Mahmud SafiAl‑Hujurat · 49:1–15

Mahmud Safi · Tafsir · in Arabic

الحجرات

Al-Hujurat

The Rooms · Medinan · 18 ayahs

49:1Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تُقَدِّمُواْ بَيۡنَ يَدَيِ ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦۖ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ١

O you who have believed, do not put [yourselves] before Allāh and His Messenger1 but fear Allāh. Indeed, Allāh is Hearing and Knowing.

* الإعراب:

(أيّها) منادى نكرة مقصودة مبنيّ على الضمّ في محلّ نصب (الذين) موصول بدل من أيّ- أو عطف بيان عليه- في محلّ نصب (لا) ناهية جازمة (بين) ظرف منصوب متعلّق ب (تقدّموا) ..

جملة: «يأيّها الذين آمنوا ... » لا محلّ لها ابتدائيّة.

وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «لا تقدّموا ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «اتّقوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جواب النداء.

وجملة: «إنّ الله سميع ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.

* البلاغة:

1- استعارة تمثيلية: في قوله تعالى «لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ» .

استعارة تمثيلية، للقطع بالحكم بلا اقتداء ومتابعة لمن يلزم متابعته، تصويرا لهجنته وشناعته بصورة المحسوس فيما نهوا عنه، كتقدم الخادم بين يدي سيده في سيره، حيث لا مصلحة فالمراد: لا تقطعوا أمرا وتجزموا به وتجترئوا على ارتكابه قبل أن يحكم الله تعالى ورسوله ﷺ به ويأذنا فيه.

2- الحذف: في قوله تعالى «لا تُقَدِّمُوا» .

حيث حذف مفعول تقدّموا، وذلك لأمرين: أحدهما: أن يحذف ليتناول كلّ ما يقع في النفس مما يقدم. والثاني: أن لا يقصد قصد مفعول ولا حذفه، ويتوجه بالنهي إلى نفس التقدمة، كأنه قيل: لا تقدموا على التلبس بهذا الفعل، ولا تجعلوه منكم بسبيل، كقوله تعالى «هُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ» .

49:2–3Page 515

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ أَن تَحۡبَطَ أَعۡمَٰلُكُمۡ وَأَنتُمۡ لَا تَشۡعُرُونَ ٢

O you who have believed, do not raise your voices above the voice of the Prophet or be loud to him in speech like the loudness of some of you to others, lest your deeds become worthless while you perceive not.

إِنَّ ٱلَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصۡوَٰتَهُمۡ عِندَ رَسُولِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱمۡتَحَنَ ٱللَّهُ قُلُوبَهُمۡ لِلتَّقۡوَىٰۚ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَأَجۡرٌ عَظِيمٌ ٣

Indeed, those who lower their voices before the Messenger of Allāh - they are the ones whose hearts Allāh has tested for righteousness. For them is forgiveness and great reward.

* الإعراب:

(لا) ناهية جازمة (فوق) ظرف منصوب متعلّق ب (ترفعوا) ، (الواو) عاطفة (لا) مثل الأولى (له) متعلّق بحال من فاعل تجهروا (بالقول) متعلّق ب (تجهروا) ، (كجهر) متعلّق بمحذوف مفعول مطلق [[أو بمحذوف حال.]] ، (لبعض) متعلّق ب (جهر) (أن) حرف مصدريّ ونصب (الواو) حاليّة (لا) نافية.

جملة: «يأيّها الذين ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «لا ترفعوا ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «لا تجهروا ... » لا محلّ لها معطوفة على جواب النداء.

وجملة: «تحبط أعمالكم ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .

والمصدر المؤوّل (أن تحبط) في محلّ نصب مفعول لأجله بحذف مضاف أي خشية أن تحبط أعمالكم.

وجملة: «أنتم لا تشعرون» في محلّ نصب حال.

وجملة: «لا تشعرون» في محلّ رفع خبر المبتدأ (أنتم) .

3- (عند) ظرف منصوب متعلّق ب (يغضّون) ، (أولئك) مبتدأ خبره (الذين) [[يجوز أن يكون (الذين) نعتا للإشارة- أو بدلا- وجملة: لهم مغفرة خبر.]] (للتقوى) متعلّق ب (امتحن) بحذف مضاف أي لظهور التقوى (لهم) متعلّق بخبر مقدّم للمبتدأ (مغفرة) ..

وجملة: «إنّ الذين يغضّون ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «يغضّون ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «أولئك الذين ... » في محلّ رفع خبر إنّ.

وجملة: «امتحن الله ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) الثاني.

وجملة: «لهم مغفرة ... » لا محلّ لها استئناف بياني [[أو في محلّ رفع خبر ثان ل (إنّ) .]] .

* البلاغة:

التكرير: في قوله تعالى «يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا» .

إعادة النداء عليهم: استدعاء منهم لتجديد الاستبصار عند كلّ خطاب وارد، وتطرية الإنصات لكلّ حكم نازل، وتحريك لئلا يفتروا ويغفلوا عن تأملهم وما أخذوا به عند حضور مجلس رسول الله ﷺ من الأدب الذي تعود المحافظة عليه بعظيم الجدوى في دينهم.

* الفوائد:

- الأدب مع الكبير..

أمر الله المؤمنين في هذه الآية ألا يرفعوا صوتهم فوق صوت النبي ﷺ ، وأن يغضوا من أصواتهم عنده، لأن رفع الصوت مناف للحشمة والوقار والاحترام.

وعند ما نزلت هذه الآية جلس ثابت بن قيس في بيته وقال: أنا من أهل النار. واحتبس عن النبي ﷺ فسأل رسول الله ﷺ سعد بن معاذ فقال: يا أبا عمرو ما شأن ثابت فقال: إنه لجاري، وما علمت له شكوى. قال: فأتاه سعد، فذكر له قول رسول الله ﷺ . فقال ثابت: أنزلت هذه الآية، ولقد علمتم أني من أرفعكم صوتا على رسول الله ﷺ ، فأنا من أهل النار، فذكر ذلك سعد للنبي ﷺ فقال رسول الله ﷺ : هو من أهل الجنّة. وزاد في رواية: أما ترضى أن تعيش حميدا، وتقتل شهيدا، وتدخل الجنّة؟ فقال: رضيت ببشرى الله ورسوله، لا أرفع صوتي على رسول الله ﷺ أبدا، فأنزل الله إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ فكنا ننظر إلى رجل من أهل الجنّة يمشي بين أيدينا، فلما كان يوم اليمامة، في حرب مسيلمة، مات شهيدا رضي الله عنه.

49:4–5Page 515

إِنَّ ٱلَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِن وَرَآءِ ٱلۡحُجُرَٰتِ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ٤

Indeed, those who call you, [O Muḥammad], from behind the chambers - most of them do not use reason.

وَلَوۡ أَنَّهُمۡ صَبَرُواْ حَتَّىٰ تَخۡرُجَ إِلَيۡهِمۡ لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥

And if they had been patient until you [could] come out to them, it would have been better for them. But Allāh is Forgiving and Merciful.

* الإعراب:

(من وراء) متعلّق ب (ينادونك) ، (لا) نافية (الواو) عاطفة (لو) حرف شرط غير جازم (حتّى) حرف غاية وجر (تخرج) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتّى (إليهم) متعلّق ب (تخرج) ، (اللام) واقعة في جواب لو، واسم (كان) ضمير مستتر يعود على الصبر المفهوم من السياق (الواو) استئنافيّة..

والمصدر المؤوّل (أنّهم صبروا..) في محلّ رفع فاعل لفعل محذوف تقديره ثبت..

والمصدر المؤوّل (أن تخرج..) في محلّ جرّ ب (حتّى) متعلّق ب (صبروا) .

جملة: «إنّ الذين ينادونك ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «ينادونك ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «أكثرهم لا يعقلون ... » في محلّ رفع خبر إنّ.

وجملة: «لا يعقلون ... » في محلّ رفع خبر المبتدأ (أكثرهم) .

وجملة: «لو (ثبت) صبرهم ... » لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.

وجملة: «صبروا ... » في محلّ رفع خبر أنّ.

وجملة: «تخرج ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) المضمر.

وجملة: «كان خيرا ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.

وجملة: «الله غفور ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

* الصرف:

(الحجرات) ، جمع حجرة، اسم للبيت الذي يحجر عليه بحائط أو غيره، وزنه فعلة بضمّ فسكون بمعنى مفعولة.. ووزن حجرات فعلات بضمّتين.

* البلاغة:

الكناية: في قوله تعالى «مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ» .

ففي ذكر الحجرات كناية عن خلوته عليه الصلاة والسلام بنسائه، لأنها معدة لها.

ولم يقل: حجرات نسائك، ولا حجراتك، توقيرا له ﷺ وتحاشيا عما يوحشه عليه الصلاة والسلام.

49:6–8Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن جَآءَكُمۡ فَاسِقُۢ بِنَبَإٖ فَتَبَيَّنُوٓاْ أَن تُصِيبُواْ قَوۡمَۢا بِجَهَٰلَةٖ فَتُصۡبِحُواْ عَلَىٰ مَا فَعَلۡتُمۡ نَٰدِمِينَ ٦

O you who have believed, if there comes to you a disobedient one with information, investigate, lest you harm a people out of ignorance and become, over what you have done, regretful.

وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ فِيكُمۡ رَسُولَ ٱللَّهِۚ لَوۡ يُطِيعُكُمۡ فِي كَثِيرٖ مِّنَ ٱلۡأَمۡرِ لَعَنِتُّمۡ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ حَبَّبَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡإِيمَٰنَ وَزَيَّنَهُۥ فِي قُلُوبِكُمۡ وَكَرَّهَ إِلَيۡكُمُ ٱلۡكُفۡرَ وَٱلۡفُسُوقَ وَٱلۡعِصۡيَانَۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلرَّٰشِدُونَ ٧

And know that among you is the Messenger of Allāh. If he were to obey you in much of the matter, you would be in difficulty, but Allāh has endeared to you the faith and has made it pleasing in your hearts and has made hateful to you disbelief, defiance and disobedience. Those are the [rightly] guided.

فَضۡلٗا مِّنَ ٱللَّهِ وَنِعۡمَةٗۚ وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٞ ٨

[It is] as bounty from Allāh and favor. And Allāh is Knowing and Wise.

* الإعراب:

(جاءكم) ماض في محلّ جزم فعل الشرط (بنبإ) متعلّق بحال من فاعل جاءكم (الفاء) رابطة لجواب الشرط (أن) حرف مصدريّ ونصب (بجهالة) متعلّق بحال من فاعل تصيبوا، و (الباء) للملابسة (تصبحوا) مضارع ناقص منصوب معطوف على (تصيبوا) بالفاء، (على ما) متعلّق بالخبر (نادمين) .

والمصدر المؤوّل (أن تصيبوا ... ) في محلّ نصب مفعول لأجله بحذف مضاف أي خشية أن تصيبوا.

وجملة: «النداء ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «جاءكم ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «تبيّنوا ... » في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.

وجملة: «تصيبوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .

وجملة: «تصبحوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة تصيبوا.

وجملة: «فعلتم ... » لا محلّ لها صلة الموصول (ما) الاسميّ أو الحرفيّ.

7- (الواو) عاطفة (أنّ) حرف مشبّه بالفعل- ناسخ- (فيكم) متعلّق بخبر أنّ (لو) حرف شرط غير جازم (في كثير) متعلّق ب (يطيع) ، (اللام) رابطة لجواب لو (الواو) عاطفة في المواضع الخمسة (لكنّ) حرف استدراك ونصب (إليكم) متعلّق ب (حبّب) (في قلوبكم) متعلّق ب (زيّنه) ، (إليكم) الثاني متعلّق ب (كرّه) ، (هم) ضمير فصل [[أو هو ضمير منفصل مبتدأ خبره الراشدون، والجملة خبر أولئك ...]] ..

والمصدر المؤوّل (أنّ فيكم رسول..) في محلّ نصب سدّ مسدّ مفعولي اعلموا..

وجملة: «اعلموا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «يطيعكم ... » لا محلّ لها استئناف بيانيّ.

وجملة: «عنتّم ... » لا محلّ لها جواب شرط غير جازم.

وجملة: «لكنّ الله حبّب ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة يطيعكم.

وجملة: «حبّب إليكم ... » في محلّ رفع خبر لكنّ.

وجملة: «زيّنه ... » في محلّ رفع معطوفة على جملة حبّب.

وجملة: «كرّه إليكم ... » في محلّ رفع معطوفة على جملة حبّب.

وجملة: «أولئك هم الراشدون» لا محلّ لها اعتراضيّة- أو استئناف بيانيّ 8- (فضلا) مفعول مطلق نائب عن المصدر فهو اسم مصدر أي تفضّل فضلا [[يجوز أن يكون مفعولا لأجله عامله حبّب.. أو عامله اسم الفاعل (الراشدون) .]] ، (من الله) متعلّق ب (فضلا) ..

وجملة: « (تفضّل) فضلا ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «الله عليم ... » لا محلّ لها معطوفة على التعليليّة- أو استئنافيّة

* الصرف:

(7) العصيان: الاسم من (عصى، يعصي) باب ضرب، وزنه فعلان بكسر الفاء وسكون العين وهو ترك الطاعة.. أو هو مصدر الفعل.

* البلاغة:

1- التنكير: في قوله تعالى «إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ» .

ففي تنكير الفاسق والنبأ: شياع في الفساق والأنباء، كأنه قال: أيّ فاسق جاءكم بأيّ نبأ، فتوقفوا فيه، وتطلبوا بيان الأمر وانكشاف الحقيقة، ولا تعتمدوا قول الناس لأنّ من لا يتحامى جنس الفسوق لا يتحامى الكذب الذي هو نوع فيه. وطبعا هذا الشياع والشمول لأن النكرة إذا وقعت في سياق الشرط تعم، كما إذا وقعت في سياق النفي.

2- التقديم: في قوله تعالى «أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ» .

حيث قدّم خبر أن على اسمها، وفائدة ذلك هو القصد إلى توبيخ بعض المؤمنين على ما استهجنه الله منهم من استتباع رأي رسول الله ﷺ لآرائهم، فوجب تقديمه لانصباب الغرض إليه.

3- التعبير بالمضارع: في قوله تعالى «لَوْ يُطِيعُكُمْ» .

حيث عبّر بالمضارع دون الماضي، فقال: يطيعكم. ولم يقل: أطاعكم. وذلك للدلالة على أنّه كان في إرادتهم استمرار عمله على ما يستصوبونه. وأنّه كلما عنّ لهم رأي في أمر كان معمولا عليه، بدليل قوله «في كثير من الأمر» كقولك:

فلان يقري الضيف ويحمي الحريم، تريد: أنه مما اعتاده ووجد منه مستمرّا.

4- الطباق: في قوله تعالى «حبّب» و «كرّه» .

هذا ضرب من الطباق، وقد ورد كثير منه في كتاب الله عز وجل.

الفوائد..

لا تتسرع وكن على بينة من الأمر. تدعونا هذه الآية إلى أن نتثبت من الأخبار، قبل أن نبني عليها أيّ تصرف، لأن التسرع كثيرا ما يؤدي إلى الندامة والخسران. نزلت هذه الآية في الوليد بن عقبة، بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق، بعد غزوهم ليأتي بالصدقات، وكان بينه وبينهم عداوة في الجاهلية، فلما سمع به القوم تلقّوه تعظيما لأمر رسول الله ﷺ ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، فهابهم ورجع، وذكر للنبي ﷺ أن بني المصطلق قد ارتدوا وخرجوا لقتاله، فبعث النبي ﷺ خالد بن الوليد، فوصل إليهم خالد، وكمن فسمع أذان المغرب والعشاء، ورآهم أهل طاعة وبرّ، فجمع منهم الزكاة، وسألهم عن أمر خروجهم للوليد فقالوا: خرجنا لاستقباله، فأنزل الله عز وجل هذه الآية.

49:9–10Page 516

وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٱقۡتَتَلُواْ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَاۖ فَإِنۢ بَغَتۡ إِحۡدَىٰهُمَا عَلَى ٱلۡأُخۡرَىٰ فَقَٰتِلُواْ ٱلَّتِي تَبۡغِي حَتَّىٰ تَفِيٓءَ إِلَىٰٓ أَمۡرِ ٱللَّهِۚ فَإِن فَآءَتۡ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَهُمَا بِٱلۡعَدۡلِ وَأَقۡسِطُوٓاْۖ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُقۡسِطِينَ ٩

And if two factions among the believers should fight, then make settlement between the two. But if one of them oppresses the other, then fight against the one that oppresses until it returns to the ordinance of Allāh. And if it returns, then make settlement between them in justice and act justly. Indeed, Allāh loves those who act justly.

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ إِخۡوَةٞ فَأَصۡلِحُواْ بَيۡنَ أَخَوَيۡكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٠

The believers are but brothers, so make settlement between your brothers. And fear Allāh that you may receive mercy.

* الإعراب:

(الواو) استئنافيّة (طائفتان) فاعل لفعل محذوف يفسّره ما بعده أي اقتتلت طائفتان.. (من المؤمنين) متعلّق بنعت ل (طائفتان) ، (الفاء) رابطة لجواب الشرط (بينهما) ظرف منصوب متعلّق ب (أصلحوا) ، (الفاء) عاطفة (بغت) ماض مبنيّ على الفتح المقدّر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين في محلّ جزم فعل الشرط (على الأخرى) متعلّق ب (بغت) ، (الفاء) رابطة لجواب الشرط (التي) موصول في محلّ نصب مفعول به، وهو نعت لمنعوت مقدّر أي الفئة التي.. (حتّى) حرف غاية وجرّ (تفيء) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتّى (إلى أمر) متعلّق ب (تفيء) ..

والمصدر المؤوّل (أن تفيء..) في محلّ جرّ ب (حتّى) متعلّق ب (قاتلوا) .

(الفاء) عاطفة (إن فاءت) مثل إن بغت (فأصلحوا بينهما) مثل الأولى (بالعدل) حال من فاعل أصلحوا.

جملة: « (اقتتلت) طائفتان ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «اقتتلوا ... » لا محلّ لها تفسيريّة.

وجملة: «أصلحوا ... » في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.

وجملة: «بغت إحداهما ... » لا محلّ لها معطوفة على الاستئنافيّة.

وجملة: «قاتلوا ... » في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.

وجملة: «تبغي ... » لا محلّ لها صلة الموصول (التي) .

وجملة: «تفيء ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) المضمر.

وجملة: «فاءت ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة بغت ...

وجملة: «أصلحوا (الثانية) ... » في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.

وجملة: «أقسطوا ... » في محلّ جزم معطوفة على جملة أصلحوا.

وجملة: «إنّ الله يحبّ ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «يحبّ ... » في محلّ رفع خبر إنّ.

10- (إنّما) كافّة ومكفوفة (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر (أصلحوا بين..)

مثل الأولى، و (الواو) في (ترحمون) نائب الفاعل.

وجملة: «المؤمنون إخوة ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «أصلحوا (الثالثة) ... » في محلّ جزم جواب شرط مقدّر أي إن اقتتلوا فأصلحوا ...

وجملة: «اتّقوا ... » معطوفة على جملة أصلحوا الأخيرة.

وجملة: «لعلّكم ترحمون» لا محلّ لها استئناف بيانيّ- أو تعليليّة- وجملة: «ترحمون» في محلّ رفع خبر لعلّ.

* الصرف:

(بغت) ، فيه إعلال بالحذف لمناسبة التقاء الساكنين لام الكلمة وتاء التأنيث.

* البلاغة:

1- التشبيه البليغ: في قوله تعالى «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ» حيث شبهوا بالأخوة من حيث انتسابهم إلى أصل واحد، وهو الإيمان الموجب للحياة الأبدية، ويجوز أن يكون هناك استعارة وتشبيه المشاركة في الإيمان، بالمشاركة في أصل التوالد، لأن كلا منهما أصل للبقاء، إذ التوالد منشأ الحياة، والإيمان منشأ البقاء الأبدي في الجنان.

2- التخصيص: في قوله تعالى «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» .

حيث خص الاثنان بالذكر دون الجمع، لأن أقل من يقع بينهم الشقاق اثنان، فإذا لزمت المصالحة بين الأقل كانت بين الأكثر ألزم، لأن الفساد في شقاق الجمع أكثر منه في شقاق الاثنين.

3- وضع الظاهر موضع المضمر: في قوله تعالى «فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ» .

حيث وضع الظاهر موضع الضمير مضافا للمأمورين، للمبالغة في تأكيد وجوب الإصلاح والتخصيص عليه.

* الفوائد:

- حكم قتال البغاة..

قال العلماء: في هاتين الآيتين دليل على أن البغي لا يزيل اسم الإيمان، لأن الله تعالى سماهم إخوة مؤمنين، مع كونهم باغين. ويدل عليه ما روي عن علي رضي الله عنه، وهو القدوة في قتال أهل البغي، وقد سئل عن أهل الجمل، أمشركون هم؟ فقال لا إنهم من الشرك فرّوا. فقيل: أمنافقون هم؟ فقال: لا إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا. قيل: فما حالهم؟ قال: إخوتنا بغوا علينا، والباغي في الشرع هو الخارج على الإمام العدل فإذا اجتمعت طائفة لهم قوة ومنعة، فامتنعوا عن طاعة الإمام العدل، ونصبوا لهم إماما، فالحكم فيهم، أن يبعث لهم الإمام، ويدعوهم إلى طاعته، فإن أظهروا مظلمة أزالها عنهم، وإن لم يذكروا مظلمة وأصروا على البغي، قاتلهم الإمام حتّى يفيئوا إلى طاعته. ثم الحكم في قتالهم: أن «لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفف (أي يجهز) على جريحهم» كما نادى بذلك منادي عليّ يوم الجمل. وما أتلفت إحدى الطائفتين على الأخرى، في حال القتال، من نفس ومال، فلا ضمان عليها. أما من لم تجتمع له هذه الشروط الثلاثة، بأن كانوا جماعة قليلين لا منعة لهم، أو لم يكن لهم تأويل، أو لم ينصبوا إماما، فلا يتعرض لهم إذا لم ينصبوا قتالا ولم يتعرضوا للمسلمين، فإن فعلوا ذلك (أي نصبوا قتالا وتعرضوا للمسلمين) فهم كقطاع الطريق في الحكم.

49:11Page 516

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَسۡخَرۡ قَوۡمٞ مِّن قَوۡمٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُونُواْ خَيۡرٗا مِّنۡهُمۡ وَلَا نِسَآءٞ مِّن نِّسَآءٍ عَسَىٰٓ أَن يَكُنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهُنَّۖ وَلَا تَلۡمِزُوٓاْ أَنفُسَكُمۡ وَلَا تَنَابَزُواْ بِٱلۡأَلۡقَٰبِۖ بِئۡسَ ٱلِٱسۡمُ ٱلۡفُسُوقُ بَعۡدَ ٱلۡإِيمَٰنِۚ وَمَن لَّمۡ يَتُبۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ١١

O you who have believed, let not a people ridicule [another] people; perhaps they may be better than them; nor let women ridicule [other] women; perhaps they may be better than them. And do not insult one another and do not call each other by [offensive] nicknames. Wretched is the name [i.e., mention] of disobedience after [one's] faith. And whoever does not repent - then it is those who are the wrongdoers.

* الإعراب:

(لا) ناهية جازمة (من قوم) متعلّق ب (يسخر) ، (عسى) فعل ماض تامّ (أن) حرف مصدريّ ونصب (منهم) متعلّق ب (خيرا) .

والمصدر المؤوّل (أن يكونوا..) في محلّ رفع فاعل عسى (الواو) عاطفة (لا) مثل الأولى (نساء) فاعل لفعل محذوف يفسره ما قبله أي: لا يسخر نساء.. (من نساء) متعلّق بالفعل المقدّر، (عسى أن يكنّ خيرا منهنّ) مثل عسى أن يكونوا خيرا منهم، و (يكنّ) مضارع ناقص مبنيّ على السكون في محلّ نصب..

والمصدر المؤوّل (أن يكنّ..) في محلّ رفع فاعل عسى الثاني.

(الواو) عاطفة في المواضع الثلاثة (لا) ناهية جازمة في الموضعين (بالألقاب) متعلّق ب (تنابزوا) ، (الفسوق) خبر لمبتدأ محذوف وجوبا تقديره هو- وهو المخصوص بالذمّ [[أو مبتدأ مؤخّر خبره جملة الذمّ المتقدّمة ... وأجاز المحلّي أن يكون بدلا من الاسم، والمخصوص بالذمّ محذوف.]] -، (بعد) ظرف منصوب متعلّق ب (الفسوق) ، (من) اسم شرط جازم مبتدأ (لم) للنفي فقط (يتب) مجزوم فعل الشرط (الفاء) رابطة لجواب الشرط (هم) ضمير فصل [[أو ضمير منفصل مبتدأ خبره الظالمون، والجملة خبر المبتدأ (أولئك) .]] .

جملة: «النداء ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «لا يسخر قوم ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «عسى أن يكونوا ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «يكونوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .

وجملة: « (لا يسخر) نساء ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «عسى أن يكنّ ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «يكنّ ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .

وجملة: «لا تلمزوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «لا تنابزوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «بئس الاسم ... » لا محلّ لها اعتراضيّة.

وجملة: « (هو) الفسوق ... » في محلّ نصب حال من الاسم.

وجملة: «من لم يتب ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «لم يتب ... » في محلّ رفع خبر المبتدأ (من) [[يجوز أن يكون الخبر جملتي الشرط والجواب معا.]] .

وجملة: «أولئك هم الظالمون» في محلّ جزم جواب الشرط مقترنة بالفاء.

* الصرف:

(يكنّ) ، فيه إعلال بالحذف لمناسبة البناء على السكون بدخول نون النسوة، أصله يكونن- بنون ساكنة بعدها نون مفتوحة- اجتمع ساكنان فحذفت الواو فأصبح يكنّ- بعد إدغام النونين- وزنه يفلن.

(تنابزوا) ، حذف منه إحدى التاءين أصله تتنابزوا.

(الألقاب) ، جمع لقب، اسم لما يسمّى به المرء- غير اسمه الأول- مشعرا برفعة أو ضعة، وزنه فعل بفتحتين ووزن ألقاب أفعال.

* البلاغة:

سر الجمع: في قوله تعالى «لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ» حيث لم يقل: رجل من رجل: ولا امرأة من امرأة، على التوحيد، إعلاما بإقدام غير واحد من رجالهم، وغير واحدة من نسائهم، على السخرية، واستفظاعا للشأن الذي كانوا عليه، لأن مشهد الساخر لا يكاد يخلو ممن يتلهي ويستضحك على قوله، ولا يأتي ما عليه من النهي والإنكار، فيكون شريك الساخر وتلوه في تحمل الوزر، وكذلك كلّ من يطرق سمعه فيستطيبه ويضحك به، فيؤدي ذلك- وإن أوجده واحد- إلى تكثر السخرة وانقلاب الواحد جماعة وقوما.

التنكير: في قوله تعالى «لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ ... وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ» .

حيث نكّر القوم والنساء، لأن كلّ جماعة منهية، على التفصيل في الجماعات، والتعرض بالنهي لكلّ جماعة على الخصوص، ومع التعريف تحصيل النهي، لكن لا على التفصيل بل على الشمول، والنهي على التفصيل أبلغ وأوقع.

* الفوائد:

- مكارم الأخلاق..

هذه الآية نزلت في ثلاثة أسباب..

1- قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسى أَنْ يَكُونُوا خَيْراً مِنْهُمْ قال ابن عباس: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس، ذلك أنه كان في أذنه وقر، فكان إذا أتى رسول الله ﷺ وقد سبقوه بالمجلس، أو سعوا له حتّى يجلس إلى جنبه فيسمع ما يقول، فأقبل ذات يوم، وقد فاتته ركعة من صلاة الفجر، فلما انصرف النبي ﷺ فلم يجد مجلسا، قام قائما كما هو، فلما فرغ ثابت من الصلاة أقبل نحو رسول الله ﷺ يتخطى رقاب الناس، ثم يقول: تفسحوا، فجعلوا يتفسحون له، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ ، وبينه وبينه رجل، فقال: تفسح فقال له الرجل: أصبت مجلسا فاجلس، فجلس ثابت خلفه مغضبا، فلما انجلت الظلمة غمز ثابت الرجل فقال: من هذا. قال: أنا فلان، قال له ثابت: ابن فلانة، وذكر أما له كان يعير بها في الجاهلية، فنكس الرجل رأسه واستحيا، فأنزل الله هذه الآية.

وقال الضحاك: نزلت في وفد بني تميم، كانوا يستهزئون بأصحاب رسول الله ﷺ من الفقراء.

2- السبب الثاني قوله تعالى: وَلا نِساءٌ مِنْ نِساءٍ عَسى أَنْ يَكُنَّ خَيْراً مِنْهُنَّ روي عن أنس أنها نزلت في نساء رسول الله ﷺ عيرن أم سلمة بالقصر. وعن ابن عباس أنها نزلت في صفية بنت حيي، قال لها بعض نساء النبي ﷺ : يهودية بنت يهوديين.

3- والسبب الثالث قوله تعالى وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ

عن أبى جبيرة بن الضحاك هو أخو ثابت بن الضحاك الأنصاري قال: فينا نزلت هذه الآية، في بني سلمة، قدم علينا رسول الله ﷺ وليس منا رجل إلا وله اسمان أو ثلاثة، فجعل رسول الله ﷺ يقول يا فلان فيقولون: مه يا رسول الله يغضب من هذا الاسم، فأنزل الله هذه الآية

، وقال بعض العلماء: المراد بهذه الألقاب ما يكرهه المنادي، أو يفيد ذما له، فأما الألقاب التي صارت كالأعلام لأصحابها، كالأعمش والأعرج وما أشبه ذلك، فلا بأس بها إذا لم يكرهها المدعو بها، وأما الألقاب التي تكسب حمدا ومدحا، وتكون حقا وصدقا، فلا تكره. فمدار الأمر ذم المرء والنيل منه، فإن كان اللقب يفيد ذلك فهو حرام، وإلا فلا.

49:12Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱجۡتَنِبُواْ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلظَّنِّ إِنَّ بَعۡضَ ٱلظَّنِّ إِثۡمٞۖ وَلَا تَجَسَّسُواْ وَلَا يَغۡتَب بَّعۡضُكُم بَعۡضًاۚ أَيُحِبُّ أَحَدُكُمۡ أَن يَأۡكُلَ لَحۡمَ أَخِيهِ مَيۡتٗا فَكَرِهۡتُمُوهُۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَۚ إِنَّ ٱللَّهَ تَوَّابٞ رَّحِيمٞ ١٢

O you who have believed, avoid much [negative] assumption. Indeed, some assumption is sin. And do not spy or backbite each other. Would one of you like to eat the flesh of his brother when dead? You would detest it. And fear Allāh; indeed, Allāh is Accepting of Repentance and Merciful.

* الإعراب:

(يأيّها الذين آمنوا) مرّ إعرابها مفردات وجملا [[في الآية (1) من هذه السورة.]] ، (من الظنّ) متعلّق بنعت ل (كثيرا) ، (الواو) عاطفة (لا) ناهية جازمة في الموضعين (تجسّسوا) مضارع مجزوم محذوف منه إحدى التاءين (الهمزة) للاستفهام الإنكاريّ (أن) حرف مصدريّ ونصب (ميتا) حال من أخيه منصوب (الفاء) رابطة لجواب شرط مقدّر، و (الواو) في (كرهتموه) زائدة إشباع حركة الميم..

جملة: «اجتنبوا ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «إنّ بعض الظنّ إثم ... » لا محلّ لها تعليليّة.

وجملة: «لا تجسّسوا» لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «لا يغتب بعضكم ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة جواب النداء.

وجملة: «يحبّ أحدكم ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «يأكل ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) .

والمصدر المؤوّل (أن يأكل..) في محلّ نصب مفعول به.

وجملة: «كرهتموه ... » في محلّ رفع خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا..

والجملة الاسميّة جواب شرط مقدّر أي إن لم تحبّوا ذلك فهذا كرهتموه.

وجملة: «اتّقوا الله ... » لا محلّ لها معطوفة على استئناف مقدّر أي فاكرهوا الظنّ والتجسّس والغيبة واتّقوا الله.

وجملة: «إنّ الله توّاب ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

* البلاغة:

1- التنكير: في قوله تعالى «كَثِيراً» .

حيث أن مجيئه نكره يفيد معنى البعضية، وإن في الظنون ما يجب أن يجتنب من تبيين لذلك ولا تعيين، لئلا يجترئ أحد على ظنّ إلا بعد نظر وتأمّل، وتمييز بين حقه وباطله، بأمارة بينة، مع استشعار للتقوى والحذر ولو عرّف لكان الأمر باجتناب الظنّ منوطا بما يكثر منه دون ما يقل. ووجب أن يكون كل ظنّ متصف بالكثرة مجتنبا، وما اتصف منه بالقلة مرخصا في تظننه.

2- الاستعارة التمثيلية: في قوله تعالى «أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ» .

في هذه الآية الكريمة تمثيل وتصوير لما يناله المغتاب من عرض المغتاب على أفظع وجه وأفحشه.

وفيه مبالغات شتى، منها الاستفهام الذي معناه التقرير، ومنها جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبة، ومنها إسناد الفعل إلى أحدكم والإشعار بأن أحدا من الأحدين لا يحب ذلك، ومنها أنه لم يقتصر على تمثيل الاغتياب بأكل لحم الإنسان، حتى جعل الإنسان أخا، ومنها أنه لم يقتصر على أكل لحم الأخ حتى جعل ميتا.

* الفوائد:

- تحريم الغيبة..

دلت هذه الآية على تحريم الغيبة،

فقد ورد عن أبي هريرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : أتدرون ما الغيبة. قلت: الله ورسوله أعلم. قال:

ذكرك أخاك بما يكره. قلت: وإن كان في أخي ما أقول. قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه ما تقول فقد بهته.

عن عائشة رضي الله عنها قالت: قلت للنبي ﷺ حسبك من صفية كذا وكذا، قال بعض الرواة: تعني قصيرة، فقال: لقد قلت كلمة لو مزجت بماء البحر لمزجته. عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله ﷺ : لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم ولحومهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم.

وقد نزلت هذه الآية في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أن رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر ضم الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين، يخدمهما ويأكل معهما. فكان سلمان مع رجلين يخدمهما، فغلبته عيناه، فلم يهيئ لهما طعاما، قالا: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاطلب لنا منه طعاما، فجاء سلمان، فسأل رسول الله ﷺ فأمر أسامة أن يلتمس له طعاما، فلم يجد، فرجع إليهما، فقالا: بخل أسامة، فبعثاه إلى طائفة من الصحابة، فلم يجد شيئا، فلما رجع قالا: لو بعثناه الى بئر سميحة لغار ماؤها. ثم انطلقا يتجسسان هل عند أسامة طعام أم لا، فلما جاء إلى رسول الله ﷺ قال لهما: مالي أرى خضرة اللحم في أفواهكما؟ قالا: يا رسول الله ما تناولنا يومنا هذا لحما، قال: ظللتما تأكلان من لحم سلمان وأسامة، فنزلت هذه الآية.

49:13Page 517

يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّا خَلَقۡنَٰكُم مِّن ذَكَرٖ وَأُنثَىٰ وَجَعَلۡنَٰكُمۡ شُعُوبٗا وَقَبَآئِلَ لِتَعَارَفُوٓاْۚ إِنَّ أَكۡرَمَكُمۡ عِندَ ٱللَّهِ أَتۡقَىٰكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٞ ١٣

O mankind, indeed We have created you from male and female and made you peoples and tribes that you may know one another. Indeed, the most noble of you in the sight of Allāh is the most righteous1 of you. Indeed, Allāh is Knowing and Aware.

* الإعراب:

(يأيّها الناس) مثل يأيّها الذين.. [[في الآية (1) من هذه السورة.]] ، والمتابعة هنا لفظيّة (من ذكر) متعلّق ب (خلقناكم) ، (شعوبا) مفعول به ثان منصوب (اللام) للتعليل- أو لام العاقبة- (تعارفوا) مضارع منصوب بأن مضمرة بعد اللام، وحذف منه إحدى التاءين..

والمصدر المؤوّل (أن تعارفوا..) في محلّ جرّ باللام متعلّق ب (جعلناكم) .

(عند) ظرف منصوب متعلّق ب (أكرمكم) ..

جملة: «النداء ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «إنّا خلقناكم ... » لا محلّ لها جواب النداء.

وجملة: «خلقناكم ... » في محلّ رفع خبر إنّ.

وجملة: «جعلناكم ... » في محلّ رفع معطوفة على جملة خلقناكم.

وجملة: «تعارفوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول الحرفيّ (أن) المضمر.

وجملة: «إنّ أكرمكم ... أتقاكم» لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «إنّ الله عليم ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

* الصرف:

(شعوبا) ، جمع شعب، اسم جمع لمجموع الناس، قيل سمّي بذلك لتشعّب القبائل منه، وزنه فعل بفتح فسكون، ووزن شعوب فعول بضمّ الفاء.

(قبائل) ، جمع قبيلة زنة فعيلة، اسم جمع لا مفرد له من لفظه، وهم بنو أب واحد.

(أكرمكم) ، اسم تفضيل من الثلاثيّ كرم، وزنه أفعل.

(أتقاكم) ، اسم تفضيل من الثلاثيّ وقى، وزنه أفعل وفيه إبدال الواو تاء جريا على الإبدال في الخماسيّ.. ثمّ بقي القلب، والأصل أوقى. أو هو من الثلاثيّ تقى يتقي باب ضرب تقى- بضمّ التاء- وتقاء- بكسرها- وتقية.. بمعنى اتّقى، فالإبدال حاصل من الأصل بدءا من الثلاثيّ أو لا إبدال أصلا، انظر مزيد شرح وتفصيل في الآية (13) من سورة مريم في كلمة (تقيّ) .

49:14–15Page 517

۞ قَالَتِ ٱلۡأَعۡرَابُ ءَامَنَّاۖ قُل لَّمۡ تُؤۡمِنُواْ وَلَٰكِن قُولُوٓاْ أَسۡلَمۡنَا وَلَمَّا يَدۡخُلِ ٱلۡإِيمَٰنُ فِي قُلُوبِكُمۡۖ وَإِن تُطِيعُواْ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ لَا يَلِتۡكُم مِّنۡ أَعۡمَٰلِكُمۡ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٤

The bedouins say, "We have believed." Say, "You have not [yet] believed; but say [instead], 'We have submitted,' for faith has not yet entered your hearts. And if you obey Allāh and His Messenger, He will not deprive you from your deeds1 of anything. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful."

إِنَّمَا ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ بِٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ ثُمَّ لَمۡ يَرۡتَابُواْ وَجَٰهَدُواْ بِأَمۡوَٰلِهِمۡ وَأَنفُسِهِمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلصَّٰدِقُونَ ١٥

The believers are only the ones who have believed in Allāh and His Messenger and then doubt not but strive with their properties and their lives in the cause of Allāh. It is those who are the truthful.

* الإعراب:

(الواو) عاطفة (لكن) للاستدراك لا عمل له (الواو) حاليّة (يدخل) مضارع مجزوم ب (لمّا) ، وحرّك بالكسر لالتقاء الساكنين (في قلوبكم) متعلّق ب (يدخل) ، (الواو) عاطفة- أو استئنافيّة- (لا) نافية (يلتكم) مضارع مجزوم جواب الشرط (من أعمالكم) متعلّق ب (يلتكم) ، (شيئا) مفعول به ثان منصوب..

جملة: «قالت الأعراب ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «آمنا ... » في محلّ نصب مقول القول.

وجملة: «قل ... » لا محلّ لها استئنافيّة.

وجملة: «لم تؤمنوا ... » في محلّ نصب مقول القول.

وجملة: «قولوا ... » في محلّ نصب معطوفة على جملة لم تؤمنو [[في الكلام حذف، والأصل: لم تؤمنوا فلا تقولوا آمنا ولكن أسلمتم فقولوا أسلمنا ...

وهذا يسمّي في علم البديع الاحتباك.]] .

وجملة: «أسلمنا ... » في محلّ نصب مقول القول.

وجملة: «لمّا يدخل الإيمان ... » في محلّ نصب حال.

وجملة: «تطيعوا ... » في محلّ نصب معطوفة على جملة لم تؤمنوا [[وإذا لم تكن الجملة من الكلام الملقّن للنبيّ عليه السلام فهي استئنافيّة.]] .

وجملة: «لا يلتكم ... » لا محلّ لها جواب الشرط غير مقترنة بالفاء.

وجملة: «إنّ الله غفور ... » لا محلّ لها تعليليّة.

15- (إنّما) كافّة ومكفوفة (الذين) موصول في محلّ رفع خبر المبتدأ (المؤمنون) ، (بالله) متعلّق ب (آمنوا) ، (بأموالهم) متعلّق ب (جاهدوا) ، (في سبيل) متعلّق ب (جاهدوا) ، (هم) ضمير فصل [[أو ضمير منفصل مبتدأ خبره الصادقون، والجملة الاسميّة خبر المبتدأ (أولئك) .]] .

وجملة: «المؤمنون الذين ... » لا محلّ لها استئناف بياني.

وجملة: «آمنوا ... » لا محلّ لها صلة الموصول (الذين) .

وجملة: «لم يرتابوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.

وجملة: «جاهدوا ... » لا محلّ لها معطوفة على جملة الصلة.

وجملة: «أولئك ... الصادقون» لا محلّ لها استئناف مقرّر لمضمون ما سبق.

* الصرف:

(يلتكم) ، فيه إعلال بالحذف لمناسبة الجزم، فهو مضارع المعتلّ المثال، ولته بمعنى نقصه، وزنه يعلكم بفتح فكسر فسكون.

* البلاغة:

فن الاستدراك: في قوله تعالى «قالَتِ الْأَعْرابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنا» حيث استغنى بالجملة التي هي لم «تؤمنوا» عن أن يقال: لا تقولوا آمنا، لاستهجان أن يخاطبوا بلفظ مؤدّاه النهي عن القول بالإيمان، ثم وصلت بها الجملة المصدّرة بكلمة الاستدراك محمولة على المعنى، ولم يقل: ولكن أسلمتم، ليكون خارجا مخرج الزعم والدعوى، كما كان قولهم «آمنا» كذلك، ولو قيل: ولكن أسلمتم، لكان خروجه في معرض التسليم لهم والاعتداد بقولهم وهو غير معتدّ به.

* الفوائد:

- (لما) النافية الجازمة..

وهي تختص بالمضارع، فتجزمه وتنفيه وتقلبه ماضيا، كلم، إلا أنها تفارقها في خمسة أمور:

1- أنها لا تقترن بأداة شرط فلا يقال: إن لما تقم، وفي التنزيل (وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ) (وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا) .

2- إن منفيّها مستمر النفي إلى الحال كقول الممزق العبدي: فإن كنت مأكولا فكن خير آكل ... وإلا فأدركني ولما أمزّق

ومنفي لم يحتمل الاتصال نحو قوله وَلَمْ أَكُنْ بِدُعائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. ولهذا جاز أن تقول: لم يكن ثم كان، ولم يجز لما يكن ثم كان، بل تقول: لما يكن وقد يكون.

3- أن منفي لما لا يكون إلا قريبا من الحال، ولا يشترط ذلك في منفي لم.

تقول: لم يكن زيد في العام الماضي مقيما.

4- أن منفي لما متوقع ثبوته، بخلاف منفي لم، ألا ترى أن معنى (بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذابِ) أنهم لم يذوقوه إلى الآن، وأن ذوقهم له متوقع قال الزمخشري، في قوله تعالى وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ: لما كان في معنى (لما) التوقع دلّ على أن هؤلاء قد آمنوا فيما بعد، ولهذا أجازوا «لم يقض ما لا يكون» ومنعوه في (لما) وهذا الفرق بالنسبة إلى المستقبل، فأما بالنسبة إلى الماضي فهما سيان في نفي المتوقع وغيره، ومثال المتوقع أن تقول: مالي قمت ولم تقم، أو ولما تقم. ومثال غير المتوقع أن تقول ابتداء: لم تقم، أو لما تقم.

5- أن منفي (لما) جائز الحذف كقول ذي الرمة:

فجئت قبورهم بدءا ولما ... فناديت القبور فلم يجبنه

أي ولما أكن بدءا قبل ذلك، أي سيدا. ولا يجوز «وصلت إلى بغداد ولم تريد ولم أدخلها.

وعلة هذه الأحكام كلها أن لم لنفي (فعل) ولما لنفي قد فعل.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском