Ibn 'Ashur · Tafsir · in Arabic
Taha 20:88–96
20:88Page 318
فَأَخۡرَجَ لَهُمۡ عِجۡلٗا جَسَدٗا لَّهُۥ خُوَارٞ فَقَالُواْ هَٰذَآ إِلَٰهُكُمۡ وَإِلَٰهُ مُوسَىٰ فَنَسِيَ ٨٨
And he extracted for them [the statue of] a calf which had a lowing sound, and they said, "This is your god and the god of Moses, but he forgot."
﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا ولَكِنّا حُمِّلْنا أوْزارًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَقَذَفْناها﴾ [طه: ٨٧] .
وقَعَتْ جُمْلَةُ قالُوا غَيْرَ مَعْطُوفَةٍ لِأنَّها جَرَتْ في المُحاوَرَةِ جَوابًا عَنْ كَلامِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - . وضَمِيرُ (قالُوا) عائِدٌ إلى (القَوْمِ)
صفحة ٢٨٤
وإنَّما القائِلُ بَعْضُهم، تَصَدُّوا مُجِيبِينَ عَنِ القَوْمِ كُلِّهِمْ وهم كُبَراءُ القَوْمِ وأهْلُ الصَّلاحِ مِنهم. وقَوْلُهُ بِمَلْكِنا قَرَأهُ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأهُ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وأبُو عَمْرٍو، ويَعْقُوبُ بِكَسْرِ المِيمِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ - بِضَمِّ المِيمِ - . وهي وُجُوهٌ ثَلاثَةٌ في هَذِهِ الكَلِمَةِ، ومَعْناها: بِإرادَتِنا واخْتِيارِنا، أيْ لِإخْلافِ مَوْعِدِكَ، أيْ ما تَجَرَّأْنا ولَكِنْ غَرَّهُمُ السّامِرِيُّ وغَلَبَهم دَهْماءُ القَوْمِ. وهَذا إقْرارٌ مِنَ المُجِيبِينَ بِما فَعَلَهُ دَهْماؤُهم.
والِاسْتِدْراكُ راجِعٌ إلى ما أفادَهُ نَفْيُ أنْ يَكُونَ إخْلافُهُمُ العَهْدَ عَنْ قَصْدٍ لِلضَّلالِ. والجُمْلَةُ الواقِعَةُ بَعْدَهُ وقَعَتْ بِإيجازٍ عَنْ حُصُولِ المَقْصُودِ مِنَ التَّنَصُّلِ مِن تَبِعَةِ نَكْثِ العَهْدِ. ومَحَلُّ الِاسْتِدْراكِ هو قَوْلُهُ (﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى﴾) وما قَبْلَهُ تَمْهِيدٌ لَهُ، فَعُطِفَتِ الجُمَلُ قَبْلَهُ بِحَرْفِ الفاءِ واعْتَذَرُوا بِأنَّهم غُلِبُوا عَلى رَأْيِهِمْ بِتَضْلِيلِ السّامِرِيِّ. فَأُدْمِجَتْ في هَذا الِاعْتِذارِ الإشارَةُ إلى قَضِيَّةِ صَوْغِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ واغْتَرُّوا بِما مُوِّهَ لَهم مِن أنَّهُ إلَهُهُمُ المَنشُودُ مِن كَثْرَةِ ما سَمِعُوا مِن رَسُولِهِمْ أنَّ اللَّهَ مَعَهم أوْ أمامَهم، ومِمّا جاشَ في خَواطِرِهِمْ مِنَ الطَّمَعِ في رُؤْيَتِهِ تَعالى.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، ورُوَيْسٌ عَنْ يَعْقُوبَ (حُمِّلْنا) - بِضَمِّ الحاءِ وتَشْدِيدِ المِيمِ مَكْسُورَةٍ - . أيْ حَمَّلَنا مَن حَمَّلَنا، أوْ حَمَّلْنا أنْفُسَنا.
وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وحَمْزَةُ، وأبُو عَمْرٍو، والكِسائِيُّ، ورَوْحٌ عَنْ يَعْقُوبَ - بِفَتْحِ الحاءِ وفَتْحِ المِيمِ مُخَفَّفَةً - .
صفحة ٢٨٥
والأوْزارُ: الأثْقالُ. والزِّينَةُ: الحُلِيُّ والمَصُوغُ. وقَدْ كانَ بَنُو إسْرائِيلَ حِينَ أزْمَعُوا الخُرُوجَ قَدِ احْتالُوا عَلى القِبْطِ فاسْتَعارَ كُلُّ واحِدٍ مِن جارِهِ القِبْطِيِّ حُلِيًّا فِضَّةً وذَهَبًا وأثاثًا، كَما في الإصْحاحِ ١٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. والمَعْنى: أنَّهم خَشَوْا تَلاشِيَ تِلْكَ الزِّينَةِ فارْتَأوْا أنْ يَصُوغُوها قِطْعَةً واحِدَةً أوْ قِطْعَتَيْنِ لِيَتَأتّى لَهم حِفْظُها في مَوْضِعٍ مَأْمُونٍ.
والقَذْفُ: الإلْقاءُ. وأُرِيدَ بِهِ هُنا الإلْقاءُ في نارِ السّامِرِيِّ لِلصَّوْغِ، كَما يُومِئُ إلَيْهِ الإصْحاحُ ٣٢ مِن سِفْرِ الخُرُوجِ. فَهَذا حِكايَةُ جَوابِهِمْ لِمُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُجْمَلًا مُخْتَصَرًا شَأْنَ المُعْتَذِرِ بِعُذْرٍ واهٍ أنْ يَكُونَ خَجْلانَ مِن عُذْرِهِ فَيَخْتَصِرُ الكَلامَ.
* * *
﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ فَقالُوا هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى فَنَسِيَ﴾ .
ظاهِرُ حالِ الفاءِ التَّفْرِيعِيَّةِ أنْ يَكُونَ ما بَعْدَها صادِرًا مِن قائِلِ الكَلامِ المُفَرَّعِ عَلَيْهِ. والمَعْنى: فَمِثْلُ قَذْفِنا زِينَةَ القَوْمِ، أيْ في النّارِ، ألْقى السّامِرِيُّ شَيْئًا مِن زِينَةِ القَوْمِ فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا. والمَقْصُودُ مِن هَذا التَّشْبِيهِ التَّخَلُّصُ إلى قِصَّةِ صَوْغِ العِجْلِ الَّذِي عَبَدُوهُ. وضَمِيرا الغِيبَةِ في قَوْلِهِ (﴿فَأخْرَجَ لَهُمْ﴾) وقَوْلُهُ فَقالُوا عائِدانِ إلى غَيْرِ المُتَكَلِّمِينَ. عَلَّقَ المُتَكَلِّمُونَ الإخْراجَ والقَوْلَ بِالغائِبِينَ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ المُتَكَلِّمِينَ مَعَ مُوسى لَمْ يَكُونُوا مِمَّنِ اعْتَقَدَ إلَهِيَّةَ العِجْلِ ولَكِنَّهم صانَعُوا دَهْماءَ القَوْمِ، فَيَكُونُ هَذا مِن حِكايَةِ قَوْلِ القَوْمِ لِمُوسى. وعَلى هَذا دَرَجَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ، فَيَكُونُ مِن
صفحة ٢٨٦
تَمامِ المَعْذِرَةِ الَّتِي اعْتَذَرَ بِها المُجِيبُونَ لِمُوسى، ويَكُونُ ضَمِيرُ فَأخْرَجَ لَهُمُ التِفاتًا قَصَدَ القائِلُونَ بِهِ التَّبَرِّي مِن أنْ يَكُونَ إخْراجُ العِجْلِ لِأجْلِهِمْ، أيْ أخْرَجَهُ لِمَن رَغِبُوا في ذَلِكَ.
وجَعَلَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ هَذا الكَلامَ كُلَّهُ مِن جانِبِ اللَّهِ، وهو اخْتِيارُ أبِي مُسْلِمٍ، فَيَكُونُ اعْتِراضًا وإخْبارًا لِلرَّسُولِ ﷺ ولِلْأُمَّةِ. ومَوْقِعُ الفاءِ يُناقِضُ هَذا لِأنَّ الفاءَ لا تَرِدُ لِلِاسْتِئْنافِ عَلى التَّحْقِيقِ، فَتَكُونُ الفاءُ لِلتَّفْرِيعِ تَفْرِيعَ أخْبارٍ عَلى أخْبارٍ. والمَعْنى: فَمِثْلُ ذَلِكَ القَذْفِ الَّذِي قَذَفْنا ما بِأيْدِينا مِن زِينَةِ القَوْمِ ألْقى السّامِرِيُّ ما بِيَدِهِ مِنَ النّارِ لِيَذُوبَ ويَصُوغَها؛ فَأخْرَجَ لَهم مِن ذَلِكَ عِجْلًا جَسَدًا. فَإنَّ فِعْلَ (ألْقى) يَحْكِي حالَةً مُشَبَّهَةً بِحالَةِ قَذْفِهِمْ مَصُوغَ القِبْطِ. والقَذْفُ والإلْقاءُ مُتَرادِفانِ، شُبِّهَ أحَدُهُما بِالآخَرِ.
والجَسَدُ: الجِسْمُ ذُو الأعْضاءِ سَواءٌ كانَ حَيًّا أمْ لا؛ لِقَوْلِهِ تَعالى (﴿وألْقَيْنا عَلى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾ [ص: ٣٤]) . قِيلَ: هو شِقُّ طِفْلٍ ولَّدَتْهُ إحْدى نِسائِهِ كَما ورَدَ في الحَدِيثِ. قالَ الزَّجاجُ: الجَسَدُ هو الَّذِي لا يَعْقِلُ ولا يُمَيِّزُ إنَّما هو الجُثَّةُ، أيْ أخْرَجَ لَهم صُورَةَ عِجْلٍ مُجَسَّدَةً بِشَكْلِهِ وقَوائِمِهِ وجَوانِبِهِ، ولَيْسَ مُجَرَّدَ صُورَةٍ مَنقُوشَةٍ عَلى طَبَقٍ مِن فِضَّةٍ أوْ ذَهَبٍ. وفي سِفْرِ الخُرُوجِ أنَّهُ كانَ مِن ذَهَبٍ.
والإخْراجُ: إظْهارُ ما كانَ مَحْجُوبًا. والتَّعْبِيرُ بِالإخْراجِ إشارَةٌ إلى أنَّهُ صَنَعَهُ بِحِيلَةٍ مَسْتُورَةٍ عَنْهم حَتّى أتَمَّهُ.
والخُوارُ: صَوْتُ البَقَرِ. وكانَ الَّذِي صَنَعَ لَهُمُ العِجْلَ عارِفًا بِصِناعَةِ الحِيَلِ الَّتِي كانُوا يَصْنَعُونَ بِها الأصْنامَ ويَجْعَلُونَ في أجْوافِها وأعْناقِها مَنافِذَ كالزَّمّاراتِ تَخْرُجُ مِنها أصْواتٌ إذا أُطْلِقَتْ عِنْدَها رِياحٌ بِالكِيرِ ونَحْوِهِ.
صفحة ٢٨٧
وصَنَعَ لَهُمُ السّامِرِيُّ صَنَمًا عَلى صُورَةِ عِجْلٍ؛ لِأنَّهم كانُوا قَدِ اعْتادُوا في مِصْرَ عِبادَةَ العِجْلِ ”إيبِيسَ“، فَلَمّا رَأوْا ما صاغَهُ السّامِرِيُّ في صُورَةِ مَعْبُودٍ عَرَفُوهُ مِن قَبْلُ ورَأوْهُ يَزِيدُ عَلَيْهِ بِأنَّ لَهُ خُوارًا، رَسَخَ في أوْهامِهِمُ الآفِنَةِ أنَّ ذَلِكَ هو الإلَهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي عَبَّرُوا عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ: هَذا إلَهُكم وإلَهُ مُوسى؛ لِأنَّهم رَأوْهُ مِن ذَهَبٍ أوْ فِضَّةٍ، فَتَوَهَّمُوا أنَّهُ أفْضَلُ مِنَ العِجْلِ ”إيبِيسَ“ . وإذْ قَدْ كانُوا يُثْبِتُونَ إلَهًا مَحْجُوبًا عَنِ الأبْصارِ وكانُوا يَتَطَلَّبُونَ رُؤْيَتَهُ، فَقالُوا لِمُوسى: أرِنا اللَّهَ جَهْرَةً، حِينَئِذٍ تَوَهَّمُوا أنَّ هَذِهِ ضالَّتُهُمُ المَنشُودَةُ. وقِصَّةُ اتِّخاذِهِمُ العِجْلَ في كِتابِ التَّوْراةِ غَيْرُ مُلائِمَةٍ لِلنَّظَرِ السَّلِيمِ. وتَفْرِيعُ ”فَنَسِي“ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ تَفْرِيعًا عَلى ﴿فَقالُوا هَذا إلَهُكُمْ﴾ تَفْرِيعَ عِلَّةٍ عَلى مَعْلُولٍ، فالضَّمِيرُ عائِدٌ إلى السّامِرِيِّ، أيْ قالَ السّامِرِيُّ ذَلِكَ لِأنَّهُ نَسِيَ ما كانَ تَلَقّاهُ مِن هَدْيٍ؛ أوْ تَفْرِيعَ مَعْلُولٍ عَلى عِلَّةٍ، أيْ قالَ ذَلِكَ، فَكانَ قَوْلُهُ: سَبَبًا في نِسْيانِهِ ما كانَ عَلَيْهِ مِن هَدْيٍ، إذْ طَبَعَ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ بِقَوْلِهِ ذَلِكَ، فَحَرَمَهُ التَّوْفِيقَ مِن بَعْدُ.
والنِّسْيانُ: مُسْتَعْمَلٌ في الإضاعَةِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ كَذَلِكَ أتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها﴾ [طه: ١٢٦]، وقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ هم عَنْ صَلاتِهِمْ ساهُونَ﴾ [الماعون: ٥] . وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: ”فَنَسِي“ مِنَ الحِكايَةِ لا مِنَ المَحْكِيِّ، والضَّمِيرُ عائِدٌ إلى السّامِرِيِّ، فَيَنْبَغِي عَلى هَذا أنْ يَتَّصِلَ بِقَوْلِهِ: ”أفَلا يَرَوْنَ“ ويَكُونَ اعْتِراضًا. وجَعَلَهُ جَمْعٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ عائِدًا إلى مُوسى، أيْ فَنَسِيَ مُوسى إلَهَكم وإلَهَهُ، أيْ غَفَلَ عَنْهُ، وذَهَبَ إلى الطُّورِ يُفَتِّشُ عَلَيْهِ وهو بَيْنَ أيْدِيكم، ومَوْقِعُ فاءِ التَّفْرِيعِ يُبْعِدُ هَذا التَّفْسِيرَ.
والنِّسْيانُ يَكُونُ مُسْتَعْمَلًا مَجازًا في الغَفْلَةِ.
20:89Page 318
أَفَلَا يَرَوۡنَ أَلَّا يَرۡجِعُ إِلَيۡهِمۡ قَوۡلٗا وَلَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ ضَرّٗا وَلَا نَفۡعٗا ٨٩
Did they not see that it could not return to them any speech [i.e., response] and that it did not possess for them any harm or benefit?
صفحة ٢٨٨
﴿أفَلا يَرَوْنَ ألّا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ اعْتِراضًا ولَيْسَ مِن حِكايَةِ كَلامِ القَوْمِ، فَهو مُعْتَرَضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] وجُمْلَةِ ﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ [طه: ٩٢] ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ﴾ [طه: ٩٣] إلَخْ، فَتَكُونُ الفاءُ لِتَفْرِيعِ كَلامِ مُتَكَلِّمٍ عَلى كَلامِ غَيْرِهِ، أيْ لِتَفْرِيعٍ الإخْبارٍ لا لِتَفْرِيعِ المُخْبِرِ بِهِ، والمُخْبِرُ مُتَعَدِّدٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِن حِكايَةِ كَلامِ الَّذِينَ تَصَدَّوْا لِخِطابِ مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مِن بَيْنِ قَوْمِهِ، وهم كُبَراؤُهم وصُلَحاؤُهم؛ لِيُعْلَمَ أنَّهم عَلى بَصِيرَةٍ مِنَ التَّوْحِيدِ.
والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ، نُزِّلُوا مَنزِلَةَ مَن لا يَرى العِجْلَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلى مُوجَبِ البَصَرِ، فَأُنْكِرَ عَلَيْهِمْ عَدَمُ رُؤْيَتِهِمْ ذَلِكَ مَعَ ظُهُورِهِ، أيْ كَيْفَ يَدَّعُونَ الإلَهِيَّةَ لِلْعِجْلِ وهم يَرَوْنَ أنَّهُ لا يَتَكَلَّمُ ولا يَسْتَطِيعُ نَفْعًا ولا ضَرًّا.
والرُّؤْيَةُ هُنا بَصَرِيَّةٌ مُكَنًّى بِها، أوْ مُسْتَعْمَلَةٌ في مُطْلَقِ الإدْراكِ، فَآلَتْ إلى مَعْنى الِاعْتِقادِ والعِلْمِ، ولا سِيَّما بِالنِّسْبَةِ لِجُمْلَةِ ﴿ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لا يُرى بِالبَصَرِ، بِخِلافِ ﴿لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا﴾ . ورُؤْيَةُ انْتِفاءِ الأمْرَيْنِ مُرادٌ بِها رُؤْيَةُ أثَرِ انْتِفائِهِما بِدَوامِ عَدَمِ التَّكَلُّمِ وانْتِفاءِ عَدَمِ نَفْعِهِمْ وضَرِّهِمْ؛ لِأنَّ الإنْكارَ مُسَلَّطٌ عَلى اعْتِقادِهِمْ أنَّهُ إلَهُهم، فَيَقْتَضِي أنْ يَمْلِكَ لَهم ضَرًّا ونَفْعًا.
ومَعْنى ”يَرْجِعُ“ يَرُدُّ، أيْ يُجِيبُ القَوْلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَحَلَّ العِبْرَةِ مِن فُقْدانِهِ صِفاتَ العاقِلِ؛ لِأنَّهم يَدْعُونَهُ ويُثْنُونَ عَلَيْهِ ويُمَجِّدُونَهُ، وهو ساكِتٌ لا يَشْكُرُ لَهم ولا يَعِدُهم بِاسْتِجابَةٍ، وشَأْنُ الكامِلِ إذا سَمِعَ ثَناءً أوْ تَلَقّى طِلْبَةً أنْ يُجِيبَ. ولا شَكَّ أنَّ في ذَلِكَ الجَمْعِ العَظِيمِ مَن هو بِحاجَةٍ إلى جَلْبِ نَفْعٍ أوْ دَفْعِ ضُرٍّ، وأنَّهم يَسْألُونَهُ ذَلِكَ فَلَمْ يَجِدُوا ما فِيهِ نَفْعُهم
صفحة ٢٨٩
أوْ دَفْعُ ضُرٍّ عَنْهم، مِثْلَ ضُرِّ عَدُوٍّ أوْ مَرَضٍ. فَهم قَدْ شاهَدُوا عَدَمَ غِنائِهِ عَنْهم. ولِأنَّ شَواهِدَ حالِهِ مِن عَدَمِ التَّحَرُّكِ شاهِدَةٌ بِأنَّهُ عاجِزٌ عَنْ أنْ يَنْفَعَ أوْ يَضُرَّ، فَلِذَلِكَ سُلِّطَ الإنْكارُ عَلى عَدَمِ الرُّؤْيَةِ؛ لِأنَّ حالَهُ مِمّا يُرى.
ولامُ ”لَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”يَمْلِكُ“ الَّذِي هو في مَعْنى يَسْتَطِيعُ كَما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ أتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكم ضَرًّا ولا نَفْعًا﴾ [المائدة: ٧٦] في سُورَةِ العُقُودِ. وقَدَّمَ الضَّرَّ عَلى النَّفْعِ قَطْعًا لِعُذْرِهِمْ في اعْتِقادِ إلَهِيَّتِهِ؛ لِأنَّ عُذْرَ الخائِفِ مِنَ الضُّرِّ أقْوى مِن عُذْرِ الرّاغِبِ في النَّفْعِ. و”أنْ“ في قَوْلِهِ: ”ألّا يَرْجِعُ“ مُخَفَّفَةٌ مِن ”أنَّ“ المَفْتُوحَةِ المُشَدَّدَةِ، واسْمُها ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٍ، والجُمْلَةُ المَذْكُورَةُ بَعْدَها هي الخَبَرُ، فَـ ”يَرْجِعُ“ مَرْفُوعٌ بِاتِّفاقِ القِراءاتِ ما عَدا قِراءاتٍ شاذَّةٍ. ولَيْسَتْ ”أنْ“ مَصْدَرِيَّةً؛ لِأنَّ ”أنْ“ المَصْدَرِيَّةَ لا تَقَعُ بَعْدَ أفْعالِ العِلْمِ ولا بَعْدَ أفْعالِ الإدْراكِ.
20:90–91Page 318
وَلَقَدۡ قَالَ لَهُمۡ هَٰرُونُ مِن قَبۡلُ يَٰقَوۡمِ إِنَّمَا فُتِنتُم بِهِۦۖ وَإِنَّ رَبَّكُمُ ٱلرَّحۡمَٰنُ فَٱتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوٓاْ أَمۡرِي ٩٠
And Aaron had already told them before [the return of Moses], "O my people, you are only being tested by it, and indeed, your Lord is the Most Merciful, so follow me and obey my order."
قَالُواْ لَن نَّبۡرَحَ عَلَيۡهِ عَٰكِفِينَ حَتَّىٰ يَرۡجِعَ إِلَيۡنَا مُوسَىٰ ٩١
They said, "We will never cease being devoted to it [i.e., the calf] until Moses returns to us."
﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ يا قُومِ إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فاتَّبِعُونِي وأطِيعُوا أمْرِي﴾ ﴿قالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عاكِفِينَ حَتّى يَرْجِعَ إلَيْنا مُوسى﴾
الجُمْلَةُ في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”أفَلا يَرَوْنَ“ عَلى كِلا الِاحْتِمالَيْنِ، أيْ كَيْفَ لا يَسْتَدِلُّونَ عَلى عَدَمِ اسْتِحْقاقِ العِجْلِ الإلَهِيَّةَ، بِأنَّهُ لا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ قَوْلًا ولا يَمْلِكُ لَهم ضَرًّا ولا نَفْعًا فَيُقْلِعُونَ عَنْ عِبادَةِ العِجْلِ،
صفحة ٢٩٠
وتِلْكَ دَلالَةٌ عَقْلِيَّةٌ في حالِ أنَّ هارُونَ قَدْ وعَظَهم ونَبَّهَهم إلى ذَلِكَ، إذْ ذَكَّرَهم بِأنَّهُ فِتْنَةٌ فَتَنَهم بِها السّامِرِيُّ، وأنَّ رَبَّهم هو الرَّحْمَنُ لا ما لا يَمْلِكُ لَهم نَفْعًا فَضْلًا عَنِ الرَّحْمَةِ، وأمَرَهم بِأنْ يَتَّبِعُوا أمْرَهُ، وتِلْكَ دَلالَةٌ سَمْعِيَّةٌ.
وتَأْكِيدُ الخَبَرِ بِحَرْفِ التَّحْقِيقِ ولامِ القَسَمِ لِتَحْقِيقِ إبْطالِ ما في كِتابِ اليَهُودِ مِن أنَّ هارُونَ هو الَّذِي صَنَعَ لَهُمُ العَجَلَ، وأنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِمْ عِبادَتَهُ. وغايَةُ الأمْرِ أنَّهُ كانَ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ في نَفْسِهِ، وذَلِكَ إفْكٌ عَظِيمٌ في كِتابِهِمْ.
والمُضافُ إلَيْهِ ”قَبْلُ“ مَحْذُوفٌ دَلَّ عَلَيْهِ المَقامُ، أيْ مِن قَبْلِ أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِمْ مُوسى ويُنْكِرَ عَلَيْهِمْ. وافْتِتاحُ خِطابِهِ بِـ ”يا قَوْمِ“ تَمْهِيدٌ لِمَقامِ النَّصِيحَةِ.
ومَعْنى ﴿إنَّما فُتِنْتُمْ بِهِ﴾: ما هو إلّا فِتْنَةٌ لَكم، ولَيْسَ رَبًّا، وإنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ الَّذِي يَرْحَمُكم في سائِرِ الأحْوالِ، فَأجابُوهُ بِأنَّهم لا يَزالُونَ عاكِفِينَ عَلى عِبادَتِهِ حَتّى يَرْجِعَ مُوسى فَيُصَرِّحُ لَهم بِأنَّ ذَلِكَ العِجْلَ لَيْسَ هو رَبَّهم.
ورَتَّبَ هارُونُ خِطابَهُ عَلى حَسَبِ التَّرْتِيبِ الطَّبِيعِيِّ؛ لِأنَّهُ ابْتَدَأهُ بِزَجْرِهِمْ عَنِ الباطِلِ وعَنْ عِبادَةِ ما لَيْسَ بِرَبٍّ، ثُمَّ دَعاهم إلى مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الحَقِّ، ثُمَّ دَعاهم إلى اتِّباعِ الرَّسُولِ؛ إذْ كانَ رَسُولًا بَيْنَهم، ثُمَّ دَعاهم إلى العَمَلِ بِالشَّرائِعِ، فَما كانَ مِنهم إلّا التَّصْمِيمُ عَلى اسْتِمْرارِ عِبادَتِهِمُ العِجْلَ، فَأجابُوا هارُونَ جَوابًا جازِمًا.
و”عَلَيْهِ“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”عاكِفِينَ“ قُدِّمَ عَلى مُتَعَلَّقِهِ؛ لِتَقْوِيَةِ الحُكْمِ، أوْ أرادُوا: لَنْ نَبْرَحَ نَخُصُّهُ بِالعُكُوفِ لا نَعْكُفُ عَلى غَيْرِهِ.
والعُكُوفُ: المُلازَمَةُ بِقَصْدِ القُرْبَةِ والتَّعَبُّدِ، وكانَ عَبَدَةُ الأصْنامِ يَلْزَمُونَها ويَطُوفُونَ بِها.
20:92–94Page 318
قَالَ يَٰهَٰرُونُ مَا مَنَعَكَ إِذۡ رَأَيۡتَهُمۡ ضَلُّوٓاْ ٩٢
[Moses] said, "O Aaron, what prevented you, when you saw them going astray,
أَلَّا تَتَّبِعَنِۖ أَفَعَصَيۡتَ أَمۡرِي ٩٣
From following me? Then have you disobeyed my order?"
قَالَ يَبۡنَؤُمَّ لَا تَأۡخُذۡ بِلِحۡيَتِي وَلَا بِرَأۡسِيٓۖ إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقۡتَ بَيۡنَ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ وَلَمۡ تَرۡقُبۡ قَوۡلِي ٩٤
[Aaron] said, "O son of my mother, do not seize [me] by my beard or by my head. Indeed, I feared that you would say, 'You caused division among the Children of Israel, and you did not observe [or await] my word.'"
صفحة ٢٩١
﴿قالَ يا هارُونُ ما مَنَعَكَ إذْ رَأيْتَهم ضَلُّوا﴾ ﴿ألّا تَتَّبِعَنِ أفَعَصَيْتَ أمْرِيَ﴾ ﴿قالَ يا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي ولا بِرَأْسِيَ إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾
انْتَقَلَ مُوسى مِن مُحاوَرَةِ قَوْمِهِ إلى مُحاوَرَةِ أخِيهِ، فَجُمْلَةُ ”﴿قالَ يا هارُونُ﴾“ تابِعَةٌ لِجُمْلَةِ ﴿قالَ يا قَوْمِ ألَمْ يَعِدْكم رَبُّكم وعْدًا حَسَنًا﴾ [طه: ٨٦] . ولِجُمْلَةِ ﴿قالُوا ما أخْلَفْنا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنا﴾ [طه: ٨٧] وقَدْ وُجِدَتْ مُناسِبَةٌ لِحِكايَةِ خِطابِهِ هارُونَ بَعْدَ أنْ وقَعَ الفَصْلُ بَيْنَ أجْزاءِ الحِكايَةِ بِالجُمَلِ المُعْتَرِضَةِ الَّتِي مِنها جُمْلَةُ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ مِن قَبْلُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. . .، فَهو اسْتِطْرادٌ في خِلالِ الحِكايَةِ لِلْإشْعارِ بِعُذْرِ هارُونَ كَما تَقَدَّمَ. ويُحْتَمَلُ أنْ تَكُونَ عَطْفًا عَلى جُمْلَةِ ﴿ولَقَدْ قالَ لَهم هارُونُ﴾ [طه: ٩٠] إلَخْ. .، عَلى احْتِمالِ كَوْنِ تِلْكَ مِن حِكايَةِ كَلامِ قَوْمِ مُوسى.
عَلِمَ مُوسى أنَّ هارُونَ مَخْصُوصٌ مِن قَوْمِهِ بِأنَّهُ لَمْ يَعْبُدِ العِجْلَ، إذْ لا يَجُوزُ عَلَيْهِ ذَلِكَ؛ لِأنَّ الرِّسالَةَ تَقْتَضِي العِصْمَةَ، فَلِذَلِكَ خَصَّهُ بِخِطابٍ يُناسِبُ حالَهُ بَعْدَ أنْ خاطَبَ عُمُومَ الأُمَّةِ بِالخِطابِ الماضِي، وهَذا خِطابُ التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ عَلى بَقائِهِ بَيْنَ عَبَدَةِ الصَّنَمِ. والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ما مَنَعَكَ إنْكارِيٌّ، أيْ لا مانِعَ لَكَ مِنَ اللِّحاقِ بِي؛ لِأنَّهُ أقامَهُ خَلِيفَةً عَنْهُ فِيهِمْ، فَلَمّا لَمْ يَمْتَثِلُوا أمْرَهُ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَرُدَّ الخِلافَةَ إلى مَنِ اسْتَخْلَفَهُ.
و”إذْ رَأيْتَهم“ مُتَعَلِّقٌ بِـ ”مَنَعَكَ“ . و”أنْ“ مَصْدَرِيَّةٌ، و”لا“ حَرْفُ نَفْيٍ، وهي مُؤْذِنَةٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُناسِبُ مَعْنى النَّفْيِ. والمَصْدَرُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ
صفحة ٢٩٢
”أنْ“ هو مَفْعُولُ الفِعْلِ المَحْذُوفِ. وأمّا مَفْعُولُ ”مَنَعَكَ“ فَمَحْذُوفٌ يَدُلُّ عَلَيْهِ ”مَنَعَكَ“ ويَدُلُّ عَلَيْهِ المَذْكُورُ. والتَّقْدِيرُ: ما مَنَعَكَ أنْ تَتَّبِعَنِي واضْطَرَّكَ إلى أنْ لا تَتَّبِعَنِي، فَيَكُونُ في الكَلامِ شِبْهُ احْتِباكٍ. والمَقْصُودُ تَأْكِيدُ وتَشْدِيدُ التَّوْبِيخِ بِإنْكارِ أنْ يَكُونَ لِهارُونَ مانِعٌ حِينَئِذٍ مِنَ اللَّحاقِ بِمُوسى، ومُقْتَضٍ لِعَدَمِ اللَّحاقِ بِمُوسى، كَما يُقالُ: وُجِدَ السَّبَبُ وانْتَفى المانِعُ. ونَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ما مَنَعَكَ أنْ لا تَسْجُدَ إذْ أمَرْتُكَ في سُورَةِ الأعْرافِ فارْجِعْ إلَيْهِ.
والِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَعَصَيْتَ أمْرِي﴾ مُفَرَّعٌ عَلى الإنْكارِ. فَهو إنْكارٌ ثانٍ عَلى مُخالَفَةِ أمْرِهِ، مَشُوبٌ بِتَقْرِيرٍ لِلتَّهْدِيدِ.
وقَوْلُهُ في الجَوابِ: ”﴿يا ابْنَ أُمَّ﴾“ نِداءٌ لِقَصْدِ التَّرْقِيقِ والِاسْتِشْفاعِ. وهو مُؤْذِنٌ بِأنَّ مُوسى حِينَ وبَّخَهُ أخَذَ بِشَعْرِ لِحْيَةِ هارُونَ. ويُشْعِرُ بِأنَّهُ يَجْذِبُهُ إلَيْهِ لِيَلْطِمَهُ، وقَدْ صَرَّحَ بِهِ في الأعْرافِ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وأخَذَ بِرَأْسِ أخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يا ابْنَ أُمَّ“ بِفَتْحِ المِيمِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٍ بِكَسْرِ المِيمِ، وأصْلُهُ: يا ابْنَ أُمِّي، فَحُذِفَتْ ياءُ المُتَكَلِّمِ تَخْفِيفًا، وهو حَذْفٌ مَخْصُوصٌ بِالنِّداءِ. والقِراءَتانِ وجْهانِ في حَذْفِ ياءِ المُتَكَلِّمِ المُضافِ إلَيْها لَفْظُ ”أُمَّ“ ولَفْظُ ”عَمِّ“ في النِّداءِ.
وعُطِفَ الرَّأْسُ عَلى اللِّحْيَةِ لِأنَّ أخْذَهُ مِن لِحْيَتِهِ أشَدُّ ألَمًا وأنْكى في الإذْلالِ.
وابْنُ الأُمِّ: الأخُ. وعَدَلَ عَنْ يا أخِي إلى ”ابْنَ أُمَّ“ لِأنَّ ذِكْرَ الأُمِّ تَذْكِيرٌ بِأقْوى أواصِرِ الأُخُوَّةِ، وهي آصِرَةُ الوِلادَةِ مِن بَطْنٍ واحِدٍ والرِّضاعِ مِن لِبانٍ واحِدٍ.
صفحة ٢٩٣
واللِّحْيَةُ - بِكَسْرِ اللّامِ، ويَجُوزُ فَتْحُ اللّامِ في لُغَةِ الحِجازِ -: اسْمٌ لِلشَّعْرِ النّابِتِ بِالوَجْهِ عَلى مَوْضِعِ اللِّحْيَيْنِ والذَّقْنِ، وقَدْ أجْمَعَ القُرّاءُ عَلى كَسْرِ اللّامِ مِن ”لِحْيَتِي“ . واعْتَذَرَ هارُونُ عَنْ بَقائِهِ بَيْنَ القَوْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ﴾، أيْ أنْ تَظُنَّ ذَلِكَ بِي فَتَقَوْلَهَ لَوْمًا وتَحْمِيلًا لِتَبِعَةِ الفُرْقَةِ الَّتِي ظَنَّ أنَّها واقِعَةٌ لا مَحالَةَ إذا أظْهَرَ هارُونُ غَضَبَهُ عَلَيْهِمْ؛ لِأنَّهُ يَسْتَتْبِعُهُ طائِفَةٌ مِنَ الثّابِتِينَ عَلى الإيمانِ ويُخالِفُهُمُ الجُمْهُورُ، فَيَقَعُ انْشِقاقٌ بَيْنَ القَوْمِ، ورُبَّما اقْتَتَلُوا، فَرَأى مِنَ المَصْلَحَةِ أنْ يُظْهِرَ الرِّضى عَنْ فِعْلِهِمْ لِيَهْدَأ الجُمْهُورُ، ويَصْبِرَ المُؤْمِنُونَ اقْتِداءًبِهارُونَ. ورَأى في سُلُوكِ هَذِهِ السِّياسَةِ تَحْقِيقًا لِقَوْلِ مُوسى لَهُ: ﴿وأصْلِحْ ولا تَتَّبِعْ سَبِيلَ المُفْسِدِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٢] في سُورَةِ الأعْرافِ. وهو الَّذِي أشارَ إلَيْهِ هُنا بِقَوْلِهِ: ﴿ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . فَهو مِن جُمْلَةِ حِكايَةِ قَوْلِ مُوسى الَّذِي قَدَّرَهُ هارُونُ في ظَنِّهِ. وهَذا اجْتِهادٌ مِنهُ في سِياسَةِ الأُمَّةِ، إذْ تَعارَضَتْ عِنْدَهُ مَصْلَحَتانِ: مَصْلَحَةُ حِفْظِ العَقِيدَةِ، ومَصْلَحَةُ حِفْظِ الجامِعَةِ مِنَ الهَرَجِ، وفي أثْنائِها حِفْظُ الأنْفُسِ والأمْوالِ والأُخُوَّةِ بَيْنَ الأُمَّةِ، فَرَجَّحَ الثّانِيَةَ. وإنَّما رَجَّحَها لِأنَّهُ رَآها أدْوَمَ؛ فَإنَّ مَصْلَحَةَ حِفْظِ العَقِيدَةِ يُسْتَدْرَكُ فَواتُها الوَقْتِيُّ بِرُجُوعِ مُوسى وإبْطالِهِ عِبادَةَ العِجْلِ حَيْثُ غَيَّوْا عُكُوفَهَمْ عَلى العِجْلِ بِرُجُوعِ مُوسى. بِخِلافِ مَصْلَحَةِ حِفْظِ الأنْفُسِ والأمْوالِ واجْتِماعِ الكَلِمَةِ، إذا انْثَلَمَتْ عَسُرَ تَدارُكُها. وتَضَمَّنَ هَذا قَوْلُهُ: ﴿إنِّي خَشِيتُ أنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إسْرائِيلَ ولَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي﴾ . وكانَ اجْتِهادُهُ ذَلِكَ مَرْجُوحًا؛ لِأنَّ حِفْظَ الأصْلِ الأصِيلِ لِلشَّرِيعَةِ أهَمُّ مِن حِفْظِ الأُصُولِ المُتَفَرِّعَةِ عَلَيْهِ. لِأنَّ مَصْلَحَةَ صَلاحِ الِاعْتِقادِ هي أُمُّ المَصالِحِ الَّتِي بِها صَلاحُ الِاجْتِماعِ. كَما بَيَّنّاهُ في كِتابِ ”أُصُولِ نِظامِ الِاجْتِماعِ الإسْلامِيِّ“؛ ولِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُوسى خافِيًا عَلَيْهِ أنَّ هارُونَ كانَ مِن
صفحة ٢٩٤
واجِبِهِ أنْ يَتْرُكَهم وضَلالَهم وأنْ يَلْتَحِقَ بِأخِيهِ مَعَ عِلْمِهِ بِما يُفْضِي إلى ذَلِكَ مِنَ الِاخْتِلافِ بَيْنَهم، فَإنَّ حُرْمَةَ الشَّرِيعَةِ بِحِفْظِ أُصُولِها وعَدَمِ التَّساهُلِ فِيها، وبِحُرْمَةِ الشَّرِيعَةِ يَبْقى نُفُوذُها في الأُمَّةِ والعَمَلُ بِها كَما بَيَّنْتُهُ في كِتابِ ”مَقاصِدِ الشَّرِيعَةِ“ .
وفِي قَوْلِهِ تَعالى: ”بَيْنَ بَنِي“ جِناسٌ، وطَرْدٌ وعَكْسٌ. وهَذا بَعْضُ ما اعْتَذَرَ بِهِ هارُونُ، وحُكِيَ عَنْهُ في سُورَةِ الأعْرافِ أنَّهُ اعْتَذَرَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ القَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وكادُوا يَقْتُلُونَنِي﴾ [الأعراف: ١٥٠] .
20:95–96Page 318
قَالَ فَمَا خَطۡبُكَ يَٰسَٰمِرِيُّ ٩٥
[Moses] said, "And what is your case, O Sāmirī?"
قَالَ بَصُرۡتُ بِمَا لَمۡ يَبۡصُرُواْ بِهِۦ فَقَبَضۡتُ قَبۡضَةٗ مِّنۡ أَثَرِ ٱلرَّسُولِ فَنَبَذۡتُهَا وَكَذَٰلِكَ سَوَّلَتۡ لِي نَفۡسِي ٩٦
He said, "I saw what they did not see, so I took a handful [of dust] from the track of the messenger1 and threw it,2 and thus did my soul entice me."
﴿قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيٌّ﴾ ﴿قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِن أثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُها وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾
التَفَتَ مُوسى بِتَوْجِيهِ الخِطابِ إلى السّامِرِيِّ الَّذِي كانَ سَبَبًا في إضْلالِ القَوْمِ، فالجُمْلَةُ ناشِئَةٌ عَنْ قَوْلِ القَوْمِ: ﴿فَكَذَلِكَ ألْقى السّامِرِيُّ﴾ [طه: ٨٧] ﴿فَأخْرَجَ لَهم عِجْلًا﴾ [طه: ٨٨] إلَخْ، فَهي ابْتِداءُ خِطابٍ. ولَعَلَّ مُوسى لَمْ يُغْلِظْ لَهُ القَوْلَ كَما أغْلَظَ لِهارُونَ؛ لِأنَّهُ كانَ جاهِلًا بِالدِّينِ، فَلَمْ يَكُنْ في ضَلالِهِ عَجَبٌ. ولَعَلَّ هَذا يُؤَيِّدُ ما قِيلَ: إنَّ السّامِرِيَّ لَمْ يَكُنْ مِن بَنِي إسْرائِيلَ، ولَكِنَّهُ كانَ مِنَ القِبْطِ أوْ مِن كِرْمانَ، فانْدَسَّ في بَنِي إسْرائِيلَ. ولَمّا كانَ مُوسى مَبْعُوثًا لِبَنِي إسْرائِيلَ خاصَّةً ولِفِرْعَوْنَ ومَلَئِهِ؛ لِأجْلِ إطْلاقِ بَنِي إسْرائِيلَ، كانَ اتِّباعُ غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ لِشَرِيعَةِ مُوسى أمْرًا غَيْرَ واجِبٍ عَلى غَيْرِ الإسْرائِيلِيِّينَ ولَكِنَّهُ مُرَغَّبٌ فِيهِ؛ لِما فِيهِ مِنَ الِاهْتِداءِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يُعَنِّفْهُ مُوسى؛ لِأنَّ الأجْدَرَ بِالتَّعْنِيفِ هُمُ القَوْمُ الَّذِينَ عاهَدُوا اللَّهَ عَلى الشَّرِيعَةِ.
ومَعْنى ”ما خَطْبُكَ“: ما طَلَبُكَ، أيْ ماذا تَخْطُبُ، أيْ تَطْلُبُ، فَهو مَصْدَرٌ. قالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وهي كَلِمَةٌ أكْثَرُ ما تُسْتَعْمَلُ في المَكارِهِ؛
صفحة ٢٩٥
لِأنَّ الخَطْبَ هو الشَّأْنُ المَكْرُوهُ. كَقَوْلِهِ تَعالى: فَما خَطْبُكم أيُّها المُرْسَلُونَ، فالمَعْنى: ما هي مُصِيبَتُكَ الَّتِي أصَبْتَ بِها القَوْمَ، وما غَرَضُكَ مِمّا فَعَلْتَ. وقَوْلُهُ: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ”فَنَبَذْتُها“ إنْ حُمِلَتْ كَلِماتُ ”بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ“ و”قَبَضْتُ قَبْضَةً“، و”أثَرِ“، و”نَبَذْتُها“ عَلى حَقائِقِ مَدْلُولاتِها كَما ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ - كانَ المَعْنى: أبْصَرْتُ ما لَمْ يُبْصِرُوهُ، أيْ نَظَرْتُ ما لَمْ يَنْظُرُوهُ، بِناءً عَلى أنَّ ”بَصُرْتُ“ و”أبْصَرْتُ“ كِلاهُما مِن أفْعالِ النَّظَرِ بِالعَيْنِ، إلّا أنَّ ”بَصُرَ بِالشَّيْءِ“ حَقِيقَتُهُ صارَ بَصِيرًا بِهِ أوْ بَصِيرًا بِسَبَبِهِ، أيْ شَدِيدَ الإبْصارِ، فَهو أقْوى مِن ”أبْصَرْتُ“، لِأنَّهُ صِيغَ مِن فِعْلٍ بِضَمِّ العَيْنِ الَّذِي تُشْتَقُّ مِنهُ الصِّفاتُ المُشَبَّهَةُ الدّالَّةُ عَلى كَوْنِ الوَصْفِ سَجِيَّةً، قالَ تَعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ [القصص: ١١] في سُورَةِ القَصَصِ.
ولَمّا كانَ المَعْنى هُنا جَلِيًّا عَنْ أمْرٍ مَرْئِيٍّ تَعَيَّنَ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلى المَجازِ بِاسْتِعارَةِ ”بَصُرَ“ الدّالِّ عَلى قُوَّةِ الإبْصارِ إلى مَعْنى العِلْمِ القَوِيِّ بِعَلاقَةِ الإطْلاقِ عَنِ التَّقْيِيدِ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَبَصَرُكَ اليَوْمَ حَدِيدٌ﴾ [ق: ٢٢]، وكَما سُمِّيَتِ المَعْرِفَةُ الرّاسِخَةُ بَصِيرَةً في قَوْلِهِ: ﴿أدْعُو إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ﴾ [يوسف: ١٠٨] .
وحُكِيَ في لِسانِ العَرَبِ عَنِ اللِّحْيانِيِّ: إنَّهُ لَبَصِيرٌ بِالأشْياءِ، أيْ عالِمٌ بِها، وبَصُرْتُ بِالشَّيْءِ: عَلِمْتُهُ. وجُعِلَ مِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ﴾، وكَذَلِكَ فَسَّرَها الأخْفَشُ في نَقْلِ لِسانِ العَرَبِ، وأثْبَتَهُ الزَّجّاجُ. فالمَعْنى: عَلِمْتُ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ وفَطِنْتُ لِما لَمْ يَفْطِنُوا لَهُ، كَما جَعَلَهُ في ”الكَشّافِ“ أوَّلَ وجْهَيْنِ في مَعْنى الآيَةِ. ولِذَلِكَ طَرِيقَتانِ: إمّا جَعْلُ ”بَصُرْتُ“ مَجازًا، وإمّا جَعْلُهُ حَقِيقَةً.
وقَرَأ الجُمْهُورُ ”يَبْصُرُوا“ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى أنَّهُ رافِعٌ لِضَمِيرِ الغائِبِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ بِفَوْقِيَّةٍ عَلى أنَّهُ خِطابٌ لِمُوسى ومَن مَعَهُ.
والقَبْضَةُ - بِفَتْحِ القافِ -: الواحِدَةُ مِنَ القَبْضِ، وهو غَلْقُ الرّاحَةِ عَلى شَيْءٍ، فالقَبْضَةُ مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ. وضِدُّ القَبْضِ: البَسْطُ.
صفحة ٢٩٦
والنَّبْذُ: إلْقاءُ ما في اليَدِ.
والأثَرُ، حَقِيقَتُهُ: ما يَتْرُكُهُ الماشِي مِن صُورَةِ قَدَمِهِ في الرَّمْلِ أوِ التُّرابِ. وتَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قالَ هم أُولاءِ عَلى أثَرِي﴾ [طه: ٨٤] . وعَلى حَمْلِ الكَلِماتِ عَلى حَقائِقِها يَتَعَيَّنُ صَرْفُ الرَّسُولِ عَنِ المَعْنى المَشْهُورِ. فَيَتَعَيَّنُ حَمْلُهُ عَلى جِبْرِيلَ فَإنَّهُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ إلى الأنْبِياءِ. فَقالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِالرَّسُولِ جِبْرِيلُ. ورَوَوْا قِصَّةٌ، قالُوا: إنَّ السّامِرِيَّ فَتَنَهُ اللَّهُ، فَأراهُ اللَّهُ جِبْرِيلَ راكِبًا فَرَسًا فَوَطِئَ حافِرُ الفَرَسِ مَكانًا فَإذا هو مُخْضَرٌّ بِالنَّباتِ، فَعَلِمَ السّامِرِيُّ أنَّ أثَرَ جِبْرِيلَ إذا أُلْقِيَ في جَمادٍ صارَ حَيًّا، فَأخَذَ قَبْضَةً مِن ذَلِكَ التُّرابِ وصَنَعَ عِجْلًا، وألْقى بِقَبْضَةٍ عَلَيْهِ فَصارَ جَسَدًا، أيْ حَيًّا، لَهُ خُوارٌ كَخُوارِ العِجْلِ. فَعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ الإلْقاءِ بِالنَّبْذِ. وهَذا الَّذِي ذَكَرُوهُ لا يُوجَدُ في كُتُبِ الإسْرائِيلِيِّينَ، ولا ورَدَ بِهِ أثَرٌ مِنَ السُّنَّةِ، وإنَّما هي أقْوالٌ لِبَعْضِ السَّلَفِ، ولَعَلَّها تَسَرَّبَتْ لِلنّاسِ مِن رِواياتِ القَصّاصِينَ. فَإذا صُرِفَتْ هَذِهِ الكَلِماتُ السِّتُّ إلى مَعانٍ مَجازِيَّةٍ كانَ ”بَصُرْتُ“ بِمَعْنى عَلِمْتُ واهْتَدَيْتُ، أيِ اهْتَدَيْتُ إلى عِلْمِ ما لَمْ يَعْلَمُوهُ، وهو عِلْمُ صِناعَةِ التَّماثِيلِ والصُّوَرِ الَّذِي بِهِ صُنِعَ العِجْلُ، وعِلْمُ الحِيَلِ الَّذِي أوْجَدَ بِهِ خُوارَ العِجْلِ. وكانَتِ القَبْضَةُ بِمَعْنى النَّصِيبِ القَلِيلِ، وكانَ الأثَرُ بِمَعْنى التَّعْلِيمِ، أيِ الشَّرِيعَةِ، وكانَ ”نَبَذْتُ“ بِمَعْنى أهْمَلْتُ ونَقَضْتُ، أيْ كُنْتُ ذا مَعْرِفَةٍ إجْمالِيَّةٍ مِن هَدْيِ الشَّرِيعَةِ فانْخَلَعْتُ عَنْها بِالكُفْرُ. وبِذَلِكَ يَصِحُّ أنْ يُحْمَلَ لَفْظُ الرَّسُولِ عَلى المَعْنى الشّائِعِ المُتَعارَفِ، وهو مَن أُوحِيَ إلَيْهِ بِشَرْعٍ مِنَ اللَّهِ وُأُمِرَ بِتَبْلِيغِهِ. وكانَ المَعْنى: إنِّي بِعَمَلِيَ العِجْلَ لِلْعِبادَةِ نَقَضْتُ اتِّباعَ شَرِيعَةِ مُوسى، والمَعْنى: أنَّهُ اعْتَرَفَ أمامَ مُوسى بِصُنْعِهِ العِجْلَ واعْتَرَفَ بِأنَّهُ جَهِلَ فَضَلَّ، واعْتَذَرَ بِأنَّ ذَلِكَ سَوَّلَتْهُ لَهُ نَفْسُهُ.
صفحة ٢٩٧
وعَلى هَذا المَعْنى فَسَّرَ أبُو مُسْلِمٍ الأصْفَهانِيُّ، ورَجَّحَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ بِتَقْدِيمِهِ في الذِّكْرِ عَلى تَفْسِيرِ الجُمْهُورِ، واخْتارَهُ الفَخْرُ.
والتَّسْوِيلُ: تَزْيِينُ ما لَيْسَ بِزَيْنٍ.
والتَّشْبِيهُ في قَوْلِهِ: ﴿وكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي﴾ تَشْبِيهُ الشَّيْءِ بِنَفْسِهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وكَذَلِكَ جَعَلْناكم أُمَّةً وسَطًا﴾ [البقرة: ١٤٣]، أيْ كَذَلِكَ التَّسْوِيلُ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي، أيْ تَسْوِيلًا لا يَقْبَلُ التَّعْرِيفَ بِأكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences