Al-Biqa'iAl‑Fatihah · 1:1–6

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

الفاتحة

Al-Fatihah

The Opener · Meccan · 7 ayahs

1:1Page 1

بِسۡمِ ٱللَّهِ ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ١

In the name of Allāh,1 the Entirely Merciful, the Especially Merciful.2

* *

(p-١٧)

سُورَةُ الفاتِحَةِ

بِسْمِ اللَّهِ القَيُّومِ الشَّهِيدِ الَّذِي لا يَعْزُبُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ، ولا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِإذْنِهِ؛ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الَّذِي عَمَّتْ رَحْمَتُهُ المَوْجُوداتِ، وطُبِعَ في مَرائِي القُلُوبِ عَظْمَتُهُ فَتَعالَتْ تِلْكَ السُّبُحاتُ، وأُجْرِيَ عَلى الألْسِنَةِ ذِكْرُهُ في العِباداتِ والعاداتِ؛ الرَّحِيمِ الَّذِي تَمَّتْ نِعْمَتُهُ بِتَخْصِيصِ أهْلِ وِلايَتِهِ بِأرْضى العِباداتِ.

قالَ شَيْخُنا الإمامُ المُحَقِّقُ أبُو الفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ ابْنِ العَلّامَةِ القُدْوَةِ أبِي القاسِمِ مُحَمَّدٍ المِشْدالِيُّ المَغْرِبِيُّ (p-١٨)البَجائِيُّ المالِكِيُّ عَلّامَةُ الزَّمانِ سَقى اللَّهُ عَهَدَهُ سَحائِبَ الرِّضْوانِ، وأسْكَنَهُ أعْلى الجِنانِ: الأمْرُ الكُلِّيُّ المُفِيدُ لِعِرْفانِ مُناسَباتِ الآياتِ في جَمِيعِ القُرْآنِ هو أنَّكَ تَنْظُرُ الغَرَضَ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ السُّورَةُ، وتَنْظُرُ ما يَحْتاجُ إلَيْهِ ذَلِكَ الغَرَضُ مِنَ المُقَدِّماتِ [ وتَنْظُرُ إلى مَراتِبِ تِلْكَ المُقَدِّماتِ ] في القُرْبِ والبُعْدِ مِنَ المَطْلُوبِ، وتَنْظُرُ عِنْدَ انْجِرارِ الكَلامِ في المُقَدِّماتِ إلى ما يَسْتَتْبِعُهُ مِنِ اسْتِشْرافِ نَفْسِ السّامِعِ إلى الأحْكامِ واللَّوازِمِ التّابِعَةِ لَهُ الَّتِي تَقْتَضِي البَلاغَةُ شِفاءَ العَلِيلِ بِدَفْعِ عَناءِ الِاسْتِشْرافِ إلى الوُقُوفِ عَلَيْها؛ فَهَذا هو الأمْرُ الكُلِّيُّ المُهَيْمِنُ عَلى حُكْمِ الرَّبْطِ بَيْنَ جَمِيعِ أجْزاءِ القُرْآنِ، وإذا فَعَلْتَهُ تَبَيَّنَ لَكَ إنْ شاءَ اللَّهُ وجْهُ النَّظْمِ مُفَصَّلًا بَيْنَ كُلِّ آيَةٍ وآيَةٍ في كُلِّ سُورَةٍ سُورَةٍ واللَّهُ الهادِي. انْتَهى. وقَدْ ظَهَرَ لِي بِاسْتِعْمالِي لِهَذِهِ القاعِدَةِ بَعْدَ وُصُولِي إلى سُورَةِ سَبَأٍ في السَّنَةِ العاشِرَةِ مِنِ ابْتِدائِي في عَمَلِ هَذا الكِتابِ أنَّ اسْمَ كُلِّ سُورَةٍ مُتَرْجِمٌ عَنْ مَقْصُودِها (p-١٩)لِأنَّ اسْمَ كُلِّ شَيْءٍ تُظْهِرُ المُناسَبَةَ بَيْنَهُ وبَيْنَ مُسَمّاهُ عُنْوانُهُ الدّالُّ إجْمالًا عَلى تَفْصِيلِ ما فِيهِ، وذَلِكَ هو الَّذِي أنْبَأ بِهِ آدَمُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ عِنْدَ العَرْضِ عَلى المَلائِكَةِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ومَقْصُودُ كُلِّ سُورَةٍ هادٍ إلى تَناسُبِها؛ فَأذْكُرُ قُصُودَ السُّورَةِ، وأُطَبِّقُ بَيْنَهُ وبَيْنَ اسْمِها، وأُفَسِّرُ كُلَّ بَسْمَلَةٍ بِما يُوافِقُ مَقْصُودَ السُّورَةِ، ولا أخْرُجُ عَنْ مَعانِي كَلِماتِها؛ فالفاتِحَةُ اسْمُها ”أُمُّ الكِتابِ“ و”الأساسُ“ و”المَثانِي“ و”الكَنْزُ“ [ و”الشّافِيَةُ“ ] و”الكافِيَةُ“ و”الوافِيَةُ“ [ و”الواقِيَةُ“ ] و”الرُّقْيَةُ“ و”الحَمْدُ“ و”الشُّكْرُ“ و”الدُّعاءُ“ و”الصَّلاةُ“، فَمَدارُ هَذِهِ الأسْماءِ كَما تَرى عَلى أمْرٍ خَفِيٍّ كافٍ لِكُلِّ مُرادٍ وهو المُراقَبَةُ الَّتِي (p-٢٠)سَأقُولُ إنَّها مَقْصُودُها فَكُلُّ شَيْءٍ لا يُفْتَتَحُ بِها لا اعْتِدادَ بِهِ، وهي أُمُّ كُلِّ خَيْرٍ، وأساسُ كُلِّ مَعْرُوفٍ، ولا يُعْتَدُّ بِها إلّا إذا ثُنِّيَتْ فَكانَتْ دائِمَةَ التَّكْرارِ، وهي كَنْزٌ لِكُلِّ شَيْءٍ، شافِيَةٌ لِكُلِّ داءٍ، كافِيَةٌ لِكُلِّ هَمٍّ، وافِيَةٌ بِكُلِّ مَرامٍ، واقِيَةٌ مِن كُلِّ سُوءٍ، رُقْيَةٌ لِكُلِّ مُلِمٍّ، وهي إثْباتٌ لِلْحَمْدِ الَّذِي هو الإحاطَةُ بِصِفاتِ الكَمالِ، ولِلشُّكْرِ الَّذِي هو تَعْظِيمُ المُنْعِمِ، وهي عَيْنُ الدُّعاءِ فَإنَّهُ التَّوَجُّهُ إلى المَدْعُوِّ، وأعْظَمُ مَجامِعِها الصَّلاةُ.

إذا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فالغَرَضُ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ الفاتِحَةُ وهو إثْباتُ (p-٢١)اسْتِحْقاقِ اللَّهِ تَعالى لِجَمِيعِ المَحامِدِ وصِفاتِ الكَمالِ، واخْتِصاصِهِ بِمُلْكِ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وبِاسْتِحْقاقِ العِبادَةِ والِاسْتِعانَةِ، بِالسُّؤالِ في المَنِّ بِإلْزامِ صِراطِ الفائِزِينَ والإنْقاذِ مِن طَرِيقِ الهالِكِينَ مُخْتَصًّا بِذَلِكَ كُلِّهِ، ومَدارُ ذَلِكَ كُلِّهِ مُراقَبَةُ العِبادِ لِرَبِّهِمْ، لِإفْرادِهِ بِالعِبادَةِ، فَهو مَقْصُودُ الفاتِحَةِ بِالذّاتِ وغَيْرُهُ وسائِلُ إلَيْهِ، فَإنَّهُ لا بُدَّ في ذَلِكَ مِن إثْباتِ إحاطَتِهِ تَعالى بِكُلِّ شَيْءٍ ولَنْ يَثْبُتَ حَتّى يُعْلَمَ أنَّهُ المُخْتَصُّ بِأنَّهُ الخالِقُ المَلِكُ المالِكُ، لِأنَّ المَقْصُودَ مِن إرْسالِ الرُّسُلِ وإنْزالِ الكُتُبِ نَصْبُ الشَّرائِعِ، والمَقْصُودَ مِن نَصْبِ الشَّرائِعِ جَمْعُ الخَلْقِ عَلى الحَقِّ، والمَقْصُودَ مَن جَمْعِهِمْ تَعْرِيفُهُمُ المَلِكَ وبِما يُرْضِيهِ، وهو مَقْصُودُ القُرْآنِ الَّذِي انْتَظَمَتْهُ (p-٢٢)الفاتِحَةُ بِالقَصْدِ الأوَّلِ، ولَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلّا بِما ذُكِرَ عِلْمًا وعَمَلًا.

* *

ولَمّا كانَ المَقْصُودُ مِن جَمْعِهِمْ عَلى اللَّهِ تَعالى مَعْرِفَتَهُ لِأجْلِ عِباداتِهِ وكانَ التِزامُ اسْمِهِ تَعالى في كُلِّ حَرَكَةٍ وسُكُونٍ قائِدًا إلى مُراقَبَتِهِ وداعِيًا إلى مَخافَتِهِ واعْتِقادِ أنَّ مَصادِرَ الأُمُورِ ومَوارِدَها مِنهُ وإلَيْهِ شُرِعَتِ التَّسْمِيَةُ أوَّلَ كُلِّ شَيْءٍ فَصُدِّرَتْ بِها الفاتِحَةُ. وقُدِّمَ التَّعَوُّذُ الَّذِي هو مِن [ دَرْءِ ] المَفاسِدِ تَعْظِيمًا لِلْقُرْآنِ بِالإشارَةِ إلى أنْ يَتَعَيَّنَ لِتالِيهِ أنْ يَجْتَهِدَ في تَصْفِيَةِ سِرِّهِ وجَمْعِ مُتَفَرِّقِ أمْرِهِ، لِيَنالَ سُؤْلَهُ ومُرادَهُ مِمّا أُودِعَهُ مِن خَزائِنِ السَّعادَةِ بِإعْراضِهِ عَنِ العَدُوِّ الحَسُودِ وإقْبالِهِ عَلى الوَلِيِّ الوَدُودِ؛ ومِن هُنا تُعْرَفُ مُناسَبَةُ المُعَوِّذَتَيْنِ بِالفاتِحَةِ. ولَمّا افْتُتِحَ التَّعَوُّذُ (p-٢٣)بِالهَمْزَةِ إشارَةً إلى ابْتِداءِ الخَلْقِ وخُتِمَ بِالمِيمِ إيماءً إلى المَعادِ جُعِلَتِ البَسْمَلَةُ كُلُّها لِلْمَعادِ لِابْتِدائِها بِحَرْفٍ شَفْوِيٍّ، وخِتامُ أوَّلِ كَلِماتِها وآخِرِها بِآخَرَ إشارَةً إلى أنَّ الرُّجُوعَ إلَيْهِ في الدُّنْيا مَعْنِيٌّ بِتَدْبِيرِ الأُمُورِ وإنْ كانَ أكْثَرُ الخَلْقِ غافِلًا عَنْهُ، وفي البَرْزَخِ حِسًّا بِالمَوْتِ، وفي الآخِرَةِ كَذَلِكَ بِالبَعْثِ؛ كَما أشارَ إلى ذَلِكَ تَكْرِيرُ المِيمِ المُخْتَتَمِ [ بِها ] في اسْمِها بِذِكْرِها فِيهِ مَرَّتَيْنِ إشارَةً إلى المَعادَيْنِ الحِسِّيَّيْنِ واللَّهُ أعْلَمُ؛ والمُرادُ بِالِاسْمِ الصِّفاتُ العُلْيا. وقالَ الأُسْتاذُ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ في تَفْسِيرِهِ في (p-٢٤)غَرِيبِ ألْفاظِ البَسْمَلَةِ: الباءُ مَعْناها أظْهَرَهُ اللَّهُ سُبْحانَهُ مِن حِكْمَةِ التَّسْبِيبِ؛ ”الِاسْمُ“ ظُهُورُ ما غابَ أوْ غَمُضَ لِلْقُلُوبِ بِواسِطَةِ الآذانِ عَلى صُورَةِ الأفْرادِ؛ ”اللَّهُ“ اسْمُ ما تَعْنُو إلَيْهِ القُلُوبُ عِنْدَ مَوْقِفِ العُقُولِ فَتَأْلَهُ فِيهِ أيْ تَتَحَيَّرُ فَتَتَألَّهُهُ وتَلْهُو بِهِ أيْ تَغْنى بِهِ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ؛ ”الرَّحْمَنُ“ شامِلُ الرَّحْمَةِ لِكافَّةِ ما تَناوَلَتْهُ الرُّبُوبِيَّةُ؛ ”الرَّحِيمُ“ خاصٌّ بِالرَّحْمَةِ بِما تَرْضاهُ الإلَهِيَّةُ. وقالَ في غَرِيبِ مَعْناها: لَمّا أظْهَرَ اللَّهُ سُبْحانَهُ حِكْمَةَ التَّسْبِيبِ وأرى الخَلْقَ اسْتِفادَةَ بَعْضِ الأشْياءِ مِن أشْياءَ أُخَرَ مُتَقَدِّمَةٍ عَلَيْها كَأنَّها (p-٢٥)أسْبابُها، وقَفَ بَعْضُ النّاسِ عِنْدَ أوَّلِ سَبَبٍ فَلَمْ يَرَ ما قَبْلَهُ، ومِنهم مَن وقَفَ عِنْدَ سَبَبِ السَّبَبِ إلى ما عَساهُ يَنْتَهِي إلَيْهِ عَقْلُهُ؛ فَطَوى الحَقُّ تَعالى تِلْكَ الأسْبابَ وأظْهَرَ بِالبَسْمَلَةِ أيْ بِتَقْدِيمِ الجارِّ أنَّ كُلَّ شَيْءٍ بِاسْمِهِ لا بِسَبَبٍ سِواهُ. وقالَ: اسْتَفْتَحَ أُمَّ القُرْآنِ بِالبَسْمَلَةِ لَمّا كانَتْ نِسْبَتُها مِن مَتْلُوِّ الصُّحُفِ والكُتُبِ الماضِيَةِ نِسْبَةَ أُمِّ القُرْآنِ مِنَ القُرْآنِ الكِتابِ الجامِعِ لِلصُّحُفِ والكُتُبِ لِمَوْضِعِ طَيِّها الأسْبابَ، كَما تَضَمَّنَتْ أُمُّ القُرْآنِ سِرَّ ظُهُورِ الأفْعالِ بِالعِنايَةِ مِنَ الحَمِيدِ المَجِيدِ في آيَةِ ﴿إيّاكَ نَعْبُدُ وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] هَذا في ظاهِرِ الخِطابِ إلى ما وراءَ ذَلِكَ مِن باطِنِهِ فَإنَّ لِكُلِّ آيَةٍ ظَهْرًا وبَطْنًا ولِيَلْتَزِمَها الخَلْقُ في ابْتِداءِ أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ، هَكَذا قالَ. وأشَدُّ مِنهُ أنَّهُ لَمّا كانَتْ نِسْبَةُ البَسْمَلَةِ مِنَ الفاتِحَةِ نِسْبَةَ الفاتِحَةِ مِنَ القُرْآنِ صُدِّرَتْ بِها الفاتِحَةُ كَما صُدِّرَ القُرْآنُ بِالفاتِحَةِ، لِأنَّها لَمّا أفادَتْ نِسْبَةَ الأُمُورِ كُلِّها إلَيْهِ سُبْحانَهُ وحْدَهُ أفادَتْ أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ وذَلِكَ (p-٢٦)هُوَ [ إجْمالُ تَفْصِيلِ الفاتِحَةِ كَما أنَّ الفاتِحَةَ ] إجْمالُ تَفْصِيلِ القُرْآنِ مِنَ الأُصُولِ والفُرُوعِ والمَعارِفِ واللَّطائِفِ. ولَمّا كانَ اسْمُ الجَلالَةِ عَلَمًا وكانَ جامِعًا لِجَمِيعِ مَعانِي الأسْماءِ الحُسْنى أوَّلِيَّةَ ”الرَّحْمَنِ“ مِن حَيْثُ أنَّهُ كالعَلَمِ في أنَّهُ لا يُوصَفُ بِهِ غَيْرُهُ. ومِن حَيْثُ أنَّهُ أبْلَغُ مِنَ ”الرَّحِيمِ“ فَأوْلى الأبْلَغِ [ الأبْلَغُ ]، وذَلِكَ مُوافِقٌ لِتَرْتِيبِ الوُجُودِ. الإيجادُ ثُمَّ النِّعَمُ العامَّةُ ثُمَّ الخاصَّةُ بِالعِبادَةِ، وذُكِرَ الوَصْفانِ تَرْغِيبًا، وطُوِيَتِ النِّقْمَةُ في إفْهامِ اخْتِصاصِ الثّانِي لِتَمامِ التَّرْغِيبِ بِالإشارَةِ إلى التَّرْهِيبِ.

والمُرادُ بِهِما هُنا أنَّهُ سُبْحانَهُ يَسْتَحِقُّ الِاتِّصافَ بِهِما لِذاتِهِ، وكَرَّرَهُما بَعْدُ تَنْبِيهًا عَلى وُجُوبِ ذَلِكَ لِلرُّبُوبِيَّةِ والمُلْكِ، ولِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ الرَّحْمَةَ غَلَبَتِ الغَضَبَ، وفِيهِما إلى ما ذُكِرَ مِنَ التَّرْغِيبِ الدَّلالَةُ عَلى سائِرِ (p-٢٧)الصِّفاتِ الحُسْنى، لِأنَّ مَن عَمَّتْ رَحْمَتُهُ امْتَنَعَ أنْ يَكُونَ فِيهِ شَوْبُ نَقْصٍ. وفي آخِرٍ ”سُبْحانَ“ لِهَذا المَكانِ مَزِيدُ بَيانٍ؛ وكَوْنُها تِسْعَةَ عَشَرَ حَرْفًا خَطِّيَّةً وثَمانِيَةَ عَشَرَ لَفْظِيَّةً إشارَةٌ إلى أنَّها دَوافِعُ النِّقْمَةِ مِنَ النّارِ الَّتِي أصْحابُها تِسْعَةَ عَشَرَ، وجَوالِبُ لِلرَّحْمَةِ بِرَكَعاتِ الصَّلَواتِ الخَمْسِ ورَكْعَةِ الوِتْرِ اللّاتِي مِن أعْظَمِ العِباداتِ الكُبْرى، ولَمّا كانَتِ البَسْمَلَةُ نَوْعًا مِنَ الحَمْدِ ناسَبَ كُلَّ المُناسَبَةِ تَعْقِيبُها بِاسْمِ الحَمْدِ الكُلِّيِّ الجامِعِ لِجَمِيعِ أفْرادِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: احْمَدُوهُ لِأنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ، وخُصُّوا هَذا النَّوْعَ مِنَ الحَمْدِ في افْتِتاحِ أُمُورِكم لِما ذُكِرَ مِنِ اسْتِشْعارِ الرَّغْبَةِ إلَيْهِ والرَّهْبَةِ مِنهُ المُؤَدِّي إلى لُزُومِ طَرِيقِ الهُدى، واللَّهُ المُوَفِّقُ.

1:2Page 1

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ رَبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢

[All] praise is [due] to Allāh, Lord1 of the worlds -

ولَمّا أثْبَتَ بِقَوْلِهِ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أنَّهُ المُسْتَحِقُّ لِجَمِيعِ المَحامِدِ لا لِشَيْءٍ غَيْرِ ذاتِهِ الحائِزِ لِجَمِيعِ الكَمالاتِ أشارَ إلى أنَّهُ يَسْتَحِقُّهُ أيْضًا مِن حَيْثُ كَوْنِهِ رَبًّا مالِكًا مُنْعِمًا فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿العالَمِينَ﴾ إلى ابْتِداءِ الخَلْقِ تَنْبِيهًا عَلى الِاسْتِدْلالاتِ بِالمَصْنُوعِ عَلى الصّانِعِ وبِالبُداءَةِ عَلى الإعادَةِ (p-٢٨)كَما ابْتَدَأ التَّوْراةَ بِذَلِكَ [ لِذَلِكَ ] قالَ الحَرالِّيُّ: و”الحَمْدُ“ المَدْحُ الكامِلُ الَّذِي يُحِيطُ بِجَمِيعِ الأفْعالِ والأوْصافِ، عَلى أنَّ جَمِيعَها إنَّما هو مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى وأنَّهُ كُلَّهُ مَدْحٌ لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ ذَمٌّ، فَإذا اضْمَحَلَّ ازْدِواجُ المَدْحِ بِالذَّمِّ وعُلِمَ سَرَيانُ المَدْحِ في الكُلِّ اسْتَحَقَّ عِنْدَ ذَلِكَ ظُهُورَ اسْمِ الحَمْدِ مُكَمَّلًا مُعَرَّفًا بِكَلِمَةِ ”ألْ“ وهي كَلِمَةٌ دالَّةٌ فِيما اتَّصَلَتْ بِهِ عَلى انْتِهائِهِ وكَمالِهِ. انْتَهى.

1:3Page 1

ٱلرَّحۡمَٰنِ ٱلرَّحِيمِ ٣

The Entirely Merciful, the Especially Merciful,

ولَمّا كانَتْ مَرْتَبَةُ الرُّبُوبِيَّةِ لا تَسْتَجْمِعُ الصَّلاحَ [ إلّا بِالرَّحْمَةِ ] أتْبَعَ ذَلِكَ بِصِفَتَيِ ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ تَرْغِيبًا في لُزُومِ حَمْدِهِ، وهي تَتَضَمَّنُ تَثْنِيَةَ تَفْصِيلِ ما شَمِلَهُ الحَمْدُ أصْلًا؛ وسَيَأْتِي سِرٌّ لِتَكْرِيرِ هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ (p-٢٩)فِي الأنْعامِ عِنْدَ ﴿فَكُلُوا مِمّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] عَنِ الإمامِ حُجَّةِ الإسْلامِ الغَزّالِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعالى أنَّهُ لا مُكَرَّرَ في القُرْآنِ.

1:4Page 1

مَٰلِكِ يَوۡمِ ٱلدِّينِ ٤

Sovereign of the Day of Recompense.1

ولَمّا كانَ الرَّبُّ المَنعُوتُ بِالرَّحْمَةِ قَدْ لا يَكُونُ مالِكًا وكانَتِ الرُّبُوبِيَّةُ لا تَتِمُّ إلّا بِالمِلْكِ المُفِيدِ لِتَمامِ التَّصَرُّفِ، وكانَ المالِكُ لا يَكُونُ مَلِكًا ولا يَتِمُّ مِلْكُهُ إلّا بِالمُلْكِ المُفِيدِ لِلْعِزَّةِ المَقْرُونِ بِالهَيْبَةِ المُثْمِرَةِ لِلْبَطْشِ والقَهْرِ المُنْتِجِ لِنُفُوذِ الأمْرِ أتْبَعَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَلِك يَوْمِ الدِّينِ تَرْهِيبًا مِن سَطَواتِ مَجْدِهِ. قالَ الحَرالِّيُّ: واليَوْمُ مِقْدارُ ما يَتِمُّ فِيهِ أمْرٌ ظاهِرٌ، (p-٣٠)ثُمَّ قالَ: و﴿يَوْمِ الدِّينِ﴾ في الظّاهِرِ هو يَوْمُ ظُهُورِ انْفِرادِ الحَقِّ بِإمْضاءِ المُجازاةِ حَيْثُ تَسْقُطُ دَعْوى المُدَّعِينَ، وهو مِن أوَّلِ يَوْمِ الحَشْرِ إلى الخُلُودِ فالأبَدِ، وهو في الحَقِيقَةِ مِن أوَّلِ يَوْمِ نُفُوذِ الجَزاءِ عِنْدَ مُقارَفَةِ الذَّنْبِ في باطِنِ العامِلِ أثَرَ العَمَلِ إلى أشَدِّ انْتِهائِهِ في ظاهِرِهِ، لِأنَّ الجَزاءَ لا يَتَأخَّرُ عَنِ الذَّنْبِ وإنَّما يَخْفى لِوُقُوعِهِ في الباطِنِ وتَأخُّرِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ ظُهُورِهِ في الظّاهِرِ، ولِذَلِكَ يُؤْثَرُ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «إنَّ العَبْدَ إذا أذْنَبَ نُكِتَ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْداءُ» وأيْضًا فَكُلُّ عِقابٍ يَقَعُ في الدُّنْيا عَلى أيْدِي الخَلْقِ فَإنَّما هو جَزاءٌ مِنَ اللَّهِ وإنْ كانَ أصْحابُ الغَفْلَةِ يَنْسِبُونَهُ لِلْعَوائِدِ، كَما قالُوا: ﴿مَسَّ آباءَنا الضَّرّاءُ والسَّرّاءُ﴾ [الأعراف: ٩٥] ويُضِيفُونَهُ لِلْمُعْتَدِينَ عَلَيْهِمْ بِزَعْمِهِمْ، وإنَّما هو كَما قالَ تَعالى: ﴿وما أصابَكم مِن مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠] وكَما ورَدَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «الحُمّى مِن فَيْحِ جَهَنَّمَ، وإنَّ شِدَّةَ الحَرِّ والقَرِّ مِن نَفَسِها»، وهي سَوْطُ الجَزاءِ الَّذِي أهْلُ الدُّنْيا بِأجْمَعِهِمْ مَضْرُوبُونَ (p-٣١)بِهِ، ومَنهَلُ التَّجَهُّمِ الَّذِي أجْمَعُهم وارِدُوهُ مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُ بِهِ أكْثَرُهم، قالَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: «المَرَضُ سَوْطُ اللَّهِ في الأرْضِ يُؤَدِّبُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ» . وكَذَلِكَ ما يُصِيبُهم مِن عَذابِ النَّفْسِ بِنَوْعِ الغَمِّ والهَمِّ والقَلَقِ والحِرْصِ وغَيْرِ ذَلِكَ، وهو تَعالى مَلِكُ ذَلِكَ كُلِّهِ ومالِكُهُ، سَواءٌ ادَّعى فِيهِ مُدَّعٍ أوْ لَمْ يَدَّعِ، فَهو تَعالى بِمُقْتَضى ذَلِكَ [ كُلِّهِ مَلِكُ ] يَوْمِ الدِّينِ ومالِكُهُ مُطْلَقًا في الدُّنْيا والآخِرَةِ وإلى المَلِكِ أنَهى الحَقُّ تَعالى تَنَزُّلَ أمْرِهِ العَلِيِّ لِأنَّ بِهِ رَجَعَ الأمْرُ عَوْدًا عَلى بَدْءٍ بِالجَزاءِ العائِدِ عَلى آثارِ ما جُبِلُوا عَلَيْهِ مِنَ الأوْصافِ تَظْهَرُ عَلَيْهِمْ مِنَ الأفْعالِ كَما قالَ تَعالى: ﴿سَيَجْزِيهِمْ وصْفَهُمْ﴾ [الأنعام: ١٣٩] و﴿جَزاءً بِما كانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الواقعة: ٢٤] وبِهِ تَمَّ انْتِهاءُ (p-٣٢)الشَّرَفِ العَلِيِّ وهو المَجْدُ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ قَوْلُهُ تَعالى: «مَجَّدَنِي عَبْدِي» . انْتَهى، ولَمّا لَمْ يَكُنْ فَرْقٌ هُنا في الدَّلالَةِ عَلى المُلْكِ بَيْنَ قِراءَةِ ”مَلِكِ“ وقِراءَةِ ”مالِكِ“ جاءَتِ الرِّوايَةُ بِهِما، وذَلِكَ لِأنَّ المالِكَ إذا أُضِيفَ إلى اليَوْمِ أفادَ اخْتِصاصَهُ بِجَمِيعِ ما فِيهِ مِن جَوْهَرٍ وعَرَضٍ، فَلا يَكُونُ لِأحَدٍ مَعَهُ أمْرٌ ولا مَعْنًى لِلْمَلِكِ سِوى هَذا، ولَمّا لَمْ تُفِدْ إضافَتُهُ إلى النّاسِ هَذا المَعْنى لَمْ يَكُنْ خِلافٌ في ﴿مَلِكِ النّاسِ﴾ [الناس: ٢]

1:5Page 1

إِيَّاكَ نَعۡبُدُ وَإِيَّاكَ نَسۡتَعِينُ ٥

It is You we worship and You we ask for help.

فَلَمّا اسْتَجْمَعَ الأمْرُ اسْتِحْقاقًا وتَحْبِيبًا وتَرْغِيبًا وتَرْهِيبًا كانَ مِن شَأْنِ كُلِّ ذِي لُبٍّ الإقْبالُ إلَيْهِ وقَصْرُ الهِمَمِ عَلَيْهِ فَقالَ عادِلًا عَنْ أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ إلى الخِطابِ لِهَذا مُقَدِّمًا (p-٣٣)لِلْوَسِيلَةِ عَلى طَلَبِ الحاجَةِ لِأنَّهُ أجْدَرُ بِالإجابَةِ ﴿إيّاكَ﴾ أيْ يا مَن هَذِهِ الصِّفاتُ صِفاتُهُ ! ﴿نَعْبُدُ﴾ إرْشادًا لَهم إلى ذَلِكَ؛ ومَعْنى ﴿نَعْبُدُ﴾ كَما قالَ الحَرالِّيُّ: نَبْلُغُ الغايَةَ في أنْحاءِ التَّذَلُّلِ، وأعْقَبَهُ بِقَوْلِهِ مُكَرِّرًا لِلضَّمِيرِ حَثًّا عَلى المُبالَغَةِ في طَلَبِ العَوْنِ ﴿وإيّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إشارَةً إلى أنَّ عِبادَتَهُ لا تَتَهَيَّأُ إلّا بِمَعُونَتِهِ وإلى أنَّ مِلاكَ الهِدايَةِ بِيَدِهِ: فانْظُرْ كَيْفَ ابْتَدَأ سُبْحانَهُ بِالذّاتِ، ثُمَّ دَلَّ عَلَيْهِ بِالأفْعالِ، ثُمَّ رَقى إلى الصِّفاتِ، ثُمَّ رَجَعَ إلى الذّاتِ إيماءً إلى أنَّهُ الأوَّلُ [ و] الآخِرُ المُحِيطُ، فَلَمّا حَصَلَ الوُصُولُ إلى شُعْبَةٍ مِن عِلْمِ الأفْعالِ والصِّفاتِ عُلِمَ الِاسْتِحْقاقُ لِلْإفْرادِ بِالعِبادَةِ (p-٣٤)فَعُلِمَ العَجْزُ عَنِ الوَفاءِ بِالحَقِّ فَطُلِبَتِ الإعانَةُ، فَهو كَقَوْلِهِ ﷺ فِيما رَواهُ مُسْلِمٌ وأبُو داوُدَ في الصَّلاةِ والتِّرْمِذِيُّ وابْنُ ماجَهْ في الدُّعاءِ والنَّسائِيُّ وهَذا لَفْظُهُ في التَّعَوُّذِ عَنْ عائِشَةَ رِضَيَ اللَّهُ عَنْها: «أعُوذُ بِعَفْوِكَ مِن عُقُوبَتِكَ، وبِرِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبِكَ مِنكَ»؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ فِيما زادَ عَنِ النَّسائِيِّ الِاعْتِرافَ بِالعَجْزِ في قَوْلِهِ: «لا أُحْصِي ثَناءً عَلَيْكَ أنْتَ كَما أثْنَيْتَ عَلى نَفْسِكَ» . وفي آخِرِ سُورَةِ اقْرَأْ شَرْحٌ بَدِيعٌ لِهَذا الحَدِيثِ.

قالَ الحَرالِّيُّ: وهَذِهِ الآياتُ أيْ هَذِهِ وما بَعْدَها مِمّا جاءَ كَلامُ اللَّهِ فِيهِ جارِيًا عَلى لِسانِ خَلْقِهِ فَإنَّ القُرْآنَ كُلَّهُ كَلامُ اللَّهِ لَكِنْ مِنهُ ما هو كَلامُ اللَّهِ عَنْ نَفْسِهِ ومِنهُ ما هو كَلامُ اللَّهِ عَمّا كانَ يَجِبُ أنْ يَنْطِقَ بِهِ الخَلْقُ عَلى اخْتِلافِ (p-٣٥)ألْسِنَتِهِمْ وأحْوالِهِمْ وتَرَقِّي دَرَجاتِهِمْ ورُتَبِ تَفاضُلِهِمْ مِمّا لا يُمْكِنُهُمُ البُلُوغُ إلى كُنْهِهِ لِقُصُورِهِمْ وعَجْزِهِمْ، فَتَوَلّى اللَّهُ الوَكِيلَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ الإنْباءَ عَنْهم بِما كانَ يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِمّا لا يَبْلُغُ إلَيْهِ وُسْعُ خَلْقِهِ وجَعَلَ تِلاوَتَهم لِما أنْبَأ بِهِ عَلى ألْسِنَتِهِمْ نازِلًا لَهم مَنزِلَةَ أنْ لَوْ كانَ ذَلِكَ النُّطْقُ ظاهِرًا مِنهم لُطْفًا بِهِمْ وإتْمامًا لِلنِّعْمَةِ عَلَيْهِمْ، لِأنَّهُ تَعالى لَوْ وكَلَهم في ذَلِكَ إلى أنْفُسِهِمْ لَمْ يَأْتُوا بِشَيْءٍ تَصْلُحُ بِهِ أحْوالُهم في دِينِهِمْ ودُنْياهم، ولِذَلِكَ لا يَسْتَطِيعُونَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ إلّا أنْ يَتَوَلّى هو تَعالى بِما يُلَقِّنُهم مِن كَلامِهِ مِمّا يَكُونُ أداءً لِحَقِّ فَضْلِهِ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ، وإذا كانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ الإنْباءَ عَنْ أنْفُسِهِمْ بِما يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِن حَقِّ رَبِّهِمْ فَكَيْفَ بِما يَكُونُ نَبَأً عَنْ تَحْمِيدِ اللَّهِ وتَمْجِيدِهِ، فَإذًا لَيْسَ لَهم (p-٣٦)وُصْلَةٌ إلّا تِلاوَةَ كَلامِهِ العَلِيِّ بِفَهْمٍ كانَ ذَلِكَ أوْ بِغَيْرِ فَهْمٍ، وتِلْكَ هي صَلاتُهم المُقَسَّمَةُ الَّتِي [ عَبَّرَ ] عَنْها فِيما صَحَّ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن قَوْلِهِ تَعالى: «قَسَمَتْ الصَّلاةَ بَيْنِي وبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ» ثُمَّ تَلا هَذِهِ السُّورَةَ؛ فَجاءَتِ الآياتُ الثَّلاثُ الأُوَلُ بِحَمْدِ اللَّهِ تَعالى نَفْسَهُ، فَإذا تَلاها العَبْدُ قَبِلَ اللَّهُ مِنهُ تِلاوَةَ عَبْدِهِ كَلامَهُ وجَعَلَها مِنهُ حَمْدًا وثَناءً وتَمْجِيدًا، وجاءَتْ هَذِهِ الآياتُ عَلى لِسانِ خَلْقِهِ فَكانَ ظاهِرُها التِزامَ عُهَدِ العِبادَةِ وهو ما يَرْجِعُ إلى العَبْدِ وعِمادُها طَلَبُ المَعُونَةِ مِنَ اللَّهِ سُبْحانَهُ وهو (p-٣٧)ما يَرْجِعُ إلى الحَقِّ، فَكانَتْ بَيْنَهُ وبَيْنَ عَبْدِهِ وتَقَدَّمَتْ بَيْنِيَّتُهُ تَعالى؛ لِأنَّ المَعُونَةَ مُتَقَدِّمَةٌ عَلى العِبادَةِ وواقِعَةٌ بِها وهو مُجابٌ فِيما طَلَبَ مِنَ المَعُونَةِ، فَمَن كانَتْ عَلَيْهِ مَؤُنَةُ شَيْءٍ فاسْتَعانَ اللَّهُ فِيها عَلى مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ جاءَتْهُ المَعُونَةُ عَلى قَدْرِ مَؤُنَتِهِ، فَلا يَقَعُ لِمَنِ اعْتَمَدَ مُقْتَضى هَذِهِ الآيَةِ عَجْزٌ عَنْ مَرامٍ أبَدًا وإنَّما يَقَعُ العَجْزُ بِبَخْسِ الحَظِّ مِنَ اللَّهِ تَعالى والجَهْلِ بِمُقْتَضى ما أحْكَمَتْهُ هَذِهِ الآيَةُ والغَفْلَةُ عَنِ النِّعْمَةِ بِها، وفي قَوْلِهِ:﴿نَعْبُدُ﴾ بِنُونِ الِاسْتِتْباعِ إشْعارٌ بِأنَّ الصَّلاةَ بُنِيَتْ عَلى الِاجْتِماعِ. انْتَهى. وفي الآيَةِ نَدْبٌ إلى اعْتِقادِ العَجْزِ واسْتِشْعارِ الِافْتِقارِ والِاعْتِصامِ بِحَوْلِهِ وقُوَّتِهِ، فاقْتَضى ذَلِكَ تَوْجِيهَ الرَّغَباتِ إلَيْهِ بِالسُّؤالِ فَقالَ:

1:6Page 1

ٱهۡدِنَا ٱلصِّرَٰطَ ٱلۡمُسۡتَقِيمَ ٦

Guide us to the straight path -

﴿اهْدِنا الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ﴾ تَلْقِينًا لِأهْلِ لُطْفِهِ وتَنْبِيهًا عَلى مَحَلِّ السُّلُوكِ الَّذِي لا وُصُولَ بِدُونِهِ، والهُدى قالَ الحَرالِّيُّ: مَرْجِعُ الضّالِّ إلى ما ضَلَّ عَنْهُ، والصِّراطُ الطَّرِيقُ الخَطِرُ السُّلُوكِ، والآيَةُ مِن كَلامِ اللَّهِ تَعالى عَلى لِسانِ العِلْيَةِ مَن خَلْقِهِ، وجاءَ (p-٣٨)مُكَمَّلًا بِكَلِمَةِ ”ألْ“ لِأنَّهُ الصِّراطُ الَّذِي لا يَضِلُّ بِمُهْتَدِيهِ لِإحاطَتِهِ ولِشُمُولِ سَرَيانِهِ وِفْقًا لِشُمُولِ مَعْنى الحَمْدِ في الوُجُودِ كُلِّهِ وهو الَّذِي تَشَتَّتِ الآراءُ وتَفَرَّقَتِ الفِرَقُ بِالمَيْلِ إلى واحِدٍ مِن جانِبَيْهِ وهو الَّذِي يُنْصَبُ مِثالُهُ وعَلى حَذْوِ مَعْناهُ بَيْنَ ظَهْرانَيْ جَهَنَّمَ يَوْمَ الجَزاءِ لِلْعِيانِ وتَحُفُّهُ مِثْلَ تِلْكَ الآراءِ خَطاطِيفُ وكَلالِيبُ، تَجْرِي أحْوالُ النّاسِ مَعَها في المَعادِ عَلى حَسَبِ مَجْراهم مَعَ حَقائِقِها الَّتِي ابْتِداؤُها في يَوْمِ العَمَلِ، وهَذا الصِّراطُ الأكْمَلُ وهو المُحِيطُ المُتَرَتِّبُ عَلى الضَّلالِ الَّذِي يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ حالِ مَن لا وِجْهَةَ لَهُ، وهو ضَلالٌ مَمْدُوحٌ لِأنَّهُ يَكُونُ عَنْ سَلامَةِ الفِطْرَةِ لِأنَّ مَن لا عِلْمَ لَهُ بِوِجْهَةٍ فَحَقُّهُ الوُقُوفُ عَنْ كُلِّ وِجْهَةٍ وهو ضَلالٌ يَسْتَلْزِمُ هُدًى مُحِيطًا مِنهُ

﴿ووَجَدَكَ ضالا فَهَدى﴾ [الضحى: ٧] وأمّا مَن هُدِيَ وِجْهَةً ما (p-٣٩)فَضَلَّ عَنْ مَرْجِعِها فَهو ضَلالٌ مَذْمُومٌ لِأنَّهُ ضَلالٌ بَعْدَ هُدًى وهو يَكُونُ عَنِ اعْوِجاجٍ في الجِبِلَّةِ. انْتَهى.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском