقُلْتُ عِبارَةُ مَتْنِ التَّسْهِيلِ ”المُسْتَثْنى هو المُخْرَجُ تَحْقِيقًا أوْ تَقْدِيرًا مِن مَذْكُورٍ أوْ مَتْرُوكٍ بِإلا أوْ ما بِمَعْناها“، ولَمْ يُعَرِّجْ شارِحُهُ المُرادِيُّ ولا شارِحُهُ الدَّمامِينِيُّ عَلى كَلامِهِ الَّذِي احْتَرَزَ بِهِ في شَرْحِهِ ولَمْ نَقِفْ عَلى شَرْحِ ابْنِ مالِكٍ عَلى تَسْهِيلِهِ، وعِنْدِي أنَّ الَّذِي دَعا ابْنَ مالِكٍ إلى هَذا الِاحْتِرازِ هو ما وقَعَ لِلْأزْهَرِيِّ مِن قَوْلِهِ ”إلّا تَكُونُ اسْتِثْناءً وتَكُونُ حَرْفَ جَزاءٍ أصْلُها (إنْ لا) نَقَلَهُ صاحِبُ لِسانِ العَرَبِ. وصُدُورُهُ مِن مِثْلِهِ يَسْتَدْعِي التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ.

و﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ حالٌ مِن ضَمِيرِ النَّصْبِ في“ أخْرَجَهُ ”، والثّانِي كُلُّ مَن بِهِ كانَ العَدَدُ اثْنَيْنِ فالثّانِي اسْمُ فاعِلٍ أُضِيفَ إلى الِاثْنَيْنِ عَلى مَعْنى (مِن)، أيْ ثانِيًا مِنَ اثْنَيْنِ، والِاثْنانِ هُما النَّبِيءُ ﷺ وأبُو بَكْرٍ: بِتَواتُرِ الخَبَرِ، وإجْماعِ المُسْلِمِينَ كُلِّهِمْ. ولِكَوْنِ الثّانِي مَعْلُومًا لِلسّامِعِينَ كُلِّهِمْ لَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِهِ، وأيْضًا لِأنَّ المَقْصُودَ تَعْظِيمُ هَذا النَّصْرِ مَعَ قِلَّةِ العَدَدِ.

و(إذْ) الَّتِي في قَوْلِهِ: ﴿إذْ هُما في الغارِ﴾ بَدَلٌ مِن (إذْ) الَّتِي في قَوْلِهِ: (إذْ أخْرَجَهُ) فَهو زَمَنٌ واحِدٌ وقَعَ فِيهِ الإخْراجُ، بِاعْتِبارِ الخُرُوجِ، والكَوْنُ في الغارِ.

صفحة ٢٠٣

والتَّعْرِيفُ في الغارِ لِلْعَهْدِ، لِغارٍ يَعْلَمُهُ المُخاطَبُونَ، وهو الَّذِي اخْتَفى فِيهِ النَّبِيءُ ﷺ وأبُو بَكْرٍ حِينَ خُرُوجِهِما مُهاجِرَيْنِ إلى المَدِينَةِ، وهو غارٌ في جَبَلِ ثَوْرٍ خارِجَ مَكَّةَ إلى جَنُوبِيِّها، بَيْنَهُ وبَيْنَ مَكَّةَ نَحْوَ خَمْسَةِ أمْيالٍ، في طَرِيقٍ جَبَلِيٍّ.

والغارُ الثُّقْبُ في التُّرابِ أوِ الصَّخْرِ.

وإذِ المُضافَةُ إلى جُمْلَةِ“ يَقُولُ ”بَدَلٌ مِن إذِ المُضافَةِ إلى جُمْلَةِ ﴿هُما في الغارِ﴾ . بَدَلَ اشْتِمالٍ.

والصّاحِبُ هو ﴿ثانِيَ اثْنَيْنِ﴾ وهو أبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ. ومَعْنى الصّاحِبِ: المُتَّصِفُ بِالصُّحْبَةِ، وهي المَعِيَّةُ في غالِبِ الأحْوالِ، ومِنهُ سُمِّيَتِ الزَّوْجَةُ صاحِبَةً، كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ولَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ﴾ [الأنعام: ١٠١] في سُورَةِ الأنْعامِ. وهَذا القَوْلُ صَدَرَ مِنَ النَّبِيءِ ﷺ لِأبِي بَكْرٍ حِينَ كانا مُخْتَفِيَيْنِ في غارِ ثَوْرٍ، فَكانَ أبُو بَكْرٍ حَزِينًا إشْفاقًا عَلى النَّبِيءِ ﷺ أنْ يَشْعُرَ بِهِ المُشْرِكُونَ، فَيُصِيبُوهُ بِمَضَرَّةٍ، أوْ يُرْجِعُوهُ إلى مَكَّةَ.

والمَعِيَّةُ هُنا: مَعِيَّةُ الإعانَةِ والعِنايَةِ، كَما حَكى اللَّهُ - تَعالى - عَنْ مُوسى وهارُونَ ﴿قالَ لا تَخافا إنَّنِي مَعَكُما﴾ [طه: ٤٦] وقَوْلِهِ: ﴿إذْ يُوحِي رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾ [الأنفال: ١٢]

* * *

﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

التَّفْرِيعُ مُؤْذِنٌ بِأنَّ السَّكِينَةَ أُنْزِلَتْ عَقِبَ الحُلُولِ في الغارِ، وأنَّها مِنَ النَّصْرِ، إذْ هي نَصْرٌ نَفْسانِيٌّ، وإنَّما كانَ التَّأْيِيدُ بِجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها نَصْرًا جُثْمانِيًّا. ولَيْسَ يَلْزَمُ أنْ يَكُونَ نُزُولُ السَّكِينَةِ عَقِبَ قَوْلِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ بَلْ إنَّ قَوْلَهُ ذَلِكَ هو مِن آثارِ سَكِينَةِ اللَّهِ الَّتِي أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ، وتِلْكَ السَّكِينَةُ هي مَظْهَرٌ مِن مَظاهِرِ نَصْرِ اللَّهِ إيّاهُ، فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الكَلامِ: فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ فَأنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِ وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ حِينَ أخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا، وحِينَ كانَ في الغارِ، وحِينَ قالَ لِصاحِبِهِ: ﴿لا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنا﴾ . فَتِلْكَ

صفحة ٢٠٤

الظُّرُوفُ الثَّلاثَةُ مُتَعَلِّقَةٌ بِفِعْلِ“ نَصَرَهُ ”عَلى التَّرْتِيبِ المُتَقَدِّمِ، وهي كالِاعْتِراضِ بَيْنَ المُفَرَّعِ عَنْهُ والتَّفْرِيعِ، وجاءَ نَظْمُ الكَلامِ عَلى هَذا السَّبْكِ البَدِيعِ لِلْمُبادَأةِ بِالدَّلالَةِ عَلى أنَّ النَّصْرَ حَصَلَ في أزْمانٍ وأحْوالٍ ما كانَ النَّصْرُ لِيَحْصُلَ في أمْثالِها لِغَيْرِهِ لَوْلا عِنايَةُ اللَّهِ بِهِ، وأنَّ نَصْرَهُ كانَ مُعْجِزَةً خارِقًا لِلْعادَةِ.

وبِهَذا البَيانِ تَنْدَفِعُ الحَيْرَةُ الَّتِي حَصَلَتْ لِلْمُفَسِّرِينَ في مَعْنى الآيَةِ، حَتّى أغْرَبَ كَثِيرٌ مِنهم فَأرْجَعَ الضَّمِيرَ المَجْرُورَ مِن قَوْلِهِ: ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ إلى أبِي بَكْرٍ، مَعَ الجَزْمِ بِأنَّ الضَّمِيرَ المَنصُوبَ في أيَّدَهُ راجِعٌ إلى النَّبِيءِ ﷺ فَنَشَأ تَشْتِيتُ الضَّمائِرِ، وانْفِكاكُ الأُسْلُوبِ بِذِكْرِ حالَةِ أبِي بَكْرٍ، مَعَ أنَّ المَقامَ لِذِكْرِ ثَباتِ النَّبِيءِ ﷺ وتَأْيِيدِ اللَّهِ إيّاهُ، وما جاءَ ذِكْرُ أبِي بَكْرٍ إلّا تَبَعًا لِذِكْرِ ثَباتِ النَّبِيءِ ﷺ، وتِلْكَ الحَيْرَةُ نَشَأتْ عَنْ جَعْلِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ﴾ مُفَرَّعًا عَلى ﴿إذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ﴾ وألْجَأهم إلى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ: ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها﴾ إنَّها جُنُودُ المَلائِكَةِ يَوْمَ بَدْرٍ، وكُلُّ ذَلِكَ وُقُوفٌ مَعَ ظاهِرِ تَرْتِيبِ الجُمَلِ، مَعَ الغَفْلَةِ عَنْ أُسْلُوبِ النَّظْمِ المُقْتَضِي تَقْدِيمًا وتَأْخِيرًا.

والسَّكِينَةُ اطْمِئْنانُ النَّفْسِ عِنْدَ الأحْوالِ المَخُوفَةِ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ، وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُها عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ مِن رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ٢٤٨] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والتَّأْيِيدُ التَّقْوِيَةُ والنَّصْرُ، وهو مُشْتَقٌّ مِنَ اسْمِ اليَدِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿وأيَّدْناهُ بِرُوحِ القُدُسِ﴾ [البقرة: ٨٧] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

والجُنُودُ جَمْعُ جُنْدٍ بِمَعْنى الجَيْشِ، وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿فَلَمّا فَصَلَ طالُوتُ بِالجُنُودِ﴾ [البقرة: ٢٤٩] في سُورَةِ البَقَرَةِ، وتَقَدَّمَ آنِفًا في هَذِهِ السُّورَةِ.

ثُمَّ جَوَّزَ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿وأيَّدَهُ بِجُنُودٍ﴾ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ ﴿فَأنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ عَطْفَ تَفْسِيرٍ فَيَكُونُ المُرادُ بِالجُنُودِ المَلائِكَةَ الَّذِينَ ألْقَوُا الحَيْرَةَ في نُفُوسِ المُشْرِكِينَ فَصَرَفُوهم عَنِ اسْتِقْصاءِ البَحْثِ عَنِ النَّبِيءِ ﷺ وإكْثارِ الطَّلَبِ وراءَهُ والرَّصْدِ لَهُ في الطُّرُقِ المُؤَدِّيَةِ والسُّبُلِ المُوَصِّلَةِ، لا سِيَّما ومِنَ الظّاهِرِ أنَّهُ قَصَدَ يَثْرِبَ مُهاجَرَ أصْحابِهِ، ومَدِينَةَ أنْصارِهِ، فَكانَ سَهْلًا عَلَيْهِمْ أنْ يَرْصُدُوا لَهُ طُرُقَ الوُصُولِ إلى المَدِينَةِ.

صفحة ٢٠٥

ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ مَعْطُوفَةً عَلى جُمْلَةِ“ أخْرَجَهُ " والتَّقْدِيرُ: وإذْ أيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها أيْ بِالمَلائِكَةِ، يَوْمَ بَدْرٍ، ويَوْمَ الأحْزابِ، ويَوْمَ حُنَيْنٍ، كَما مَرَّ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ أنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وعَلى المُؤْمِنِينَ وأنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها﴾ [التوبة: ٢٦]

(والكَلِمَةُ) أصْلُها اللَّفْظَةُ مِنَ الكَلامِ، ثُمَّ أُطْلِقَتْ عَلى الأمْرِ والشَّأْنِ ونَحْوِ ذَلِكَ مِن كُلِّ ما يَتَحَدَّثُ بِهِ النّاسُ ويُخْبِرُ المَرْءُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِن شَأْنِهِ، قالَ - تَعالى: ﴿وجَعَلَها كَلِمَةً باقِيَةً في عَقِبِهِ﴾ [الزخرف: ٢٨] (أيْ أبْقى التَّبْرِيءَ مِنَ الأصْنامِ والتَّوْحِيدِ لِلَّهِ شَأْنَ عَقِبِهِ وشِعارَهم) وقالَ ﴿وإذِ ابْتَلى إبْراهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِماتٍ﴾ [البقرة: ١٢٤] أيْ بِأشْياءَ مِنَ التَّكالِيفِ كَذَبْحِ ولَدِهِ، واخْتِتانِهِ، وقالَ لِمَرْيَمَ ﴿إنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٤٥] أيْ بِأمْرٍ عَجِيبٍ، أوْ بِوَلَدٍ عَجِيبٍ، وقالَ وتَمَّتْ كَلِماتُ رَبِّكَ صِدْقًا وعَدْلًا أيْ أحْكامُهُ ووُعُودُهُ ومِنهُ قَوْلُهم: لا تُفَرِّقْ بَيْنَ كَلِمَةِ المُسْلِمِينَ، أيْ بَيْنَ أمْرِهِمْ واتِّفاقِهِمْ، وجَمَعَ اللَّهُ كَلِمَةَ المُسْلِمِينَ، فَكَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا شَأْنُهم وكَيْدُهم وما دَبَّرُوهُ مِن أنْواعِ المَكْرِ.

ومَعْنى السُّفْلى الحَقِيرَةُ لِأنَّ السُّفْلَ يُكْنى بِهِ عَنِ الحَقارَةِ، وعَكَسُهُ قَوْلُهُ: ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ فَهي الدِّينُ وشَأْنُ رَسُولِهِ والمُؤْمِنِينَ، وأشْعَرَ قَوْلُهُ: ﴿وجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ أنَّ أمْرَ المُشْرِكِينَ كانَ بِمَظِنَّةِ القُوَّةِ والشِّدَّةِ لِأنَّهم أصْحابُ عَدَدٍ كَثِيرٍ وفِيهِمْ أهْلُ الرَّأْيِ والذَّكاءِ، ولَكِنَّهم لَمّا شاقُّوا اللَّهَ ورَسُولَهُ خَذَلَهُمُ اللَّهُ وقَلَبَ حالَهم مِن عُلُوٍّ إلى سُفْلٍ.

وجُمْلَةُ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ هي العُلْيا﴾ مُسْتَأْنَفَةٌ بِمَنزِلَةِ التَّذْيِيلِ لِلْكَلامِ لِأنَّهُ لَمّا أخْبَرَ عَنْ كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأنَّها صارَتْ سُفْلى أفادَ أنَّ العَلاءَ انْحَصَرَ في دِينِ اللَّهِ وشَأْنِهِ. فَضَمِيرُ الفَصْلِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ، ولِذَلِكَ لَمْ تُعْطَفْ كَلِمَةُ اللَّهِ عَلى كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا، إذْ لَيْسَ المَقْصُودُ إفادَةَ جَعْلِ كَلِمَةِ اللَّهِ عُلْيا، لِما يُشْعِرُ بِهِ الجَعْلُ مِن إحْداثِ الحالَةِ، بَلْ إفادَةَ أنَّ العَلاءَ ثابِتٌ لَها ومَقْصُورٌ عَلَيْها، فَكانَتِ الجُمْلَةُ كالتَّذْيِيلِ لِجَعْلِ كَلِمَةِ الَّذِينَ كَفَرُوا سُفْلى.

ومَعْنى جَعْلِها كَذَلِكَ: أنَّهُ لَمّا تَصادَمَتِ الكَلِمَتانِ وتَناقَضَتا بَطَلَتْ كَلِمَةُ الَّذِينَ كَفَرُوا واسْتَقَرَّ ثُبُوتُ كَلِمَةِ اللَّهِ.

صفحة ٢٠٦

وقَرَأ يَعْقُوبُ، وحْدَهُ ﴿وكَلِمَةُ اللَّهِ﴾ بِنَصْبِ (كَلِمَةَ) عَطْفًا عَلى ﴿كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى﴾ فَتَكُونُ كَلِمَةُ اللَّهِ عُلْيا بِجَعْلِ اللَّهِ وتَقْدِيرِهِ.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ تَذْيِيلٌ لِمَضْمُونِ الجُمْلَتَيْنِ: لِأنَّ العَزِيزَ لا يَغْلِبُهُ شَيْءٌ، والحَكِيمَ لا يَفُوتُهُ مَقْصِدٌ، فَلا جَرَمَ تَكُونُ كَلِمَتُهُ العُلْيا وكَلِمَةُ ضِدِّهِ السُّفْلى.

9:41Page 194

ٱنفِرُواْ خِفَافٗا وَثِقَالٗا وَجَٰهِدُواْ بِأَمۡوَٰلِكُمۡ وَأَنفُسِكُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكُمۡ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٤١

Go forth, whether light or heavy,1 and strive with your wealth and your lives in the cause of Allāh. That is better for you, if you only knew.

﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالًا وجاهِدُوا بِأمْوالِكم وأنْفُسِكم في سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكم خَيْرٌ لَكم إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾

الخِطابُ لِلْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ سَبَقَ لَوْمُهم بِقَوْلِهِ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]، فالنَّفِيرُ المَأْمُورُ بِهِ ما يُسْتَقْبَلُ مِنَ الجِهادِ. وقَدْ قَدَّمَنا أنَّ الِاسْتِنْفارَ إلى غَزْوَةِ تَبُوكَ كانَ عامًّا لِكُلِّ قادِرٍ عَلى الغَزْوِ: لِأنَّها كانَتْ في زَمَنِ مَشَقَّةٍ، وكانَ المَغْزُوُّ عَدُوًّا عَظِيمًا، فالضَّمِيرُ في ﴿انْفِرُوا﴾ [التوبة: ٣٨] عامٌّ لِلَّذِينَ اسْتُنْفِرُوا فَتَثاقَلُوا، وإنَّما اسْتُنْفِرَ القادِرُونَ، وكانَ الِاسْتِنْفارُ عَلى قَدْرِ حاجَةِ الغَزْوِ، فَلا يَقْتَضِي هَذا الأمْرُ تَوَجُّهَ وُجُوبِ النَّفِيرِ عَلى كُلِّ مُسْلِمٍ في كُلِّ غَزْوَةٍ، ولا عَلى المُسْلِمِ العاجِزِ لِعَمًى أوْ زَمانَةٍ. أوْ مَرَضٍ، وإنَّما يَجْرِي العَمَلُ في كُلِّ غَزْوَةٍ عَلى حَسَبِ ما يَقْتَضِيهِ حالُها وما يَصْدُرُ إلَيْهِمْ مِن نَفِيرٍ. وفي الحَدِيثِ «وإذا اسْتُنْفِرْتُمْ فانْفِرُوا»

و”خِفافًا“ جَمْعُ خَفِيفٍ وهو صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ مِنَ الخِفَّةِ، وهي حالَةٌ لِلْجِسْمِ تَقْتَضِي قِلَّةَ كَمِّيَّةِ أجْزائِهِ بِالنِّسْبَةِ إلى أجْسامٍ أُخْرى مُتَعارَفَةٌ، فَيَكُونُ سَهْلَ التَّنَقُّلِ سَهْلَ الحَمْلِ. والثِّقالُ ضِدُّ ذَلِكَ، وتَقَدَّمَ الثِّقَلُ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]

والخِفافُ والثِّقالُ هُنا مُسْتَعارانِ لِما يُشابِهُهُما مِن أحْوالِ الجَيْشِ وعَلائِقِهِمْ، فالخِفَّةُ تُسْتَعارُ لِلْإسْراعِ إلى الحَرْبِ، وكانُوا يَتَمادَحُونَ بِذَلِكَ لِدَلالَتِها عَلى الشَّجاعَةِ والنَّجْدَةِ، قالَ قُرَيْطُ بْنُ أنِيفٍ العَنْبَرِيُّ:

قَوْمٌ إذا الشَّرُّ أبْدى ناجِذَيْهِ لَهم طارُوا إلَيْهِ زَرافاتٍ ووُحْدانا

صفحة ٢٠٧

فالثِّقَلُ الَّذِي يُناسِبُ هَذا هو الثَّباتُ في القِتالِ كَما في قَوْلِ أبِي الطَّيِّبِ:

ثِقالٍ إذا لاقَوْا خِفافٍ إذا دُعُوا

وتُسْتَعارُ الخِفَّةُ لِقِلَّةِ العَدَدِ، والثِّقَلُ لِكَثْرَةِ عَدَدِ الجَيْشِ كَما في قَوْلِ قُرَيْطٍ: ”زَرافاتٍ ووُحْدانا“ .

وتُسْتَعارُ الخِفَّةُ لِتَكْرِيرِ الهُجُومِ عَلى الأعْداءِ، والثِّقَلُ لِلتَّثَبُّتِ في الهُجُومِ. وتُسْتَعارُ الخِفَّةُ لِقِلَّةِ الأزْوادِ أوْ قِلَّةِ السِّلاحِ، والثِّقَلُ لِضِدِّ ذَلِكَ. وتُسْتَعارُ الخِفَّةُ لِقِلَّةِ العِيالِ، والثِّقَلُ لِضِدِّ ذَلِكَ وتُسْتَعارُ الخِفَّةُ لِلرُّكُوبِ لِأنَّ الرّاكِبَ أخَفُّ سَيْرًا، والثِّقَلُ لِلْمَشْيِ عَلى الأرْجُلِ وذَلِكَ في وقْتِ القِتالِ. قالَ النّابِغَةُ:

عَلى عارِفاتٍ لِلطِّعانِ عَوابِسٍ ∗∗∗ بِهِنَّ كُلُومٌ بَيْنَ دامٍ وجالِبِ

إذا اسْتُنْزِلُوا عَنْهُنَّ لِلضَّرْبِ أرْقَلُوا ∗∗∗ إلى المَوْتِ إرْقالَ الجِمالِ المَصاعِبِ

وكُلُّ هَذِهِ المَعانِي صالِحَةٌ لِلْإرادَةِ مِنَ الآيَةِ ولَمّا وقَعَ ﴿خِفافًا وثِقالًا﴾ حالًا مِن فاعِلِ انْفِرُوا، كانَ مَحْمَلُ بَعْضِ مَعانِيهِما عَلى أنْ تَكُونَ الحالُ مُقَدَّرَةً والواوُ العاطِفَةُ لِإحْدى الصِّفَتَيْنِ عَلى الأُخْرى لِلتَّقْسِيمِ، فَهي بِمَعْنى (أوْ)، والمَقْصُودُ الأمْرُ بِالنَّفِيرِ في جَمِيعِ الأحْوالِ.

والمُجاهَدَةُ المُغالَبَةُ لِلْعَدُوِّ، وهي مُشْتَقَّةٌ مِنَ الجُهْدِ - بِضَمِّ الجِيمِ - أيْ بَذْلِ الِاسْتِطاعَةِ في المُغالَبَةِ، وهو حَقِيقَةٌ في المُدافَعَةِ بِالسِّلاحِ، فَإطْلاقُهُ عَلى بَذْلِ المالِ في الغَزْوِ مِن إنْفاقٍ عَلى الجَيْشِ واشْتِراءِ الكُراعِ والسِّلاحِ، مَجازٌ بِعَلاقَةِ السَّبَبِيَّةِ.

وقَدْ أمَرَ اللَّهُ بِكِلا الأمْرَيْنِ فَمَنِ اسْتَطاعَهُما مَعًا وجَبا عَلَيْهِ، ومَن لَمْ يَسْتَطِعْ إلّا واحِدًا مِنهُما وجَبَ عَلَيْهِ الَّذِي اسْتَطاعَهُ مِنهُما.

وتَقْدِيمُ الأمْوالِ عَلى الأنْفُسِ هُنا: لِأنَّ الجِهادَ بِالأمْوالِ أقَلُّ حُضُورًا بِالذِّهْنِ عِنْدَ سَماعِ الأمْرِ بِالجِهادِ، فَكانَ ذِكْرُهُ أهَمَّ بَعْدَ ذِكْرِ الجِهادِ مُجْمَلًا.

والإشارَةُ بِـ (ذَلِكم) إلى الجِهادِ المُسْتَفادِ مِن ”وجاهِدُوا“ .

صفحة ٢٠٨

وإبْهامُ (خَيْرٌ) لِقَصْدِ تَوَقُّعِ خَيْرِ الدُّنْيا والآخِرَةِ مِن شُعَبٍ كَثِيرَةٍ أهَمُّها الِاطْمِئْنانُ مِن أنْ يَغْزُوَهُمُ الرُّومُ ولِذَلِكَ عَقَّبَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ذَلِكَ الخَيْرَ وشُعَبَهُ. وفي اخْتِيارِ فِعْلِ العِلْمِ دُونَ الإيمانِ مَثَلًا لِلْإشارَةِ إلى أنَّ مِن هَذا الخَيْرِ ما يَخْفى فَيَحْتاجُ مُتَطَلِّبُ تَعْيِينِ شُعَبِهِ إلى إعْمالِ النَّظَرِ والعِلْمِ.

9:42Page 194

لَوۡ كَانَ عَرَضٗا قَرِيبٗا وَسَفَرٗا قَاصِدٗا لَّٱتَّبَعُوكَ وَلَٰكِنۢ بَعُدَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلشُّقَّةُۚ وَسَيَحۡلِفُونَ بِٱللَّهِ لَوِ ٱسۡتَطَعۡنَا لَخَرَجۡنَا مَعَكُمۡ يُهۡلِكُونَ أَنفُسَهُمۡ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ إِنَّهُمۡ لَكَٰذِبُونَ ٤٢

Had it been a near [i.e., easy] gain and a moderate trip, they [i.e., the hypocrites] would have followed you, but distant to them was the journey. And they will swear by Allāh,1 "If we were able, we would have gone forth with you," destroying themselves [through false oaths], and Allāh knows that indeed they are liars.

﴿لَوْ كانَ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا قاصِدًا لاتَّبَعُوكَ ولَكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكم يُهْلِكُونَ أنْفُسَهم واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾

اسْتِئْنافٌ لِابْتِداءِ الكَلامِ عَلى حالِ المُنافِقِينَ وغَزْوَةِ تَبُوكَ حِينَ تَخَلَّفُوا واسْتَأْذَنَ كَثِيرٌ مِنهم في التَّخَلُّفِ واعْتَلُّوا بِعِلَلٍ كاذِبَةٍ، وهو ناشِئٌ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿ما لَكم إذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا في سَبِيلِ اللَّهِ اثّاقَلْتُمْ إلى الأرْضِ﴾ [التوبة: ٣٨]

وانْتُقِلَ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ لِأنَّ المُتَحَدَّثَ عَنْهم هُنا بَعْضُ المُتَثاقِلِينَ لا مَحالَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَ هَذا ﴿إنَّما يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ وارْتابَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ٤٥] . ومِن هَذِهِ الآياتِ ابْتَدَأ إشْعارُ المُنافِقِينَ بِأنَّ اللَّهَ أطْلَعَ رَسُولَهُ ﷺ عَلى دَخائِلِهِمْ.

والعَرَضُ ما يَعْرِضُ لِلنّاسِ مِن مَتاعِ الدُّنْيا وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذا الأدْنى﴾ [الأعراف: ١٦٩] في سُورَةِ الأعْرافِ وقَوْلِهِ: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا﴾ [الأنفال: ٦٧] في سُورَةِ الأنْفالِ والمُرادُ بِهِ الغَنِيمَةُ.

(والقَرِيبُ) الكائِنُ عَلى مَسافَةٍ قَصِيرَةٍ، وهو هُنا مَجازٌ في السَّهْلِ حُصُولُهُ. وقاصِدًا أيْ وسَطًا في المَسافَةِ غَيْرَ بَعِيدٍ. واسْمُ كانَ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ الخَبَرُ: أيْ لَوْ كانَ العَرَضُ عَرَضًا قَرِيبًا، والسَّفَرُ سَفَرًا مُتَوَسِّطًا، أوْ: لَوْ كانَ ما تَدْعُوهم إلَيْهِ عَرَضًا قَرِيبًا وسَفَرًا.

والشُّقَّةُ - بِضَمِّ الشِّينِ - المَسافَةُ الطَّوِيلَةُ.

صفحة ٢٠٩

وتَعْدِيَةُ بَعُدَتْ بِحَرْفِ (عَلى) لِتَضَمُّنِهِ مَعْنى ثَقُلَتْ، ولِذَلِكَ حَسُنَ الجَمْعُ بَيْنَ فِعْلِ ﴿بَعُدَتْ﴾ وفاعِلِهِ ﴿الشُّقَّةُ﴾ مَعَ تَقارُبِ مَعْنَيَيْهِما، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ولَكِنْ بَعُدَ مِنهُمُ المَكانُ لِأنَّهُ شُقَّةٌ، فَثَقُلَ عَلَيْهِمُ السَّفَرُ، فَجاءَ الكَلامُ مُوجَزًا.

وقَوْلُهُ: ﴿وسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ يُؤْذِنُ بِأنَّ الآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ الرُّجُوعِ مِن غَزْوَةِ تَبُوكَ، فَإنَّ حِلِفَهم إنَّما كانَ بَعْدَ الرُّجُوعِ وذَلِكَ حِينَ اسْتَشْعَرُوا أنَّ الرَّسُولَ - عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ - ظانٌّ كَذِبَهم في أعْذارِهِمْ.

والِاسْتِطاعَةُ القُدْرَةُ: أيْ لَسْنا مُسْتَطِيعِينَ الخُرُوجَ، وهَذا اعْتِذارٌ مِنهم وتَأْكِيدٌ لِاعْتِذارِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿لَخَرَجْنا مَعَكُمْ﴾ جَوابُ لَوْ.

والخُرُوجُ الِانْتِقالُ مِنَ المَقَرِّ إلى مَكانٍ قَرِيبٍ أوْ بَعِيدٍ ويُعَدّى إلى المَكانِ المَقْصُودِ بِـ ”إلى“، وإلى المَكانِ المَتْرُوكِ بِـ ”مِن“، وشاعَ إطْلاقُ الخُرُوجِ عَلى السَّفَرِ لِلْغَزْوِ. وتَقْيِيدُهُ بِالمَعِيَّةِ إشْعارٌ بِأنَّ أمْرَ الغَزْوِ لا يَهُمُّهُمُ ابْتِداءً، وأنَّهم إنَّما يَخْرُجُونَ لَوْ خَرَجُوا إجابَةً لِاسْتِنْفارِ النَّبِيءِ ﷺ: خُرُوجَ النّاصِرِ لِغَيْرِهِ، تَقُولُ العَرَبُ: خَرَجَ بَنُو فُلانٍ وخَرَجَ مَعَهم بَنُو فُلانٍ، إذا كانُوا قاصِدِينَ نَصْرَهم.

وجُمْلَةُ ﴿يُهْلِكُونَ أنْفُسَهُمْ﴾ حالٌ، أيْ يَحْلِفُونَ مُهْلِكِينَ أنْفُسَهم، أيْ مَوْقِعِينَها في الهَلَكِ. والهَلَكُ الفَناءُ والمَوْتُ، ويُطْلَقُ عَلى الأضْرارِ الجَسِيمَةِ وهو المُناسِبُ هُنا، أيْ يَتَسَبَّبُونَ في ضَرِّ أنْفُسِهِمْ بِالأيْمانِ الكاذِبَةِ، وهو ضَرُّ الدُّنْيا وعَذابُ الآخِرَةِ.

‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‌‍‍‍‍‍ وفي هَذِهِ الآيَةِ دَلالَةٌ عَلى أنَّ تَعَمُّدَ اليَمِينِ الفاجِرَةِ يُفْضِي إلى الهَلاكِ، ويُؤَيِّدُهُ ما رَواهُالبُخارِيُّ في كِتابِ الدِّياتِ مِن خَبَرِ الهَذَلِيِّينَ الَّذِينَ حَلَفُوا أيْمانَ القَسامَةِ في زَمَنِ عُمَرَ، وتَعَمَّدُوا الكَذِبَ، فَأصابَهم مَطَرٌ فَدَخَلُوا غارًا في جَبَلٍ فانْهَدَمَ عَلَيْهِمُ الغارُ فَماتُوا جَمِيعًا.

وجُمْلَةُ ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ حالٌ، أيْ هم يَفْعَلُونَ ذَلِكَ في حالِ عَدَمِ جَدْواهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ كَذِبَهم، أيْ ويُطْلِعُ رَسُولَهُ عَلى كَذِبِهِمْ، فَما جَنَوْا مِنَ الحَلِفِ إلّا هَلاكَ أنْفُسِهِمْ.

وجُمْلَةُ ﴿إنَّهم لَكاذِبُونَ﴾ سَدَّتْ مَسَدَّ مَفْعُولَيْ ﴿يَعْلَمُ﴾

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском