Al-IjiAl‑Anfal · 8:1–37

Al-Iji · Tafsir · in Arabic

الأنفال

Al-Anfal

The Spoils of War · Medinan · 75 ayahs

8:1–10Page 177

يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡأَنفَالِۖ قُلِ ٱلۡأَنفَالُ لِلَّهِ وَٱلرَّسُولِۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَأَصۡلِحُواْ ذَاتَ بَيۡنِكُمۡۖ وَأَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥٓ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ١

They ask you, [O Muḥammad], about the bounties [of war]. Say, "The [decision concerning] bounties is for Allāh and the Messenger." So fear Allāh and amend that which is between you and obey Allāh and His Messenger, if you should be believers.

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتۡ قُلُوبُهُمۡ وَإِذَا تُلِيَتۡ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُهُۥ زَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٢

The believers are only those who, when Allāh is mentioned, their hearts become fearful, and when His verses are recited to them, it increases them in faith; and upon their Lord they rely -

ٱلَّذِينَ يُقِيمُونَ ٱلصَّلَوٰةَ وَمِمَّا رَزَقۡنَٰهُمۡ يُنفِقُونَ ٣

The ones who establish prayer, and from what We have provided them, they spend.

أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ حَقّٗاۚ لَّهُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ رَبِّهِمۡ وَمَغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٤

Those are the believers, truly. For them are degrees [of high position] with their Lord and forgiveness and noble provision.

كَمَآ أَخۡرَجَكَ رَبُّكَ مِنۢ بَيۡتِكَ بِٱلۡحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقٗا مِّنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ لَكَٰرِهُونَ ٥

[It1 is] just as when your Lord brought you out of your home [for the battle of Badr] in truth, while indeed, a party among the believers were unwilling,

يُجَٰدِلُونَكَ فِي ٱلۡحَقِّ بَعۡدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى ٱلۡمَوۡتِ وَهُمۡ يَنظُرُونَ ٦

Arguing with you concerning the truth after it had become clear, as if they were being driven toward death while they were looking on.

وَإِذۡ يَعِدُكُمُ ٱللَّهُ إِحۡدَى ٱلطَّآئِفَتَيۡنِ أَنَّهَا لَكُمۡ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيۡرَ ذَاتِ ٱلشَّوۡكَةِ تَكُونُ لَكُمۡ وَيُرِيدُ ٱللَّهُ أَن يُحِقَّ ٱلۡحَقَّ بِكَلِمَٰتِهِۦ وَيَقۡطَعَ دَابِرَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٧

[Remember, O believers], when Allāh promised you one of the two groups1 - that it would be yours - and you wished that the unarmed one would be yours. But Allāh intended to establish the truth by His words and to eliminate the disbelievers

لِيُحِقَّ ٱلۡحَقَّ وَيُبۡطِلَ ٱلۡبَٰطِلَ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُجۡرِمُونَ ٨

That He should establish the truth and abolish falsehood, even if the criminals disliked it.

إِذۡ تَسۡتَغِيثُونَ رَبَّكُمۡ فَٱسۡتَجَابَ لَكُمۡ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلۡفٖ مِّنَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ مُرۡدِفِينَ ٩

[Remember] when you were asking help of your Lord, and He answered you, "Indeed, I will reinforce you with a thousand from the angels, following one another."

وَمَا جَعَلَهُ ٱللَّهُ إِلَّا بُشۡرَىٰ وَلِتَطۡمَئِنَّ بِهِۦ قُلُوبُكُمۡۚ وَمَا ٱلنَّصۡرُ إِلَّا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ١٠

And Allāh made it not but good tidings and so that your hearts would be assured thereby. And victory is not but from Allāh. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise.

﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الأنْفالِ﴾ أيِ: حكم الغنائم نزلت حين اختلف كلام الشبان والشيوخ في غنائم بدر، والشبان ادعوا الأحقية بأنّهم باشروا القتال ﴿قُلِ الأنْفالُ لله والرَّسُولِ﴾: فيضعها الرسول حيث يأمره الله، ولذلك قسم رسول الله ﷺ غنائم بدر بين الشبان والشيوخ على السواء، وعن بعض: إن هذا في بدر ثم نسخت بقوله: ”واعْلَمُوا أنَّما غَنِمْتُمْ“ إلى آخره، فإن غنائم بدر قسمت من غير تخميس وفيه نظر، لأن بعض الأحاديث يدل على تخميسها صريحًا ﴿فاتَّقُوا اللهَ﴾: في الاختلاف ﴿وأصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ﴾: الحال التي بينكم بترك المنازعة ﴿وأطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فإن من مقتضى الإيمان طاعة الله ورسوله ﴿إنَّما المُؤْمِنُونَ الذِينَ إذا ذُكِرَ اللهُ﴾: بأن سمعوا الأذان والإقامة ﴿وجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: من الله فأدوا فرائضه ﴿وإذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهم إيمانًا﴾: تصديقًا ﴿وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾: لا يرجون غيره، وإن سألوا غيره، فإنهم يعلمون أنه المعطي والمانع ﴿الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ﴾؛ يديمونها ﴿ومِمّا رَزَقْناهم يُنْفِقُونَ﴾: يؤدون الصدقة الواجبة ﴿وأُولَئِكَ هُمُ المُؤْمنونَ حَقًّا﴾: صدقًا من غير شك، صفة مصدر محذوف أي: إيمانًا حَقًّا، أو مصدر مؤكد، بخلاف المنافق، فإنه لا يدخل في قلبه شيء من ذكر الله تعالى عند الصلوات، ولا يصدقون بآيات الله تعالى كلما نزلت، فلا يزداد إيمانهم، ولا يصلون إذا غابوا عن محضر المسلمين، ولا يؤدون الزكاة، فهم ليسوا بمؤمنين حقًّا، هكذا فسرها ابن عباس - رضى الله عنهما -، أو معناها المؤمن الكامل الإيمان من ضم إلى مكارم أعمال قلبه من الخشية عند ذكر الله تعالى من الإخلاص، واطمئنان النفس ورسوخ اليقين، ومن التوكل عليه في جميع الأمور، محاسن أفعال الجوارح، من الصدقة والصلاة ﴿لَهم دَرَجاتٌ﴾: من الجنة ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ يرتقونها بأعمالهم لا للمنافقين ﴿ومَغْفِرَةٌ﴾ لسيئاتهم ﴿ورِزْقٌ كَرِيمٌ﴾: حسن، وهو رزق الجنة.

﴿كَما أخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي: الحال في كراهتهم القتال كحال إخراجك من المدينة، أو متعلق بما بعده، وهو يجادلونك ومعنى الوجهين واحد، أو تقديره: حالهم في كراهة حكمنا بأن الأنفال لله تعالى كحالهم في حكمنا بإخراجك من المدينة ﴿بِالحَقِّ﴾ أي: إخراجًا متلبسًا بالحكمة والصواب ﴿وإن فَرِيقًا مِنَ المُؤْمِنِينَ﴾: بعضًا منهم ﴿لَكارِهُونَ﴾: الخروج وحينئذ الجملة في موقع الحال، وذلك أن عير قريش أقبلت من الشام في تجارة عظيمة، فخرج رسول الله ﷺ في عقبهم، فبلغ الخبر أهل مكة، فخرج أبو جهل مع عسكر عظيم، فأراد رسول الله ﷺ القتال ووعد الأصحاب بالظفر فقال بعضهم: هلا ذكرت لنا القتال حتى نتأهب له، ثم واجهوا العدو وقاتلوا في بدر، والظفر للمسلمين ﴿يُجادِلُونَكَ في الحَقِّ﴾: وهو إيثار الجهاد ﴿بَعْدَ ما تَبَيَّنَ﴾: نصرتهم بإعلام رسول الله ﷺ ﴿كَأنَّما يُساقُونَ إلى المَوْتِ وهم يَنْظُرُونَ﴾ أي: يكرهون القتال كراهة من يجر إلى القتل، وهو مشاهد ناظر إلى أسبابه ﴿وإذ يَعِدُكم اللهُ﴾ أي: اذكر إذ يعدكم ﴿إحْدى الطّائِفتَيْنِ﴾: العير التي فيها التجارة، أو النفير التي خرت من مكة ﴿أنَّها لَكُمْ﴾ بدل اشتمال من ثاني مفعوليه، وهو إحدى ﴿وتَوَدُّونَ أنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ﴾ أي: العير التي ليس فيها عدد كثير ولا عُدَد ﴿تَكُونُ لَكم ويُرِيدُ اللهُ أنْ يُحِقَّ﴾: أن يثبت ويظهر ﴿الحَقَّ بِكَلِماتِهِ﴾: بأمره إياكم بالقتال، قيل الباء بمعنى مع أي: يرفع كلمة الله ويجعل دينه عاليًا غالبًا ﴿ويَقْطَعَ دابِرَ الكافِرِينَ﴾ الدابر: الآخر، وقطع الدابر عبارة عن الاستئصال، يعني إرادتكم إصابة مال بلا مكروه، وإرادة الله إعلاء كلمته، وفوز الدارين لكم ﴿لِيُحِقَّ الحَقَّ ويُبْطِلَ الباطِلَ﴾ متعلق بمحذوف أي: لهذين الجهتين فعلنا ما فعلنا أو متعلق بيقطع ﴿ولَوْ كَرِهَ المُجْرِمُونَ﴾: ذلك ﴿إذْ تَسْتَغِيثُونَ﴾: هو إلحاح دعاء النبي ﷺ حين رأى شوكة الأعداء، وهو بدل من إذ يعدكم بأن يكون عبارة عن زمان واسع وقع الوعد في بعض أجزائه والاستغاثة في بعض، أو متعلق بـ ”ليحق“ ﴿رَبَّكم فاسْتَجابَ لَكم أنِّي مُمِدُّكُمْ﴾ أي: بأني ومن قرأ ”إني“ بالكسر فعلى إرادة القول، أو استجاب بمنزلة قال ﴿بِألْفٍ مِنَ المَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾: متتابعين بعضهم على إثر بعض، أو مردفين بألف آخر فقد نقل عن علي رضي الله عنه -: إن جبريل في ألف عن ميمنة النبي ﷺ وفيها أبو بكر وميكائيل في ألف عن ميسرته وأنا فيها، ومن قرأ بفتح الدال فمعناه أردف الله المسلمين بهم، أو أردف الله ألفًا بألفٍ آخر وقد أنزل الله تعالى أولًا ألفًا ثم ألفًا ثم ألفًا إلى خمسة آلاف كما ذكرناه في سورة آل عمران ﴿وما جَعَلَهُ اللهُ﴾ أي: الإمداد ﴿إلا بُشْرى﴾: بشارة ﴿ولِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ﴾ فيزول منها الوجل ﴿وما النَّصْرُ إلا مِن عند اللهِ﴾ وإمداد الملائكة وكثرة العدد والعُدَد وسائط لا تأثير لها ﴿إنَّ اللهَ عَزِيزٌ﴾: َ لا يغالب ﴿حَكِيمٌ﴾ في أفعاله.

8:11–19Page 178

إِذۡ يُغَشِّيكُمُ ٱلنُّعَاسَ أَمَنَةٗ مِّنۡهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ لِّيُطَهِّرَكُم بِهِۦ وَيُذۡهِبَ عَنكُمۡ رِجۡزَ ٱلشَّيۡطَٰنِ وَلِيَرۡبِطَ عَلَىٰ قُلُوبِكُمۡ وَيُثَبِّتَ بِهِ ٱلۡأَقۡدَامَ ١١

[Remember] when He overwhelmed you with drowsiness [giving] security from Him and sent down upon you from the sky, rain by which to purify you and remove from you the evil [suggestions] of Satan and to make steadfast your hearts and plant firmly thereby your feet.

إِذۡ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى ٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمۡ فَثَبِّتُواْ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۚ سَأُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ فَٱضۡرِبُواْ فَوۡقَ ٱلۡأَعۡنَاقِ وَٱضۡرِبُواْ مِنۡهُمۡ كُلَّ بَنَانٖ ١٢

[Remember] when your Lord inspired to the angels, "I am with you, so strengthen those who have believed. I will cast terror into the hearts of those who disbelieved, so strike [them] upon the necks and strike from them every fingertip."1

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ شَآقُّواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥۚ وَمَن يُشَاقِقِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ١٣

That is because they opposed Allāh and His Messenger. And whoever opposes Allāh and His Messenger - indeed, Allāh is severe in penalty.

ذَٰلِكُمۡ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابَ ٱلنَّارِ ١٤

"That [is yours], so taste it." And indeed for the disbelievers is the punishment of the Fire.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِذَا لَقِيتُمُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ زَحۡفٗا فَلَا تُوَلُّوهُمُ ٱلۡأَدۡبَارَ ١٥

O you who have believed, when you meet those who disbelieve advancing [in battle], do not turn to them your backs [in flight].

وَمَن يُوَلِّهِمۡ يَوۡمَئِذٖ دُبُرَهُۥٓ إِلَّا مُتَحَرِّفٗا لِّقِتَالٍ أَوۡ مُتَحَيِّزًا إِلَىٰ فِئَةٖ فَقَدۡ بَآءَ بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦

And whoever turns his back to them on such a day, unless swerving [as a strategy] for war or joining [another] company, has certainly returned with anger [upon him] from Allāh, and his refuge is Hell - and wretched is the destination.

فَلَمۡ تَقۡتُلُوهُمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ قَتَلَهُمۡۚ وَمَا رَمَيۡتَ إِذۡ رَمَيۡتَ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ رَمَىٰ وَلِيُبۡلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡهُ بَلَآءً حَسَنًاۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١٧

And you did not kill them, but it was Allāh who killed them.1 And you threw not, [O Muḥammad], when you threw, but it was Allāh who threw2 that He might test the believers with a good test.3 Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

ذَٰلِكُمۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مُوهِنُ كَيۡدِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٨

That [is so], and [also] that Allāh will weaken the plot of the disbelievers.

إِن تَسۡتَفۡتِحُواْ فَقَدۡ جَآءَكُمُ ٱلۡفَتۡحُۖ وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَإِن تَعُودُواْ نَعُدۡ وَلَن تُغۡنِيَ عَنكُمۡ فِئَتُكُمۡ شَيۡـٔٗا وَلَوۡ كَثُرَتۡ وَأَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٩

If you [disbelievers] seek the decision [i.e., victory] - the decision [i.e., defeat] has come to you. And if you desist [from hostilities], it is best for you; but if you return [to war], We will return, and never will you be availed by your [large] company at all, even if it should increase; and [that is] because Allāh is with the believers.

﴿إذْ يُغَشِّيكُمُ﴾: الله ﴿النُّعاسَ﴾ بدل ثان من إذ يعدكم أو بإضمار اذكر ﴿أمَنَةً﴾: أمنًا وهو مفعول له وفيه شرط النصب؛ لأن حاصل معنى يغشيكم النعاس تنعسون والأمنة فعل لفاعله ﴿مِنهُ﴾ أي: حاصلة من الله تعالى وهذه السِّنَة في البدر أيضًا ففي الصحيح أن رسول الله ﷺ مع الصديق يدعوان يوم بدر في العريش أخذته سنة ثم استيقظ متبسمًا وقال: أبشر يا أبا بكر هذا جبريل على ثناياه النقع، وعن علي - رضي الله عنه - قال: لقد رأينا يوم بدر وما فينا إلا نائم إلا رسول الله ﷺ يصلي ويبكي حتى أصبح ﴿ويُنَزِّلُ عَلَيْكم مِن السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكم بِهِ﴾: من الجنابة والحدث ﴿ويُذْهِبَ عَنْكم رِجْزَ الشَّيْطانِ﴾: وسوسته، فإنهم في البدر نزلوا على غير الماء، فاحتلم أكثرهم وقد غلب الكفار على الماء، وقد وسوس إليهم الشيطان بأنكم تزعمون أنكم أولياء الله تعالى وفيكم رسول الله وحينئذ تصلون على جنابة، فأنزل الله تعالى المطر، وسال الوادي ﴿ولِيَرْبِطَ عَلى قُلُوبِكُمْ﴾ بالصبر واليقين ﴿ويُثَبِّتَ بِهِ﴾: بسبب المطر والربط ﴿الأقْدامَ﴾ على المحاربة يعني قوى قلوبهم، وشجعهم أو المطر لبد الرمل بحيث لا يغوص أرجلهم فيه، فثبت أقدامهم، فإنهم في كثيب أعفر تسوخ فيه الأقدام ﴿إذْ يُوحِي﴾ بدل ثالث أو بإضمار اذكر ﴿رَبُّكَ إلى المَلائِكَةِ أنِّي مَعَكُمْ﴾: بالعون والنصر، وهو مفعول يوحي، وعند بعضهم أن الخطاب مع المؤمنين أي: أوحى للملائكة أن يقولوا للمؤمنين: إن الله معكم ﴿فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ببشارة النصر، أو بتكثير سوادهم، ومحاربة أعدائهم ﴿سَأُلْقِي في قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ﴾: الخوف ﴿فاضْرِبُوا فَوْقَ الأعْناقِ﴾ أي: الرؤوس أو أعاليها، وهي المذابح، قال ربيع بن أنس: كان الناس يعرفون قتلى الملائكة من قتيلهم، بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق بها ﴿واضْرِبُوا مِنهم كُلَّ بَنانٍ﴾: أصابع أو كل طرف ومفصل، قيل: الخطاب في قوله فاضربوا للمؤمنين، والأكثرون على أنه للملائكة ﴿ذَلِكَ﴾ أي: الضرب أو الأمر به ﴿بِأنَّهم شاقُّوا اللهَ ورَسُولَهُ﴾: خالفوهما، تركوا الشرع فصاروا في شق ﴿ومَن يُشاقِقِ اللهَ ورَسُولَهُ فَإنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾: له ﴿ذَلِكُمْ﴾: الخطاب مع الكفرة أي: الأمر ذلكم، أو ذلكم العذاب ﴿فَذوقُوهُ وأنَّ لِلْكافِرِينَ عَذابَ النّارِ﴾ عطف على ذلكم.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا﴾ الزحف: الجيش الكثير منصوب عطى الحال ﴿فَلا تُوَلُّوهُمُ الأدْبارَ﴾ بالانهزام ﴿ومَن يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ﴾: يوم القتال مطلقًا، أو يوم قتال البدر خاصة ﴿دُبُرَهُ﴾: فانهزم ﴿إلّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ﴾: يفر مكيدة، ليرى أنه خاف، فيتبعه العدو فيكر عليه ويقتله ﴿أوْ مُتَحَيِّزًا إلى فِئَةٍ﴾ فر من ههنا إلى فئة أخرى من المسلمين يعاونونه، حتى لو كان في سرية ففر إلى أميره أو إمامه الأعظم لجاز، ونصب متحرفًا ومتحيزًا على الحال، أو استثناء من المولين أي: إلا رجلًا متحرفًا ﴿فَقَدْ باءَ﴾: رجع ﴿بِغَضَب مِنَ اللهِ ومَأواهُ جَهَنَّمُ وبِئْسَ المَصِيرُ﴾: جهنم، أكثر السلف على أن هذا في يوم بدر خاصة [[فيه إشكال، فإن الآية نزولها إن كانت قبل وقعة بدر لها فائدة لكن ما قبل الآية وما بعدها صريح في أن نزولها بعد وقعته، إلا أن يقال: مضمونها وحكمها قبل كما في ”فثبتوا الذين آمنوا سألقي“ لكن لفظها للامتنان بعد تأمل فإنك لا ترى مفسرًا حام حول تحقيقها. اهـ ﴿حاشية الكتاب﴾.]]، ولهذا ”قال رسول الله ﷺ فيه:“ اللهم إن تهلك هذه العصابة، فلن تعبد في الأرض أبدًا ”، وأما في سائر الحروب فجاز الفرار إذا كان الكفار أكثر من مثليهم وعن بعض الفرار مطلقًا حرام وكبيرة إلا عن هذين السببين، وعن بعض هذا خاصة الصحابة ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ﴾ تقديره: إن فخرتم بقتلهم يوم بدر، فلم تقتلوهم بقوتكم ﴿ولَكِنَّ الله قَتَلَهُمْ﴾: بأن أظفركم عليهم، وأرسل الملائكة وألقى الرعب في قلوبهم، نزلت حين انصرفوا عن القتال يتفاخرون، يقولون: قتلنا فلانًا أو أسرنا فلانًا، فهو تعالى يبين أنه خالق أفعالهم وأنه المحمود على جميع خير صدر عنهم ﴿وما رَمَيْتَ﴾: يا محمد قبضة التراب في أعينهم ﴿إذْ رَمَيْتَ﴾ أتيت بصورة الرمي ﴿ولَكِنَّ اللهَ رَمى﴾ أتى بما هو غاية الرمي، فصورة الرمي منك، وحقيقتها مني كأنه قال: ما رميت خلقًا إذ رميت كسبا،“ وذلك أن رسول الله ﷺ أخذ قبضة من تراب، بتعليم جبريل عليه السلام فرمى بها وجوه الأعداء، قائلًا: شاهت الوجوه فلم يبق مشرك إلا وامتلأت عينه منها ”، فاشتغلوا بأعينهم فردفهم المؤمنون بالقتل والأسر، وهذه الرمية ليست من جنس أفعال البشر وقوتهم ﴿ولِيُبْلِيَ﴾ تقديره: ولكن الله رمى لفوائد كثيرة وليبلي ﴿المُؤْمِنِينَ مِنهُ﴾: من الله ﴿بَلاءً حَسَنًا﴾ أي: ولينعم عليهم نعمة حسنة عظيمة بالنصر، ومشاهدة الآيات فيشكروا ﴿إنَّ الله سَمِيعٌ﴾: بدعائهم ﴿عَلِيمٌ﴾ بضمائرهم ﴿ذلِكُمْ﴾: إشارة إلى البلاء الحسن، وتقديره: الأمر والحكمة ذلكم ﴿وأنَّ اللهَ مُوهِنُ كَيْدِ الكافِرِينَ﴾ أي: الحكمة إبلاء المؤمنين، وإبطال حيل الكافرين ﴿إنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الفَتْحُ﴾ المشركون حين خرجوا تعلقوا بأستار الكعبة، وقالوا: اللهم انصر أعلى الجندين وأكرم الحزبين وأهدى الفئتين، أو قال أبو جهل يوم بدر: اللهم أهلك أيتنا أقطع للرحم، فيقول تعالى: إن طلبتم الفتح للأكرمين أو لواصل الرحم، فقد استجاب الله تعالى، فالخطاب على سبيل التهكم ﴿وإنْ تَنْتَهُوا﴾ عن الشرك ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَكم وإنْ تَعُودُوا﴾: إلى الكفر والمحاربة ﴿نَعُد﴾ لكم بمثل وقعة بدر ﴿ولَنْ تُغنِيَ﴾: ترفع ﴿عَنْكم فِئَتُكُمْ﴾: جماعتكم ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء أو المضار ﴿ولَوْ كَثُرَتْ﴾ فئتكم ﴿وأنَّ اللهَ مَعَ المُؤْمِنِينَ﴾: بالنصر، فلا يغلبون، ومن قرأ“ أن " بفتح الهمزة تقديره: لأن الله مع المؤمنين وقعت تلك الواقعة.

8:20–28Page 179

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَلَا تَوَلَّوۡاْ عَنۡهُ وَأَنتُمۡ تَسۡمَعُونَ ٢٠

O you who have believed, obey Allāh and His Messenger and do not turn from him while you hear [his order].

وَلَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَهُمۡ لَا يَسۡمَعُونَ ٢١

And do not be like those who say, "We have heard," while they do not hear.

۞ إِنَّ شَرَّ ٱلدَّوَآبِّ عِندَ ٱللَّهِ ٱلصُّمُّ ٱلۡبُكۡمُ ٱلَّذِينَ لَا يَعۡقِلُونَ ٢٢

Indeed, the worst of living creatures in the sight of Allāh are the deaf and dumb who do not use reason [i.e., the disbelievers].

وَلَوۡ عَلِمَ ٱللَّهُ فِيهِمۡ خَيۡرٗا لَّأَسۡمَعَهُمۡۖ وَلَوۡ أَسۡمَعَهُمۡ لَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعۡرِضُونَ ٢٣

Had Allāh known any good in them, He would have made them hear. And if He had made them hear, they would [still] have turned away, while they were refusing.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱسۡتَجِيبُواْ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمۡ لِمَا يُحۡيِيكُمۡۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ يَحُولُ بَيۡنَ ٱلۡمَرۡءِ وَقَلۡبِهِۦ وَأَنَّهُۥٓ إِلَيۡهِ تُحۡشَرُونَ ٢٤

O you who have believed, respond to Allāh and to the Messenger when he calls you to that which gives you life. And know that Allāh intervenes between a man and his heart and that to Him you will be gathered.

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

And fear a trial1 which will not strike those who have wronged among you exclusively, and know that Allāh is severe in penalty.

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

And remember when you were few and oppressed in the land, fearing that people might abduct you, but He sheltered you, supported you with His victory, and provided you with good things - that you might be grateful.

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

O you who have believed, do not betray Allāh and the Messenger or betray your trusts while you know [the consequence].

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَآ أَمۡوَٰلُكُمۡ وَأَوۡلَٰدُكُمۡ فِتۡنَةٞ وَأَنَّ ٱللَّهَ عِندَهُۥٓ أَجۡرٌ عَظِيمٞ ٢٨

And know that your properties and your children are but a trial and that Allāh has with Him a great reward.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا أطِيعُوا اللهَ ورَسُولَهُ ولا تَوَلَّوْا عَنْهُ﴾ لا تتولوا عن الرسول، ولا تعرضوا عنه، فإن طاعته طاعة الله تعالى ﴿وأنتمْ تَسْمَعون﴾ القرآن أي: بعد ما علمتم وأجبتم داعي الله ﴿ولا تَكُونوا كالذِينَ قالُوا سَمِعْنا﴾ هم الكفرة أو المنافقون ﴿وهم لا يَسْمَعُونَ﴾ سماع انتفاع، فكأنهم ما سمعوا، أو معناه يقولون: أطعنا وهم لا يطيعون.

﴿إنَّ شَرَّ الدَّوابِّ﴾: جميع الحيوانات ﴿عِنْدَ اللهِ الصُّمُّ﴾: عن الحق ﴿البُكْمُ﴾ عن التكلم به ﴿الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ﴾ فهذا الضرب من بني آدم شر الخلائق ﴿ولَوْ عَلِمَ اللهُ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: انتفاعًا بالآيات ﴿لَأسْمَعَهُمْ﴾: إسماع تفهيم ﴿ولَوْ أسْمَعَهُمْ﴾ وقد علم ألا خير فيهم ﴿لَتَوَلَّوْا﴾: ما صدقوا وما انتفعوا به، فكيف على تقدير عدم الإسماع، كقوله: نعم العبد صهيب، ولو لم يخف الله لم يعصه ﴿وهم مُعْرِضون﴾: عنه عنادًا بعد الفهم، أو معناه وهم قوم عادتهم الإعراض عن الحق ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله ولِلرَّسُولِ﴾ بالطاعة ﴿إذا دَعاكُمْ﴾ وحَّد الرسول لأن دعوة الله تسمع من رسوله ﴿لِما يُحْيِيكُمْ﴾ أي: الإيمان فإنه يورث الحياة الأبدية، أو القرآن فيه الحياة والنجاة، أو الشهادة فإنهم أحياء عند الله يرزقون، أو الجهاد فإنه سبب بقائكم ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ يَحُولُ بَيْنَ المَرْءِ وقَلْبِهِ﴾: بين المؤمن وكفره وبين الكافر وإيمانه، أو يحول حتى لا يدري ما يعمل، أو حتى لا يستطيع أن يعزم على شيء إلا بإذنه، أو تمثيل لغاية قربه من العبد كقوله: ”ونحن أقرب إليه من حبل الوريد“ [ق: ١٦].

﴿وأنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ لجزاء الأعمال.

﴿واتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكم خاصَّةً﴾ حذر الله المؤمن عن محنة تعم المسيء وغيره، لا تخص من باشر الذنب، والفتنة إقرار المنكر بين أظهرهم والمساهلة في الحسبة، بمعنى لا تصيبن وبالها، أو نزلت في علي وعمار وطلحة والزبير وما وقع عليهم يوم الجمل بعد شهادة عثمان - رضى الله عنهم - أو في قوم مخصوصين من الصحابة أصابتهم الفتنة يوم الجمل، والأول أصح، وقوله ”لا تصيبن“ إما جواب الأمر على مذهب الكوفيين فتقديره إن لا تتقوا لا تصب الظالمين خاصة، ودخول النون لما فيه من معنى النهي، كأن إصابة الفتنة إليهم خاصة مطلوب، وإما صفة فتنة ولا للنهي؛ لأن النون لا تدخل المنفي في غير القسم بتقدير القول أي: فتنة مقولًا في حقها ﴿واعْلَمُوا أنَّ اللهَ شَدِيدُ العِقابِ﴾.

﴿واذْكُرُوا﴾: ياَ معشر المهاجرين ﴿إذْ أنتمْ قَلِيلٌ﴾: في العدد ﴿مُسْتَضْعَفُونَ في الأرْضِ﴾ بمكة قبل الهجرة ﴿تَخافُونَ أنْ يَتَخَطكُمُ النّاسُ﴾: يذهب بكم، ويعدمكم كفار قريش أو كفار سائر البلاد ﴿فَآواكُمْ﴾ إلى المدينة ﴿وأيَّدَكم بِنَصْرِهِ﴾ على الأعداء يوم بدر وغيره ﴿ورَزَقَكم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ الغنائم، وكانت لا تحل للأمم السابقة ﴿لَعَلَّكم تَشْكُرُونَ﴾: لكي تشكروا نعمة، والآية خطاب للعرب كافة لا للمهاجرين خاصة، فإن العرب كانوا أذل الناس وأجوعه وأعراه وأضله، حتى جاء الله بالإسلام فمكنهم في البلاد، وسلطهم على العباد وجعلهم ملوكًا شرفاء، وصيرهم مترفهين أغنياء ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللهَ والرَّسُولَ﴾ بترك فرائض الله وسننه، أو بما تضمروا خلاف ما تظهرون ﴿وتَخُونُوا﴾ داخل في النهي، أو نصب بإضمار أن ﴿أماناتِكُمْ﴾ أي: لا تنقضوا كل عمل ائتمن الله عليه العباد، أو لا تخونوا أماناتكم فيما بينكم بأن لا تحفظوها ﴿وأنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أنها أمانة، أو أنتم علماء، قال كثير من السلف: نزلت في أبي لبابة حين حاصر رسول الله ﷺ قريظة وأمرهم أن ينزلوا على حكم سعد فاستشار قريظة من أبي لبابة في النزول على حكم سعد، وكان أهل أبي لبابة وأمواله فيهم فأشار إلى حلقه أنه الذبح فتلك خيانة ﴿واعْلَمُوا أنَّما أمْوالُكم وأوْلادُكم فِتْنَةٌ﴾: اختبار وامتحان ليختبركم أنكم تشتغلون بها عن الله سبحانه، فتنسونه وتعصونه أو تذكرونه وتطيعونه فيها، فإن أبا لبابة خان بسبب الأولاد والأموال ﴿وأنْ الله عِنْدَهُ أجْرٌ عَظِيمٌ﴾: خير لكم من أموالكم وأولادكم، فحافظوا على حدود الله تعالى فيهم.

8:29–37Page 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تَتَّقُواْ ٱللَّهَ يَجۡعَل لَّكُمۡ فُرۡقَانٗا وَيُكَفِّرۡ عَنكُمۡ سَيِّـَٔاتِكُمۡ وَيَغۡفِرۡ لَكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو ٱلۡفَضۡلِ ٱلۡعَظِيمِ ٢٩

O you who have believed, if you fear Allāh, He will grant you a criterion1 and will remove from you your misdeeds and forgive you. And Allāh is the possessor of great bounty.

وَإِذۡ يَمۡكُرُ بِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُثۡبِتُوكَ أَوۡ يَقۡتُلُوكَ أَوۡ يُخۡرِجُوكَۚ وَيَمۡكُرُونَ وَيَمۡكُرُ ٱللَّهُۖ وَٱللَّهُ خَيۡرُ ٱلۡمَٰكِرِينَ ٣٠

And [remember, O Muḥammad], when those who disbelieved plotted against you to restrain you or kill you or evict you [from Makkah]. But they plan, and Allāh plans. And Allāh is the best of planners.

وَإِذَا تُتۡلَىٰ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدۡ سَمِعۡنَا لَوۡ نَشَآءُ لَقُلۡنَا مِثۡلَ هَٰذَآ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ ٱلۡأَوَّلِينَ ٣١

And when Our verses are recited to them, they say, "We have heard. If we willed, we could say [something] like this. This is not but legends of the former peoples."

وَإِذۡ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلۡحَقَّ مِنۡ عِندِكَ فَأَمۡطِرۡ عَلَيۡنَا حِجَارَةٗ مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئۡتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٢

And [remember] when they said, "O Allāh, if this should be the truth from You, then rain down upon us stones from the sky or bring us a painful punishment."

وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ ٣٣

But Allāh would not punish them while you, [O Muḥammad], are among them, and Allāh would not punish them while they seek forgiveness.

وَمَا لَهُمۡ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ ٱللَّهُ وَهُمۡ يَصُدُّونَ عَنِ ٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَمَا كَانُوٓاْ أَوۡلِيَآءَهُۥٓۚ إِنۡ أَوۡلِيَآؤُهُۥٓ إِلَّا ٱلۡمُتَّقُونَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٤

But why should Allāh not punish them while they obstruct [people] from al-Masjid al-Ḥarām and they were not [fit to be] its guardians? Its [true] guardians are not but the righteous, but most of them do not know.

وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمۡ عِندَ ٱلۡبَيۡتِ إِلَّا مُكَآءٗ وَتَصۡدِيَةٗۚ فَذُوقُواْ ٱلۡعَذَابَ بِمَا كُنتُمۡ تَكۡفُرُونَ ٣٥

And their prayer at the House [i.e., the Kaʿbah] was not except whistling and handclapping. So taste the punishment for what you disbelieved [i.e., practiced of deviations].

إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُنفِقُونَ أَمۡوَٰلَهُمۡ لِيَصُدُّواْ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ فَسَيُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيۡهِمۡ حَسۡرَةٗ ثُمَّ يُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ إِلَىٰ جَهَنَّمَ يُحۡشَرُونَ ٣٦

Indeed, those who disbelieve spend their wealth to avert [people] from the way of Allāh. So they will spend it; then it will be for them a [source of] regret; then they will be overcome. And those who have disbelieved - unto Hell they will be gathered.

لِيَمِيزَ ٱللَّهُ ٱلۡخَبِيثَ مِنَ ٱلطَّيِّبِ وَيَجۡعَلَ ٱلۡخَبِيثَ بَعۡضَهُۥ عَلَىٰ بَعۡضٖ فَيَرۡكُمَهُۥ جَمِيعٗا فَيَجۡعَلَهُۥ فِي جَهَنَّمَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٣٧

[It is] so that Allāh may distinguish the wicked from the good and place the wicked some of them upon others and heap them all together and put them into Hell. It is those who are the losers.

﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكم فُرْقانًا﴾: مخرجًا ونجاة في الدنيا والآخرة، أو فصلًا بين الحق والباطل أو يفرق بينكم وبين ما تخافون، أو ظهورًا يعلي قدركم ﴿ويُكَفِّرْ عَنْكم سَيِّئاتِكُمْ﴾: يسترها عن أعين الناس ﴿ويَغفِرْ لَكُمْ﴾ لا يؤاخذكم بها ﴿واللهُ ذو الفَضْلِ العَظِيمِ﴾ فبمحض إحسانه يفي بما وعدكم على التقوى.

﴿وإذْ يَمْكُرُ﴾ أي: واذكر هذا الزمان ﴿بِكَ الذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ﴾: ليقيدوك ويحبسوك ﴿أوْ يَقْتُلُوكَ أوْ يُخرِجُوكَ﴾: من مكة، اجتمع قريش وشاور بعضهم بعضًا في شأن محمد ﷺ، فقيل: قيدوه حتى يموت وقيل: أخرجوه فتستريحوا من أذاه ثم اتفقوا على رأى أبي جهل وهو: أن يؤخذ من كل بطن رجل، يضربونه ضربة رجل واحد، فلا يقوى بنو هاشم على طلب قوده من جميع قريش، وهذا بتصويب الشيطان فإنه بينهم في صورة شيخ جليل فأمر الله تعالى نبيه بالهجرة ﴿ويَمْكُرُونَ ويَمْكُرُ اللهُ﴾: يعاملهم الله تعالى معاملة الماكرين ﴿واللهُ خَيْرُ الماكِرِينَ﴾ إذ مكره أنفذ تأثيرًا ﴿وإذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هَذا إنْ هَذا إلّا أساطِيرُ الأوَّلِينَ﴾: ما هذا إلا ما سطره الأولون من القصص، هو اقتبسها وتعلم منها، نزلت في نضر بن الحارث ومن وافقه ورضى بقوله حين ذهب إلى بلاد فارس وتعلم من أخبار ملوكهم، فلما رجع يحدثهم من أخبار أولئك، ثم يقول: تالله أينا أحسن قصصًا أنا أو محمد، وهذا غاية مكابرته وفرط عناده، فإنهم لا يجدون إلى أقصر سورة سبيلًا.

﴿وإذْ قالُوا اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا﴾ أي: القرآن ﴿هُوَ الحَقَّ مِن عِنْدِكَ فَأمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أوِ ائْتِنا بِعَذابٍ ألِيمٍ﴾ هذا قول النضر بن الحارث أيضًا أو قول أبي جهل، وغرضه إظهار عدم الشك في بطلان القرآن، والتعريف في الحق إشارة إلى الحق الذي يدعيه رسول الله ﷺ أنه منزل من ربه، فإنهم يسلمون أنه قصص القرون الماضية، وقد نقل أن معاوية قال لرجل من سبأ ما أجهل قومك حين ملكوا عليهم امرأة أي: بلقيس قال: أجهل من قومي قومك؛ قالوا حين دعاهم إلى الحق: ”إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ“ الآية، ولم يقولوا إن كان هذا هو الحق فاهدنا له ﴿وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ﴾: مقيم بمكة، فإن الله تعالى لا يستأصل قومًا وفيهم نبيهم، واللام لتأكيد النفي ﴿وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾ أي: وفيهم مَن يستغفر كالمومنين الذين كانوا بمكة، وما استطاعوا الهجرة أو لما أمسوا ندموا على قولهم: اللهُمَّ إنْ كانَ هَذا هو الحَقَّ، فقالوا: غفرانك غفرانك، فنزلت، أو المراد من استغفارهم أنه في علم الله تعالى أن بعضهم يؤمنون، فالمعنى يمهلهم، لأن فيهم من يستغفر بعد ذلك، وقد ورد: ”أنزل على أمانين لأمتي:“ وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم ”الآية فإذا مضيت تركت فيكم الاستغفار“، قيل: هذا دعوتهم إلى الإسلام والاستغفار، أي: استغفروا لا أعذبكم كما تقول: لا أعاقبك وأنت تطيعني، أي: أطعني لا أعاقبك، وقيل معناه: وفي أصلابهم من يستغفر ﴿وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ﴾ قال بعضهم: قوله: ”وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم وأنْتَ فِيهِمْ“ نزل بمكة، فلما خرج عليه الصلاة والسلام إلى المدينة نزل: ﴿وما كانَ اللهُ مُعَذِّبَهم وهم يَسْتَغْفِرُونَ﴾، أي: من بقى من المؤمنين في مكة، فلما خرجوا أنزل الله تعالى ”وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ“ والتعذيب فتح مكة، أو القتل يوم بدر، أو الجوع والضر، وقال بعضهم: قوله ”وما كانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهم“ الآية منسوخة بقوله: ”وما لَهم ألّا يُعَذِّبَهُمُ اللهُ“ وهذا عند من قال المراد بالاستغفار: صدور الاستغفار منهم نفسهم، كما ذكرنا غفرانك غفرانك ﴿وهم يَصُدُّونَ﴾: يمنعون المؤمنين ﴿عَنِ المَسْجِدِ الحَرامِ﴾ كعام الحديبية وإخراج رسول الله ﷺ ﴿وما كانُوا أوْلِياءَهُ﴾ مستحقين ولاية أمر المسجد الحرام، فإنهم يقولون: نحن أولياء الحرم نفعل فيه ما نريد ﴿إنْ أوْلِياؤُهُ إلّا المُتَّقُونَ﴾: عن الشرك ﴿ولَكِن أكْثَرَهم لا يَعْلَمُونَ﴾ إنهم غير مستحقين لولاية الحرم ومنهم من يعلم ويعاند.

﴿وما كانَ صَلاتهم عِنْدَ البَيْتِ إلا مُكاءً﴾ أي: كيف لا يستحقون العذاب، وكيف يكونون ولاة الحرم، وتقربهم إلى الله تعالى وما يضعون موضع صلاتهم الصفير يدخلون أصابعهم في أفواههم ويصفرون في الطواف ﴿وتَصْدِيَةً﴾: تصفيقًا، وقد نقل كانوا يضعون خدودهم على الأرض ويصفرون بأفواههم ويصفقون بأيديهم، وقال بعضهم: كان إذا - صلى النبي ﷺ في الحرم قام رجلان عن يمينه يصفران، ورجلان عن يساره يصفقان ليخلطوا عليه صلاته، وقال بعضهم: المراد صد الناس عن سبيل الله تعالى، فحينئذ من قلب إحدى الدالين تاء كما في ظنيت من الظن ﴿فَذُوقُوا العَذابَ﴾: ببدر ﴿بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا﴾: الناس ﴿عَنْ سبِيلِ اللهِ﴾ لما رجع من بقى من الكفرة من بدر إلى مكة، استعانوا من أبي سفيان وغيره من مال تجارة الشام، واستقرضوا أيضًا ثم أنفقوا في غزوة أحد، ولهذا قالوا: نزلت في أبي سفيان، أو المراد صرف أموالهم في غزوة بدر ﴿فَسَيُنْفِقُونَها﴾ أي: بعد ذلك في غزوة أحد ﴿ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾: في الآخرة، أو في الدنيا لذهاب الأموال، وعدم نيل المرام ﴿ثُمَّ يُغْلَبُونَ﴾: عاقبة الأمر، وقيل: المراد من قوله: ”فَسَيُنْفِقُونَها“ ذكر قرب زمان الإنفاق ثم الحسرة على صرفه ثم غلبة المؤمنين، فإنه وإن كان الإنفاق وحده واقعًا متقدمًا لكن الإنفاق والحسرة والمغلوبية، لم يقع بعد حين نزول الآية، ﴿والَّذِينَ كَفَرُوا إلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُون﴾ يعني: من مات على الكفر منهم ﴿لِيَمِيزَ اللهُ الخَبِيثَ مِنَ الطيِّبِ﴾: الشقي من السعيد، أو الإنفاق الخبيث في سبيل الشيطان من الإنفاق الطيب في سبيل الله تعالى، واللام متعلق بـ يحشرون، وهذا التمييز في الآخرة أو في الدنيا وحينئذ متعلق اللام مقدر أي: يسر الله للكافرين إنفاق أموالهم في محاربتكم، ليميز الخبيث من الطيب، أي: من يطيعه بقتال أعداء الله ممن يعصيه بالنكول عنه كما قال تعالى ”ما كان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه“ [آل عمران: ١٠٩]، وقال تعالى ”وما أصابكم يوم التقى الجمعان“ [آل عمران: ١٦٦] ﴿ويَجْعَلَ الخَبِيثَ﴾ أي: الفريق الخبيث ﴿بَعْضَهُ عَلى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا﴾: عبارة عن الضم والجمع حتى يتراكبوا لفرط ازدحامهم، أو معناه يضم على الكافر ما أنفقه ليزيد به عذابه، كقوله ”فَتُكْوى بِها جِباهُهم وجُنُوبُهم“ [التوبة: ٣٥]. ﴿فَيجْعَلَهُ في جَهَنَّمَ أُولَئِكَ﴾ أي: الفريق الخبيث ﴿هُم الخاسِرُونَ﴾.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском