Al-Iji · Tafsir · in Arabic
Az-Zumar 39:53–75
39:53–63Page 464
۞ قُلۡ يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ أَسۡرَفُواْ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ لَا تَقۡنَطُواْ مِن رَّحۡمَةِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَغۡفِرُ ٱلذُّنُوبَ جَمِيعًاۚ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٥٣
Say, "O My servants who have transgressed against themselves [by sinning], do not despair of the mercy of Allāh. Indeed, Allāh forgives all sins.1 Indeed, it is He who is the Forgiving, the Merciful."
وَأَنِيبُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّكُمۡ وَأَسۡلِمُواْ لَهُۥ مِن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ ٥٤
And return [in repentance] to your Lord and submit to Him before the punishment comes upon you; then you will not be helped.
وَٱتَّبِعُوٓاْ أَحۡسَنَ مَآ أُنزِلَ إِلَيۡكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبۡلِ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلۡعَذَابُ بَغۡتَةٗ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٥٥
And follow the best of what was revealed to you from your Lord [i.e., the Qur’ān] before the punishment comes upon you suddenly while you do not perceive,
أَن تَقُولَ نَفۡسٞ يَٰحَسۡرَتَىٰ عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنۢبِ ٱللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ ٱلسَّٰخِرِينَ ٥٦
Lest a soul should say,1 "Oh, [how great is] my regret over what I neglected in regard to Allāh and that I was among the mockers."
أَوۡ تَقُولَ لَوۡ أَنَّ ٱللَّهَ هَدَىٰنِي لَكُنتُ مِنَ ٱلۡمُتَّقِينَ ٥٧
Or [lest] it say, "If only Allāh had guided me, I would have been among the righteous."
أَوۡ تَقُولَ حِينَ تَرَى ٱلۡعَذَابَ لَوۡ أَنَّ لِي كَرَّةٗ فَأَكُونَ مِنَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
Or [lest] it say when it sees the punishment, "If only I had another turn1 so I could be among the doers of good."
بَلَىٰ قَدۡ جَآءَتۡكَ ءَايَٰتِي فَكَذَّبۡتَ بِهَا وَٱسۡتَكۡبَرۡتَ وَكُنتَ مِنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٥٩
But yes, there had come to you My verses, but you denied them and were arrogant, and you were among the disbelievers.
وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ تَرَى ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى ٱللَّهِ وُجُوهُهُم مُّسۡوَدَّةٌۚ أَلَيۡسَ فِي جَهَنَّمَ مَثۡوٗى لِّلۡمُتَكَبِّرِينَ ٦٠
And on the Day of Resurrection you will see those who lied about Allāh [with] their faces blackened. Is there not in Hell a residence for the arrogant?
وَيُنَجِّي ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ بِمَفَازَتِهِمۡ لَا يَمَسُّهُمُ ٱلسُّوٓءُ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦١
And Allāh will save those who feared Him by their attainment;1 no evil will touch them, nor will they grieve.
ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ ٦٢
Allāh is the Creator of all things, and He is, over all things, Disposer of affairs.
لَّهُۥ مَقَالِيدُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٦٣
To Him belong the keys of the heavens and the earth. And they who disbelieve in the verses of Allāh - it is those who are the losers.
﴿قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أسْرَفُوا عَلى أنْفُسِهِمْ﴾: بارتكاب المعاصي، أي معصية كانت، ﴿لا تَقْنَطُوا﴾: لا تيأسوا، ﴿مِن رَحْمَةِ اللهِ إنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، يعني: ليس ذنب لا يمكن أن تتعلق به مغفرة الله تعالى، لكن جرت عادة الله تعالى أنه لا يغفر الشرك من غير توبة، أما سائر المعاصي فيغفر مع التوبة بتًا وبدونها إن أراد، وما نقل من أسباب نزول تلك الآية لا يدل على خلاف ما فسرناها به مع أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كيف وقد وردت بيانًا لسعة رحمته تعالى، مع تعليل النهي عن القنوط بأنه يغفر الذنوب بصيغة الجمع مع التأكيد، نزلت في أناس من المشركين حين قالوا: إن ما تدعونا إليه يا محمد لحسن، لو تخبرنا أن لما عملنا كفارة، أو نزلت في وحشي قاتل حمزة رضى الله عنه، أو في جماعة من المرتدين، وعن بعض السلف: إن الله تعالى لما سلط إبليس على آدم عليه السلام، شكى آدم إلى ربه فقال الله تعالى: ”لا يولد لك ولد إلا وكلت به من يحفظه من قرناء السوء، فقال: يا رب زدني، فقال: الحسنة بعشر، والسيئة بمثلها، أو أمحوها، قال: زدني، قال: باب التوبة مفتوح ما كان الروح في الجسد، قال: يا رب زدني، فقال:“ يا عبادى الذين أسرفوا ”الآية، ﴿إنَّهُ هو الغَفُورُ الرَّحِيمُ وأنيبُوا﴾: ارجعوا، ﴿إلى رَبِّكُمْ﴾، تحريض بالتوبة فإنها جاعلة للمعاصي كالعدم، موثوق معها بالنجاة، ﴿وأسْلِمُوا لَهُ﴾: أطيعوا، ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ﴾، الآية نزلت في شأن الكفار، ﴿واتَّبِعُوا أحْسَنَ ما أُنْزِلَ إلَيْكم مِن رَبِّكُمْ﴾، أي: القرآن فإنه أحسن من جميع الكتب السماوية، قيل: الأحسن العزائم دون الرخص، أي: اتبعوا ما هو أنجى، ﴿مِن قَبْلِ أنْ يَأْتِيَكُمُ العَذابُ بَغْتَةً﴾، حال أو مصدر، ﴿وأنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾، بمجيئه فتداركون، أو فيكون أشد، ﴿أنْ تَقُولَ﴾، أي: أنذركم، وآمركم، وأرشدكم باتباع الأحسن، كراهة أن تقول، ﴿نَفْسٌ﴾، أي: بعض النفوس، وهي النفس الكافرة، أو تقول هي عام لأنها في سياق النفي معنى لأن، معناه لئلا تقول نفس، ﴿يا حَسْرَتى﴾، أي: أقبلي فهذا أوانك، ﴿عَلى ما فَرَّطْتُ﴾: قصرت، ﴿فِي جَنْبِ اللهِ﴾: جانبه، أي: حقه، أي: طاعته، وقيل في قربه، ﴿وإنْ كُنْتُ﴾، إن هي المخففة، والواو للحال، ﴿لَمِنَ السّاخِرِينَ﴾: المستهزئين بدينه، ﴿أوْ تَقُولَ لَوْ أنَّ اللهَ هَدانِي﴾: علمني الخير، وأرشدني، ﴿لَكُنْتُ مِنَ المُتَّقِينَ أوْ تَقُولَ حِينَ تَرى العَذابَ لَوْ أنَّ لِي كَرَّةً﴾: رجعة إلى الدنيا، ولو للتمني، َ ﴿فَأكُونَ مِنَ المُحْسِنِينَ﴾، في العقائد، والأعمال، وأو للدلالة على أنه لا يخلو من هذه الأقوال، ولا يبعد أن يقال: أن تقول بدل اشتمال من أن يأتيكم العذاب، أي: من قبل أن تقول نفس إلخ، وقد رأيته منقولًا عن بعض أئمة النحاة، ﴿بَلى قَدْ جاءَتْكَ آياتِي فَكَذَّبْتَ بِها واسْتَكْبَرْتَ وكُنْتَ مِنَ الكافِرِينَ﴾، رد لما تضمنه قوله:“ لو أن الله هداني "، من معنى النفي، وفصل بين الجواب وهو يلي، وبين ما هو جواب له وهو لو أن الله هداني، لئلا ينتثر النظم الحاصل بالجمع بين القرائن الثلاث بتخلل شيء بينها، ولئلا يقدم في الكلام ما هو مؤخر في الوجود، فإن تمني الرجعة آخر الأمر، ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ تَرى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى اللهِ﴾، كإضافة الولد والشريك إليه تعالى، ﴿وُجُوهُهم مُسْوَدَّةٌ﴾، جملة تفسيرية إيضاحًا للمقصود مما وقعت الرؤية عليه، ﴿ألَيْسَ في جَهَنَّمَ مَثْوًى﴾: مقام، ﴿لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾، عن طاعة الله تعالى، ﴿ويُنَجِّي اللهُ الَّذِينَ اتَّقَوْا بِمَفازَتِهِمْ﴾، أي: بسبب فلاحهم وسعادتهم، أو متلبسين بفلاحهم، ﴿لا يَمَسُّهُمُ السُّوءُ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾، يوم القيامة عند الفزع الأكبر، جملة مستأنفة على الوجه الأول، ومبينة للفلاح على الثاني، ﴿اللهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: أي: كل ما هو موجود في زمان، ﴿وهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾، فهو المتصرف فيه، ﴿لَهُ مَقالِيدُ﴾: مفاتيح، وأصل الكلمة فارسية، أي: أو خزائن، ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾، يعني: أزِمَّة جميع الأمور بيده، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾: وجحدوا وحدته وتفرد تصرفه، ﴿أُولَئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ﴾.
39:64–70Page 465
قُلۡ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَأۡمُرُوٓنِّيٓ أَعۡبُدُ أَيُّهَا ٱلۡجَٰهِلُونَ ٦٤
Say, [O Muḥammad], "Is it other than Allāh that you order me to worship, O ignorant ones?"
وَلَقَدۡ أُوحِيَ إِلَيۡكَ وَإِلَى ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكَ لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٥
And it was already revealed to you and to those before you that if you should associate [anything] with Allāh, your work would surely become worthless, and you would surely be among the losers.
بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ ٦٦
Rather, worship [only] Allāh and be among the grateful.
وَمَا قَدَرُواْ ٱللَّهَ حَقَّ قَدۡرِهِۦ وَٱلۡأَرۡضُ جَمِيعٗا قَبۡضَتُهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُ مَطۡوِيَّٰتُۢ بِيَمِينِهِۦۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٦٧
They have not appraised Allāh with true appraisal,1 while the earth entirely will be [within] His grip2 on the Day of Resurrection, and the heavens will be folded in His right hand.3 Exalted is He and high above what they associate with Him.
وَنُفِخَ فِي ٱلصُّورِ فَصَعِقَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا مَن شَآءَ ٱللَّهُۖ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخۡرَىٰ فَإِذَا هُمۡ قِيَامٞ يَنظُرُونَ ٦٨
And the Horn will be blown, and whoever is in the heavens and whoever is on the earth will fall dead except whom Allāh wills. Then it will be blown again, and at once they will be standing, looking on.
وَأَشۡرَقَتِ ٱلۡأَرۡضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ ٱلۡكِتَٰبُ وَجِاْيٓءَ بِٱلنَّبِيِّـۧنَ وَٱلشُّهَدَآءِ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٦٩
And the earth will shine with the light of its Lord, and the record [of deeds] will be placed, and the prophets and the witnesses will be brought, and it will be judged between them in truth, and they will not be wronged.
وَوُفِّيَتۡ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٧٠
And every soul will be fully compensated [for] what it did; and He is most knowing1 of what they do.
﴿قُلْ أفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أعْبُدُ أيُّها الجاهِلُونَ﴾، نصب غير بـ أعبد، وتعلق أعبد بـ تَأْمُرُونِّي على وجه المفعولية، أي أن أعبد، فحذف أن ورفع المضارع، لكن هذا عند من يجوز تقديم معمول ما بعد أن، عند حذف سيما، إذا زال أثره الذي هو النصب، وأما عند من لم يجوز التقديم أو لم يجوز حذف، أن، بحيث لا يبقى أثره، فنصبه إما بما يتضمنه مجموع تَأْمُرُونِّي أن أعبد من معنى الفعل، أي: أفغير الله تعبدونني، وتجعلونني عابدًا بمعنى تقولون لي: اعبد، وإما بأعبد، لكن ”تأمروني“ اعتراض بين المعمول، والعامل غير متعلق بـ أعبد ليحتاج إلى تقدير إن نزلت حين قالوا: استلم بعض آلهتنا فنعبد إلهك، ﴿ولَقَدْ أُوحِيَ إلَيْكَ وإلى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ﴾: من الرسل، ﴿لَئِنْ أشْرَكْتَ﴾، إفراد الخطاب باعتبار كل واحد، أي: أوحى إليك وإلى كل واحد منهم، لئن أشركت، ﴿لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ولَتَكُونَنَّ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ المراد: خسران الآخرة بشرط الموت على الردة، أي: لئن أشركت، وبقيت على الشرك، أو المراد: خسران حبوط العمل، وهو حاصل بكل حال، أو الحكم مختص بالأنيياء، فإن شركهم لا شك أقبح، وهذا خطاب مع الأنبياء، والمراد منه غيرهم، أو كلام على سبيل الفرض، وفائدته تهييج الرسل وإقناط الكفرة، وأدب للأنبياء، وتهديد للأمة، ﴿بَلِ اللهَ فاعْبُدْ﴾، يعني: لا تعبد ما أمروك، بل اعبده وحده، فهو ردٌّ لما أمروه به، ونصبه بفعل يفسره ما بعده عند من لم يجوز تقديم ما في حيز الفاء، ﴿وكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ﴾، لإنعامه عليك، ﴿وما قَدَرُوا اللهَ﴾، أي: عظمته في أنفسهم، ﴿حَقَّ قَدْرِهِ﴾: حق تعظيمه حيث جعلوا له شريكًا، ﴿والأرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ القِيامَةِ﴾، هذا إخبار عن عظمته، وسهولة الأفعال العظام في جنب قدرته، والقبضة المرة من القبض، مصدر بمعنى المقبوضة، أو تقديره: ذات قبضته، وجميعًا حال من المستتر في قبضته إذا قلنا: إنّها بمعنى مقبوضته، أو من العامل المحذوف على طريق الحال المؤكدة، أي: والأرض أعنيها، أو أثبتها مجموعة ذات قبضته، وهو تأكيد لشمول الإفراد، أي الأرضون السبع، أو لشمول الأجزاء، ونحن على طريقة السلف لا نأول اليد، والقبضة، والأصبع، ونؤمن بها، ونكل علمها إلى الله سبحانه وتعالى وهي أقرب من السلامة، وأبعد من الملامة، ﴿والسَّماواتُ مَطْوِيّاتٌ﴾، من الكل، الذي هو ضد النشر، ﴿بِيَمِينِهِ﴾، متعلق بمطويات، وفي الحديث ”يقبض الله الأرض يوم القيامة، ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول أنا الملك، أين ملوك الأرض؟“، ﴿سُبْحانَهُ وتَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾، ما أبعد وأعلا من هذه قدرته، عما ينسب إليه من الشركاء، أو عن إشراكهم، ﴿ونُفِخَ في الصُّورِ﴾: هي النفخة الثانية، إذ النفخة الأولى ريح باردة من قبل الشام، فيموت كل من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، ويبقى شرار الناس يعبدون الأوثان في رغد من العيش، ثم ينفخ فى الصور، ﴿فَصَعِقَ مَن في السَّماواتِ ومَن في الأرْضِ إلّا مَن شاءَ اللهُ﴾ المراد: بعض الملائكة المقربين فإنهم لا يصعقون عند هذه النفخة، بل يقبض الله تعالى أرواحهم بعدها، حتى يكون آخر من يموت ملك الموت، فلا ييقى إلا الله تعالى، فيقول: لمن الملك اليوم؟، ثلاث مرات، ثم يجيب نفسه بنفسه، فيقول: لله الواحد القهار، وقد ورد في حديث أن المراد منهم الشهداء، فإنهم متقلدون أسيافهم حول عرشه، وقد مر فى سورة النمل، ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ﴾: في الصور، ﴿أُخْرى﴾، مرفوع بأنه فاعل نفخ، كما يقال: جاءتني أخرى، أو منصوب بمصدر أي: نفخة أخرى، ونفخ مسند إلى الجار والمجرور، ﴿فَإذا هم قِيامٌ﴾: قائمون من مهلكهم، ﴿يَنْظُرُونَ﴾، إلى الجوانب كما كانوا قبل ذلك، أو ينتظرون أمر الله تعالى فيهم، ﴿وأشْرَقَتِ الأرْضُ﴾: أضاءت أرض القيامة، ﴿بِنُورِ رَبِّها﴾، الذي خلقها من غير وساطة جرم، وذلك حين تجليه سبحانه للخلق لفصل القضاء، أو معناه أضاءت بما يقام فيها من العدل، كقولك: أضاءت الدنيا بقسطك، ﴿ووُضِعَ الكِتابُ﴾: كتاب الأعمال للجزاء، واكتفى باسم الجنس، ﴿وجِيءَ بالنبيِّينَ﴾، يشهدون على الأمم، أنّهم بلغوهم رسالة الله تعالى، ﴿والشُّهَداءِ﴾، من الملائكَة، الحفظة على أعمال العباد، أو الذين يشهدون للرسل بالتبليغ، وهم أمة محمد عليه الصلاة والسلام، ﴿وقُضِيَ بَيْنَهم بِالحَقِّ﴾: بالعدل، ولكل من الطرفين صلاحية أن يقوم مقام الفاعل، ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾: فلا يزاد في سيئاتهم، ولا ينقص من حسناتهم، ﴿ووُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ﴾، أي: جزآءه، ﴿وهُوَ أعْلَمُ بِما يَفْعَلُونَ﴾، فلا يفوته شيء مما عملوا.
39:71–75Page 466
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا فُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَآ أَلَمۡ يَأۡتِكُمۡ رُسُلٞ مِّنكُمۡ يَتۡلُونَ عَلَيۡكُمۡ ءَايَٰتِ رَبِّكُمۡ وَيُنذِرُونَكُمۡ لِقَآءَ يَوۡمِكُمۡ هَٰذَاۚ قَالُواْ بَلَىٰ وَلَٰكِنۡ حَقَّتۡ كَلِمَةُ ٱلۡعَذَابِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧١
And those who disbelieved will be driven to Hell in groups until, when they reach it, its gates are opened and its keepers will say, "Did there not come to you messengers from yourselves, reciting to you the verses of your Lord and warning you of the meeting of this Day of yours?" They will say, "Yes, but the word [i.e., decree] of punishment has come into effect upon the disbelievers."
قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٧٢
[To them] it will be said, "Enter the gates of Hell to abide eternally therein, and wretched is the residence of the arrogant."
وَسِيقَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ رَبَّهُمۡ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ زُمَرًاۖ حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءُوهَا وَفُتِحَتۡ أَبۡوَٰبُهَا وَقَالَ لَهُمۡ خَزَنَتُهَا سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ طِبۡتُمۡ فَٱدۡخُلُوهَا خَٰلِدِينَ ٧٣
But those who feared their Lord will be driven to Paradise in groups until, when they reach it while its gates have been opened and its keepers say, "Peace be upon you; you have become pure; so enter it to abide eternally therein," [they will enter].1
وَقَالُواْ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي صَدَقَنَا وَعۡدَهُۥ وَأَوۡرَثَنَا ٱلۡأَرۡضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ ٱلۡجَنَّةِ حَيۡثُ نَشَآءُۖ فَنِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٧٤
And they will say, "Praise to Allāh, who has fulfilled for us His promise and made us inherit the earth [so] we may settle in Paradise wherever we will. And excellent is the reward of [righteous] workers."
وَتَرَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةَ حَآفِّينَ مِنۡ حَوۡلِ ٱلۡعَرۡشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمۡدِ رَبِّهِمۡۚ وَقُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡحَقِّۚ وَقِيلَ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٧٥
And you will see the angels surrounding the Throne, exalting [Allāh] with praise of their Lord. And it will be judged between them in truth, and it will be said, "[All] praise to Allāh, Lord of the worlds."
﴿وسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ﴾، كما يفعل بالأسارى يساقون إلى حبس وقتل، ﴿زُمَرًا﴾: أفواجًا، بعضها على إثر بعض، ﴿حَتّى إذا جاءُوها فُتِحَتْ أبْوابُها﴾: السبعة التي كانت مغلقة قبل ذلك، ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها﴾، توبيخًا وتنكيلًا، ﴿ألَمْ يَأتِكم رُسُلٌ منكُمْ﴾: من جنسكم، ﴿يَتْلُونَ عَلَيْكم آياتِ رَبِّكم ويُنْذِرُونَكم لِقاءَ يَوْمِكم هَذا﴾، أي: وقتكم هذا، أو هو وقت دخولهم النار، َ ﴿قالُوا بَلى ولَكِنْ حَقَّتْ﴾: وجبت، ﴿كَلِمَةُ العَذابِ﴾، في قوله: ”لأملأن جهنم من الجنة والناس“ [هود: ١١٩]، أو المراد حَكَمَ اللهُ تعالى بشقاوتهم، ﴿عَلى الكافِرِينَ﴾، من وضع المظهر بدل المضمر، أي: علينا، ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أبْوابَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ﴾، حال مقدرة، ﴿فِيها فَبِئْسَ مَثْوى المُتَكَبِّرِينَ﴾: جهنم، ﴿وسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾، أي: عن الكفر به، يشعر به مقابلته بالذين كفروا، وذلك الإسراع بهم إلى النعيم، والمراد سوق مراكبهم، ﴿إلى الجَنَّةِ زُمَرًا﴾: فوجًا بعد فوج على تفاوت رتبتهم في الشرف، ﴿حَتّى إذا جاءُوها وفُتِحَتْ أبْوابُها﴾: الثمانية، قيل: الواو للحال، أي: وقد فتحت، فهو يدل على أنها كانت مفتحة قبل مجيئهم، بخلاف أبواب جهنم، ﴿وقالَ لَهم خَزَنَتُها سَلامٌ عَلَيْكم طِبْتُمْ﴾: طاب لكم المقام، أو طهرتم من خبث الخطايا، أو كنتم طيبين في الدنيا، ﴿فادْخُلُوها خالِدِينَ﴾، أي: مقدرين الخلود، وحذف جواب إذا، إشارة إلى أنه شيء لا يحيط به الوصف، كأنه قال: إذا جاءوها، وكذا وكذا سعدوا وفازوا وفرحوا، ﴿وقالُوا الحَمْدُ لله الَّذِي صَدَقَنا وعْدَهُ﴾: بالثواب، ﴿وأوْرَثَنا الأرْضَ﴾، أي أرض الجنة، نتصرف فيها تصرف الوارث لميراثه، فإن ملكية الميراث أتم، ﴿نَتَبَوَّأُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ نَشاءُ﴾: ننزل حيث نريد، وقد أغنى الله تعالى كلا منهم عن منازل غيرهم، ﴿فَنِعْمَ أجْرُ العامِلِينَ﴾: الجنة، ﴿وتَرى المَلائِكَةَ حافِّينَ﴾: محيطين، وهو حال؛ لأن ترى من رؤية البصر، ﴿مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾، قيل: مزيدة، وقيل متعلق بـ ترى، وقيل لابتداء الغاية، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾، أي: متلبسين بحمده تسبيح تلذذ لا تعبد، ﴿وقُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾: بين الخلائق، ﴿بِالحَقِّ﴾: بالعدل، ﴿وقِيلَ الحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ﴾: على عدله، القائل الملائكة، أو المؤمنون وأما إذا كان القائل بالحمد حينئذ المؤمنين، والكافرين، ولهذا لم يسند إلى قائل، فحمد الكافر لمعاينة عدله، كما ترى ظالِمًا استوفى عادلٌ منه حق جنايته، يأخذ في مدح العادل، التكرار من المؤمنين، فالحمد الأول: على صدق الوعد، وإيراث الجنة، والثاني: على القضاء بالحق.
والحَمْدُ لله رَبِّ العالَمِينَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences