Al-Iji · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:274–286
2:274–281Page 46
ٱلَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُم بِٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ سِرّٗا وَعَلَانِيَةٗ فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٤
Those who spend their wealth [in Allāh's way] by night and by day, secretly and publicly - they will have their reward with their Lord. And no fear will there be concerning them, nor will they grieve.
ٱلَّذِينَ يَأۡكُلُونَ ٱلرِّبَوٰاْ لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ ٱلَّذِي يَتَخَبَّطُهُ ٱلشَّيۡطَٰنُ مِنَ ٱلۡمَسِّۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَالُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡبَيۡعُ مِثۡلُ ٱلرِّبَوٰاْۗ وَأَحَلَّ ٱللَّهُ ٱلۡبَيۡعَ وَحَرَّمَ ٱلرِّبَوٰاْۚ فَمَن جَآءَهُۥ مَوۡعِظَةٞ مِّن رَّبِّهِۦ فَٱنتَهَىٰ فَلَهُۥ مَا سَلَفَ وَأَمۡرُهُۥٓ إِلَى ٱللَّهِۖ وَمَنۡ عَادَ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٧٥
Those who consume interest1 cannot stand [on the Day of Resurrection] except as one stands who is being beaten by Satan into insanity. That is because they say, "Trade is [just] like interest." But Allāh has permitted trade and has forbidden interest. So whoever has received an admonition from his Lord and desists may have what is past, and his affair rests with Allāh. But whoever returns [to dealing in interest or usury] - those are the companions of the Fire; they will abide eternally therein.
يَمۡحَقُ ٱللَّهُ ٱلرِّبَوٰاْ وَيُرۡبِي ٱلصَّدَقَٰتِۗ وَٱللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ٢٧٦
Allāh destroys interest and gives increase for charities. And Allāh does not like every sinning disbeliever.
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَقَامُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَوُاْ ٱلزَّكَوٰةَ لَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٢٧٧
Indeed, those who believe and do righteous deeds and establish prayer and give zakāh will have their reward with their Lord, and there will be no fear concerning them, nor will they grieve.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ ٱلرِّبَوٰٓاْ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٧٨
O you who have believed, fear Allāh and give up what remains [due to you] of interest, if you should be believers.
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ فَأۡذَنُواْ بِحَرۡبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَإِن تُبۡتُمۡ فَلَكُمۡ رُءُوسُ أَمۡوَٰلِكُمۡ لَا تَظۡلِمُونَ وَلَا تُظۡلَمُونَ ٢٧٩
And if you do not, then be informed of a war [against you] from Allāh and His Messenger. But if you repent, you may have your principal - [thus] you do no wrong, nor are you wronged.
وَإِن كَانَ ذُو عُسۡرَةٖ فَنَظِرَةٌ إِلَىٰ مَيۡسَرَةٖۚ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٨٠
And if someone is in hardship, then [let there be] postponement until [a time of] ease. But if you give [from your right as] charity, then it is better for you, if you only knew.
وَٱتَّقُواْ يَوۡمٗا تُرۡجَعُونَ فِيهِ إِلَى ٱللَّهِۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٢٨١
And fear a Day when you will be returned to Allāh. Then every soul will be compensated for what it earned, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم بِاللَّيْلِ والنَّهارِ سِرًّا وعَلانِيَةً﴾ أي: يعُمُّون الأحوال بالخير، نزلت في ربط الخيل يعلفونها دائمًا في سبيل الله، أو في علي بن أبي طالب - رضى الله عنه - كان له أربعة دراهم فتصدق درهمًا ليلًا، ودرهمًا نهارًا، ودرهمًا سرًا، ودرهمًا علانية، ﴿فَلَهم أجْرُهم عِندَ ربِّهِمْ ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ في القيامة، ﴿ولا هم يَحْزَنُونَ﴾: على ما فات عنهم، قال تعالى: ”لا يَحْزُنُهُمُ الفَزَعُ الأكْبَرُ“ [الأنبياء: ١٠٣]، ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا﴾ لما ذكر الأبرار المخرجين للصدقات، شرع في ذكر أكلة الربا وأموال الناس بالظلم، وعبر عن الأخذ بالأكل، لأن الأكل أعظم المنافع، والربا شائع في المطعومات، ﴿لا يَقُومُونَ﴾ من قبورهم، ﴿إلّا كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ﴾ أي: إلا قيامًا كقيام المصروع، ﴿مِنَ المَسِّ﴾، أي: الجنون، وهو متعلق بـ لا يقومون، أو بيقوم، وفي الحديث ”مر عليه السلام ليلة الإسراء على قوم بطونهم كالبيوت، وأخبر أنّهم أكلة الربا“، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: العقاب، ﴿بِأنهُمْ﴾: بسبب أنّهم، ﴿قالُوا إنَّما البَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾: اعترضوا على أحكام الله، وقالوا: البيع مثل الربا، وإذا كان الربا حرامًا فلا بد أن يكون البيع كذلك، ﴿وأحَل اللهُ البَيْعَ وحَرَّمَ الربا﴾ يحتمل أن يكون تتمة كلام المعترض المشرك، ويحتمل أن يكون من كلام الله ردًّا عليهم، أي: اعترضوا، والحال أن الله فرق بين هذا وهذا، وهو الحكيم العليم، ﴿فَمَن جاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِن رَبِّهِ﴾: بلغه وعظ من الله، ﴿فانْتَهى﴾: فاتعظ وتبع النهي حال وصول الشرع إليه، ﴿فَلَهُ ما سَلَفَ﴾ من المعاملة، أي: له ما كان أكل من الربا زمن الجاهلية، ﴿وأمْرُهُ إلى اللهِ﴾: يحكم يوم القيامة بينهم، وليس من أمره إليكم شيء، ﴿ومَن عادَ﴾ إلى تحليله وأكله، ﴿فأوْلَئِكَ أصْحابُ النّارِ هم فِيها خالِدُونَ﴾ لكفرهم، ﴿يَمْحَقُ اللهُ الربا﴾: يذهب بركته، فلا ينتفع في الدنيا والآخرة؛، قد ورد: ”ما أحد أكثر من الربا إلا كان عاقبة أمره إلى قلة“، ﴿ويُرْبِي الصَّدَقاتِ﴾: يكثرها وينميها، وقد ورد ”إن الله ليربي لأحدكم التمرة واللقمة، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله حتى يكون مثل أحد“، ﴿واللهُ لاَ يُحِبُّ﴾: لا يرتضي، ﴿كُلَّ كَفّارٍ﴾: مصر على تحليل الحرام ﴿أثِيمٍ﴾: فاجر بارتكابه، ﴿إن الذِينَ آمَنُوا﴾، بما جاء من الله، ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ وأقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ﴾ عطفهما على الأعم لشرفهما َ، ﴿لَهم أجرُهم عِندَ رَبِّهِمْ ولاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من آت، ﴿ولاَ هم يَحْزنونَ﴾ على فائت، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وذَرُوا ما بَقِيَ مِنَ الرِّبا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾: اتركوا ما لكم على الناس من الزيادة على رأس المال بعد الإنذار، إن كنتم مؤمنين بشرع الله، كان بين ثقيف وبني مخزوم ربا في الجاهلية، فلما جاء الإسلام، طلبت ثقيف فتشاجروا فنزلت، ﴿فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ ولم تذروا ما بقي من الربا، ﴿فَأْذَنوا﴾: فاعلموا، ﴿بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ ورَسُولِهِ﴾، يقال يوم القيامة لآكل الربا: خذ سلاحك للحرب، أو لابد للإمام أن يستتيبهم، فإن تابوا وإلا وضع فيهم الحرب والسلاح، ﴿وإنْ تُبْتُمْ فَلَكم رُءُوسُ أمْوالِكم لا تَظْلِمُونَ﴾ بأخذ الزيادة، ﴿ولا تُظْلَمُونَ﴾ بوضع رءوس الأموال، وقيل فهم منه أن المصر، أي: على التحليل ليس له رأس ماله، لأنه مرتد وماله فيء، ﴿وإن كانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾: وقع غريم ذو عسرة، ﴿فَنَظِرَةٌ﴾ أي: فعيكم تأخير، ﴿إلى مَيْسَرَةٍ﴾: يسار، لا كفعل الجاهلية إذا حل الدين، يطالب إما بالقضاء وإما بالربا، ﴿وأنْ تَصَدَّقُوا﴾ بإبراء رأس المال، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾: أكثر ثوابًا، وقيل: خير مما تأخذونه، ﴿إنْ كُنتُم تَعْلَمُونَ﴾ ما فيه من الأجر، ﴿واتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إلى اللهِ﴾: يوم القيامة، أو يوم الموت، ﴿ثُمَّ تُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما كَسَبَتْ﴾ أي: جزاء ما عملت، ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ بنقص ثواب وهذه آخر آية نزلت من القرآن، عاش النبي ﷺ بعدها تسع ليال، أو واحد وثلاثين يومًا.
2:282–283Page 48
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيۡنٍ إِلَىٰٓ أَجَلٖ مُّسَمّٗى فَٱكۡتُبُوهُۚ وَلۡيَكۡتُب بَّيۡنَكُمۡ كَاتِبُۢ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَلَا يَأۡبَ كَاتِبٌ أَن يَكۡتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ ٱللَّهُۚ فَلۡيَكۡتُبۡ وَلۡيُمۡلِلِ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥ وَلَا يَبۡخَسۡ مِنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ فَإِن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيۡهِ ٱلۡحَقُّ سَفِيهًا أَوۡ ضَعِيفًا أَوۡ لَا يَسۡتَطِيعُ أَن يُمِلَّ هُوَ فَلۡيُمۡلِلۡ وَلِيُّهُۥ بِٱلۡعَدۡلِۚ وَٱسۡتَشۡهِدُواْ شَهِيدَيۡنِ مِن رِّجَالِكُمۡۖ فَإِن لَّمۡ يَكُونَا رَجُلَيۡنِ فَرَجُلٞ وَٱمۡرَأَتَانِ مِمَّن تَرۡضَوۡنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ أَن تَضِلَّ إِحۡدَىٰهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحۡدَىٰهُمَا ٱلۡأُخۡرَىٰۚ وَلَا يَأۡبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْۚ وَلَا تَسۡـَٔمُوٓاْ أَن تَكۡتُبُوهُ صَغِيرًا أَوۡ كَبِيرًا إِلَىٰٓ أَجَلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِ وَأَقۡوَمُ لِلشَّهَٰدَةِ وَأَدۡنَىٰٓ أَلَّا تَرۡتَابُوٓاْ إِلَّآ أَن تَكُونَ تِجَٰرَةً حَاضِرَةٗ تُدِيرُونَهَا بَيۡنَكُمۡ فَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٌ أَلَّا تَكۡتُبُوهَاۗ وَأَشۡهِدُوٓاْ إِذَا تَبَايَعۡتُمۡۚ وَلَا يُضَآرَّ كَاتِبٞ وَلَا شَهِيدٞۚ وَإِن تَفۡعَلُواْ فَإِنَّهُۥ فُسُوقُۢ بِكُمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۖ وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُۗ وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٨٢
O you who have believed, when you contract a debt for a specified term, write it down. And let a scribe write [it] between you in justice. Let no scribe refuse to write as Allāh has taught him. So let him write and let the one who has the obligation [i.e., the debtor] dictate. And let him fear Allāh, his Lord, and not leave anything out of it. But if the one who has the obligation is of limited understanding or weak or unable to dictate himself, then let his guardian dictate in justice. And bring to witness two witnesses from among your men. And if there are not two men [available], then a man and two women from those whom you accept as witnesses - so that if one of them [i.e., the women] errs, then the other can remind her. And let not the witnesses refuse when they are called upon. And do not be [too] weary to write it, whether it is small or large, for its [specified] term. That is more just in the sight of Allāh and stronger as evidence and more likely to prevent doubt between you, except when it is an immediate transaction which you conduct among yourselves. For [then] there is no blame upon you if you do not write it. And take witnesses when you conclude a contract. Let no scribe be harmed or any witness. For if you do so, indeed, it is [grave] disobedience in you. And fear Allāh. And Allāh teaches you. And Allāh is Knowing of all things.
۞ وَإِن كُنتُمۡ عَلَىٰ سَفَرٖ وَلَمۡ تَجِدُواْ كَاتِبٗا فَرِهَٰنٞ مَّقۡبُوضَةٞۖ فَإِنۡ أَمِنَ بَعۡضُكُم بَعۡضٗا فَلۡيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤۡتُمِنَ أَمَٰنَتَهُۥ وَلۡيَتَّقِ ٱللَّهَ رَبَّهُۥۗ وَلَا تَكۡتُمُواْ ٱلشَّهَٰدَةَۚ وَمَن يَكۡتُمۡهَا فَإِنَّهُۥٓ ءَاثِمٞ قَلۡبُهُۥۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ عَلِيمٞ ٢٨٣
And if you are on a journey and cannot find a scribe, then a security deposit [should be] taken. And if one of you entrusts another, then let him who is entrusted discharge his trust [faithfully] and let him fear Allāh, his Lord. And do not conceal testimony, for whoever conceals it - his heart is indeed sinful, and Allāh is Knowing of what you do.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا تَدايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى فاكْتُبُوهُ﴾، أي: تعاملتم بمعاملات مؤجلة فاكتبوها، قال ابن عباس رضى الله عنهما: أنرلت في السلف، حرم الله الربا وأباح السلف، وهذا أمر إرشاد لا أمر إيجاب، وعن كثير من السلف: أن الأمر للوجوب، ولكن نسخ بقوله: ”فإن أمن بعضكم بعضًا“ [البقرة: ٢٨٣]، ﴿ولْيَكْتُبْ بَيْنَكم كاتِبٌ بِالعَدْلِ﴾: بالسوية، لا يزيد ولا ينقص، ﴿ولا يَأْبَ كاتِبٌ أنْ يَكْتُبَ كَما عَلَّمَهُ اللهُ﴾ أي: لا يأب أن ينفع الناس بكتابته، كما نفعه الله بتعليمها، أو مثل ما علمه من كتابة الوثائق، قال عطاء ومجاهد: واجب على الكاتب أن يكتب، ﴿فَلْيَكْتُبْ﴾ أمر بما بعد النهي عن الإباء تأكيدًا، قيل: جاز أن يتعلق كما علمه الله به، فالنهي مطلق والأمر مقيد، ﴿ولْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ﴾: الإملال والإملاء واحد، أي: وليملل المدين على الكاتب ما في ذمته من الدين، ﴿ولْيَتَّقِ اللهَ رَبَّهُ ولا يَبْخَسْ مِنهُ شَيْئًا﴾ أمر بأن يقر بمبلغ المال من غير نقصان، ﴿فَإنْ كانَ الَّذِي عَلَيْهِ الحَقُّ سَفِيهًا﴾: محجورًا عليه بتبذير ونحوه، ﴿أوْ ضَعِيفًا﴾: صبيًا، أو مجنونًا، ﴿أوْ لا يَسْتَطِيعُ أنْ يُمِلَّ هُوَ﴾ بخرس، أو جهل باللغة، ﴿فَلْيُمْلِلْ ولِيُّهُ﴾: الذي يلي أمره، من وكيل، أو قسيم، أو مترجم، ﴿بِالعَدْلِ﴾: بالصدق، ﴿واسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ﴾، اطلبوا شاهدين، أن يشهدوا على الدين، ﴿مِن رِّجالِكُمْ﴾: رجال المسلمين، ﴿فَإنْ لَمْ يَكُونا رَجُلَيْنِ﴾ أي: إن لم يكن الشهيدان رجلين، ﴿فَرَجُلٌ وامْرَأتانِ﴾ أي: فالمستشهد رجل وامرأتان، وهذا مخصوص بالأموال عند الشافعي، وبما عدا الحدود والقصاص عند أبي حنيفة، ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَداءِ﴾ لعلمكم بعدالتهم، ﴿أنْ تَضِلَّ إحْداهُما فَتُذَكِّرَ إحْداهُما الأُخْرى﴾ أي: إن نسيت إحدى المرأتين الشهادة، ذكرتها الأخرى، فهو علة اعتبار العدد، والعلة في الحقيقة التذكير، ولما كان الضلال سببًا له نزل منزلته، ﴿ولا يَأْبَ الشُّهَداءُ إذا ما دُعُوا﴾ لأداء الشهادة، وعند بعض معناه: إذا دعوا للتحمل، وحينئذ تسميتهم شهداء باعتبار المشارفة، وما زائدة ومنه علم أن تحمل الشهادة فرض كفاية، ﴿ولا تَسْأمُوا أنْ تَكْتُبُوهُ﴾ أي: لا تملوا، ولا تمنعكم الملالة أن تكتبوا الحق، ﴿صَغِيرًا أوْ كبِيرًا﴾: قليلًا كان الحق أو كثيرًا، ﴿إلى أجَلِهِ﴾: إلى وقت حلوله، ﴿ذلِكُمْ﴾ إشارة إلى أن تكتبوه، ﴿أقْسَطُ عِنْدَ اللهِ﴾: أعدل، ﴿وأقْوَمُ لِلشَّهادَةِ﴾: أثبت لها، وهما مبنيان من أقسط وأقام على مذهب سيبويه، ﴿وأدْنى ألّا تَرْتابُوا﴾ أي: أقرب في ألا تشكوا، لأن ترجعوا بعد الشك في كتابتكم، ﴿إلا أن تَكُونَ﴾ التجارة، ﴿تِجارَةً حاضِرَةً تُدِيرُونَها بَيْنَكم فَلَيْسَ عَلَيْكم جُناحٌ ألّا تَكْتُبُوها﴾ استثناء من الأمر بالكتابة، وإدارتها بينهم: تعاطيهم إياها، يدًا بيد، ومن قرأ: ﴿تِجارَةٌ﴾ بالرفع فعنده كان تامة، أو تديرونها خبر كان، ﴿وأشْهِدُوا إذا تَبايَعْتُمْ﴾ مطلقًا مؤجلًا، أو معجلًا، وهذا الأمر محمول على الندب، وعند الشعبي والحسن للوجوب لكن نسخ، ﴿ولا يُضارَّ كاتِبٌ ولا شَهِيدٌ﴾ نهي عن الضرار بهما، مثل أن يكلفا ترك حاجاتهم ومهامهم ولا يعطى جعل الكاتب، وعلى هذا يضار مبني للمفعول، أو معناه فيهما عن الضرار بزيادة ونقصان، وتحريف وتغيير، فعلى هذا يكون مبنيًا للفاعل، ﴿وإنْ تَفْعَلُوا﴾ ما نهيتم عنه، ﴿فَإنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ أي: لاحق لازم بكم، ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾ في مخالفة أمره، ﴿ويُعَلِّمُكُمُ اللهُ﴾ أحكامه وشرائعه، ﴿واللهُ بِكُلِّ شَيْء عَلِيمٌ﴾ تكرار لفظ الله في الجمل الثلاث لاستقلال كل منها، ولأنه أدخل في التعظيم، ﴿وإنْ كنتُمْ عَلى سَفَرٍ﴾ أي: مسافرين، ﴿ولَمْ تَجِدُوا كاتِبًا﴾ يكتب لكم، ﴿فَرِهانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ أي: فليؤخذ بدل الكتابة، رهان مقبوضة في يد صاحب الحق، وعند بعض السلف أن الرهن لا يجوز إلا في السفر، والحديث يرده، ﴿فَإنْ أمِنَ بَعْضُكُم بَعْضًا﴾: بعض الدائنين بعض المديونين، ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أمانَتَهُ﴾ سمى الدَّين أمانة لائتمانه عليه بترك الإرتهان منه، ﴿ولْيَتَّقِ الله رَبَّهُ﴾ في الخيانة، ﴿ولا تَكْتُمُوا الشَّهادَةَ ومَن يَكْتُمْها فَإنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ قلبه فاعل آثم، أو مبتدأ، وآثِمٌ خبره، والجملة خبر إن، وإسناده إليه للمبالغة، كقوله: هذا مما عرفه قلبي، ولئلا يظن أنه من آثام اللسان، بل من آثام القلب، الذي هو أشرف الأعضاء، قال ابن عباس رضى الله عنهما: كتمانها من أكبر الكبائر، ﴿واللهُ بِما تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ تهديد ووعيد.
2:284–286Page 49
لِّلَّهِ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَإِن تُبۡدُواْ مَا فِيٓ أَنفُسِكُمۡ أَوۡ تُخۡفُوهُ يُحَاسِبۡكُم بِهِ ٱللَّهُۖ فَيَغۡفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَآءُۗ وَٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٌ ٢٨٤
To Allāh belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. Whether you show what is within yourselves or conceal it, Allāh will bring you to account for it. Then He will forgive whom He wills and punish whom He wills, and Allāh is over all things competent.
ءَامَنَ ٱلرَّسُولُ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيۡهِ مِن رَّبِّهِۦ وَٱلۡمُؤۡمِنُونَۚ كُلٌّ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَمَلَٰٓئِكَتِهِۦ وَكُتُبِهِۦ وَرُسُلِهِۦ لَا نُفَرِّقُ بَيۡنَ أَحَدٖ مِّن رُّسُلِهِۦۚ وَقَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَاۖ غُفۡرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيۡكَ ٱلۡمَصِيرُ ٢٨٥
The Messenger has believed in what was revealed to him from his Lord, and [so have] the believers. All of them have believed in Allāh and His angels and His books and His messengers, [saying], "We make no distinction between any of His messengers." And they say, "We hear and we obey. [We seek] Your forgiveness, our Lord, and to You is the [final] destination."
لَا يُكَلِّفُ ٱللَّهُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۚ لَهَا مَا كَسَبَتۡ وَعَلَيۡهَا مَا ٱكۡتَسَبَتۡۗ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذۡنَآ إِن نَّسِينَآ أَوۡ أَخۡطَأۡنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تَحۡمِلۡ عَلَيۡنَآ إِصۡرٗا كَمَا حَمَلۡتَهُۥ عَلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِنَاۚ رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلۡنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِۦۖ وَٱعۡفُ عَنَّا وَٱغۡفِرۡ لَنَا وَٱرۡحَمۡنَآۚ أَنتَ مَوۡلَىٰنَا فَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٨٦
Allāh does not charge a soul except [with that within] its capacity. It will have [the consequence of] what [good] it has gained, and it will bear [the consequence of] what [evil] it has earned. "Our Lord, do not impose blame upon us if we have forgotten or erred. Our Lord, and lay not upon us a burden like that which You laid upon those before us. Our Lord, and burden us not with that which we have no ability to bear. And pardon us; and forgive us; and have mercy upon us. You are our protector, so give us victory over the disbelieving people."1
﴿لِلَّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ خلقًا وملكًا، ﴿وإن تُبْدُوا ما في أنفُسِكم أوْ تُخْفوهُ﴾: ما خطر ببالكم من السوء، ﴿يُحاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾ في الآخرة، لما نزلت غمت الصحابة ”فقالوا هلكنا، فقلوبنا ليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا سعنا وأطعنا، فقالوها“ فنزلت ”آمن الرسول“ إلى ”عليها ما اكتسبت“ فنسختها، وتجاوز لهم عن حديث النفس وصرح بنسخها أكثر السلف، وبعضهم صرحوا بعدم نسخها، وقالوا: يخبرهم الله يوم القيامة بما أخفوا في أنفسهم، فيغفر للمؤمنين، ويؤاخذ أهل الشك والنفاق، فمعنى المحاسبة: الإخبار، وعن عائشة رضى الله عنها ”أن رسول الله ﷺ قال حين سألت عن الآية: هذه معاتبة الله العبد بما يصيبه الله من الحمى والنكبة، حتى البضاعة يضعها في يد قميصه فيفقدها، فيفزع لها، حتى أن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر من الكير“، فعلى هذا المحاسبة المؤاخذة، لكن المحاسبة إما في الدنيا، وإما في الآخرة، ﴿فَيَغْفِرُ لِمَن يَشاءُ﴾ مغفرته، ﴿ويُعَذِّبُ مَن يَشاءُ﴾ تعذيبه، ﴿واللهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من المحاسبة وغيرها، ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إلَيْهِ مِن رَبِّهِ والمُؤْمِنُونَ﴾ وجه نزول الآية قد ذكرناه وهو أنهم قالوا: ”سمعنا وأطعنا“ لا كما قال أهل الكتاب: ”سمعنا وعصينا“ [البقرة: ٩٣] قوله: ”والمؤمنون“ عطف على الرسول، ﴿كُل﴾: من الرسول والمؤمنين، ﴿آمَنَ بِاللهِ ومَلاِئكَتهِ وكُتُبِهِ ورُسُلِهِ﴾ يقولون، ﴿لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أحَدٍ مِن رُسُلِهِ﴾ في الإيمان بهم، ولا نقول: ”نؤمن ببعض ونكفر ببعض“ [النساء: ١٥٠]، ﴿وقالُوا سَمِعنا﴾، قول الله، ﴿وأطَعْنا﴾ أمره، نسأل، أو اغفر، ﴿غُفْرانَكَ رَبَّنا وإلَيْكَ المَصِيرُ﴾: المرجع بعد الموت، ﴿لا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إلّا وُسْعَها﴾ ما يسعه قدرتها ويتسع فيه طوقها، لا ما لا يملك دفعه من وسوسة النفس وحديثها، ﴿لَها ما كَسَبَتْ﴾: من خير، ﴿وعَلَيْها ما اكْتسَبَتْ﴾: من شر، ولما كان الشر مما تشتهيه النفس، وهي أجَدُّ واعْمَلُ فيه، جعلت لذلك مكتسبة فيه بخلاف الخير، فإنها لما لم تكن فيه كذلك وصفت بما ليس فيه الاعتمال، فقال: كسبت، ﴿رَبَّنا لا تُؤاخِذْنا إنْ نَسِينا أوْ أخْطَأْنا﴾ سألوا الله التجاوز عنهما فأجاب، ففي الحديث ”وضع عن أمتي الخطأ والنسيان“، وأما دعاؤنا حينئذ بهما، فيمكن أن يكون لإدامة الوعد، وأن يجعلنا ممن وعد له التجاوز عنهما، ﴿رَبَّنا ولا تَحْمِلْ عَلَيْنا إصْرًا﴾: تكاليف شاقة، تأصر صاحبه: تحبسه في مكانه، وإن أطقناها، ﴿كَما حَمَلْتَهُ عَلى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَ﴾، مثل الذي حَمَّلْتَهُ إياهم فيكون صفة إصرا وهو التكاليف الشاقة وما أصابهم من المحن، ﴿رَبَّنا ولا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ﴾: من المصائب، والتشديد هاهنا لتعديته إلى مفعول ثان، ﴿واعْفُ عَنّا﴾: امح عنا ذنوبنا، ﴿واغْفِرْ لَنا﴾: واستر لنا عيوبنا، ﴿وارْحَمْنا﴾ في الدنيا، فلا توقعنا في ذنب [[عن بعض السلف، الذنب محتاج إلى ثلاثة أشياء: أن يعفو الله عنه، وأن يستره عن عباده فلا يفضحه، وأن يعصمه فلا يوقعه في نظيره/ ١٢ منه.]] آخر، ﴿أنْتَ مَوْلانا﴾: ولينا وناصرنا، ﴿فانْصُرْنا عَلى القَوْمِ الكافِرِينَ﴾، وفي الحديث: ”في آخر كل دعوة من هذه الدعوات، قال الله تعالى: فعلت ونعم“، وفي الحديث، " فضلنا على الناس بثلاث: أوتيت هؤلاء الآيات من آخر سورة البقرة من بيت تحت العرش، لم يعطها أحد قبلي ولم يعطها أحد بعدي.
والحمد لله حقَّ حمده.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences