Mahmud Safi · Tafsir · in Arabic
الأحزاب
Al-Ahzab
The Combined Forces · Medinan · 73 ayahs
33:1–3Page 418
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّبِيُّ ٱتَّقِ ٱللَّهَ وَلَا تُطِعِ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقِينَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ١
O Prophet, fear Allāh and do not obey the disbelievers and the hypocrites. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
وَٱتَّبِعۡ مَا يُوحَىٰٓ إِلَيۡكَ مِن رَّبِّكَۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ بِمَا تَعۡمَلُونَ خَبِيرٗا ٢
And follow that which is revealed to you from your Lord. Indeed Allāh is ever, of what you do, Aware.
وَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَكِيلٗا ٣
And rely upon Allāh; and sufficient is Allāh as Disposer of affairs.1
* الإعراب:
(أيّها) منادى نكرة مقصودة مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب (النبيّ) بدل من أي تبعه في الرفع لفظا (الواو) عاطفة في الموضعين (لا) ناهية جازمة، وعلامة الجزم في (تطع) السكون، وحرّك آخره بالكسر لالتقاء الساكنين.
جملة النداء: «يأيّها..» لا محلّ لها ابتدائيّة.
وجملة: «اتّق ... » لا محلّ لها جواب النداء.
وجملة: «لا تطع ... » لا محلّ لها معطوفة على جواب النداء.
وجملة: «إنّ الله كان عليما ... » لا محلّ لها تعليل للأمر وتأكيد لمضمونه.
وجملة: «كان عليما ... » في محلّ رفع خبر إنّ.
(2) (الواو) عاطفة (ما) اسم موصول مفعول به في محلّ نصب، ونائب الفاعل لفعل (يوحى) ضمير مستتر تقديره هو وهو العائد (إليك) متعلّق ب (يوحى) ، (من ربّك) متعلّق ب (يوحى) [[أو بمحذوف حال من الضمير المستتر نائب الفاعل.]] ، (ما) حرف مصدريّ [[أو اسم موصول في محلّ جرّ، والعائد محذوف أي تعملونه.]] ...
وجملة: «اتّبع..» لا محلّ لها معطوفة على جواب النداء.
وجملة: «يوحى ... » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) .
وجملة: «إنّ الله كان..» لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: «كان.. خبيرا..» في محلّ رفع خبر إنّ.
وجملة: «تعملون ... » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الحرفيّ أو الاسميّ.
(3) (الواو) عاطفة (على الله) متعلّق ب (توكّل) ، (الله) لفظ الجلالة مجرور لفظا مرفوع محلّا فاعل كفى (وكيلا) حال منصوبة [[أو تمييز منصوب.]] .
وجملة: «توكّل ... » لا محلّ لها معطوفة على جواب النداء.
وجملة: «كفى بالله ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
* الصرف:
(اتّق) ، فيه إعلال بالحذف لمناسبة البناء، ومضارعه يتّقي، وزنه افتع [[وفيه إبدال.. انظر البحث في الآية (24) من سورة البقرة.]] .
* الفوائد:
- لا أمان للكافرين:
نزلت هذه الآية، في أبي سفيان بن حرب، وعكرمة بن أبي جهل، وأبي الأعور، وعمرو بن سفيان السلمي، وذلك أنهم قدموا المدينة، ونزلوا على عبد الله بن أبيّ بن سلول، رأس المنافقين، بعد قتال أحد، وقد أعطاهم النبي ﷺ الأمان على أن يكلموه، فقام معهم عبد الله بن سعد بن أبي سرح وطعمة بن أبيرق، فقالوا للنبي ﷺ وعنده عمر بن الخطاب ارفض ذكر آلهتنا اللات والعزى ومناة، وقل: إن لها شفاعة لمن عبدها، فندعك وربك. فشق ذلك على النبي ﷺ فقال عمر: يا رسول الله ائذن لي في قتلهم، فقال: إني أعطيتهم الأمان. فقال عمر: اخرجوا في لعنة الله وغضبه، فأمر النبي ﷺ عمر رضي الله عنه أن يخرجهم من المدينة، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
33:4–5Page 418
مَّا جَعَلَ ٱللَّهُ لِرَجُلٖ مِّن قَلۡبَيۡنِ فِي جَوۡفِهِۦۚ وَمَا جَعَلَ أَزۡوَٰجَكُمُ ٱلَّٰٓـِٔي تُظَٰهِرُونَ مِنۡهُنَّ أُمَّهَٰتِكُمۡۚ وَمَا جَعَلَ أَدۡعِيَآءَكُمۡ أَبۡنَآءَكُمۡۚ ذَٰلِكُمۡ قَوۡلُكُم بِأَفۡوَٰهِكُمۡۖ وَٱللَّهُ يَقُولُ ٱلۡحَقَّ وَهُوَ يَهۡدِي ٱلسَّبِيلَ ٤
Allāh has not made for a man two hearts in his interior. And He has not made your wives whom you declare unlawful1 your mothers. And He has not made your claimed [i.e., adopted] sons your [true] sons. That is [merely] your saying by your mouths, but Allāh says the truth, and He guides to the [right] way.
ٱدۡعُوهُمۡ لِأٓبَآئِهِمۡ هُوَ أَقۡسَطُ عِندَ ٱللَّهِۚ فَإِن لَّمۡ تَعۡلَمُوٓاْ ءَابَآءَهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَمَوَٰلِيكُمۡۚ وَلَيۡسَ عَلَيۡكُمۡ جُنَاحٞ فِيمَآ أَخۡطَأۡتُم بِهِۦ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتۡ قُلُوبُكُمۡۚ وَكَانَ ٱللَّهُ غَفُورٗا رَّحِيمًا ٥
Call them1 by [the names of] their fathers; it is more just in the sight of Allāh. But if you do not know their fathers - then they are [still] your brothers in religion and those entrusted to you. And there is no blame upon you for that in which you have erred but [only for] what your hearts intended. And ever is Allāh Forgiving and Merciful.
* الإعراب:
(ما) نافية (لرجل) متعلّق ب (جعل) بتضمينه معنى خلق (قلبين) مجرور لفظا منصوب محلّا مفعول به (في جوفه) متعلّق بنعت لقلبين (الواو) عاطفة في المواضع الأربعة (اللائي) اسم موصول في محلّ نصب نعت لأزواج (منهنّ) متعلّق ب (تظاهرون) بتضمينه معنى تتباعدون (أمّهاتكم) مفعول به ثان منصوب عامله جعل، ومثله (أبناءكم) للفعل الثالث (بأفواهكم) متعلّق بحال من قولكم والعامل فيها الإشارة.
جملة: «ما جعل الله لرجل..» لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «ما جعل أزواجكم» لا محلّ لها معطوفة على استئنافيّة.
وجملة: «تظاهرون ... » لا محلّ لها صلة الموصول (اللائي) .
وجملة: «ما جعل أدعياءكم ... » لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: «ذلكم قولكم ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: «الله يقول الحقّ..» لا محلّ لها معطوفة على جملة ذلكم قولكم.
وجملة: «يقول الحقّ..» في محلّ رفع خبر المبتدأ (الله) .
وجملة: «هو يهدي..» لا محلّ لها معطوفة على جملة الله يقول.
وجملة: «يهدي السبيل..» في محلّ رفع خبر المبتدأ (هو) .
(5) (لآبائهم) متعلّق ب (ادعوهم) ، (عند) ظرف منصوب متعلّق بأقسط (الفاء) عاطفة (تعلموا) مضارع مجزوم فعل الشرط (الفاء) الثانية رابطة لجواب الشرط (إخوانكم) خبر لمبتدأ محذوف تقديره هم (في الدين) متعلّق بإخوانكم لأنه على معنى المشتقّ أي موافقوكم في الدين (مواليكم) معطوف على إخوانكم ب (الواو) مرفوع مثله، وعلامة الرفع الضمّة المقدّرة على الياء (الواو) عاطفة (عليكم) متعلّق بخبر ليس (في ما) متعلّق بجناح (به) متعلّق ب (أخطأتم) ، (لكن) للاستدراك (ما) موصول معطوف على ما السابق في محلّ جرّ [[يجوز أن يكون مبتدأ والخبر محذوف أي: ما تعمّدته قلوبكم مسئولون عنه..]] ، (الواو) استئنافيّة (رحيما) خبر ثان منصوب.
وجملة: «ادعوهم ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: «هو أقسط..» لا محلّ لها تعليليّة.
وجملة: «لم تعملوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة ادعوهم..
وجملة: « (هم) إخوانكم» في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.
وجملة: «ليس عليكم جناح» لا محلّ لها معطوفة على جملة لم تعلموا ...
وجملة: «أخطأتم ... » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الأول.
وجملة: «تعمّدت قلوبكم..» لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الثاني.
وجملة: «كان الله غفورا..» لا محلّ لها استئنافيّة..
* الصرف:
(جوف) ، اسم جامد لداخل الجسم في الإنسان أو الحيوان أو غيرهما، وزنه فعل بضمّ فسكون.
(أدعياء) ، جمع دعيّ، صفة مشبّهة وزنه فعيل بمعنى مفعول، وفيه إعلال بالقلب أصله دعيو بكسر العين وسكون الياء، اجتمع الياء والواو في الكلمة والأولى ساكنة قلبت الواو ياء وأدغمت مع الياء الأولى ...
وجمعه على أفعلاء غير مقيس لأن فعيل هنا ليس على معنى فاعل كتقيّ وأتقياء، وقياسه أن يكون على وزن فعلى بفتح فسكون كقتيل وقتلى.
* الفوائد:
هل يكون للرجل قلبان؟
قال المفسرون: نزلت في أبي معمر حميد بن معمر الفهري، وكان رجلا لبيبا حافظا لما يسمع، فقالت قريش: ما حفظ أبو معمر هذه الأشياء إلا وله قلبان، وكان يقول: إن لي قلبين، أعقل بكل واحد منهما أفضل من عقل محمد. فلما هزم الله المشركين يوم بدر، انهزم أبو معمر، فلقيه أبو سفيان، وإحدى نعليه في يده، والأخرى في رجله، فقال له: يا أبا معمر ما حال الناس. فقال: انهزموا، فقال له: فما بال إحدى نعليك في يدك والأخرى في رجلك، فعلموا يومئذ أنه لو كان له قلبان لما نسي نعله في يده،
وعن أبي ظبيان قال: قلنا لابن عباس- رضي الله عنهما-: أرأيت قول الله:
ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، ما عنى بذلك؟ قال: قام نبي الله- ﷺ- يوما يصلي، فخطر خطرة، فقال المنافقون الذين يصلون معه: ألا ترون أنّ له قلبين: قلبا معكم، وقلبا معهم. فأنزل الله ما جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ أخرجه الترمذي وقال: حديث حسن.
أما الحديث عن الظهار، فسيرد مفصلا في سورة المجادلة، إن شاء الله تعالى.
2- إبطال عادة التبنيّ:
أفادت الآية نسخ التبني وإلغاءه، وذلك أن الرجل كان في الجاهلية يتبنى الرجل، فيجعله كالابن المولود، يدعوه إليه الناس، ويرث ميراثه،
وكان النبي ﷺ أعتق زيد بن حارثة بن شراحبيل الكلبي، وتبناه قبل الوحي، وآخى بينه وبين حمزة بن عبد المطلب، فلما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وكانت تحت زيد بن حارثة، قال المنافقون: تزوج محمد امرأة ابنه، وهو ينهى الناس عن ذلك فأنزل الله هذه الآية،
ونسخ بها التبني. وسيرد المزيد عن هذه القصة، في آيات لاحقة من هذه السورة، إن شاء الله.
33:6Page 418
ٱلنَّبِيُّ أَوۡلَىٰ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ مِنۡ أَنفُسِهِمۡۖ وَأَزۡوَٰجُهُۥٓ أُمَّهَٰتُهُمۡۗ وَأُوْلُواْ ٱلۡأَرۡحَامِ بَعۡضُهُمۡ أَوۡلَىٰ بِبَعۡضٖ فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ إِلَّآ أَن تَفۡعَلُوٓاْ إِلَىٰٓ أَوۡلِيَآئِكُم مَّعۡرُوفٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٦
The Prophet is more worthy of the believers than themselves,1 and his wives are [in the position of] their mothers. And those of [blood] relationship are more entitled [to inheritance] in the decree of Allāh than the [other] believers and the emigrants, except that you may do to your close associates a kindness [through bequest]. That was in the Book2 inscribed.
* الإعراب:
(بالمؤمنين) متعلّق بأولى (من أنفسهم) متعلّق بأولى (بعضهم) مبتدأ ثان خبره أولى (ببعض) متعلّق بالخبر أولى (في كتاب) متعلّق بأولى [[يجوز تعليقه بحال من الضمير في أولى، وهو العامل.]] ، (من المؤمنين) متعلّق بأولى [[يجوز تعليقه بحال من (أولو الأرحام) على سبيل التبيين.]] ، (إلّا) للاستثناء (أن) حرف مصدريّ ونصب.
والمصدر المؤوّل (أن تفعلوا ... ) في محلّ نصب على الاستثناء المنقطع.
(إلى أوليائكم) متعلّق ب (تفعلوا) بتضمينه معنى تقدّموا (في الكتاب) متعلّق ب (مسطورا) .
جملة: «النبيّ أولى..» لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «أزواجه أمّهاتهم..» لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: «أولو الأرحام بعضهم..» لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.
وجملة: «بعضهم أولى..» في محلّ رفع خبر (أولو) .
وجملة: «تفعلوا..» لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .
وجملة: «كان ذلك.. مسطورا» لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
* الصرف:
(الأرحام) ، جمع رحم، وهي القرابة، وزنه فعل بفتح فكسر.
* البلاغة:
التشبيه البليغ: في قوله تعالى «وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ» .
تشبيه لهن بالأمهات في بعض الأحكام، وهي: وجوب تعظيمهنّ واحترامهن، وتحريم نكاحهن ولذلك قالت عائشة رضي الله عنها: «لسنا أمهات النساء» تعني أنهنّ إنما كنّ أمهات الرجال، لكونهن محرمات عليهم كتحريم أمّهاتهم، ولهذا كان لا بد من تقدير أداة التشبيه فيه.
33:7–8Page 419
وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِنَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مِيثَٰقَهُمۡ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٖ وَإِبۡرَٰهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَى ٱبۡنِ مَرۡيَمَۖ وَأَخَذۡنَا مِنۡهُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٧
And [mention, O Muḥammad], when We took from the prophets their covenant and from you and from Noah and Abraham and Moses and Jesus, the son of Mary; and We took from them a solemn covenant
لِّيَسۡـَٔلَ ٱلصَّٰدِقِينَ عَن صِدۡقِهِمۡۚ وَأَعَدَّ لِلۡكَٰفِرِينَ عَذَابًا أَلِيمٗا ٨
That He may question the truthful about their truth.1 And He has prepared for the disbelievers a painful punishment.
* الإعراب:
(الواو) استئنافيّة (إذ) اسم صرفيّ في محلّ نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر (من النبيين) متعلّق ب (أخذنا) ، وكذلك (منك) و (من نوح) ، (إبراهيم) معطوف على نوح مجرور بالفتحة (ابن) نعت لعيسى أو بدل، أو عطف بيان عليه مجرور (منهم) متعلّق ب (أخذنا) الثاني.
جملة: «أخذنا..» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «أخذنا (الثانية) » في محلّ جرّ معطوفة على جملة أخذنا (الأولى) .
(8) (اللام) للتعليل (يسأل) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، والفاعل ضمير مستتر يعود على الله (عن صدقهم) متعلّق ب (يسأل) ، (للكافرين) متعلّق ب (أعدّ) .
والمصدر المؤوّل (أن يسأل ... ) في محلّ جرّ متعلّق ب (أخذنا) [[في الكلام التفات عن التكلم إلى الغيبة.]] .
وجملة: «يسأل ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) المضمر.
وجملة: «أعدّ ... » في محلّ جرّ معطوفة على جملة أخذنا.
* البلاغة:
عطف الخاص على العام: في قوله تعالى: «وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ» .
لأن هؤلاء الخمسة المذكورين هم أصحاب الشرائع والكتب، وأولو العزم من الرسل، فآثرهم بالذكر، للإيذان بمزيد مزيتهم وفضلهم، وكونهم من مشاهير أرباب الشرائع، وأساطين أولي العزم من الرسل. وتقديم نبينا عليه الصلاة والسلام لإبانة خطره الجليل.
الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «وَأَخَذْنا مِنْهُمْ مِيثاقاً غَلِيظاً» .
والغلظ: استعارة من وصف الأجرام، والمراد عظم الميثاق وجلالة شأنه.
33:9–15Page 419
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ إِذۡ جَآءَتۡكُمۡ جُنُودٞ فَأَرۡسَلۡنَا عَلَيۡهِمۡ رِيحٗا وَجُنُودٗا لَّمۡ تَرَوۡهَاۚ وَكَانَ ٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرًا ٩
O you who have believed, remember the favor of Allāh upon you when armies came to [attack] you and We sent upon them a wind and armies [of angels] you did not see. And ever is Allāh, of what you do, Seeing.
إِذۡ جَآءُوكُم مِّن فَوۡقِكُمۡ وَمِنۡ أَسۡفَلَ مِنكُمۡ وَإِذۡ زَاغَتِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَبَلَغَتِ ٱلۡقُلُوبُ ٱلۡحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِٱللَّهِ ٱلظُّنُونَا۠ ١٠
[Remember] when they came at you from above you and from below you, and when eyes shifted [in fear], and hearts reached the throats, and you assumed about Allāh [various] assumptions.
هُنَالِكَ ٱبۡتُلِيَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ وَزُلۡزِلُواْ زِلۡزَالٗا شَدِيدٗا ١١
There the believers were tested and shaken with a severe shaking.
وَإِذۡ يَقُولُ ٱلۡمُنَٰفِقُونَ وَٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ مَّا وَعَدَنَا ٱللَّهُ وَرَسُولُهُۥٓ إِلَّا غُرُورٗا ١٢
And [remember] when the hypocrites and those in whose hearts is disease said, "Allāh and His Messenger did not promise us except delusion,"
وَإِذۡ قَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡهُمۡ يَٰٓأَهۡلَ يَثۡرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمۡ فَٱرۡجِعُواْۚ وَيَسۡتَـٔۡذِنُ فَرِيقٞ مِّنۡهُمُ ٱلنَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوۡرَةٞ وَمَا هِيَ بِعَوۡرَةٍۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارٗا ١٣
And when a faction of them said, "O people of Yathrib,1 there is no stability for you [here], so return [home]." And a party of them asked permission of the Prophet, saying, "Indeed, our houses are exposed [i.e., unprotected]," while they were not exposed. They did not intend except to flee.
وَلَوۡ دُخِلَتۡ عَلَيۡهِم مِّنۡ أَقۡطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُواْ ٱلۡفِتۡنَةَ لَأٓتَوۡهَا وَمَا تَلَبَّثُواْ بِهَآ إِلَّا يَسِيرٗا ١٤
And if they had been entered upon from all its [surrounding] regions and fitnah [i.e., disbelief] had been demanded of them, they would have done it and not hesitated over it except briefly.
وَلَقَدۡ كَانُواْ عَٰهَدُواْ ٱللَّهَ مِن قَبۡلُ لَا يُوَلُّونَ ٱلۡأَدۡبَٰرَۚ وَكَانَ عَهۡدُ ٱللَّهِ مَسۡـُٔولٗا ١٥
And they had already promised Allāh before not to turn their backs [i.e., flee]. And ever is the promise to Allāh [that about which one will be] questioned.
* الإعراب:
(أيّ) منادى نكرة مقصودة مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب [[و (ها) للتنبيه لا محلّ لها من الإعراب.]] (الذين) اسم موصول مبنيّ في محلّ نصب نعت للمنادى- أو بدل منه- (عليكم) متعلّق بنعمة (إذ) اسم ظرفيّ في محلّ نصب بدل من نعمة بدل اشتمال [[يجوز تعليقه بنعمة.]] ، (عليهم) متعلّق ب (أرسلنا) ، (ما) حرف مصدريّ [[أو اسم موصول في محلّ جرّ، والعائد محذوف أي تعملونه، والجملة صلة.]] .
والمصدر المؤوّل (ما تعملون ... ) في محلّ جرّ ب (الباء) متعلّق ب (بصيرا) .
جملة النداء: «يا أيّها الذين..» لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .
وجملة: «اذكروا ... » لا محلّ لها جواب النداء.
وجملة: «جاءتكم جنود....» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «أرسلنا ... » في محلّ جرّ معطوفة على جملة جاءتكم.
وجملة: «لم تروها ... » في محلّ نصب نعت ل (جنودا) .
وجملة: «كان الله ... بصيرا» لا محلّ لها استئناف اعتراضيّ.
وجملة: «تعملون ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (ما) .
(10) (إذ) بدل من الأول في محلّ نصب (من فوقكم) متعلّق بحال من فاعل جاؤوكم، وكذلك (من أسفل) فهو معطوف على الأول (منكم) متعلّق بأسفل (إذ) معطوف على إذ السابق (بالله) متعلّق ب (تظنّون) [[بمعنى تشكّون.. أو متعلّق بمحذوف مفعول به ثان، و (الظنون) مفعول أوّل.]] ، و (الألف) في (الظنونا) زائدة.
وجملة: «جاؤوكم....» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «زاغت الأبصار» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «بلغت القلوب..» في محلّ جرّ معطوفة على جملة زاغت.
وجملة: «تظنّون....» في محلّ جرّ معطوفة على جملة زاغت.
(11) (هنالك) اسم إشارة في محلّ نصب ظرف مكان متعلّق ب (ابتلي) ، (زلزالا) مفعول مطلق منصوب.
وجملة: «ابتلي ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: «زلزلوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة ابتلي.
(12) (إذ) معطوف على إذ السابق (في قلوبهم) متعلّق بخبر مقدّم للمبتدأ المؤخّر مرض (ما) حرف للنفي (إلّا) للحصر (غرورا) مفعول به ثان منصوب عامله وعدنا [[يجوز أن يكون مفعولا مطلقا نائبا عن المصدر فهو نوعه أي: ألّا وعد الغرور، والمفعول الثاني مقدّر أي النصر ...]] .
وجملة: «يقول المنافقون....» في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «في قلوبهم مرض» لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .
وجملة: «ما وعدنا الله ... » في محلّ نصب مقول القول.
(13) (إذ) معطوف على إذ السابق (منهم) متعلّق بنعت من طائفة (لكم) متعلّق بخبر لا النافية للجنس (الفاء) عاطفة لربط المسبّب بالسبب (الواو) استئنافيّة (منهم) نعت لفريق (الواو) حاليّة (ما) نافية عاملة عمل ليس (هي) ضمير منفصل في محلّ رفع اسم ما (عورة) مجرور لفظا منصوب محلّا خبر ما (إن) حرف نفي (إلّا) للحصر..
وجملة: «قالت طائفة ... » في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة النداء وجوابه ... في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: «لا مقام لكم ... » لا محلّ لها جواب النداء.
وجملة: «ارجعوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة لا مقام لكم [[رابط السببيّة بين جملتي الخبر والإنشاء يجيز العطف بينهما.]] .
وجملة: «يستأذن فريق ... » لا محلّ لها استئنافيّة..
وجملة: «يقولون ... » في محلّ نصب حال من فريق.
وجملة: «إنّ بيوتنا عورة..» في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: «ما هي بعورة..» في محلّ نصب حال [[أو هي معطوفة على جملة مقول القول.]] .
وجملة: «إن يريدون إلّا فرارا» لا محلّ لها اعتراضيّة- أو تعليليّة- (الواو) عاطفة (لو) حرف شرط غير جازم، ونائب الفاعل لفعل دخلت ضمير مستتر تقديره هي أي المدينة (عليهم) متعلّق ب (دخلت) ، (من أقطارها) متعلّق ب (دخلت) ، و (الواو) في (سئلوا) نائب الفاعل (الفتنة) مفعول به منصوب (اللام) رابطة لجواب لو (ما) نافية (بها) متعلّق ب (تلبّثوا) ، (إلّا) للحصر (يسيرا) ظرف منصوب متعلّق ب (تلبّثوا) - وهو صفة نائبه عن موصوف- أي زمنا يسيرا.
وجملة: «لو دخلت ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة يستأذن.
وجملة: «سئلوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة دخلت.
وجملة: «آتوها ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم عن الفعلين [[أي: لأعطوا المدينة وفعلوا الفتنة.]] .
وجملة: «ما تلبّثوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب الشرط.
(15) (الواو) عاطفة (اللام) لام القسم لقسم مقدّر (قد) حرف تحقيق (قبل) اسم مبني على الضم في محلّ جرّ بمن متعلّق ب (عاهدوا) ، (لا) نافية (الأدبار) مفعول به ثان منصوب [[والمفعول الأول مقدّر أي: يولّون العدو الأدبار.]] ، (الواو) استئنافيّة ...
وجملة: «كانوا عاهدوا ... » لا محلّ لها جواب القسم المقدّر..
وجملة القسم المقدّرة لا محلّ لها معطوفة على جملة لو دخلت ...
وجملة: «عاهدوا ... » في محلّ نصب خبر كانوا.
وجملة: «لا يولّون ... » لا محلّ لها جواب القسم لفعل عاهدوا ...
وجملة: «كان عهد الله مسئولا ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
* الصرف:
(10) الحناجر: جمع حنجرة- منتهى الحلقوم- اسم جامد، وزنه فعللة بفتح الفاء وسكون العين (10) (الظنونا) ، جمع الظنّ مصدر سماعيّ للثلاثيّ ظنّ باب نصر وزنه فعول بضمّتين، وقد ثبتت الألف بعد النون في رسم المصحف مراعاة للوصل.
(11) (زلزالا) ، مصدر قياسيّ للرباعيّ زلزل، وقد جاء المصدر على هذه الصيغة- غير صيغة زلزلة- لأن الفعل من المضاعف الرباعي، وزنه فعلال بكسر فسكون.
(13) يثرب: اسم المدينة المنوّرة، وزنه يفعل بفتح الياء وكسر العين، وقد منع من التنوين للعلميّة والتأنيث، أو وزن الفعل.
(14) أقطار: جمع قطر، اسم بمعنى الناحية والبلد، وزنه فعل بضمّ فسكون والجمع أفعال.
* الفوائد:
غزوة الأحزاب (الخندق) :
لم يقر لعظماء بني النضير قرار بعد جلائهم عن ديارهم، وإرث المسلمين لها، بل كان في نفوسهم دائما أن يأخذوا ثأرهم، ويستردوا بلادهم، فذهب جمع منهم إلى مكة، وقابلوا رؤساء قريش، وحرضوهم على حرب رسول الله ﷺ، ومنّوهم المساعدة، فوجدوا منهم قبولا لما طلبوه، ثم جاؤوا إلى قبيلة غطفان، وحرضوا رجالها كذلك، وأخبروهم بمبايعة قريش لهم على الحرب، فوجدوا منهم ارتياحا. فتجهزت قريش وأتباعهم، يرأسهم أبو سفيان، ويحمل لواءهم عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري، وعددهم أربعة آلاف، معهم ثلاثمئة فرس وألف بعير. وتجهزت غطفان يرأسهم عيينة بن حصن، وكان معه ألف فارس وتجهزت بنو مرّة، يرأسهم الحارث بن عوف، ومعهم أربعمائة. وتجهزت بنو أشجع، يرأسهم أبو مسعود بن رخيلة وتجهزت بنو سليم، يرأسهم سفيان بن عبد شمس، وهم سبعمائة وتجهزت بنو أسد، يرأسهم طليحة بن خويلد الأسدي وعدة الجميع عشرة آلاف مقاتل، قائدهم العام أبو سفيان. ولما بلغه عليه الصلاة والسلام أخبار هاته التجهيزات، استشار أصحابه فيما يصنع؟ فأشار عليه سلمان الفارسي رضي الله عنه بعمل الخندق، وهو عمل لم تكن العرب تعرفه، فأمر عليه الصلاة والسلام المسلمين بعمله، وشرعوا في حفره شمالي المدينة، من الحرّة الشرقية إلى الحرة الغربية أما بقية حدود المدينة، فمشتبكة بالبيوت والنخيل، لا يتمكن العدو من الحرب جهتها. وقد قاسى المسلمون صعوبات جسيمة في حفر الخندق، وعمل معهم عليه الصلاة والسلام، فكان ينقل التراب متمثلا بشعر ابن رواحة:
اللهم لولا أنت ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا ... وثبت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا ... وإن أرادوا فتنة أبينا وأقام الجيش في الجهة الشرقية، مسندا ظهره إلى سلع، وهو جبل مطل على المدينة، وعدتهم ثلاثة آلاف، وكان لواء المهاجرين مع زيد بن حارثة، ولواء الأنصار مع سعد بن عبادة. أما قريش فنزلت بمجمع الأسيال، وأما غطفان فنزلت جهة أحد. وكان المشركون معجبين بمكيدة الخندق التي لم تكن العرب تعرفها، فصاروا يترامون مع المسلمين بالنبل. ولما طال المطال عليهم، أكره جماعة منهم أفراسهم على اقتحام الخندق، منهم عكرمة بن أبي جهل، وعمر بن ودّ وآخرون، وقد برز علي بن أبي طالب رضي الله عنه لعمرو بن ود فقتله وهرب إخوانه، واستمرت المناوشة والمراماة بالنبل يوما كاملا، حتى فاتت المسلمين صلاة ذلك اليوم، وقضوها بعد، وجعل النبي ﷺ على الخندق حرّاسا، حتى لا يقتحمه المشركون بالليل، وكان يحرس بنفسه ثلمة فيه مع شدة البرد، وكان النبي ﷺ يبشر أصحابه بالنصر والظفر، أما المنافقون فقد أظهروا في هذه الشدة ما تكنّه ضمائرهم، حتى قالوا: (ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً) وانسحبوا قائلين: (إن بيوتنا عورة) نخاف أن يغير عليها العدو (وما هي بعورة إن يريدون إلا فرارا) . وطال الحصار واشتد البلاء على المسلمين ونقض بنو قريظة العهد، وأعلنوا الحرب على المسلمين، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ أرسل مسلمة بن أسلم في مائتين، وزيد بن حارثة في ثلاثمئة، لحراسة المدينة خوفا على النساء والذراري وأرسل الزبير بن العوام يستجلي له الخبر، فلما وصلهم وجدهم حانقين، يظهر على وجوههم الشر ونالوا من رسول الله ﷺ والمسلمين أمامه، فرجع وأخبر الرسول ﷺ بذلك، وهنالك اشتد وجل المسلمين، وزلزلوا زلزالا شديدا، لأن العدو جاءهم من فوقهم، ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنون، وتكلم المنافقون بما بدا لهم، فأراد عليه الصلاة والسلام أن يرسل لعيينة بن حصن، ويصالحه على ثلث ثمار المدينة، لينسحب بغطفان.
فأبى الأنصار ذلك قائلين: إنهم لم يكونوا ينالون من ثمارها ونحن كفار، أفبعد الإسلام يشاركوننا فيها؟
وإذا أراد الله أمرا هيأ أسبابه، وبينما هم في هذه الحالة من الضيق والشدة جاء نعيم بن مسعود الأشجعي، وهو صديق قريش واليهود، فقال: يا رسول الله، إني قد أسلمت، وقومي لا يعلمون بإسلامي، فمرني بأمرك حتى أساعدك، فخرج من عنده، وتوجه إلى بني قريظة، فقال: يا بني قريظة، تعرفون ودّي لكم، وخوفي عليكم، وإني محدثكم حديثا فاكتموه عني. قالوا: نعم. فقال: لقد رأيتم ما حل بإخوانكم من بني قينقاع والنضير، وإن قريشا وغطفان ليسوا مثلكم، فإن ظفروا ربحوا، وإن هزموا رجعوا إلى بلادهم. فأرى ألا تقاتلوا معهم حتى تأخذوا منهم سبعين شريفا رهائن، حتى لا يتركوكم ويرتحلوا عنكم فاستحسنوا رأيه، وأجابوه إلى ذلك. ثم قام من عندهم، وتوجه إلى قريش، فاجتمع برؤسائهم، وقال: إني محدثكم بحديث، فاكتموه عني. قالوا: نفعل، فقال لهم: إن بني قريظة قد ندموا على ما فعلوه مع محمد، وخافوا منكم أن ترجعوا وتتركوهم معه، فقالوا له: أيرضيك أن نأخذ جمعا من أشرافهم، وترد جناحنا الذي كسرت (يريد بني النضير) فرضي بذلك منهم، وها هم مرسلون إليكم فاحذروهم ثم أتى غطفان فأخبرهم بمثل ذلك فأرسل أبو سفيان وفدا لقريظة، يدعوهم للقتال غدا، فأجابوا: إنا لا يمكننا أن نقاتل في السبت، ولم يصبنا ما أصابنا إلا من التعدي فيه، ومع ذلك فلا نقاتل حتى تعطونا رهائن منكم، كي لا تتركونا وتذهبوا إلى بلادكم، فتحققت قريش وغطفان صدق كلام نعيم بن مسعود، وتفرقت القلوب، وخاف بعضهم بعضا، وكان عليه الصلاة والسلام قد ابتهل إلى الله عز وجل الذي لا ملجأ إلا إليه، ودعاه بقوله: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اهزم الأحزاب، اللهم اهزمهم وانصرنا عليهم) وقد أجاب الله دعاءه عليه الصلاة والسلام، فأرسل إلى الأعداء ريحا باردة في ليلة مظلمة، فخاف المشركون أن تتفق اليهود مع المسلمين ويهجموا عليهم، فأجمعوا أمرهم على الرحيل قبل أن يصبح الصباح. ومع إطلالة الفجر خلت الأرض منهم، وكفى الله المؤمنين القتال.
33:16Page 420
قُل لَّن يَنفَعَكُمُ ٱلۡفِرَارُ إِن فَرَرۡتُم مِّنَ ٱلۡمَوۡتِ أَوِ ٱلۡقَتۡلِ وَإِذٗا لَّا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلٗا ١٦
Say, [O Muḥammad], "Never will fleeing benefit you if you should flee from death or killing; and then [if you did], you would not be given enjoyment [of life] except for a little."
* الإعراب:
(فررتم) فعل ماض مبنيّ في محلّ جزم فعل الشرط (من الموت) متعلّق ب (فررتم) ، (الواو) عاطفة (إذا) بالتنوين: حرف جواب (لا) نافية، و (الواو) في (تمتّعون) نائب الفاعل (إلّا) للحصر (قليلا) مفعول مطلق [[أو مفعول فيه نائب عن ظرف أي زمنا قليلا.]] نائب عن المصدر فهو صفته أي: تمتّعا قليلا.
جملة: «قل ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «لن ينفعكم الفرار ... » في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: «إن فررتم ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله.
وجملة: «لا تمتّعون إلّا قليلا..» لا محلّ لها جواب شرط مقدّر أي: إذا نفعكم ظاهرا لا تمتّعون....
33:17Page 420
قُلۡ مَن ذَا ٱلَّذِي يَعۡصِمُكُم مِّنَ ٱللَّهِ إِنۡ أَرَادَ بِكُمۡ سُوٓءًا أَوۡ أَرَادَ بِكُمۡ رَحۡمَةٗۚ وَلَا يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَلِيّٗا وَلَا نَصِيرٗا ١٧
Say, "Who is it that can protect you from Allāh1 if He intends for you an ill or intends for you a mercy?" And they will not find for themselves besides Allāh any protector or any helper.
* الإعراب:
(من) اسم استفهام مبنيّ في محلّ رفع مبتدأ، خبره (ذا) ، (الذي) اسم موصول بدل من ذا في محلّ رفع (من الله) متعلّق ب (يعصمكم) ، (إن أراد) مثل إن فررتم [[في الآية السابقة (16) .]] ، (بكم) متعلّق بحال من (سوءا) ، (أو) حرف عطف (أراد بكم رحمة) مثل أراد بكم سوءا (الواو) عاطفة (لا) نافية (لهم) متعلّق بمحذوف مفعول به ثان عامله يجدون (من دون) متعلّق بحال من (وليّا) ، (الواو) عاطفة (لا) زائدة لتأكيد النفي.
جملة: «قل ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «من ذا الذي ... » في محلّ نصب مقول القول.
وجملة: «يعصمكم ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذي) .
وجملة: «أراد (الأولى) » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.. وجواب الشرط محذوف دلّ عليه ما قبله.
وجملة: «أراد (الثانية) ..» لا محلّ لها معطوفة على جملة أراد (الأولى) .
وجملة: «لا يجدون..» لا محلّ لها معطوفة على استئناف مقدّر أي: سيعذّبون ولا يجدون ...
33:18–20Page 420
۞ قَدۡ يَعۡلَمُ ٱللَّهُ ٱلۡمُعَوِّقِينَ مِنكُمۡ وَٱلۡقَآئِلِينَ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ هَلُمَّ إِلَيۡنَاۖ وَلَا يَأۡتُونَ ٱلۡبَأۡسَ إِلَّا قَلِيلًا ١٨
Already Allāh knows the hinderers1 among you and those [hypocrites] who say to their brothers, "Come to us,"2 and do not go to battle, except for a few,3
أَشِحَّةً عَلَيۡكُمۡۖ فَإِذَا جَآءَ ٱلۡخَوۡفُ رَأَيۡتَهُمۡ يَنظُرُونَ إِلَيۡكَ تَدُورُ أَعۡيُنُهُمۡ كَٱلَّذِي يُغۡشَىٰ عَلَيۡهِ مِنَ ٱلۡمَوۡتِۖ فَإِذَا ذَهَبَ ٱلۡخَوۡفُ سَلَقُوكُم بِأَلۡسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى ٱلۡخَيۡرِۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يُؤۡمِنُواْ فَأَحۡبَطَ ٱللَّهُ أَعۡمَٰلَهُمۡۚ وَكَانَ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٗا ١٩
Indisposed1 toward you. And when fear comes, you see them looking at you, their eyes revolving like one being overcome by death. But when fear departs, they lash you with sharp tongues, indisposed toward [any] good. Those have not believed, so Allāh has rendered their deeds worthless, and ever is that, for Allāh, easy.
يَحۡسَبُونَ ٱلۡأَحۡزَابَ لَمۡ يَذۡهَبُواْۖ وَإِن يَأۡتِ ٱلۡأَحۡزَابُ يَوَدُّواْ لَوۡ أَنَّهُم بَادُونَ فِي ٱلۡأَعۡرَابِ يَسۡـَٔلُونَ عَنۡ أَنۢبَآئِكُمۡۖ وَلَوۡ كَانُواْ فِيكُم مَّا قَٰتَلُوٓاْ إِلَّا قَلِيلٗا ٢٠
They think the companies have not [yet] withdrawn.1 And if the companies should come [again], they would wish they were in the desert among the bedouins, inquiring [from afar] about your news. And if they should be among you, they would not fight except for a little.
* الإعراب:
(قد) حرف تحقيق [[لأن علم الله محقّق في كلّ وقت.]] ، (منكم) متعلّق بحال من المعوّقين (لإخوانهم) متعلّق بالقائلين (هلّمّ) اسم فعل أمر بمعنى أقبلوا، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنتم (إلينا) متعلّق ب (هلّم) ، (الواو) حاليّة (لا) نافية (إلّا) للحصر (قليلا) مفعول مطلق نائب عن المصدر فهو صفته (أشحّة) حال منصوبة من فاعل يأتون (عليكم) متعلّق بأشحّة..
جملة: «يعلم الله ... » لا محلّ لها استئنافيّة.
وجملة: «هلمّ ... » في محلّ نصب مقول القول عامله القائلين.
وجملة: «لا يأتون ... » في محلّ نصب حال.
(الفاء) عاطفة (إليك) متعلّق ب (ينظرون) ، (كالذي) متعلّق بمحذوف مفعول مطلق عامله ينظرون أو تدور وهو بحذف مضاف أي كنظر الذي أو كدوران عين الذي.. (عليه) نائب الفاعل لفعل يغشى (من الموت) متعلّق ب (يغشى) ، ومن سببيّة (الفاء) عاطفة (بألسنة) متعلّق ب (سلقوكم) ، (أشحّة) حال منصبة من فاعل سلقوكم (على الخير) متعلّق بأشحّة (الفاء) عاطفة (على الله) متعلّق بالخبر (يسيرا) .
وجملة: «جاء الخوف ... » في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «رأيتهم ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
وجملة: «ينظرون ... » في محلّ نصب حال من ضمير الغائب في (رأيتهم) وجملة: «تدور أعينهم ... » في محلّ نصب حال من فاعل ينظرون.
وجملة: «يغشى عليه ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذي) .
وجملة: «ذهب الخوف ... » في محلّ جرّ مضاف إليه.
وجملة: «سلقوكم ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
وجملة: «أولئك لم يؤمنوا ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.
وجملة: «لم يؤمنوا ... » في محلّ رفع خبر المبتدأ (أولئك) .
وجملة: «أحبط الله....» في محلّ رفع معطوفة على جملة لم يؤمنوا.
وجملة: «كان ذلك.... يسيرا» لا محلّ لها اعتراضيّة.
(20) (الواو) عاطفة (لو) حرف تمنّ (في الأعراب) متعلّق ب (بادون) ، (عن أنبائكم) متعلّق ب (يسألون) (لو) الثاني حرف شرط غير جازم (فيكم) متعلّق بخبر كانوا (ما) نافية (إلّا) للحصر (قليلا) مفعول مطلق نائب عن المصدر [[أو مفعول فيه نائب عن الظرف متعلّق ب (قاتلوا) .]] .
وجملة: «يحسبون ... » في محلّ نصب حال من الضمير في أعمالهم [[أو لا محلّ لها استئنافيّة.]] .
وجملة: «لم يذهبوا ... » في محلّ نصب مفعول به ثان.
وجملة: «إن يأت الأحزاب ... » معطوفة على جملة يحسبون.
وجملة: «يودّوا ... » لا محلّ لها جواب الشرط غير مقترنة بالفاء.
والمصدر المؤوّل (أنّهم بادون ... ) في محلّ نصب مفعول به عامله يودّوا..
وجملة: «يسألون ... » في محلّ نصب حال من الضمير في (بادون) [[يجوز أن تكون الجملة خبرا ثانيا للحرف المشبّه بالفعل إنّ.]] .
وجملة: «لو كانوا فيكم ... » معطوفة على جملة يحسبون.
وجملة: «ما قاتلوا ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.
* الصرف:
(18) المعوّقين: جمع المعوّق، اسم فاعل من الرباعيّ عوّق، وزنه مفعّل بضمّ الميم وكسر العين، بمعنى المثبطين.
(19) أشحّة: جمع شحيح صفة مشبّهة من الثلاثيّ شحّ باب ضرب بمعنى بخل، وقد يأتي من باب نصر وباب فتح- وهذا الجمع- وزنه أفعلة- غير قياسيّ، فقياس فعيل الوصف الذي اتّحدت عينه ولامه أن يجمع على أفعلاء مثل خليل وأخلّاء وظنين وأظنّاء، وقد سمع أشحّاء.
(حداد) ، جمع حديد بمعنى القاطع وزنه فعيل، صفة مشبّهة من الثلاثيّ حدّ السيف باب ضرب أي ردّه وأصبح قاطعا، ووزن حداد فعال بكسر الفاء.. وثمّة جمع آخر هو أحدّاء زنة أفعلاء.
(20) بادون: اسم فاعل من الثلاثيّ بدا، وزنه فاعون، فيه إعلال بالحذف لمناسبة الجمع شأن الاسم المنقوص، أصله باديون، ثقلت الضمّة على الياء فسكّنت ونقلت حركتها إلى الدال- إعلال بالتسكين- التقى ساكنان فحذفت الياء.. وهو إعلال بالحذف.
* البلاغة:
1- فن التندير: في قوله تعالى «فَإِذا جاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ» . وهو فن ألمع إليه صاحب نهاية الأرب، وابن أبي الإصبع. وحدّه: أن يأتي المتكلم بنادرة حلوة، أو نكتة مستطرفة، وهو يقع في الجد والهزل، فهو لا يدخل في نطاق التهكم، ولا في نطاق فن الهزل الذي يراد به الجد، ويجوز أن يدخل في نطاق باب المبالغة. وذلك واضح في مبالغته تعالى في وصف المنافقين بالخوف والجبن، حيث أخبر عنهم أنهم تدور أعينهم حالة الملاحظة كحالة من يغشى عليه من الموت.
2- الاستعارة المكنية: في قوله تعالى «سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدادٍ» .
حيث شبه اللسان بالسيف ونحوه، على طريق الاستعارة المكنية، فحذف المشبه به، واستعار شيئا من خصائصه وهو الضرب، وهذه الاستعارة تتأتى على تفسير السلق بالضرب.
* الفوائد:
- (لو) المصدرية:
من أوجه (لو) أن تأتي حرفا مصدريا ك (أن) إلا أنها لا تنصب، وأكثر وقوعها بعد: ودّ أو يودّ أو ما في معناها، كقوله تعالى: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ.
ومن وقوعها بدون الفعل يود قول قتيلة بنت النضر بن الحارث، بعد أن قتل أبوها يوم بدر، وهي تخاطب رسول الله ﷺ :
ما كان ضرّك لو مننت وربما ... منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
ويشكل عليهم دخولها على (أنّ) كما في الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بادُونَ فِي الْأَعْرابِ وجوابه أن لو إنما دخلت على فعل محذوف مقدر بعد (لو) تقديره (يودّوا لو ثبت أنهم بادون في الأعراب) .
33:21Page 420
لَّقَدۡ كَانَ لَكُمۡ فِي رَسُولِ ٱللَّهِ أُسۡوَةٌ حَسَنَةٞ لِّمَن كَانَ يَرۡجُواْ ٱللَّهَ وَٱلۡيَوۡمَ ٱلۡأٓخِرَ وَذَكَرَ ٱللَّهَ كَثِيرٗا ٢١
There has certainly been for you in the Messenger of Allāh an excellent pattern1 for anyone whose hope is in Allāh and the Last Day and [who] remembers Allāh often.
* الإعراب:
(اللام) لام القسم لقسم مقدّر (قد) حرف تحقيق (لكم) متعلّق بخبر كان (في رسول) متعلّق بحال من أسوة (لمن) بدل من (لكم) بإعادة الجارّ، واسم كان ضمير هو العائد (كثيرا) مفعول مطلق نائب عن المصدر.
جملة: «كان لكم ... أسوة» لا محلّ لها جواب القسم المقدّر.
وجملة: «كان يرجو ... » لا محلّ لها صلة الموصول (من) .
وجملة: «يرجو ... » في محلّ نصب خبر كان.
وجملة: «ذكر ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.
* الصرف:
(أسوة) ، اسم بمعنى الاقتداء، وقد استعمل في الآية موضع المصدر وهو الائتساء، وزنه فعلة بضمّ فسكون.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences