Al-Iji · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:87–115
5:87–93Page 122
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُحَرِّمُواْ طَيِّبَٰتِ مَآ أَحَلَّ ٱللَّهُ لَكُمۡ وَلَا تَعۡتَدُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُحِبُّ ٱلۡمُعۡتَدِينَ ٨٧
O you who have believed, do not prohibit the good things which Allāh has made lawful to you and do not transgress. Indeed, Allāh does not like transgressors.
وَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗاۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ أَنتُم بِهِۦ مُؤۡمِنُونَ ٨٨
And eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And fear Allāh, in whom you are believers.
لَا يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱللَّغۡوِ فِيٓ أَيۡمَٰنِكُمۡ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلۡأَيۡمَٰنَۖ فَكَفَّٰرَتُهُۥٓ إِطۡعَامُ عَشَرَةِ مَسَٰكِينَ مِنۡ أَوۡسَطِ مَا تُطۡعِمُونَ أَهۡلِيكُمۡ أَوۡ كِسۡوَتُهُمۡ أَوۡ تَحۡرِيرُ رَقَبَةٖۖ فَمَن لَّمۡ يَجِدۡ فَصِيَامُ ثَلَٰثَةِ أَيَّامٖۚ ذَٰلِكَ كَفَّٰرَةُ أَيۡمَٰنِكُمۡ إِذَا حَلَفۡتُمۡۚ وَٱحۡفَظُوٓاْ أَيۡمَٰنَكُمۡۚ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمۡ ءَايَٰتِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٨٩
Allāh will not impose blame upon you for what is meaningless1 in your oaths, but He will impose blame upon you for [breaking] what you intended of oaths. So its expiation2 is the feeding of ten needy people from the average of that which you feed your [own] families or clothing them or the freeing of a slave. But whoever cannot find [or afford it] - then a fast of three days [is required]. That is the expiation for oaths when you have sworn. But guard your oaths.3 Thus does Allāh make clear to you His verses [i.e., revealed law] that you may be grateful.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّمَا ٱلۡخَمۡرُ وَٱلۡمَيۡسِرُ وَٱلۡأَنصَابُ وَٱلۡأَزۡلَٰمُ رِجۡسٞ مِّنۡ عَمَلِ ٱلشَّيۡطَٰنِ فَٱجۡتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ٩٠
O you who have believed, indeed, intoxicants, gambling, [sacrificing on] stone alters [to other than Allāh], and divining arrows are but defilement from the work of Satan, so avoid1 it that you may be successful.
إِنَّمَا يُرِيدُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَن يُوقِعَ بَيۡنَكُمُ ٱلۡعَدَٰوَةَ وَٱلۡبَغۡضَآءَ فِي ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِ وَيَصُدَّكُمۡ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَعَنِ ٱلصَّلَوٰةِۖ فَهَلۡ أَنتُم مُّنتَهُونَ ٩١
Satan only wants to cause between you animosity and hatred through intoxicants and gambling and to avert you from the remembrance of Allāh and from prayer. So will you not desist?
وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَٱحۡذَرُواْۚ فَإِن تَوَلَّيۡتُمۡ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا عَلَىٰ رَسُولِنَا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٩٢
And obey Allāh and obey the Messenger and beware. And if you turn away - then know that upon Our Messenger is only [the responsibility for] clear notification.
لَيۡسَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جُنَاحٞ فِيمَا طَعِمُوٓاْ إِذَا مَا ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّءَامَنُواْ ثُمَّ ٱتَّقَواْ وَّأَحۡسَنُواْۚ وَٱللَّهُ يُحِبُّ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٩٣
There is not upon those who believe and do righteousness [any] blame concerning what they have eaten [in the past] if they [now] fear Allāh and believe and do righteous deeds, and then fear Allāh and believe, and then fear Allāh and do good; and Allāh loves the doers of good.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أحَلَّ اللهُ لَكُمْ﴾ أي: ما طاب ولذ منه ﴿ولاَ تَعْتَدُوا﴾: لا تبالغوا في التضييق على أنفسكم في تحريم المباحات عليها، أو لا تجاوزوا حدود ما أحل لكم إلى ما حرم، أو لا تعتدوا في تناول الحلال بل خذوا منه بقدر الكفاية ﴿إنَّ اللهَ لا يُحِبُّ المُعْتَدِينَ﴾: لا يرضى عمن تجاوز الحد في الأمور نزلت في جمع من الصحابة منهم علي بن أبي طالب رضى الله عنه تبتلوا واعتزلوا النساء وطيبات الطعام واللباس وهموا بالإخصاء ولذلك قيل الاعتداء: الإخصاء ﴿وكُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ حَلالًا طَيِّبًا﴾ من ابتدائية متعلقة بكلوا وحلالًا مفعوله أو للتبعيض مفعول كلوا وحلالًا حال من الموصول ﴿واتَّقُوا الله الَّذِي أنتُم بِهِ مُؤْمِنُونَ﴾ قيل لما نزلت الآية في منعهم عما اتفقوا عليه من الإخصاء وغيره قالوا: يا رسول الله: إنا قد حلفنا على ذلك فنزل قوله ﴿لا يُؤاخِذُكُمُ اللهُ بِاللَّغْوِ في أيْمانِكُمْ﴾: هو قول الرجل في الكلام من غير قصد: لا واللهِ، وبلى واللهِ، أو في الهزل أو في المعصية أو على غلبة الظن أو في الغضب أو في النسيان أو هو في ترك المأكل والملبس ﴿ولَكِنْ يُؤاخِذُكم بِما عَقَّدْتُمُ الأيْمانَ﴾: بما صممتم عليه وقصدتموه إذا حنثتم ﴿فَكَفارَتُهُ﴾ أى: كفارة نكثه التي تذهب إثمه ﴿إطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ﴾: وهو من لا يجد ما يكفيه ﴿مِن أوْسَطِ﴾ صفة إطعام أو تقديره إطعامًا من أوسط أو طعامًا من أوسط ﴿ما تُطْعِمُون أهْلِيكُمْ﴾ أي: من أعدله أو من أمثله، قال كثير من السلف: لكل واحد مدّ من برٍّ ومعه إدامه، وقال بعضهم: نصف صاع من برٍّ أو تمر ونحوهما وعند الشافعي مدّ بمدّ النبي ﷺ وقيل غير ذلك ﴿أوْ كِسْوَتُهُمْ﴾ عطف على إطعام أى: ما يقع عليه اسم الكسوة أو كسوة تجوز صلاته فيها وقيل غير ذلك ﴿أوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾: مؤمنة عند الشافعي فالحانث مخير بين هذه الثلاثة ﴿فمَن لمْ يَجِدْ﴾: واحدًا منها بأن لم يفضل ما يطعم عشرة مساكين من قوته وقوت عياله في يومه وليلته ﴿فصِيامُ ثَلاَثةِ أيّامٍ﴾ أي: فكفارته ذلك، والتتابع ليس بشرط عند الشافعي ﴿ذلِكَ﴾ أى: المذكور ﴿كَفارَةُ أيْمانِكم إذا حَلَفْتُمْ﴾ يعني: حنثتم ﴿واحْفَظُوا أيْمانَكُمْ﴾ لا تتركوها بغير تكفير أو لا تحلفوا أو عن الحنث إذا لم يكن على ترك مندوب أو فعل مكروه فإن الأفضل الحنث والكفارة حينئذ ﴿كَذَلِكَ﴾: مثل ذلك البيان ﴿يُبَيِّنُ اللهُ لَكم آياتِهِ لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: نعمه فيزيدنكم ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنَّما الخَمْرُ والمَيْسِرُ﴾: هو القمار بجميع أنواعه ﴿والأنصابُ﴾: هي حجارة كانوا يذبحون قرابينهم عندها ﴿والأزلامُ﴾: هي قداح كانوا يستقسمون بها وقد مر ﴿رِجْسٌ﴾: سخط وإثم خبر للخمر وخبر الباقي محذوف أو تقديره تعاطي الخمر والميسر رجس ﴿مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطان﴾، لأنه مسبب من تسويله ﴿فاجْتَنِبُوهُ﴾ أي: الرجس ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾: لكي تفلحوا بالاجتناب عنه ﴿إنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَداوَةَ والبَغْضاءَ في الخَمْرِ والمَيْسِرِ ويَصُدَّكُمْ﴾: يمنعكم ﴿عَن ذِكْرِ اللهِ وعَن الصَّلاةِ﴾ ذكر الأنصاب والأزلام اللذين هما من الكفر مع الخمر والميسر كأنه للدلالة على أنهما مثلهما في الحرمة، ولذلك خصهما بإعادة الذكر ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ من أبلغ عبارة في النهي كأنه قال قد تلوت عليكم من أنواع الصوارف فهل أنتم معها منتهون أم أنتم على ما كنتم عليه ولم ينفعكم الزجر؟! ﴿وأطِيعُوا اللهَ وأطِيعُوا الرَّسُولَ واحْذَرُوا﴾: مخالفتهما ﴿فَإنْ تَوَلَّيْتُمْ﴾ عن الطاعة ﴿فاعْلَمُوا أنَّما عَلى رَسُولِنا البَلاغُ المُبِينُ﴾ فلا ضرر له، وإنما ضررتم به أنفسكم، ولما نزل تحريم الخمر قالوا كيف بمن كان يشربها قبل التحريم وبعض الذين قتلوا يوم أحد شهداء والخمر في بطونهم فأنزل الله تعالى ﴿لَيْسَ عَلى الَّذِينَ آمَنُوا وعَملُوا الصّالِحاتِ جُناحٌ﴾: إثم ﴿فِيما طَعِمُوا﴾: مما لم يحرم عليهم ﴿إذا ما اتقَوْا﴾: الحرامَ ﴿وآمنوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾: وثبتوا على الإيمان والأعمال الصالحات ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ ما حرم عليهم بعد ﴿وآمنوا﴾ بتحريمه ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا﴾ استمروا على اتقاء المعاصي ﴿وأحْسنوا﴾: العمل ومعناه في الأول: اتقوا الشرك وآمنوا ثم اتقوا أي: داموا على ذلك وآمنوا وثبتوا عليه وازدادوا إيمانًا ثم اتقوا المعاصي كلها وأحسنوا العمل ﴿واللهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ فلا يؤاخذهم بشيء.
5:94–100Page 123
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَيَبۡلُوَنَّكُمُ ٱللَّهُ بِشَيۡءٖ مِّنَ ٱلصَّيۡدِ تَنَالُهُۥٓ أَيۡدِيكُمۡ وَرِمَاحُكُمۡ لِيَعۡلَمَ ٱللَّهُ مَن يَخَافُهُۥ بِٱلۡغَيۡبِۚ فَمَنِ ٱعۡتَدَىٰ بَعۡدَ ذَٰلِكَ فَلَهُۥ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٩٤
O you who have believed, Allāh will surely test you through something of the game that your hands and spears [can] reach, that Allāh may make evident those who fear Him unseen. And whoever transgresses after that - for him is a painful punishment.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَقۡتُلُواْ ٱلصَّيۡدَ وَأَنتُمۡ حُرُمٞۚ وَمَن قَتَلَهُۥ مِنكُم مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآءٞ مِّثۡلُ مَا قَتَلَ مِنَ ٱلنَّعَمِ يَحۡكُمُ بِهِۦ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ هَدۡيَۢا بَٰلِغَ ٱلۡكَعۡبَةِ أَوۡ كَفَّٰرَةٞ طَعَامُ مَسَٰكِينَ أَوۡ عَدۡلُ ذَٰلِكَ صِيَامٗا لِّيَذُوقَ وَبَالَ أَمۡرِهِۦۗ عَفَا ٱللَّهُ عَمَّا سَلَفَۚ وَمَنۡ عَادَ فَيَنتَقِمُ ٱللَّهُ مِنۡهُۚ وَٱللَّهُ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٍ ٩٥
O you who have believed, do not kill game while you are in the state of iḥrām.1 And whoever of you kills it intentionally - the penalty is an equivalent from sacrificial animals to what he killed, as judged by two just men among you as an offering [to Allāh] delivered to the Kaʿbah, or an expiation: the feeding of needy people or the equivalent of that in fasting, that he may taste the consequence of his matter [i.e., deed]. Allāh has pardoned what is past; but whoever returns [to violation], then Allāh will take retribution from him. And Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.2
أُحِلَّ لَكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَحۡرِ وَطَعَامُهُۥ مَتَٰعٗا لَّكُمۡ وَلِلسَّيَّارَةِۖ وَحُرِّمَ عَلَيۡكُمۡ صَيۡدُ ٱلۡبَرِّ مَا دُمۡتُمۡ حُرُمٗاۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ ٱلَّذِيٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٩٦
Lawful to you is game from the sea and its food as provision for you and the travelers,1 but forbidden to you is game from the land as long as you are in the state of iḥrām. And fear Allāh to whom you will be gathered.
۞ جَعَلَ ٱللَّهُ ٱلۡكَعۡبَةَ ٱلۡبَيۡتَ ٱلۡحَرَامَ قِيَٰمٗا لِّلنَّاسِ وَٱلشَّهۡرَ ٱلۡحَرَامَ وَٱلۡهَدۡيَ وَٱلۡقَلَٰٓئِدَۚ ذَٰلِكَ لِتَعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ وَأَنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ٩٧
Allāh has made the Kaʿbah, the Sacred House, standing1 for the people and [has sanctified] the sacred months and the sacrificial animals and the garlands [by which they are identified]. That is so you may know that Allāh knows what is in the heavens and what is in the earth and that Allāh is Knowing of all things.
ٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ وَأَنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٩٨
Know that Allāh is severe in penalty and that Allāh is Forgiving and Merciful.
مَّا عَلَى ٱلرَّسُولِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُۗ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تُبۡدُونَ وَمَا تَكۡتُمُونَ ٩٩
Not upon the Messenger is [responsibility] except [for] notification. And Allāh knows whatever you reveal and whatever you conceal.
قُل لَّا يَسۡتَوِي ٱلۡخَبِيثُ وَٱلطَّيِّبُ وَلَوۡ أَعۡجَبَكَ كَثۡرَةُ ٱلۡخَبِيثِۚ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ يَٰٓأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ لَعَلَّكُمۡ تُفۡلِحُونَ ١٠٠
Say, "Not equal are the evil and the good, although the abundance of evil might impress you." So fear Allāh, O you of understanding, that you may be successful.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللهُ﴾: يختبرنكم ﴿بِشَيْءٍ مَنَ الصَّيْدِ﴾ هذا في عمرة الحديبية المسلمون محرمون والصيد من الوحش والطير تغشاهم في رحالهم لم يروا مثله قط ﴿تَنالُهُ أيْدِيكمْ﴾: تتمكنون من أخذه باليد، لأن فيه صغارًا وفراخًا ﴿ورِماحُكُمْ﴾: تحتاجون إلى مزاولة الرمح لأن فيه الكبار ﴿لِيَعْلَمَ اللهُ﴾: ليرى الله وليتميز ﴿مَن يَخافُهُ بِالغَيْبِ﴾: من يخاف الله ولم يره أو من يخاف عقاب الله وهو غائب غير شاهد ﴿فمَنِ اعْتَدى بَعْدَ ذَلِكَ﴾: الإعلام والإنذار ﴿فَلَهُ عَذابٌ ألِيمٌ يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وأنْتُمْ حُرُمٌ﴾ أي: محرمون جمع حرام ﴿ومَن قَتَلَهُ مِنكُم مُّتَعَمِّدًا﴾: ذاكرًا لإحرامه، والأصح عند السلف والخلف أن العمد والخطأ سيان في لزوم الكفارة دون الإثم والآية فيهما ولذلك قيده بمتعمد، أو يدل عليها صريحًا قوله ”ومن عاد فينتقم الله“ ﴿فجَزاءٌ﴾: أي فعليه أو فواجبه جزاء ﴿مِثْلُ ما قَتَلَ﴾ صفة جزاء ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ بيان للمثل ومن قرأ ﴿فجزاءُ﴾ بالإضافة فمن إضافة المصدر إلى المفعول والمثل غير زائد، لأنه بصدد بيان أن الجزاء ما هو لا بيان أن عليه جزاء ما قتل، وهذه المماثلة باعتبار الخلقة والهيئة على الأصح المنقول عن السلف ﴿يَحْكُمُ بِهِ﴾: الجزاء ﴿ذَوا عَدْلٍ﴾: رجلان صالحان فإن الأنواع تتشابه، ففي النعامة بدنة، وفي حمار الوحش بقرة، ﴿مِّنكُمْ﴾: من المسلمين فما حكم الصحابة بالمثلية فهو المتبع وإلا فلا بد من عدلين يحكمان، هذا هو الأصح، ﴿هَدْيًا﴾ حال من ضمير به، ﴿بالِغَ الكَعْبَةِ﴾، صفة هديًا، والإضافة لفظية أي: واصلًا إليه بأن يذبح فيه، ويتصدق به، ﴿أوْ كَفارَةٌ﴾، عطف على جزاء، ﴿طَعامُ مَساكِينَ﴾ بدل منه أو تقديره هي طعام وظاهره التخيير وعليه الأكثرون، وقال بعض من السلف: إن لم يجد هديًا يعدل على أن يقوم مثل ما قتل، فيشترى بثمنه طعامًا لكل مسكين مدّ فإن لم يجد يصوم، ﴿أوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيامًا﴾ أي: ما ساواه من الصوم فيصوم عن إطعام كل مسكين يومًا وصيامًا تمييز للعدل، ﴿ليَذُوقَ وبالَ أمْرِهِ﴾: ثقل أمره، وجزاء معصيته أي: أوجبنا عليه ذلك ليذوق، ﴿عَفا اللهُ عَمّا سَلَفَ﴾: قبل التحريم، ﴿ومَن عادَ﴾: إلى مثل ذلك، ﴿فَيَنتَقِمُ اللهُ مِنهُ﴾: في الآخرة أي: فهو ينتقم الله منه ليصح دخول الفاء وعليه مع ذلك الكفارة، وعن ابن عباس رضى الله عنهما لا كفارة عليه فإن الأمر أشد، ﴿واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾: على المصر بالمعاصي، ﴿أُحِلَّ لَكم صَيْدُ البَحْرِ﴾: مما لا يعيش إلا في الماء في جميع الأحوال ﴿وطَعامُهُ﴾ أي: ما يتزود منه يابسًا مالحًا أو ما لفظه ميتًا، ﴿مَتاعًا لَكم ولِلسَّيّارَةِ﴾: منفعة للمقيم، والمسافر، وهو مفعول ﴿وحُرِّمَ عَلَيْكم صَيْدُ البَرِّ﴾ أي: مصيدها، وعن بعضهم المراد بالصيد في الموضعين فعله ﴿ما دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ وأما أكل لحم صيد غير المحرم لا لأجله في حال الإحرام فالأصح الجواز بدليل الحديث، ﴿واتَّقُوا اللهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ جَعَلَ اللهُ الكَعْبَةَ البَيْتَ الحَرامَ﴾، عطف بيان للكعبة على جهة المدح، ﴿قِيامًا لِلنّاسِ﴾: في أمر دينهم ودنياهم به الحج وبه يلوذ الخائف، وهو ثاني مفعولي جعل، ﴿والشَّهْرَ الحَرامَ﴾، عطف على الكعبة جعل الأشهر الحرم قيامًا للناس فيه الحج، والأمن من القتال، ﴿والهَدْيَ﴾: ما أهدى إلى الكعبة، ﴿والقَلائِدَ﴾: ذوات القَلائِدَ من الهدي ما قلد به الهدي من نعل، أو لحاء شجر أي: علامة يعلم منها أنه هدي، وكانوا يؤمنون بتقليد الهدي فبه يحصل القيام، ﴿ذلِكَ﴾ أي: الجعل وقيل إشارة إلى ما في السورة من أخبار الغيب، ﴿لِتَعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾، فإن شرع الأحكام لدفع المضار قبل الوقوع، وجلب المنافع دليل كمال علمه أو لتعلموا أنا نعلم مصالح دينكم ودنياكم، فتستدلوا بهذا على أنه عالم بما في السماوات والأرض، ﴿وأنْ الله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، تعميم بعد تخصيص.
﴿اعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾: لمن انتهك محارمه، ﴿وأن الله غَفُورٌ رحِيمٌ﴾ لمن حافظ عليها ﴿ما عَلى الرَّسُولِ إلّا البَلاغُ﴾: فإذا بلغ ليس لكم عذر في التفريط، ﴿واللهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وما تَكتُمُونَ﴾: من تصديق وتكذيب، ﴿قُل لا يَسْتَوِي الخَبِيثُ والطَّيِّبُ﴾: الحرام والحلال، ﴿ولَوْ أعْجَبَكَ كثْرَةُ الخَبِيثِ﴾: فإن ما قلَّ وكفى خير مما كثر وألهى ﴿واتَّقُوا اللهَ﴾: في الخبيث ﴿يا أُولِي الألْبابِ﴾: أرباب العقول السليمة، ﴿لَعَلَّكم تُفْلِحُونَ﴾: راجين أن تبلغوا الفلاح.
5:101–108Page 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
O you who have believed, do not ask about things which, if they are shown to you, will distress you. But if you ask about them while the Qur’ān is being revealed, they will be shown to you. Allāh has pardoned it [i.e., that which is past]; and Allāh is Forgiving and Forbearing.
قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢
A people asked such [questions] before you; then they became thereby disbelievers.1
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Allāh has not appointed [such innovations as] baḥīrah or sā’ibah or waṣīlah or ḥām.1 But those who disbelieve invent falsehood about Allāh, and most of them do not reason.
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤
And when it is said to them, "Come to what Allāh has revealed and to the Messenger," they say, "Sufficient for us is that upon which we found our fathers." Even though their fathers knew nothing, nor were they guided?
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
O you who have believed, upon you is [responsibility for] yourselves. Those who have gone astray will not harm you when you have been guided. To Allāh is your return all together; then He will inform you of what you used to do.
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
O you who have believed, testimony [should be taken] among you when death approaches one of you at the time of bequest - [that of] two just men from among you or two others from outside if you are traveling through the land and the disaster of death should strike you. Detain them after the prayer and let them both swear by Allāh if you doubt [their testimony, saying], "We will not exchange it [i.e., our oath] for a price [i.e., worldly gain], even if he should be a near relative, and we will not withhold the testimony of [i.e., ordained by] Allāh. Indeed, we would then be of the sinful."
فَإِنۡ عُثِرَ عَلَىٰٓ أَنَّهُمَا ٱسۡتَحَقَّآ إِثۡمٗا فَـَٔاخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ ٱلَّذِينَ ٱسۡتَحَقَّ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَوۡلَيَٰنِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ لَشَهَٰدَتُنَآ أَحَقُّ مِن شَهَٰدَتِهِمَا وَمَا ٱعۡتَدَيۡنَآ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ١٠٧
But if it is found that those two were guilty of sin [i.e., perjury], let two others stand in their place [who are] foremost [in claim] from those who have a lawful right. And let them swear by Allāh, "Our testimony is truer than their testimony, and we have not transgressed. Indeed, we would then be of the wrongdoers."
ذَٰلِكَ أَدۡنَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِٱلشَّهَٰدَةِ عَلَىٰ وَجۡهِهَآ أَوۡ يَخَافُوٓاْ أَن تُرَدَّ أَيۡمَٰنُۢ بَعۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡۗ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱسۡمَعُواْۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡفَٰسِقِينَ ١٠٨
That is more likely that they will give testimony according to its [true] objective, or [at least] they would fear that [other] oaths might be taken after their oaths. And fear Allāh and listen [i.e., obey Him]; and Allāh does not guide the defiantly disobedient people.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْألوا﴾: رسول الله ﷺ. ﴿عَنْ أشْياءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ﴾: تظهر لكم، ﴿تَسُؤْكُمْ﴾: تغمكم وتضركم. الشرطية وما عطف عليها من الشرطية الأخرى صفة أشياء نزلت لما سئل من يطعن في نسبه مَن أبي فعينه رسول الله ﷺ ثم قال آخر أيت أبي؟ قال: ”فى النار“ أو نزلت لما نزل وجوب الحج، فقال: ”في كل عام، فقال: ولو قلت نعم لوجبت فاتركوني ما تركتم“ ﴿وإنْ تَسْألُوا عَنْها حِينَ يُنَزَّلُ القُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ﴾ أي: وإن تسألوا عنها فى زمان الوحي تظهر لكم، ﴿عَفا اللهُ عَنْها﴾ أي: عما سلف من مسألتكم، فلا تعودوا لمثلها فهي استئناف أو صفة أخرى أي عن أشياء عفا الله عنها ولم يكلف بها، ﴿واللهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾: لا يعاجلكم بالعقوبة، ﴿قَدْ سَألَها﴾ أي: عن الأشياء بالحذف والإيصال، وقيل الضمير إلى المسألة التي دل عليها ”لا تسألوا“ فيكون في موقع الصدر وليس من قبيل سألته درهما، لأنهم ما طلبوه، بل سألوا عنه، ﴿قَوْمٌ مِن قَبْلِكُمْ﴾، متعلق بسألها، ﴿ثُمَّ أصْبَحُوا بِها﴾ أي: بالأشياء أو بسببها، ﴿كافِرِينَ﴾، لأنهم تركوها وهجروها وقد ورد ”اتركوني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم“ ﴿ما جَعَلَ اللهُ مِن بَحِيرَةٍ﴾ أي ما شرع ذلك ولا أمر بالتبحير، فلا يطلب إلا مفعولًا واحدًا و ﴿مِن﴾ زائدة، وهي ناقة ولدت خمسة أبطن بحروا أى: شقوا أذنها وتركوا الحمل، والركوب عليها، ﴿ولا سائِبَةٍ﴾: هي ناقة لا تركب، ولا تحبس عن كلاء وماء لنذر صاحبها إن حصل ما أراد من شفاء المريض، أو غيره أنها سائبة، ﴿ولاَ وصِيلَةٍ﴾: الشاة إذا نتجت سبعة أبطن نظر إن كان السابع ميتًا فهو للرجال دون النساء، وإن كان ذكرًا فهو مذبوح للرجال، وإن كان أنثى تركوها فلم يذبح، وإن كان ذكرًا وأنثى خلوا الذكر أيضًا من أجل أنثى، وقالوا: وصلت أخاها ولبنها للرجال ﴿ولاَ حامٍ﴾: هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة أبطن قالوا: قد حمى ظهره فلا يحمل عليه، وقد قيل في تفسير كل واحد غير ما نقلنا، ﴿ولَكِنَّ الّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلى اللهِ الكَذِبَ﴾: في تحريمهم هذه الأنعام، ﴿وأكْثَرُهم لاَ يَعْقِلُون﴾: جهلة كالأنعام، بل هم أضل أو أكثرهم مقلدون لرؤسائهم لا يعرفون أن ذلك افتراء منهم، ﴿وإذا قِيلَ لَهم تَعالَوْا إلى ما أنْزَلَ اللهُ وإلى الرَّسُولِ﴾: في الفرائض والسنن، ﴿قالُوا حَسْبُنا ما وجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا﴾: من سننهم السيئة، ﴿أوَلَوْ كانَ آباؤُهم لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا ولا يَهْتَدُونَ﴾، الواو للحال والهمزة للإنكار أي: أحَسبهم وجدان آبائهم على هذا المثال، ولو كان الحال أن آباءهم جهلة ضلال، ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكم أنْفُسَكُمْ﴾ الجار والمجرور اسم فعل أي: الزموا صلاحها، ﴿لا يَضُرُّكم مَن ضَلَّ إذا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فيه رخصة في ترك الحسنة إذا علم عدم قبولها أو فيها مفسدة وإضرار له منها اتفقت كلمة السلف على ذلك، والأحاديث تدل عليه أو معنى إذا اهتديتم إذا ائتمرتم بالمعروف، وأمرتم به، وانتهيتم عن المنكر، ونهيتم عنه حسب طاقتكم أو المراد المنع عن هلاك النفس أسفًا على ما عليه الكفرة والفسقة كقوله: ”فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَراتٍ“ [فاطر: ٨]، وهو استئناف أو جواب للأمر أي: إن لزمتم أنفسكم لا يضركم، والقياس الفتح لكن أوثرت ضمة الراء لاتباع الضاد، ﴿إلى اللهِ مَرْجِعُكم جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُم بِما كنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، وعد ووعيد للفريقين.
﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ﴾، إضافة إلى الظرف على الاتساع، ﴿إذا حَضَرَ أحَدَكُمُ المَوْتُ﴾، ظرف للشهادة، وحضوره: ظهور أماراته، ﴿حِينَ الوَصِيَّةِ﴾، بدل من الظرف وفيه دليل على أن الوصية مما لا ينبغي التساهل فيها، ﴿اثْنانِ﴾، خبر شهادة أي: شهادة بينكم شهادة اثنين أو فاعلها أي: فيما فرض عليكم أن يشهد اثنان، ﴿ذَوا عَدْلٍ مِنكُمْ﴾: من المسلمين، وقيل من أقاربكم وهما صفتان لاثنان، ﴿أوْ آخَرانِ﴾، عطف على اثنان، ﴿مِن غَيْرِكُمْ﴾: من غير المسلمين أو من غير أقاربكم، ﴿إنْ أنْتُمْ ضَرَبْتُمْ في الأرْضِ﴾: أي: شهادة غير المسلم إذا كنتم في السفر يعني: لم تجدوا مسلمًا، ﴿فَأصابَتْكم مُصِيبَةُ المَوْتِ﴾، عطف على ضربتم، وجواب الشرط محذوف أي: إن كنتم في سفر ولم تجدوا مسلمين، فيجوز إشهاد غير المسلمين، ﴿تَحْبِسُونَهُما﴾: تقفونهما صفة للآخران، أو استئناف كأنه جواب ما قيل كيف نعمل إن ارتبنا في الشاهدين؟! ﴿مِن بَعْدِ الصَّلاةِ﴾ أي: صلاة العصر، فإن أهل الكتاب أيضًا يعظمونها أو بعد صلاة ما، أو بعد صلاتهم، ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ إنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي: إن ارتاب أحد الوارثين فيهما حبسهما للحلف، ﴿لا نَشْتَرِي بِهِ﴾ بالقسم، ﴿ثَمَنًا﴾، الجملة مقسم عليه أي: لا نستبدل به عرضًا من الدنيا أي: لا نحلف كاذبًا، ﴿ولَوْ كان﴾: من نقسم له، ﴿ذا قُرْبى﴾: قريبًا منا لا نحلف له كاذبًا أي نحن رجال عادتنا الصدق لنا أو علينا، ﴿ولا نَكْتُمُ شَهادَةَ اللهِ﴾ أي: الشهادة التي أمر الله بإقامتها، ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الآثِمِينَ﴾: إن كتمنا، ﴿فَإنْ عُثِرَ﴾: اطلع ﴿عَلى أنَّهُما﴾ أي: آخرين ﴿اسْتَحَقّا إثْمًا﴾: استوجبا إثمًا بيمينهما الكاذبة، ﴿فَآخَرانِ﴾: فشاهدان آخران، ﴿يَقُومانِ مَقامَهُما﴾، خبر لقوله ﴿فَآخَرانِ﴾، ﴿مِنَ الذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾: من الذين جنى عليهم، وهم الورثة، فضمير استحق للإثم أي ارتكب الذنب بالقياس إليهم، ﴿الأوْلَيانِ﴾ أي: أحقان بالشهادة لقرابتهما ومعرفتهما استئناف كأنه قيل من هما قال: هم الأوليان، أو بدل من آخران، ومن قرأ الأولين فهو صفة، أو بدل من الذين، ومن قرأ اسْتَحَقَّ غير مجهول، فهو فاعل أي: من الورثة الذين استحق عليهم الأوليان بالشهادة أن يجردوهما للقيام بالشهادة، ﴿فَيُقْسِمانِ بِاللهِ﴾، عطف على يقومان، ﴿لَشَهادَتُنا أحَقُّ﴾: بالاعتبار، ﴿مِن شَهادَتِهِما﴾، أو أصدق، ﴿وما اعْتَدَيْنا﴾: ما تجاوزنا عن الحق فيها، ﴿إنّا إذًا لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾: إن اعتدينا، ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الحكم الذي تقدم، ﴿أدْنى أنْ يَأْتُوا بِالشَّهادَةِ عَلى وجْهِها﴾ أي: أقرب أن يأتى الشهداء بشهادتهم على نحو تلك الحادثة، فلا يغيرونها، ﴿أوْ يَخافُوا أنْ تُرَدَّ أيْمانٌ﴾: على المدعين، وهم أولياء الميت، ﴿بَعْدَ أيْمانِهِمْ﴾: إذا ظهر للأولياء أمارات كذب الشاهدين، فيفتضحوا أي: أقرب إلى أحد الأمرين أداء الشهادة على الصدق أو الامتناع عن أدائها بالكذب، ﴿واتَّقُوا اللهَ واسْمَعُوا﴾: بسمع إجابة ما أمرناكم، ﴿واللهُ لا يَهْدِي القَوْمَ الفاسِقِينَ﴾: أي إن لم تسمعوا كنتم فاسقين والله لا يهديهم، ومحصل الآية أن المحتضر إذا أراد الوصية ينبغي أن يشهد على وصيته اثنين من المسلمين أو من قرابته، فإن لم يجدهما بأن كان في سفر فآخرين من غيرهم، ثم إن وقع ارتياب فيهما أقسما على صدق ما يقولان بالتغليظ في الوقت أيضًا، فإن اطلع بأمارة، ومظنة على كذبهما أقسم آخران من أولياء الميت، هكذا قرر هذا الحكم على مقتضى هذه الآيات غير واحد من أئمة السلف والتابعين، وهو مذهب الإمام أحمد، والقاضي شريح في خاصة مثل هذه الواقعة، وقال بعضهم حكم الآية منسوخ إن أريد من الغير الكافرون فإن شهادة الكافر كانت في بدأ الإسلام ثم نسخت، وقال بعضهم المراد من الشهادة الوصاية وكون الوصي اثنين للتأكيد فإنهم قالوا: لا نعلم حكمًا يحلف فيه الشاهد وهو خلاف الظاهر المتبادر، وسبب نزول الآية أن رجلًا من المسلمين خرج مسافرًا معه رجلان من أهل الكتاب، ومات بأرض ليس فيها مسلم فلما قدموا بتركته فقدوا جاما من فضة مموهًا بالذهب، فترافعوا إلى رسول الله ﷺ فنزلت فأحلفهما بعد صلاة العصر فحلفا على أنهما ما اطلعا على الإناء، ثم وجد الإناء عند من اشترى منهما، فقام رجلان من أوليائه فحلفا أن الإناء لنا وأخذا.
5:109–115Page 126
۞ يَوۡمَ يَجۡمَعُ ٱللَّهُ ٱلرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَآ أُجِبۡتُمۡۖ قَالُواْ لَا عِلۡمَ لَنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّٰمُ ٱلۡغُيُوبِ ١٠٩
[Be warned of] the Day when Allāh will assemble the messengers and say, "What was the response you received?" They will say, "We have no knowledge. Indeed, it is You who is Knower of the unseen" -
إِذۡ قَالَ ٱللَّهُ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ ٱذۡكُرۡ نِعۡمَتِي عَلَيۡكَ وَعَلَىٰ وَٰلِدَتِكَ إِذۡ أَيَّدتُّكَ بِرُوحِ ٱلۡقُدُسِ تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلۡمَهۡدِ وَكَهۡلٗاۖ وَإِذۡ عَلَّمۡتُكَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَٱلتَّوۡرَىٰةَ وَٱلۡإِنجِيلَۖ وَإِذۡ تَخۡلُقُ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيۡـَٔةِ ٱلطَّيۡرِ بِإِذۡنِي فَتَنفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيۡرَۢا بِإِذۡنِيۖ وَتُبۡرِئُ ٱلۡأَكۡمَهَ وَٱلۡأَبۡرَصَ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ تُخۡرِجُ ٱلۡمَوۡتَىٰ بِإِذۡنِيۖ وَإِذۡ كَفَفۡتُ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ عَنكَ إِذۡ جِئۡتَهُم بِٱلۡبَيِّنَٰتِ فَقَالَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡهُمۡ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٞ ١١٠
[The Day] when Allāh will say, "O Jesus, Son of Mary, remember My favor upon you and upon your mother when I supported you with the Pure Spirit [i.e., the angel Gabriel] and you spoke to the people in the cradle and in maturity; and [remember] when I taught you writing and wisdom and the Torah and the Gospel; and when you designed from clay [what was] like the form of a bird with My permission, then you breathed into it, and it became a bird with My permission; and you healed the blind [from birth] and the leper with My permission; and when you brought forth the dead with My permission; and when I restrained the Children of Israel from [killing] you when you came to them with clear proofs and those who disbelieved among them said, "This is not but obvious magic."
وَإِذۡ أَوۡحَيۡتُ إِلَى ٱلۡحَوَارِيِّـۧنَ أَنۡ ءَامِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي قَالُوٓاْ ءَامَنَّا وَٱشۡهَدۡ بِأَنَّنَا مُسۡلِمُونَ ١١١
And [remember] when I inspired to the disciples, "Believe in Me and in My messenger [i.e., Jesus]." They said, "We have believed, so bear witness that indeed we are Muslims [in submission to Allāh]."
إِذۡ قَالَ ٱلۡحَوَارِيُّونَ يَٰعِيسَى ٱبۡنَ مَرۡيَمَ هَلۡ يَسۡتَطِيعُ رَبُّكَ أَن يُنَزِّلَ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِۖ قَالَ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١١٢
[And remember] when the disciples said, "O Jesus, Son of Mary, can your Lord1 send down to us a table [spread with food] from the heaven?" [Jesus] said, "Fear Allāh, if you should be believers."
قَالُواْ نُرِيدُ أَن نَّأۡكُلَ مِنۡهَا وَتَطۡمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعۡلَمَ أَن قَدۡ صَدَقۡتَنَا وَنَكُونَ عَلَيۡهَا مِنَ ٱلشَّٰهِدِينَ ١١٣
They said, "We wish to eat from it and let our hearts be reassured and know that you have been truthful to us and be among its witnesses."
قَالَ عِيسَى ٱبۡنُ مَرۡيَمَ ٱللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلۡ عَلَيۡنَا مَآئِدَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدٗا لِّأَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةٗ مِّنكَۖ وَٱرۡزُقۡنَا وَأَنتَ خَيۡرُ ٱلرَّٰزِقِينَ ١١٤
Said Jesus, the son of Mary, "O Allāh, our Lord, send down to us a table [spread with food] from the heaven to be for us a festival for the first of us and the last of us and a sign from You. And provide for us, and You are the best of providers."
قَالَ ٱللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيۡكُمۡۖ فَمَن يَكۡفُرۡ بَعۡدُ مِنكُمۡ فَإِنِّيٓ أُعَذِّبُهُۥ عَذَابٗا لَّآ أُعَذِّبُهُۥٓ أَحَدٗا مِّنَ ٱلۡعَٰلَمِينَ ١١٥
Allāh said, "Indeed, I will send it down to you, but whoever disbelieves afterwards from among you - then indeed will I punish him with a punishment by which I have not punished anyone among the worlds."
﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللهُ الرُّسُلَ﴾ أي: اذكر يوم جمعهم، وقيل ظرف لـ ﴿لا يَهْدِي﴾ [[أى لا يهديهم طريق الجنة.]]، أو بدل اشتمال من مفعول اتقوا، ﴿فَيَقُولُ﴾: لهم، ﴿ماذا أُجِبْتُمْ﴾ أي إجابة أجبتم، إجابة إقرار أو إنكار، ﴿قالُوا لاَ عِلْمَ لنا﴾: إنما قالوا ذلك من هول ذلك اليوم، أو لا علم لنا بما أحدثوا بعدنا أو بالنسبة إلى علمك، ﴿إنَّكَ أنْتَ عَلّامُ الغُيُوبِ﴾: فتعلم ما نعلم، وما لا نعلم، وهذا السؤال لتوبيخ الأمم، ﴿إذْ قالَ اللهُ﴾، بدل من يوم الجمع أو بتقدير اذكر، ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وعَلى والِدَتِكَ إذْ أيَّدْتُكَ﴾: قويتك ظرف نعمتي، أو حال منهما، ﴿بِرُوحِ القُدُسِ﴾: جبريل، وقيل بكلام ونفس يحيى به الدين، والموتى، ﴿تُكَلِّمُ النّاسَ﴾: بدعوتهم إلى الله تعالى، ﴿فِي المَهْدِ وكَهْلًا﴾، عطف على محل في المهد فإنه حال قالوا، وما وصل إلى سن من الكهولة، ففيه إشارة إلى نزوله من السماء، وهو آية من آياته، ﴿وإذْ عَلَّمْتُكَ الكِتابَ﴾: الخط، ﴿والحِكْمَةَ﴾: الفهم، ﴿والتَّوْراةَ والإنجيلَ وإذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ﴾: تشكله وتصوره على هيئة طائر، ﴿بِإذْنِي﴾: لك في ذلك، ﴿فَتَنْفُخُ فِيها﴾: في تلك الصورة، ﴿فَتَكُونُ طَيْرًا﴾: تطير، ﴿بِإذْنِي﴾: وأمري ﴿وتُبْرِئُ الأكْمَهَ والأبْرَصَ بِإذْنِي وإذْ تُخْرِجُ المَوْتى بِإذْنِي﴾: بأن تدعوهم فيقومون من قبورهم بإرادة الله وقدرته، ﴿وإذْ كَفَفْتُ بَنِي إسْرائِيلَ عَنكَ﴾ أي: عن قتلك ﴿إذْ جئْتَهُم بِالبَيِّناتِ﴾، ظرف لكففت، ﴿فَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنهم إنْ هذا﴾ أي: ما هذا، َ ﴿إلّا سِحْرٌ مُبِينٌ وإذْ أوْحَيْتُ﴾: ألهمت أو بلسانك ﴿إلى الحَوارِيِّينَ﴾: أصحابه، وأنصاره، ﴿أنْ آمِنُوا بِي وبِرَسُولِي قالُوا آمَنّا واشْهَدْ﴾: يا الله أو يا أيها الرسول، ﴿بِأنَّنا مُسْلِمُونَ﴾: منقادون مخلصون، ﴿إذْ قالَ الحَوارِيُّونَ﴾، منصوب باذكر، ﴿يا عِيسى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾، وهذا كما تقول: هل تستطيع أن تجيء معي؟ عالمًا باستطاعته أي هل تفعل أم لا؟ أو بمعنى هل يعطيك ربك بإجابة سؤالك فيكون أطاع واستطاع بمعنى كأجاب واستجاب، وقيل: شكُّوا أي في قدرة الله، ولذلك أجابهم عيسى عليه السلام بقوله: ”اتقوا الله“ [[قال الإمام فخر الدين الرازي ما نصه:
﴿هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ﴾ قَرَأ الكِسائِيُّ هَلْ تَسْتَطِيعُ بِالتّاءِ رَبَّكَ بِالنَّصْبِ/ وبِإدْغامِ اللّامِ في التّاءِ، وسَبَبُ الإدْغامِ أنَّ اللّامَ قَرِيبُ المَخْرَجِ مِنَ التّاءِ لِأنَّهُما مِن حُرُوفِ طَرَفِ اللِّسانِ وأُصُولِ الثَّنايا وبِحَسَبَ قُرْبِ الحَرْفِ مِنَ الحَرْفِ يَحْسُنُ الإدْغامُ، وهَذِهِ القِراءَةُ مَرْوِيَّةٌ عَنْ عَلِيٍّ وابْنِ عَبّاسٍ. وعَنْ عائِشَةَ رَضِيَ الله عَنْها أنَّها قالَتْ: كانُوا أعْلَمَ بالله مِن أنْ يَقُولُوا هَلْ يَسْتَطِيعُ وإنَّما قالُوا هَلْ تَسْتَطِيعُ أنْ تَسْألَ رَبَّكَ.
وعَنْ مُعاذِ بْنِ جَبَلٍ: أقْرَأنِي رَسُولُ الله ﷺ هَلْ تَسْتَطِيعُ بِالتّاءِ رَبَّكَ بِالنَّصْبِ
والباقُونَ يَسْتَطِيعُ بِالياءِ رَبُّكَ بِرَفْعِ الباءِ وبالإظهار فأما القراءة الأولى فمعناها: هل تسطيع سُؤالَ رَبِّكَ؟ قالُوا وهَذِهِ القِراءَةُ أوْلى مِنَ الثّانِيَةِ لِأنَّ هَذِهِ القِراءَةَ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ عِيسى، والثّانِيَةُ تُوجِبُ شَكَّهم في اسْتِطاعَةِ الله، ولا شَكَّ أنَّ الأُولى أوْلى، وأمّا القِراءَةُ الثّانِيَةُ فَفِيها إشْكالٌ، وهو أنَّهُ تَعالى حَكى عَنْهم أنَّهم قالُوا آمَنّا واشْهَدْ بِأنَّنا مُسْلِمُونَ [المائدة: ١١١] وبَعْدَ الإيمانِ كَيْفَ يَجُوزُ أنْ يُقالَ إنَّهم بَقُوا شاكِّينَ في اقْتِدارِ الله تَعالى عَلى ذَلِكَ.
والجَوابُ عَنْهُ مِن وُجُوهٍ: الأوَّلُ: أنَّهُ تَعالى ما وصَفَهم بِالإيمانِ والإسْلامِ بَلْ حَكى عَنْهُمُ ادِّعاءَهم لَهُما ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً عَنْهم هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم كانُوا شاكِّينَ مُتَوَقِّفِينَ فَإنَّ هَذا القَوْلَ لا يَصْدُرُ عَمَّنْ كانَ كامِلًا في الإيمانِ وقالُوا: ونَعْلَمَ أنْ قَدْ صَدَقْتَنا وهَذا يَدُلُّ عَلى مَرَضٍ في القَلْبِ وكَذَلِكَ قَوْلُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ لَهم اتَّقُوا اللهَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ يَدُلُّ عَلى أنَّهم ما كانُوا كامِلِينَ في الإيمانِ.
والوَجْهُ الثّانِي: في الجَوابِ أنَّهم كانُوا مُؤْمِنِينَ إلّا أنَّهم طَلَبُوا هَذِهِ الآيَةَ لِيَحْصُلَ لَهم مَزِيدُ الطُّمَأْنِينَةِ كَما قالَ إبْراهِيمُ عليه السلام ولكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [البقرة: ٢٦٠] فَإنَّ مُشاهَدَةَ مِثْلِ هَذِهِ الآيَةِ لا شَكَّ أنَّها تُورِثُ الطُّمَأْنِينَةَ ولِهَذا السَّبَبِ قالُوا وتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا.
والوَجْهُ الثّالِثُ: في الجَوابِ أنَّ المُرادَ مِن هَذا الكَلامِ اسْتِفْهامُ أنَّ ذَلِكَ هَلْ هو جائِزٌ في الحِكْمَةِ أمْ لا وذَلِكَ لِأنَّ أفْعالَ الله تَعالى لَمّا كانَتْ مَوْقُوفَةً عَلى رِعايَةِ وُجُوهِ الحِكْمَةِ فَفي المَوْضِعِ الَّذِي لا يَحْصُلُ فِيهِ شَيْءٌ مِن وُجُوهِ الحِكْمَةِ يَكُونُ الفِعْلُ مُمْتَنِعًا فَإنَّ المُنافِيَ مِن جِهَةِ الحِكْمَةِ كالمُنافِي مِن جِهَةِ القُدْرَةِ، وهَذا الجَوابُ يَتَمَشّى عَلى قَوْلِ المُعْتَزِلَةِ، وأمّا عَلى قَوْلِنا فَهو مَحْمُولٌ عَلى أنَّ الله تَعالى هَلْ قَضى بِذَلِكَ وهَلْ عَلِمَ وُقُوعَهُ فَإنَّهُ إنْ لَمْ يَقْضِ بِهِ ولَمْ يَعْلَمْ وُقُوعَهُ كانَ ذَلِكَ مُحالًا غَيْرَ مَقْدُورٍ لِأنَّ خِلافَ المَعْلُومِ غَيْرُ مَقْدُورٍ.
الوَجْهُ الرّابِعُ: قالَ السُّدِّيُّ: هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أيْ هَلْ يُطِيعُكَ رَبُّكَ إنْ سَألْتَهُ، وهَذا تَفْرِيعٌ عَلى أنَّ اسْتَطاعَ بِمَعْنى أطاع والسين زائدة.
والوجه الخامِسُ: لَعَلَّ المُرادَ بِالرَّبِّ: هو جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، لِأنَّهُ كانَ يُرَبِّيهِ ويَخُصُّهُ بِأنْواعِ/ الإعانَةِ، ولِذَلِكَ قالَ تَعالى في أوَّلِ الآيَةِ إذْ أيَّدْتُكَ بِرُوحِ القُدُسِ [المائدة: ١١٠] يَعْنِي أنَّكَ تَدَّعِي أنَّهُ يُرَبِّيكَ ويَخُصُّكَ بِأنْواعِ الكَرامَةِ، فَهَلْ يَقْدِرُ عَلى إنْزالِ مائِدَةٍ مِنَ السَّماءِ عَلَيْكَ.
والوَجْهُ السّادِسُ: أنَّهُ لَيْسَ المَقْصُودُ مِن هَذا السُّؤالِ كَوْنَهم شاكِّينَ فِيهِ بَلِ المَقْصُودُ تَقْرِيرُ أنَّ ذَلِكَ في غايَةِ الظُّهُورِ كَمَن يَأْخُذُ بِيَدِ ضَعِيفٍ ويَقُولُ هَلْ يَقْدِرُ السُّلْطانُ عَلى إشْباعِ هَذا ويَكُونُ غَرَضُهُ مِنهُ أنَّ ذَلِكَ أمْرٌ جَلِيٌّ واضِحٌ، لا يَجُوزُ لِعاقِلٍ أنْ يَشُكَّ فِيهِ، فَكَذا هاهُنا. اهـ (مفاتيح الغيب ١٢/ ٤٦١ - ٤٦٢)]]، ومن قرأ ﴿هل تستطيع﴾ بالتاء، و ﴿ربَّك﴾ بالنصب، فمعناه هل تستطيع سؤال ربك؟ ﴿أن يُنَزِّلَ عَلَينا مائِدَةً مّنَ السَّماءِ قالَ﴾: عيسى، ﴿اتَّقُوا اللهَ﴾: في سؤالها، ﴿إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ أي: لا يليق اقتراح الآيات بعد الإيمان، ﴿قالُوا نُرِيدُ أنْ نَأْكُلَ مِنها﴾، فأجابوا بأن طلبها لأجل الحاجة لا أنا نطلب آية، ﴿وتَطْمَئِنَّ قلوبُنا﴾: بزيادة علمنا، ﴿ونَعْلَمَ﴾: علم مشاهدة بعد ما علمناه علم إيمان، ﴿أنْ قَدْ صَدَقْتَنا﴾: فيما وعدتنا أو في نبوتك، ﴿ونَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشّاهِدِينَ﴾ أي: من الشاهدين على تلك المائدة الدالة على نبوتك أو من الشاهدين عليها عند من لم يحضرها من بني إسرائيل، وعليها متعلق بمحذوف يفسره من الشاهدين، ﴿قالَ عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ اللهُمَّ رَبَّنا﴾، نداء ثان فإن اللهم لا يوصف، ولا يبدل منه، ﴿أنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً﴾ أي: خوان إذا كان فيه الطعام، ﴿مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيدًا﴾، العيد اسم ليوم فيه سرور مخصوص فضمير تكون للمائدة على حذف مضافين أي: تكون يوم نزولها أو اسم سرور يعود فلا حذف، لكن في الإسناد مجاز، ﴿لِأوَّلِنا﴾، بدل من لنا، ﴿وآخِرِنا﴾: لمتقدمينا ومتأخرينا أو يأكل منها أولنا وآخرنا ﴿وآيَةً مِنكَ﴾: على كمال قدرتك، وصحة نبوتي، ﴿وارْزُقْنا وأنْتَ خَيْرُ الرّازِقِين قالَ اللهُ﴾: مجيبًا له، ﴿إنِّي مُنَزِّلُها عَلَيْكم فَمَن يَكْفُرْ بَعْدُ﴾: بعد نزولها، ﴿مِنكم فَإنِّي أُعَذِّبُهُ عَذابًا﴾: تعذيبًا، ﴿لا أُعَذِّبُهُ﴾، الضمير للمصدر فيكون في موقع المفعول المطلق ويقوم مقام العائد فإن لا أعذبه صفة عذابًا أو من باب الحذف والإيصال أي: لا أعذب به، ﴿أحَدًا مِنَ العالَمِينَ﴾: عالمي زمانهم والأصح أن المائدة نزلت وكفروا بها فمسخوا قردة وخنازير، قيل ما مسخ أحد قبلهم خنزيرًا، فالعالمين مطلق قال عبد الله بن عمر: أشد الناس عذابًا [[في الأصل ”عتابًا“ والتصويب من بحر العلوم للسمرقندي.]] يوم القيامة المنافقون، ومن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences