Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Yunus 10:37–48
10:37Page 213
وَمَا كَانَ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانُ أَن يُفۡتَرَىٰ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَلَٰكِن تَصۡدِيقَ ٱلَّذِي بَيۡنَ يَدَيۡهِ وَتَفۡصِيلَ ٱلۡكِتَٰبِ لَا رَيۡبَ فِيهِ مِن رَّبِّ ٱلۡعَٰلَمِينَ ٣٧
And it was not [possible] for this Qur’ān to be produced by other than Allāh, but [it is] a confirmation of what was before it and a detailed explanation of the [former] Scripture, about which there is no doubt,1 from the Lord of the worlds.
ولَمّا قَدَّمَ في هَذِهِ السُّورَةِ قَوْلَهُمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] وأتى فِيها رَدًّا عَلَيْهِمْ ووَعْظًا لَهم مِنَ الآياتِ البالِغَةِ في الحِكْمَةِ جِدًّا يَتَجاوَزُ قُوى البَشَرِ ويَضْمَحِلُّ دُونَهُ مِنَ الخَلْقِ القُدَرُ، وكانَ آخِرُ ذَلِكَ التَّنْبِيهَ عَلى أنَّ شُرَكاءَهم لا يَهْتَدُونَ إلّا إنْ هُداهُمُ الهادِي فَضْلًا عَنْ أنْ يُهْدَوْا، وإقامَةُ الدَّلِيلِ عَلى أنَّ مَذاهِبَهم لَيْسَتْ مُسْتَنِدَةً إلى عِلْمٍ بَلْ هي تابِعَةٌ لِلْهَوى، أتْبَعَ ذَلِكَ دَلِيلًا قَطْعِيًّا في أمْرِ القُرْآنِ مِن أنَّهُ لا يَصِحُّ \ أصْلًا أنْ يُؤْتى بِهِ مِن دُونِ أمْرِهِ سُبْحانَهُ رَدًّا لِقَوْلِهِمْ: إنَّهُ مُفْتَرى، لِأنَّهُ (p-١٢٠)مِن وادِي ما خُتِمَ بِهِ هَذِهِ الآياتِ مِنَ اتِّباعِهِمْ لِلظُّنُونِ لِأنَّهُ لا سَنَدَ لَهم في ذَلِكَ بَلْ ولا شُبْهَةَ أصْلًا، وإنَّما هو مُجَرَّدُ هَوًى بَلْ وأكْثَرُهم عالِمٌ بِالحَقِّ في أمْرِهِ، فَنَفى ذَلِكَ بِما يُزِيحُ الظُّنُونَ ويَدْمَغُ الخُصُومَ ولا يَدَعُ شُبْهَةً لِمَفْتُونٍ، وأثْبَتَ أنَّهُ هو [الآيَةُ الكُبْرى] والحَقِيقُ بِالِاتِّباعِ لِأنَّهُ هُدًى، فَقالَ تَعالى: ﴿وما كانَ﴾ عاطِفًا لَهُ عَلى قَوْلِهِ: ﴿ما يَكُونُ لِي أنْ أُبَدِّلَهُ﴾ [يونس: ١٥] إلى آخِرِهِ، فَهو حِينَئِذٍ مَقُولُ القَوْلِ، أيْ: قُلْ لَهم ذاكَ الكَلامَ وقُلْ لَهم ”ما كانَ“ أيْ: قَطُّ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وعَيَّنَهُ تَعْيِينًا لا يُمْكِنُ مَعَهُ لَبْسٌ، فَقالَ: ﴿هَذا القُرْآنُ﴾ أيِ الجامِعُ لِكُلِّ خَيْرٍ مَعَ التَّأْدِيَةِ بِأسالِيبِ الحِكْمَةِ المُعْجِزَةِ لِجَمِيعِ الخَلْقِ ﴿أنْ يُفْتَرى﴾ [أيْ] أنْ يَقَعَ في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ [تَعَمُّدُ نِسْبَتِهِ كَذِبًا إلى اللَّهِ] مِن أحَدٍ مِنَ الخَلْقِ كائِنًا مَن كانَ؛ وعُرِفَ بِتَضاؤُلِ رُتْبَتِهِمْ دُونَ شامِخِ رُتْبَتِهِ سُبْحانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي تَقَرَّرَ أنَّهُ يُدَبِّرُ الأمْرَ كُلَّهُ، فَما مِن شَفِيعٍ إلّا مِن بَعْدِ إذْنِهِ وما يَعْزُبُ عَنْهُ شَيْءٌ فَسُبْحانَ المُتَفَضِّلِ عَلى عِبادِهِ بِإيضاحِ الحُجَجِ وإزالَةِ الشُّكُوكِ والدُّعاءِ إلى سَبِيلِ الرَّشادِ مَعَ غِناهُ عَنْهم وقُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ؛ والِافْتِراءُ: الإخْبارُ عَلى القَطْعِ بِالكَذِبِ، لِأنَّهُ مِن فَرْيِ الأدِيمِ؛ وهو قَطْعُهُ بَعْدَ تَفْزِيرِهِ.
ولَمّا كانَ إتْيانُ الأُمِّيِّ - الَّذِي لَمْ يُجالِسْ عالِمًا - بِالأخْبارِ والقِصَصِ الماضِيَةِ عَلى التَّحْرِيرِ دَلِيلًا قَطْعًا عَلى صِدْقِ الآتِي في ادِّعائِهِ أنَّهُ لا مُعَلِّمَ (p-١٢١)لَهُ إلّا اللَّهُ، عَبَّرَ بِأداةِ العِنادِ فَقالَ: ﴿ولَكِنْ﴾ أيْ: كانَ كَوْنًا لا يَجُوزُ غَيْرُهُ ﴿تَصْدِيقَ الَّذِي﴾ أيْ: تَقَدَّمَ ﴿بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أيْ: قَبْلَهُ مِنَ الكُتُبِ، والدَّلِيلُ عَلى تَصادُقِهِ شاهِدُ الوُجُودِ مَعَ أنَّ القَوْمَ كانُوا في غايَةِ العَداوَةِ لَهُ ﷺ وكانَ أهْلُ الكِتابَيْنِ عِنْدَهم في جَزِيرَةِ العَرَبِ عَلى غايَةِ القُرْبِ مِنهم مَعَ أنَّهم كانُوا يَتَّجِرُونَ إلى بِلادِ الشّامِ [وهُمْ] مُتَمَكِّنُونَ مِنَ السُّؤالِ عَنْ كُلِّ ما يَأْتِي بِهِ، فَلَوْ وجَدُوا مَغْمَزًا ما لَقَدَحُوا بِهِ، فَدَلَّ عَدَمُ قَدْحِهِمْ عَلى التَّصادُقِ قَطْعًا.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ سُلْطانًا قاهِرًا عَلى صِدْقِهِ ﷺ، زادَهُ ظُهُورًا بِما اشْتَمَلَ الكِتابُ الآتِي بِهِ عَلَيْهِ مِنَ التَّفْصِيلِ الَّذِي هو نِهايَةُ العِلْمِ فَقالَ: ﴿وتَفْصِيلَ الكِتابِ﴾ أيِ الجامِعِ المَجْمُوعُ فِيهِ الحِكَمُ والأحْكامُ وجَوامِعُ الكَلامِ مِن جَمِيعِ الكُتُبِ السَّماوِيَّةِ في بَيانِ مُجْمَلاتِها وإيضاحِ مُشْكِلاتِها، فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿أفَمَن يَهْدِي إلى الحَقِّ﴾ [يونس: ٣٥] الآيَةَ. فَهو بُرْهانٌ عَلى أنَّهُ هو الهادِي وحْدَهُ، فَهو الحَقِيقُ بِالِاتِّباعِ والتَّفْصِيلِ بِتَبْيِينِ الفَصْلِ بَيْنَ المَعانِي المُلْتَبِسَةِ حَتّى تَظْهَرَ كُلُّ مَعْنًى عَلى حَقِّهِ، ونَظِيرُهُ التَّقْسِيمُ، ونَقْضِيهُ التَّخْلِيطُ والتَّلْبِيسُ، وبَيانُ تَفْصِيلِهِ أنَّهُ أتى مِنَ العُلُومِ العِلْمِيَّةِ الِاعْتِقادِيَّةِ مِن مَعْرِفَةِ الذّاتِ والصِّفاتِ بِأقْسامِها، والعَمَلِيَّةِ التَّكْلِيفِيَّةِ المُتَعَلِّقَةِ بِالظّاهِرِ وهي عِلْمُ الفِقْهِ وعِلْمُ الباطِنِ ورِياضَةُ النُّفُوسِ بِما لا مَزِيدَ عَلَيْهِ ولا يُدانِيهِ فِيهِ كِتابٌ، وعِلْمُ الأخْلاقِ كَثِيرٌ في القُرْآنِ مِثْلَ (p-١٢٢)﴿خُذِ العَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] - الآيَةَ.
﴿إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالعَدْلِ﴾ [النحل: ٩٠] - الآيَةَ وأمْثالَهُما.
ولَمّا كانَ - مَعَ الشَّهادَةِ بِالصِّدْقِ بِتَصْدِيقِ ما ثَبَتَ حَقِيقَةً - مُعْجِزًا بِالجَمْعِ والتَّفْصِيلِ لِجَمِيعِ العُلُومِ [الشَّرِيفَةِ]: عَقْلِيِّها ونَقْلِيِّها إعْجازًا لَمْ يَثْبُتْ لِغَيْرِهِ، ثَبَتَ أنَّهُ مُناقِضٌ لِلِافْتِراءِ حالَ كَوْنِهِ ﴿لا رَيْبَ فِيهِ﴾ وأنَّهُ ﴿مِن رَبِّ العالَمِينَ﴾ أيْ: مُوجِدِهِمْ ومُدَبِّرِ أمْرِهِمْ والمُحْسِنِ إلَيْهِمْ لِأنَّهُ - مَعَ الجَمْعِ لِجَمِيعِ ذَلِكَ - لا اخْتِلافَ فِيهِ بِوَجْهٍ، وذَلِكَ خارِجٌ عَنْ طَوْقِ البَشَرِ.
10:38Page 213
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٣٨
Or do they say [about the Prophet (ﷺ)], "He invented it?" Say, "Then bring forth a sūrah like it and call upon [for assistance] whomever you can besides Allāh, if you should be truthful."
ولَمّا كانَ هَذا مَوْضِعُ أنْ يُذْعِنُوا لِأنَّ هَذا القُرْآنَ لَيْسَ إلّا مِن عِنْدِ اللَّهِ وبِأمْرِهِ قَطْعًا، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: أرَجَعُوا عَنْ غَيِّهِمْ فَآمَنُوا واسْتَقامُوا ﴿أمْ﴾ اسْتَمَرُّوا عَلى ضَلالِهِمْ ﴿يَقُولُونَ﴾ عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ والِاسْتِمْرارِ عِنادًا ﴿افْتَراهُ﴾ [أيْ تَعَمَّدَ نِسْبَتَهُ كَذِبًا إلى اللَّهِ]، فَكَأنَّهُ قِيلَ: تَمادَوْا عَلى عُتُوِّهِمْ فَقالُوا ذَلِكَ فَكانُوا كالباحِثِ عَنْ حَتْفِهِ بِظِلْفِهِ، لِأنَّهم أصَّلُوا أصْلًا فاسِدًا لَزِمَ عَلَيْهِ \ قَطْعًا إمْكانُ أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِهِ لِأنَّهم عَرَبٌ مِثْلُهُ، بَلْ مِنهم مَن قَرَأ وكَتَبَ وخالَطَ العُلَماءَ واشْتَدَّ اعْتِناؤُهُ بِأنْواعِ البَلاغَةِ مِنَ النَّظْمِ والنَّثْرِ والخُطَبِ وتَمَرُّنُهُ فِيها بِخِلافِهِ ﷺ في جَمِيعِ ذَلِكَ، فَلِهَذا أمَرَهُ في جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ: لَهم يا أبْلَغَ خَلْقِنا وأعْرَفَهم بِمَواقِعِ الكَلامِ لِجَمِيعِ أنْواعِهِ، أتى بِالفاءِ (p-١٢٣)السَّبَبِيَّةِ في قَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا﴾ أيْ: أنْتُمْ تَصْدِيقًا لِقَوْلِكم هَذا الَّذِي تَبَيَّنَ وأنَّكم فِيهِ مُعانِدُونَ؛ ولَمّا كانُوا قَدْ جَزَمُوا في هَذِهِ السُّورَةِ بِأنَّهُ افْتَراهُ، وكانَ مُفَصَّلًا إلى سُورٍ كُلُّ واحِدَةٍ مِنها لَها مَقْصِدٌ مُعَيَّنٌ يُسْتَدَلُّ فِيها عَلَيْهِ، وتَكُونُ خاتِمَتُها مُرْتَبِطَةً بِفاتِحَتِها مُتَّحِدَةً بِها، اكْتَفى في تَحَدِّيهِمْ بِالإتْيانِ بِقِطْعَةٍ واحِدَةٍ غَيْرِ مُفَصَّلَةٍ إلى مِثْلِ سُورَةٍ لَكِنْ تَكُونُ مِثْلَ جَمِيعِ القُرْآنِ في الطُّولِ والبَيانِ وانْتِظامِ العِبارَةِ والتِئامِ المَعانِي فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿بِسُورَةٍ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والسُّورَةُ مُنَزَّلَةٌ مُحِيطَةٌ بِآياتٍ مِن أجْلِ الفاتِحَةِ والخاتِمَةِ كَإحاطَةِ سُورِ البِناءِ، وهَذا نَظَرًا إلى أنَّ المُتَحَدّى بِهِ سُورَةٌ اصْطِلاحِيَّةٌ، والصَّوابُ أنَّها لُغَوِيَّةٌ، وهي - كَما قالَ الحَرالِّيُّ - تَمامُ جُمْلَةٍ مِنَ المَسْمُوعِ تُحِيطُ بِمَعْنًى تامٍّ بِمَنزِلَةِ إحاطَةِ السُّورِ بِالمَدَنِيَّةِ؛ ووَصَفَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِثْلِهِ﴾ أيْ: في البَلاغَةِ وحُسْنِ النَّظْمِ وصِحَّةِ المَعانِي ومُصادَقَةِ الكُتُبِ وتَفْصِيلِ العُلُومِ؛ لِأنَّكم مِثْلِي في العَرَبِيَّةِ وتَزِيدُونَ بِالكِتابَةِ ومُخالَطَةِ العُلَماءِ - مِن غَيْرِ إتْيانٍ بِ: ”مِن“ لِما تَقَدَّمَ مِن أنَّ المُرادَ كَوْنُها مِثْلَ القُرْآنِ كُلِّهِ، ولِذَلِكَ وسِعَ لَهم في الِاسْتِعانَةِ بِجَمِيعِ مَن قَدَرُوا عَلَيْهِ ووَصَلَتْ طاقَتُهم إلَيْهِ ولَمْ يَقْصُرْهم عَلى مَن بِحَضْرَتِهِمْ فَقالَ: ﴿وادْعُوا﴾ أيْ: لِمُعاوَنَتِكم ﴿مَنِ اسْتَطَعْتُمْ﴾ أيْ: قَدَرْتُمْ عَلى طاعَتِهِ ولَوْ بِبَذْلِ الجُهْدِ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ وغَيْرِهِمْ لِلْمُعاوَنَةِ، وحَقَّقَ أنَّ هَذا القُرْآنَ مِن عِنْدِهِ سُبْحانَهُ (p-١٢٤)بِاسْتِثْنائِهِ في قَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، ونَبَّهَ عَلى أنَّهم مُتَعَمِّدُونَ لِما نَسَبُوهُ إلَيْهِ - وحاشاهُ مِن تَعَمُّدِ الكَذِبِ - وأنَّهم مُعانِدُونَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿صادِقِينَ﴾ أيْ: في أنَّهُ أتى بِهِ مِن عِنْدِهِ، لِأنَّ العاقِلَ لا يَجْزِمُ بِشَيْءٍ إلّا إذا كانَ عِنْدَهُ مِنهُ مَخْرَجٌ، وذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا عَنْ دَلِيلٍ ظاهِرٍ وسُلْطانٍ قاهِرٍ باهِرٍ، وقَدْ مَضى في البَقَرَةِ ويَأْتِي في هُودٍ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ما يُوَضِّحُ هَذا المَعْنى؛ والِاسْتِطاعَةُ: حالَةٌ تَتَطاوَعُ بِها الجُرُوحُ والقُوى لِلْفِعْلِ لِأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الطَّوْعِ.
10:39Page 213
بَلۡ كَذَّبُواْ بِمَا لَمۡ يُحِيطُواْ بِعِلۡمِهِۦ وَلَمَّا يَأۡتِهِمۡ تَأۡوِيلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ كَذَّبَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۖ فَٱنظُرۡ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣٩
Rather, they have denied that which they encompass not in knowledge and whose interpretation has not yet come to them. Thus did those before them deny. Then observe how was the end of the wrongdoers.
ثُمَّ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَقالَ لَهم ذَلِكَ فَلَمْ يَأْتُوا لِقَوْمِهِمْ بِشُبْهَةٍ تُوجِبُ شَكًّا فَضْلًا عَنْ مُصَدَّقٍ، لِأنَّهُ مُعْجِزٌ لِكَوْنِهِ كَلامًا في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ بِحُسْنِ النِّظامِ والجَزالَةِ مُنَزَّلًا مِن عِنْدِ اللَّهِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً، فَهو مُشْتَمِلٌ مِن كُلِّ مَعْنًى عَلى ما عَلا كُلَّ العُلُوِّ عَنْ مُدانٍ ﴿بَلْ﴾ . وأحْسَنُ مِن ذَلِكَ أنَّهُ لَمّا أقامَ الدَّلِيلَ عَلى أنَّ القُرْآنَ كَلامُهُ، وكانَ الدَّلِيلُ إنَّما مِن شَأْنِهِ أنْ يُقامَ عَلى مَن عَرَضَ لَهُ غَلَطٌ أوْ شُبْهَةٌ، وكانَ قَوْلُهُمْ: ﴿افْتَراهُ﴾ [يونس: ٣٨] لا عَنْ شُبْهَةٍ وإنَّما هو مُجَرَّدُ عِنادٍ، نَبَّهَ سُبْحانَهُ عَلى ذَلِكَ وعَلى أنَّهُ إنَّما أقامَ الدَّلِيلَ لِإظْهارِ عِنادِهِمْ لا لِأنَّ عِنْدَهم شُبْهَةً في كَوْنِهِ حَقًّا بِالإضْرابِ عَنْ قَوْلِهِمْ فَقالَ: ﴿بَلْ﴾ أيْ: لَمْ يَقُولُوا ”افْتَراهُ“ عَنِ اعْتِقادٍ مِنهم لِذَلِكَ بَلْ ﴿كَذَّبُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّكْذِيبَ الَّذِي لا تَكْذِيبَ أشْنَعَ مِنهُ مُسْرِعِينَ في ذَلِكَ مِن غَيْرِ أنْ يَتَفَهَّمُوهُ مُسْتَهِينِينَ ﴿بِما لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ﴾ أيْ في نَظْمِهِ أوْ مَعْناهُ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ أصْلًا بَلْ (p-١٢٥)عِنادًا وطُغْيانًا ونُفُورًا مِمّا يُخالِفُ دِينَهم وشِرادًا، فَهو مِن بابِ ”مَن جَهِلَ شَيْئًا عاداهُ“ والإحاطَةُ: إرادَةُ ما هو كالحائِطِ حَوْلَ الشَّيْءِ، فَإحاطَةُ العِلْمِ بِالشَّيْءِ العِلْمُ بِهِ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ.
ولَمّا كانَ لا بُدَّ مِن وُقُوعِ تَأْوِيلِهِ، وهو إتْيانُ ما فِيهِ مِنَ الإخْبارِ بِالمُغَيَّباتِ عَلى ما هي عَلَيْهِ، قالَ: ﴿ولَمّا يَأْتِهِمْ﴾ أيْ: إلى زَمَنِ تَكْذِيبِهِمْ ﴿تَأْوِيلُهُ﴾ أيْ: تَرْجِيعُنا لِأخْبارِهِ إلى مَراجِعِها وغاياتِها حَتّى يَعْلَمُوا أصِدْقٌ هي أمْ كَذِبٌ، فَإنَّهُ مُعْجِزٌ مِن جِهَةِ نَظْمِهِ ومِن جِهَةِ \ صِدْقِهِ في أخْبارِهِ؛ والتَّأْوِيلُ: المَعْنى الَّذِي يَؤُولُ إلَيْهِ التَّفْسِيرُ، وهو مُنْتَهى التَّصْرِيحِ مِنَ التَّضْمِينِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ فِعْلَهم هَذا لَعَجَبٌ، فَما حَمَلَهم عَلى التَّمادِي فِيهِ؟ فَقِيلَ: تَبِعُوا في ذَلِكَ مَن قَبْلَهم لِمُوافَقَتِهِمْ في سُوءِ الطَّبْعِ، قالَ مُهَدِّدًا لَهم ومُسَلِّيًا لَهُ ﷺ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ: مِثْلَ تَكْذِيبِهِمْ هَذا التَّكْذِيبَ العَظِيمَ في الشَّناعَةِ قَبْلَ تَدْبِيرِ المُعْجِزِ ﴿كَذَّبَ الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ المُكَذِّبُونَ بَعْضَ السّالِفِينَ، أثْبَتَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ أيْ: مِن كُفّارِ الأُمَمِ الخالِيَةِ فَظَلَمُوا فَأهْلَكْناهم بِظُلْمِهِمْ؛ ولَمّا كانَ التَّكْذِيبُ خَطَرًا لِما يُثِيرُ مِنَ السُّرُورِ، سَبَّبَ عَنْهُ - تَحْذِيرًا مِنهُ - النَّظَرَ في عاقِبَةِ أمْرِهِ فَقالَ: ﴿فانْظُرْ﴾ أيْ: بِعَيْنِكَ دِيارَهم وبِقَلْبِكَ أخْبارَهم.
ولَمّا كانَ مَن نَظَرَ هَذا النَّظَرَ وجَدَ فِيهِ أجَلَّ مُعْتَبَرٍ وأعْلى مُزْدَجَرٍ، وجَّهَ السُّؤالَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ: آخِرُ أمْرِ ﴿الظّالِمِينَ﴾ (p-١٢٦)أيِ الَّذِينَ رَسَخَتْ أقْدامُهم في وضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها حَتّى كَذَّبُوا مَن لا يَجُوزُ عَلَيْهِ الكَذِبُ بِوَجْهٍ، ومِنَ المَقْطُوعِ بِهِ أنَّ هَذا المَسْؤُولَ يَقُولُ مِن غَيْرِ تَعَلْثُمٍ ولا تَرَدُّدٍ: عاقِبَةٌ وخِيمَةٌ قاصِمَةٌ ذَمِيمَةٌ؛ والعاقِبَةُ سَبَبٌ تُؤَدِّي إلَيْهِ البادِئَةُ، فالَّذِي أدّى إلى هَلاكِهِمْ بِعَذابِ الِاسْتِئْصالِ ما تَقَدَّمَ مِن ظُلْمِهِمْ لِأنْفُسِهِمْ وعُتُوِّهِمْ في كُفْرِهِمْ.
10:40Page 213
وَمِنۡهُم مَّن يُؤۡمِنُ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن لَّا يُؤۡمِنُ بِهِۦۚ وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُفۡسِدِينَ ٤٠
And of them are those who believe in it, and of them are those who do not believe in it. And your Lord is most knowing of the corrupters.
ولَمّا ذَكَرَ سُبْحانَهُ تَكْذِيبَهُمْ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما أيْأسَ مِن إذْعانِهِمْ وتَصْدِيقِهِمْ، وآذَنَ بِاسْتِئْصالِهِمْ لِتَكْمُلَ المُشابَهَةُ لِلْأوَّلِينَ، وكانَ ﷺ شَدِيدَ الشَّفَقَةِ عَلَيْهِمْ والحِرْصِ عَلى إيمانِهِمْ، فَأتْبَعَهُ تَعالى بِقَوْلِهِ بَيانًا لِأنَّ عِلْمَهُ بِانْقِسامِهِمْ أوْجَبَ عَدَمَ اسْتِئْصالِهِمْ [عاطِفًا عَلى ﴿كَذَّبُوا﴾ [يونس: ٣٩] ]: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيْ: قَوْمِكَ ﴿مَن يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ ﴿ومِنهم مَن لا يُؤْمِنُ بِهِ﴾ أيِ القُرْآنِ أصْلًا ولَوْ رَأى كُلَّ آيَةٍ ﴿ورَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالرِّفْقِ بِأُمَّتِكَ ﴿أعْلَمُ بِالمُفْسِدِينَ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَرِيقُونَ في الإفْسادِ فَسَيُعامِلُهم بِما يَشْفِي صَدْرَكَ.
10:41–44Page 213
وَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل لِّي عَمَلِي وَلَكُمۡ عَمَلُكُمۡۖ أَنتُم بَرِيٓـُٔونَ مِمَّآ أَعۡمَلُ وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تَعۡمَلُونَ ٤١
And if they deny you, [O Muḥammad], then say, "For me are my deeds, and for you are your deeds. You are disassociated from what I do, and I am disassociated from what you do."
وَمِنۡهُم مَّن يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تُسۡمِعُ ٱلصُّمَّ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يَعۡقِلُونَ ٤٢
And among them are those who listen to you. But can you cause the deaf to hear [i.e., benefit from this hearing], although they will not use reason?
وَمِنۡهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيۡكَۚ أَفَأَنتَ تَهۡدِي ٱلۡعُمۡيَ وَلَوۡ كَانُواْ لَا يُبۡصِرُونَ ٤٣
And among them are those who look at you. But can you guide the blind although they will not [attempt to] see?
إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَظۡلِمُ ٱلنَّاسَ شَيۡـٔٗا وَلَٰكِنَّ ٱلنَّاسَ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٤٤
Indeed, Allāh does not wrong the people at all, but it is the people who are wronging themselves.
ولَمّا قَسَّمَتْهم هَذِهِ الآيَةُ قِسْمَيْنِ، وتُلِيَتْ بِذِكْرِ القِسْمِ الثّانِي بِالواوِ، عُرِفَ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى مَطْوِيِّ القِسْمِ الأوَّلِ، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَإنْ صَدَّقُوكَ فَقُلْ: اللَّهُ ولِيُّ هِدايَتِكم ولِي [مِثْلُ] أُجُورِكم بِنِسْبَتِي فِيها فَضْلًا مِن رَبِّي: ﴿وإنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ﴾ [أيْ] قَوْلَ مُنْصِفٍ مُعْتَمِدٍ عَلى قادِرٍ عالِمٍ ﴿لِي عَمَلِي﴾ بِالإيمانِ والطّاعَةِ ﴿ولَكم عَمَلُكُمْ﴾ (p-١٢٧)ما لِأحَدٍ مَنٌّ ولا عَلَيْهِ مِن جَزاءِ الآخَرِ شَيْءٌ؛ ثُمَّ صَرَّحَ بِالمَقْصُودِ مِن ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُحَذِّرًا لَهُمْ: ﴿أنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمّا أعْمَلُ﴾ أيْ: فَإنْ كانَ خَيْرًا لَمْ يَكُنْ لَكم مِنهُ شَيْءٌ وإنْ كانَ غَيْرُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكم مِنهُ شَيْءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ مِمّا تَعْمَلُونَ﴾ لا جُناحَ عَلَيَّ في شَيْءٍ مِنهُ لِأنِّي لا أقْدِرُ عَلى رَدِّكم عَنْهُ؛ والبَراءَةُ: قَطْعُ العَلَقَةِ الَّذِي يُوجِبُ رَفْعَ المُطالَبَةِ، ولا حاجَةَ إلى ادِّعاءِ نَسْخِ هَذِهِ الآيَةِ بِآيَةِ السَّيْفِ، فَإنَّهُ لا مُنافاةَ بَيْنَهُما، لِأنَّ هَذِهِ في رَفْعِ لَحاقِ الإثْمِ وهو لا يُنافِي الجِهادَ.
ولَمّا قَسَّمَهم إلى هَذَيْنِ القِسْمَيْنِ، قَسَّمَ القِسْمَ الأخِيرَ إلى قِسْمَيْنِ فَقالَ: ﴿ومِنهُمْ﴾ أيِ المُكَذِّبِينَ ﴿مَن﴾ ولَمّا كانَ المُسْتَمِعُ إلَيْهِ أكْثَرَ لِأنَّهم أشْهى النّاسِ إلى تَعَرُّفِ حالِهِ، وكانَ طَرِيقُ ذَلِكَ السَّمْعَ والبَصَرَ، وكانَ تَحْدِيقُ [العَيْنِ] إلَيْهِ لا يَخْفى، فَكانَ أكْثَرُهم يَتْرُكُهُ إظْهارًا لِبُغْضِهِ وخَوْفًا مِن إنْكارِ مَن يَراهُ عَلَيْهِ، وكانَ إلْقاءُ السَّمْعِ بِغايَةِ الجُهْدِ يُمْكِنُ إخْفاؤُهُ بِخِلافِ الإبْصارِ، عَبَّرَ هُنا بِالِافْتِعالِ، وجَمَعَ دالًّا عَلى كَثْرَتِهِمْ نَظَرًا إلى مَعْنى ”مَن“ وأفْرَدَ في النَّظَرِ اعْتِبارًا لِلَفْظِها ودالًّا عَلى قِلَّةِ النّاظِرِ بِما ذُكِرَ فَقالَ: ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ وضَمَّنَ الِاسْتِماعَ الإصْغاءَ لِيُؤَدِّيَ مُؤَدّى الفِعْلَيْنِ، ودَلَّ عَلى الإصْغاءِ بِصِلَتِهِ مُعَلَّقَةً بِحالٍ انْتُزِعَتْ مِنهُ فَكَأنَّهُ قالَ: مُصْغِينَ ﴿إلَيْكَ﴾ أيْ: عِنْدَ قِراءَةِ القُرْآنِ وبَيانِهِ بِالسُّنَّةِ، ولَكِنَّهم وإنْ كانُوا قِسْمَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى الِاسْتِماعِ والنَّظَرِ فَهم (p-١٢٨)قِسْمٌ واحِدٌ بِالنِّسْبَةِ إلى الضَّلالِ، فَكانَ تَعْقِيبُ ذَلِكَ بِحَشْرِهِمْ بَعْدَ قَصْرِ الهِدايَةِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ كَذِكْرِ حَشْرِهِمْ فِيما مَضى بَعْدَ تَقْسِيمِهِمْ إلى قِسْمَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ: ﴿ويَهْدِي مَن يَشاءُ إلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [يونس: ٢٥]
ولَمّا كانَ ﷺ يُرِيدُ - بِإسْماعِهِ لَهم ما أنْزَلَ اللَّهُ - هِدايَتَهم بِهِ، سَبَّبَ عَنِ اسْتِماعِهِمْ إنْكارَ إسْماعِهِمُ الإسْماعَ المُتَرَتِّبَ عَلَيْهِ الهُدى فَقالَ: ﴿أفَأنْتَ﴾ أيْ: وحْدَكَ ﴿تُسْمِعُ الصُّمَّ﴾ أيْ: في آذانِ قُلُوبِهِمْ لِأنَّهم يَسْتَمِعُونَ إلَيْكَ وقَدْ خَتَمَ عَلى أسْماعِهِمْ فَهم لا يَنْتَفِعُونَ بِاسْتِماعِهِمْ لِأنَّهم يَطْلُبُونَ السَّمْعَ لِلرَّدِّ لا لِلْفَهْمِ؛ والسَّمْعُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَكُونُ بِهِ مَسْمُوعًا، فَكانُوا بِعَدَمِ انْتِفاعِهِمْ كَأنَّهم [هُمْ] مَجانِينُ، لِأنَّ الأصَمَّ العاقِلَ رُبَّما فَهِمَ بِالتَّفَرُّسِ في تَحْرِيكِ الشِّفاهِ وغَيْرِها فَلِذا قالَ: ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿لا يَعْقِلُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم عَقْلٌ أصْلًا فَصارُوا بِحَيْثُ لا يُمْكِنُ إسْماعُهم لِأنَّهُ لا يُمْكِنُ إلّا بِسَماعِ الصَّوْتِ الدّالِّ عَلى المَعْنى [وبِفَهْمِ المَعْنى]، والمانِعُ مِنَ الأوَّلِ الصَّمَمُ، ومِنَ الثّانِي عَدَمُ العَقْلِ، فَصارُوا شَرًّا مِنَ البَهائِمِ؛ لِأنَّها -وإنْ كانَتْ لا تَعْقِلُ- فَهي تَسْمَعُ، والأصَمُّ: المُنْسَدُّ السَّمْعِ بِما يَمْنَعُ مِن إدْراكِ الصَّوْتِ ﴿ومِنهم مَن يَنْظُرُ﴾ مُحَدِّقًا أوْ رامِيًا بِبَصَرِهِ مِن بَعِيدٍ ﴿إلَيْكَ﴾ فَهو مِنَ التَّضْمِينِ كَما سَبَقَ في ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾ نُقِلَ عَنِ التَّفْتازانِيِّ أنَّهُ قالَ في حاشِيَةِ الكَشّافِ: وحَقِيقَةُ التَّضْمِينِ أنْ يُقْصَدَ بِالفِعْلِ مَعْناهُ الحَقِيقِيُّ مَعَ فِعْلٍ آخَرَ يُناسِبُهُ (p-١٢٩)وهُوَ كَثِيرٌ في كَلامِ العَرَبِ، وذَلِكَ مَعَ حَذْفِ حالٍ مَأْخُوذٍ مِنَ الفِعْلِ الآخَرِ بِمَعُونَةِ القَرِينَةِ اللَّفْظِيَّةِ، ويَتَعَيَّنُ جَعْلُ الفِعْلِ المَذْكُورِ أصْلًا والمَذْكُورِ حالُهُ تَبَعًا، لِأنَّ حَذْفَهُ والدَّلالَةَ عَلَيْهِ بِصِلَتِهِ يَدُلُّ عَلى اعْتِبارِهِ في الجُمْلَةِ لا عَلى زِيادَةِ القَصْدِ إلَيْهِ، ومِن أمْثِلَتِهِ: أحْمَدُ إلَيْكَ اللَّهَ، أيْ مُنْهِيًا إلَيْكَ حَمْدَهُ، ويُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى كَذا، أيْ نادِمًا عَلَيْهِ،
﴿ولا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾ [الكهف: ٢٨] أيْ: مُجاوِزَتَيْنِ عَنْهم إلى غَيْرِهِمْ،
﴿ولا تَأْكُلُوا أمْوالَهُمْ﴾ [النساء: ٢] ضامِّيها - ﴿إلى أمْوالِكُمْ﴾ [النساء: ٢] ﴿الرَّفَثُ﴾ [البقرة: ١٨٧] -مُفْضِينَ- ﴿إلى نِسائِكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٧] ﴿ولا تَعْزِمُوا﴾ [البقرة: ٢٣٥] أيْ: عَلى النِّكاحِ وأنْتُمْ تَنْوُونَ عُقْدَتَهُ و﴿لا يَسَّمَّعُونَ﴾ [الصافات: ٨] - مُصْغِينَ - ﴿إلى المَلإ الأعْلى﴾ [الصافات: ٨] سَمِعَ اللَّهُ - أيْ مُسْتَجِيبًا - لِمَن حَمِدَهُ،
﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ﴾ [البقرة: ٢٢٠] - مُمَيِّزًا لَهُ - ﴿مِنَ المُصْلِحِ﴾ [البقرة: ٢٢٠] والَّذِينَ يُؤْلُونَ - مُمْتَنِعِينَ مِن وطْءِ نِسائِهِمْ.
ولَمّا كانَ المَعْنى أنَّكَ يا أكْرَمَ الخَلْقِ تُرِيدُ بِنَظَرِ هَذا النّاظِرِ إلَيْكَ أنْ يَنْظُرَ إلى ما تَأْتِي بِهِ مِن باهِرِ الآياتِ فَيَهْتَدِيَ وهو غَيْرُ مُنْتَفِعٍ بِنَظَرِهِ لِما جُعِلَ عَلَيْهِ مِنَ الغِشاوَةِ فَكانَ كالأعْمى الَّذِي زادَ عَلى عَدَمِ بَصَرِهِ عَدَمُ العَقْلِ فَلا بَصَرَ ولا بَصِيرَةَ، قالَ مُنْكِرًا لِذَلِكَ: ﴿أفَأنْتَ تَهْدِي العُمْيَ﴾ (p-١٣٠)أيْ عُيُونًا وقُلُوبًا ﴿ولَوْ كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿لا يُبْصِرُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم بَصَرٌ ولا بَصِيرَةٌ، فَلا تُمْكِنُ هِدايَتُهُمْ، لِأنَّ هِدايَةَ الطَّرِيقِ الحِسِّيِّ لا تُمْكِنُ إلّا بِالبَصَرِ، وهِدايَةُ الطَّرِيقِ المَعْنَوِيِّ لا تُمْكِنُ إلّا بِالبَصِيرَةِ؛ والنَّظَرُ: طَلَبُ الرُّؤْيَةِ بِتَقْلِيبِ البَصَرِ، ونَظَرُ القَلْبِ طَلَبُ العِلْمِ بِالفِكْرِ؛ والعَمى: آفَةٌ تَمْنَعُ الرُّؤْيَةَ عَنِ العَيْنِ والقَلْبِ؛ والإبْصارُ: إدْراكُ الشَّيْءِ بِما بِهِ يَكُونُ مُبْصِرًا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما لَهُ فَعَلَ بِهِمْ هَذا والأمْرُ بِيَدِهِ؟ فَقِيلَ: لِأنَّهُ تامُّ المُلْكِ والمِلْكِ وهو مُتَفَضِّلٌ في جَمِيعِ نِعَمِهِ لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ فَهو لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ، وبَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ”إنَّ اللَّهَ“ وأحْسَنُ مِنهُ أنْ يُقالَ: ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: إذا عَلِمْتَ ذَلِكَ فَخَفِّفْ عَنْكَ بَعْضَ ما أنْتَ فِيهِ، فَإنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى إسْماعِهِمْ ولا هِدايَتِهِمْ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى أرادَ ما هم عَلَيْهِ مِنهم لِاسْتِحْقاقِهِمْ ذَلِكَ لِظُلْمِهِمْ أنْفُسَهُمْ، عَلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المُحِيطَ بِجَمِيعِ الكَمالِ ﴿لا يَظْلِمُ النّاسَ شَيْئًا﴾ وإنْ كانَ هو الَّذِي جَبَلَهم عَلى الشَّرِّ ﴿ولَكِنَّ النّاسَ﴾ أيْ: لِما عِنْدَهم مِن شِدَّةِ الِاضْطِرابِ والتَّقَلُّبِ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿يَظْلِمُونَ﴾ بِحَمْلِهِمْ لَها عَلى الشَّرِّ وصَرْفِ قُواهم فِيهِ بِاخْتِيارِهِمْ مَعَ زَجْرِهِمْ عَنْ ذَلِكَ وحَجْبِهِمْ عَمّا جُبِلُوا عَلَيْهِ وإنْ كانَ الكُلُّ بِيَدِهِ سُبْحانَهُ ولا يَكُونُ إلّا بِخَلْقِهِ.
10:45Page 214
وَيَوۡمَ يَحۡشُرُهُمۡ كَأَن لَّمۡ يَلۡبَثُوٓاْ إِلَّا سَاعَةٗ مِّنَ ٱلنَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيۡنَهُمۡۚ قَدۡ خَسِرَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَآءِ ٱللَّهِ وَمَا كَانُواْ مُهۡتَدِينَ ٤٥
And on the Day when He will gather them, [it will be] as if they had not remained [in the world] but an hour of the day, [and] they will know each other. Those will have lost who denied the meeting with Allāh and were not guided.
(p-١٣١)ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآياتِ ما ذُكِرَ مِن أفانِينِ جِدالِهِمْ في أباطِيلِهِمْ وضَلالِهِمْ، وكانَ فِعْلُ ذَلِكَ - مِمَّنْ لا يُرى حَشْرًا ولا جَزاءً ولا نَعِيمًا وراءَ نَعِيمِ هَذِهِ الدّارِ - فِعْلُ فارِغِ السِّرِّ مُسْتَطِيلٌ لِلزَّمانِ آمِنٌ مِن نَوازِلِ الحَدَثانِ، حَسُنَ تَعْقِيبُهُ بِأنَّهم يَرَوْنَ يَوْمَ الحَشْرِ \ مِنَ الأهْوالِ ما يَسْتَقْصِرُونَ مَعَهُ مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا، فَقَدْ خَسِرُوا إذَنْ دُنْياهم بِالنِّزاعِ، وآخِرَتَهم بِالعَذابِ الَّذِي لا يُسْتَطاعُ، ولَيْسَ لَهُ انْقِطاعٌ، فَقالَ تَعالى مُهَدِّدًا لِهَؤُلاءِ الكُفّارِ الَّذِينَ يُعانِدُونَ فَلا يَسْمَعُونَ ولا يُبْصِرُونَ عاطِفًا عَلى: ﴿ويَوْمَ نَحْشُرُهُمْ﴾ [يونس: ٢٨] الأُولى: ﴿ويَوْمَ يَحْشُرُهُمْ﴾ أيْ: واسْتَقْصَرُوا مُدَّةَ لُبْثِهِمْ في الدُّنْيا يَوْمَ الحَشْرِ لِما يَسْتَقْبِلُهم مِنَ الأهْوالِ والزَّلازِلِ الطِّوالِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إلى أيِّ غايَةٍ؟ فَقِيلَ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَلْبَثُوا﴾ في دُنْياهُمْ، والجُمْلَةُ [فِي] مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ ”نَحْشُرُهم“ البارِزِ أيْ مُشَبَّهِينَ بِمَن لَمْ يَلْبَثُوا ﴿إلا ساعَةً﴾ أيْ: حَقِيرَةً ﴿مِنَ النَّهارِ﴾ وقَوْلُهُ: ﴿يَتَعارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ حالٌ ثانِيَةٌ، أيْ لَمْ يُفِدْهم تِلْكَ السّاعَةُ أكْثَرَ مِن أنْ عَرَفَ فِيها بَعْضُهم بَعْضًا لِيَزْدادُوا بِذَلِكَ حَسْرَةً في ذَلِكَ اليَوْمِ بِعَدَمِ القُدْرَةِ عَلى التَّناصُرِ والتَّعاوُنِ والتَّظافُرِ كَما كانُوا يَفْعَلُونَ في الدُّنْيا.
ولَمّا كانَتْ حالُهم هَذِهِ هي الخَسارَةَ الَّتِي لَيْسَ مَعَها تِجارَةٌ، فَكانَ السّامِعُ مُتَوَقِّعًا لِلْخَبَرِ عَنْها، قالَ مُتَعَجِّبًا مِنهم مَوْضِعَ: ما أخْسَرَهُمْ: (p-١٣٢)﴿قَدْ خَسِرَ﴾ أيْ: حَقًّا ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا﴾ أُظْهِرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ [مُسْتَهِينِينَ] ﴿بِلِقاءِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى بِما أخَذُوا مِنَ الدُّنْيا مِنَ الخَسِيسِ الفانِي وتَرَكُوا مِمّا كُشِفَ لَهم عَنْهُ البَعْثُ مِنَ النَّعِيمِ الشَّرِيفِ الباقِي؛ ولَمّا كانَ الَّذِي وقَعَ مِنهُ تَكْذِيبٌ مَرَّةً في الدَّهْرِ قَدْ يُفِيقُ بَعْدَ ذَلِكَ فَيَهْتَدِي، قالَ عاطِفًا عَلى الصِّلَةِ: ﴿وما كانُوا﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُهْتَدِينَ﴾ مُشِيرًا إلى تَسْفِيهِهِمْ فِيما يَدَّعُونَ البَصَرَ فِيهِ مِن أمْرِ المَتْجَرِ والمَعْرِفَةِ بِأنْواعِ الهِدايَةِ.
10:46Page 214
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعۡضَ ٱلَّذِي نَعِدُهُمۡ أَوۡ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ ٱللَّهُ شَهِيدٌ عَلَىٰ مَا يَفۡعَلُونَ ٤٦
And whether We show you some of what We promise them, [O Muḥammad], or We take you in death, to Us is their return; then, [either way], Allāh is a witness concerning what they are doing.
ولَمّا كانَ إخْبارُ الصّادِقِ بِهَلاكِ الأعْداءِ مُقِرًّا لِلْعَيْنِ، وكانَتْ مُشاهَدَةُ هَلاكِهِمْ أقَرَّ لَها، عُطِفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿قَدْ خَسِرَ﴾ [يونس: ٤٥] ﴿وإمّا نُرِيَنَّكَ﴾ أيْ: إراءَةً عَظِيمَةً قَبْلَ وفاتِكَ ﴿بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ﴾ أيْ: في الدُّنْيا بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ فَهو أقَرُّ لِعَيْنِكَ ﴿أوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ﴾ قَبْلَ ذَلِكَ ﴿فَإلَيْنا مَرْجِعُهُمْ﴾ فَنُرِيكَ فِيما هُنالِكَ ما هو أقَرُّ لِعَيْنِكَ وأسَرُّ لِقَلْبِكَ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا الإراءَةَ دَلِيلًا عَلى حَذْفِها ثانِيًا، والوَفاةَ ثانِيًا دَلِيلًا عَلى حَذْفِها أوَّلًا؛ و”ثُمَّ“ في قَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿شَهِيدٌ﴾ أيْ: بالِغُ الشَّهادَةِ ﴿عَلى ما يَفْعَلُونَ﴾ في الدّارَيْنِ - يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ عَلى بابِها، فَتَكُونُ مُشِيرَةً إلى التَّراخِي بَيْنَ ابْتِداءِ رُجُوعِهِمْ بِالمَوْتِ وآخِرِهِ بِالقِيامَةِ، لَيْسَ المُرادُ بِقَوْلِهِ: ﴿شَهِيدٌ﴾ ظاهِرُهُ، بَلِ العَذابُ النّاشِئُ عَنِ الشَّهادَةِ في الآخِرَةِ إلى أنَّ اللَّهَ يُعاقِبُهم بَعْدَ مَرْجِعِهِمْ، فَيُرِيكَ ما بَعْدَهم لِأنَّهُ عالِمٌ بِما يَفْعَلُونَ.
10:47Page 214
وَلِكُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولٞۖ فَإِذَا جَآءَ رَسُولُهُمۡ قُضِيَ بَيۡنَهُم بِٱلۡقِسۡطِ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ٤٧
And for every nation is a messenger. So when their messenger comes,1 it will be judged between them in justice, and they will not be wronged.
(p-١٣٣)ولَمّا كانَ في هَذِهِ الآيَةِ التَّهْدِيدُ بِالعَذابِ إمّا في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ لَهُ ﷺ واحِدَةٌ مِنهُما، أتْبَعَها بِما هو صالِحٌ لِلْأمْرَيْنِ بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ رَسُولٍ إشارَةً إلى أنَّ أحْوالَ الأُمَمِ عَلى غَيْرِ نِظامٍ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجْزِمْ بِتَعْيِينِ واحِدَةٍ مِنَ الدّارَيْنِ لِلْجَزاءِ، وجُعِلَ الأمْرُ مَنُوطًا بِالقِسْطِ، فَفي أيِّ دارٍ أُحْكِمَ جَعَلَهُ فِيها، فَقالَ تَعالى: [دالًّا عَلى أنَّهُ نَشَرَ ذِكْرَ الإسْلامِ وهو الإيمانُ بِاللَّهِ ومَلائِكَتِهِ وكُتُبِهِ ورَسُولِهِ واليَوْمِ الآخِرِ مِن عَهْدِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى آخِرِ الدَّهْرِ عَلى وجْهٍ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ انْدِراسٌ في دَهْرٍ مِنَ الدُّهُورِ، فَمَن تَرَكَهُ اسْتَحَقَّ العَذابَ سَواءٌ كانَ مِمَّنْ بَيْنَ عِيسى ومُحَمَّدٍ عَلَيْهِما السَّلامُ أمْ لا، فَلا تَغْتَرَّ بِما يُقالُ مِن غَيْرِ هَذا]: ﴿ولِكُلِّ أُمَّةٍ﴾ أيْ: مِنَ الأُمَمِ الَّتِي خَلَتْ قَبْلَكَ ﴿رَسُولٌ﴾ يَدْعُوهم إلى اللَّهِ؛ ثُمَّ سَبَّبَ عَنْ إتْيانِ رَسُولِهِمْ بَيانَ القَضاءِ فِيهِمْ فَقالَ: ﴿فَإذا جاءَ﴾ [أيْ] إلَيْهِمْ ﴿رَسُولُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالبَيِّناتِ والهُدى؛ وفي الآخِرَةِ في المَوْقِفِ بِالإخْبارِ بِما صَنَعُوا بِهِ في الدُّنْيا مِن تَكْذِيبٍ أوْ تَصْدِيقٍ ﴿قُضِيَ بَيْنَهُمْ﴾ [أيْ في جَمِيعِ الأُمُورِ بِما أفادَهُ نَزْعُ الخافِضِ عَلى أسْهَلِ وجْهٍ مِن غَيْرِ شَكٍّ بِما أفادَهُ البِناءُ لِلْمَفْعُولِ؛ ولَمّا كانَ السِّياقُ بِالتَّرْهِيبِ أجْدَرَ، قالَ]: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيْ: أظْهَرَ ما كانَ [خَفِيًّا] مِنَ اسْتِحْقاقِهِمْ في القَضاءِ بِالعَدْلِ [والقِسْمَةِ المُنْصِفَةِ بَيْنَهم كُلِّهِمْ بِالسَّوِيَّةِ، فَأعْطى كُلَّ أحَدٍ مِنهم مِقْدارَ ما يَخُصُّهُ] مِن تَعْجِيلِ العَذابِ وتَأْخِيرِهِ كَما فَعَلَ مَعَكَ؛ ولَمّا كانَ ذَلِكَ لا يَسْتَلْزِمُ الدَّوامَ، قالَ: ﴿وهم لا يُظْلَمُونَ﴾ (p-١٣٤)أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم ظُلْمٌ مِنهُ سُبْحانَهُ ولا مِن غَيْرِهِ.
10:48Page 214
وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هَٰذَا ٱلۡوَعۡدُ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٤٨
And they say, "When is [the fulfillment of] this promise, if you should be truthful?"
ولَمّا تَقَدَّمَ في هَذِهِ الآياتِ تَهْدِيدُهم بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، حَكى سُبْحانَهُ جَوابَهم عَنْ ذَلِكَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ويَقُولُونَ لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [يونس: ٢٠] فَقالَ: ﴿ويَقُولُونَ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ المُشْرِكُونَ مُجَدِّدِينَ لِهَذا القَوْلِ مُسْتَمِرِّينَ عَلى ذَلِكَ اسْتِهْزاءً: ﴿مَتى هَذا الوَعْدُ﴾ أيْ: بِالعَذابِ في الدُّنْيا أوْ في الآخِرَةِ، وألْهَبُوا وهَيَّجُوا بِقَوْلِهِمْ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: أنْتَ ومَن قالَ بِقَوْلِكَ ﴿صادِقِينَ﴾ والقَوْلُ كَلامٌ مُضَمَّنٌ في ذِكْرِهِ بِالحِكايَةِ وقَدْ يَكُونُ كَلامٌ لا يُعَبَّرُ عَنْهُ فَلا يَكُونُ لَهُ ذِكْرٌ \ مُضَمَّنٌ بِالحِكايَةِ، فَلا يَكُونُ قَوْلًا [لِأنَّهُ إنَّما يَكُونُ قَوْلًا] مِن أجْلِ تَضَمُّنِ ذِكْرِهِ بِالحِكايَةِ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ، ولِتَضْمِينِ جَعْلِ الشَّيْءِ في وِعاءٍ؛ والوَعْدُ: خَبَرٌ بِما يُعْطى مِنَ الخَيْرِ، والوَعِيدُ: خَبَرٌ بِما يُعْطى مِنَ الشَّرِّ، وقَدْ يُرادُ الإجْمالُ كَما هُنا فَيُطْلَقُ الوَعْدُ عَلى المَعْنَيَيْنِ: وعْدِ المُحْسِنِ بِالثَّوابِ والمُسِيءِ بِالعِقابِ؛ والصِّدْقُ: الخَبَرُ عَنِ الشَّيْءِ عَلى ما هو بِهِ؛ والكَذِبُ: الخَبَرُ عَنْهُ عَلى خِلافِ ما هو بِهِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences