Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Hud 11:116–123
11:116Page 234
فَلَوۡلَا كَانَ مِنَ ٱلۡقُرُونِ مِن قَبۡلِكُمۡ أُوْلُواْ بَقِيَّةٖ يَنۡهَوۡنَ عَنِ ٱلۡفَسَادِ فِي ٱلۡأَرۡضِ إِلَّا قَلِيلٗا مِّمَّنۡ أَنجَيۡنَا مِنۡهُمۡۗ وَٱتَّبَعَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَآ أُتۡرِفُواْ فِيهِ وَكَانُواْ مُجۡرِمِينَ ١١٦
So why were there not1 among the generations before you those of enduring discrimination forbidding corruption on earth - except a few of those We saved from among them? But those who wronged pursued what luxury they were given therein, and they were criminals.
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ كُلُّهُ مُشِيرًا إلى اسْتِبْعادِ إيمانِ المُعانِدِينَ بِشَيْءٍ مِن تَدْبِيرٍ آدَمِيٍّ كَما تَكادُ القِصَصُ تَنْطِقُ بِهِ، وكَذا الإعْلامُ بِأنَّ عِبادَتَهم إنَّما هي لِلتَّقْلِيدِ وبِاخْتِلافِ قَوْمِ مُوسى في كِتابِهِ الَّذِي هو هُدًى ورَحْمَةٌ، وكُلُّ ذَلِكَ فَطْمًا عَنْ طَلَبِ ما قَدْ يَهْجِسُ في الخاطِرِ مِن تَمَنِّي إجابَتِهِمْ إلى ما يَقْتَرِحُونَ أوِ الكَفِّ عَنْ بَعْضِ ما يَغِيظُ مِنَ الإنْذارِ، وكانَ مِن طَبْعِ البَشَرِ البُعْدُ عَنِ الِانْتِهاءِ عَنِ الخَواطِرِ إلّا بَعْدَ التَّجْرِبَةِ، كانَ ذَلِكَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لَوْ أُجِيبُوا إلى سُؤالِهِمْ لَرُبَّما رَجَعُوا عَنْ كَثِيرٍ مِمّا هم فِيهِ، فَدَعاهم ذَلِكَ إلى الرَّشادِ، فَتَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ دَفْعًا لَهُ: ﴿فَلَوْلا كانَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مُناسَبَتُها أنَّهُ لَمّا ذَكَرَ إهْلاكَ القُرُونِ الماضِيَةِ والأُمَمِ السّالِفَةِ (p-٣٩٨)بِما مَضى إلى أنْ خَتَمَ بِالأمْرِ بِالصَّبْرِ عَلى الإحْسانِ مِنَ الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ، كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يَقَعَ في فِكْرِ الِاعْتِراضِ بِأنْ يُقالَ: ما المُوجِبُ لِذَلِكَ؟ فَبَيَّنَ أنَّ سَبَبَ الهَلاكِ الإعْراضُ عَنْ نَهْيِ مُنْتَهِكِ الحُرُماتِ والمُجْتَرِئِ عَلى هَتْكِ الأسْتارِ الجَلِيلَةِ والرَّتْعِ في الحِمى مَعَ تَمَكُّنِهِمْ بِما أوْدَعَ فِيهِمْ سُبْحانَهُ مِنَ القُوى والقُدْرَةِ عَلى اخْتِيارِ جانِبِ الخَيْرِ والإعْراضِ عَنْ جانِبِ الشَّرِّ فَقالَ تَعالى: ﴿فَلَوْلا﴾ بِصِيغَةٍ تَحْتَمِلُ التَّخْصِيصَ، وفِيها مَعْنى التَّفَجُّعِ والتَّأسُّفِ لِاعْتِبارِ كُلِّ مَن كانَ عَلى مِثْلِ حالِهِمْ ﴿مِنَ القُرُونِ﴾ أيِ المُهْلَكِينَ الأشِدّاءِ الكائِنِينَ في زَمانٍ ما.
ولَمّا كانَ المُرادُ القُرُونَ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُ إهْلاكِها، وكانَتْ أزْمِنَتُهم بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكم أُولُو﴾ أيْ: أصْحابُ ﴿بَقِيَّةٍ﴾ أيْ: حِفْظٍ وخَيْرٍ ومُراقَبَةٍ لِما يُصْلِحُهُمْ، لِأنَّ مادَّةَ ”بَقِيَ“ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويَلْزَمُهُ القُوَّةُ والثَّباتُ والحِفْظُ، مِن قَوْلِهِمُ: ابْقِهِ بِقُوَّتِكَ مالَكَ - وزْنَ ادْعُهُ - أيِ احْفَظْهُ حِفْظَكَ مالَكَ، ويَلْزَمُهُ النَّظَرُ والمُراقَبَةُ: بَقِيتُ الشَّيْءَ - إذا نَظَرْتَ إلَيْهِ ورَصَدْتَهُ، ويَلْزَمُهُ الثَّباتُ: بَقِيَ بَقاءً - إذا دامَ، والخَيْرُ والجَوْدَةُ؛ قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: لِأنَّ الرَّجُلَ يَسْتَبْقِي مِمّا يُخْرِجُهُ أجْوَدَهُ وأفْضَلَهُ، ويُقالُ: فُلانٌ مِن بَقِيَّةِ قَوْمٍ، أيْ (p-٣٩٩)مِن خِيارِهِمْ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وجَعَلْنا بَيْنَهم مَوْبِقًا﴾ [الكهف: ٥٢] إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يَنْهَوْنَ﴾ أيْ: يُجَدِّدُونَ النَّهْيَ في كُلِّ حِينٍ إشارَةً إلى كَثْرَةِ المُفْسِدِينَ ﴿عَنِ الفَسادِ﴾ [الكائِنِ] ﴿فِي الأرْضِ﴾ و”لَوْلا“ هُنا كالَّتِي في يُونُسَ تَوْبِيخِيَّةٌ أوِ اسْتِفْهامِيَّةٌ كَما جَوَّزَهُما الرُّمّانِيُّ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ تَخْصِيصِيَّةً كَما قالَ الزَّمَخْشَرِيُّ، ويَكُونُ لِلسّامِعِ لا لِلْمُهْلَكِ، لِأنَّ الآيَةَ لِما تَضَمَّنَتْ إهْلاكَ المُقِرِّ عَلى الفَسادِ كانَ في ذَلِكَ أقْوى حَثٍّ لِغَيْرِهِمْ عَلى الأمْرِ والنَّهْيِ [و] أوْفى تَهْدِيدٍ زاجِرٍ عَنِ ارْتِكابِ مِثْلِ حالِهِمُ المُوقِعِ في أضْعافِ نَكالِهِمْ، وفي تَعْقِيبِ هَذِهِ الآيَةِ لِآيَةِ الصَّبْرِ إشارَةٌ إلى أنَّ الصَّبْرَ عَلى الأمْرِ بِالمَعْرُوفِ والنَّهْيِ عَنِ المُنْكَرِ في الذُّرْوَةِ العُلْيا، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢]
ولَمّا كانَتِ المَعانِي الثَّلاثَةُ مُتَضَمِّنَةً لِلنَّفْيِ، كانَ المَعْنى: لَمْ يَكُنْ مِن يَفْعَلُ ذَلِكَ، فاتَّصَلَ الِاسْتِثْناءُ في قَوْلِهِ: ﴿إلا قَلِيلا﴾ أيْ: صالِحِينَ ﴿مِمَّنْ أنْجَيْنا مِنهُمْ﴾ والظّاهِرُ أنَّ ”مِن“ بَيانِيَّةٌ، أيْ هُمُ الَّذِينَ أنْجَيْنا فَإنَّهم نَهَوْا عَنِ الفَسادِ، [وعَبَّرَ بِالإنْجاءِ لِأنَّهُ الدّالُّ عَلى الخَيْرِ الحامِلِ لِلنَّهْيِ عَنِ الفَسادِ دُونَ التَّنْجِيَةِ الدّالَّةِ عَلى التَّدْرِيجِ والإبْلاغِ في الإنْجاءِ فَلَوْ عَبَّرَ بِها فَسَدَ المَعْنى] ﴿واتَّبَعَ﴾ الأكْثَرُ وهم ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ (p-٤٠٠)أيْ أوْقَعُوا الظُّلْمَ بِتَرْكِ النَّهْيِ عَنِ الفَسادِ، وما أحْسَنَ إطْلاقَها عَنِ التَّقْيِيدِ بِ: ”مِنهم“ ﴿ما﴾ ولَمّا كانَ المُبْطِرُ لَهم نَفْسَ التَّرَفِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُتْرِفُوا فِيهِ﴾ فَأبْطَرَتْهُمُ النِّعْمَةُ حَتّى طَغَوْا وتَجَبَّرُوا ﴿وكانُوا مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: مُتَّصِفِينَ عَلى سَبِيلِ الرُّسُوخِ بِالإجْرامِ، وهو قَطْعُ حَبْلِ اللَّهِ عَلى الدَّوامِ، فَأهْلَكَهم رَبُّكَ لِإجْرامِهِمْ، ولَوْلا ذَلِكَ لَما فَعَلَ، فَإنَّ إهْلاكَهم عَلى تَقْدِيرِ الِانْفِكاكِ عَنِ الإجْرامِ يَكُونُ ظُلْمًا عَلى ما يَتَعارَفُونَ.
11:117Page 234
وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهۡلِكَ ٱلۡقُرَىٰ بِظُلۡمٖ وَأَهۡلُهَا مُصۡلِحُونَ ١١٧
And your Lord would not have destroyed the cities unjustly while their people were reformers.
ولَمّا لاحَ بِما مَضى أنَّ العِبْرَةَ في الإهْلاكِ والإنْجاءِ لِلْأكْثَرِ، قَرَّرَهُ وأكَّدَهُ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وما كانَ رَبُّكَ﴾ ذُكِرَ سُبْحانَهُ بِالوَصْفِ المُفْهِمِ لِلْإحْسانِ تَثْبِيتًا [لَهُ] وتَأْمِينًا ﴿لِيُهْلِكَ القُرى﴾ أيْ: إهْلاكًا عامًّا ﴿بِظُلْمٍ﴾ أيْ: أيِّ ظُلْمٍ كانَ، صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ ﴿وأهْلُها مُصْلِحُونَ﴾ أيْ: في حالِ ظُلْمٍ بِأنْ يُوقِعَ إهْلاكَهم في حالِ إصْلاحِهُمُ الَّذِي هم عَرِيقُونَ فِيهِ، فَيَكُونُ الإهْلاكُ في غَيْرِ مَوْقِعِهِ عَلى ما يَتَعارَفُ العِبادُ مَعَ العِلْمِ بِأنَّ لَهُ أنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ في نَفْسِ الأمْرِ لِأنَّهُ لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ والإهْلاكُ: إيجابُ ما يُبْطِلُ الإحْساسَ، والهَلاكُ: ضَياعُ الشَّيْءِ وهو حُصُولُهُ بِحَيْثُ لا يُدْرى أيْنَ هُوَ؛ والإصْلاحُ: إيجابُ ما يَسْتَقِيمُ بِهِ الأمْرُ عَلى ما يَدْعُو إلَيْهِ العَقْلُ.
11:118–119Page 235
وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗۖ وَلَا يَزَالُونَ مُخۡتَلِفِينَ ١١٨
And if your Lord had willed, He could have made mankind one community; but they will not cease to differ,
إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١١٩
Except whom your Lord has given mercy, and for that He created them. But the word of your Lord is to be fulfilled that, "I will surely fill Hell with jinn and men all together."
(p-٤٠١)ولَمّا كانَ مِثْلُ هَذِهِ الآياتِ رُبَّما أوْهَمَ أنَّ إيمانَ مِثْلِ هَؤُلاءِ مِمّا لا يَدْخُلُ تَحْتَ المَشِيئَةِ، نَفى ذَلِكَ الوَهْمَ مُبَيِّنًا انْفِكاكَ المَشِيئَةِ عَنِ الأمْرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولَوْ شاءَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِكُلِّ إحْسانٍ يَزِيدُكَ رِفْعَةً ﴿لَجَعَلَ النّاسَ﴾ أيْ: كُلَّهم ﴿أُمَّةً واحِدَةً﴾ عَلى الإصْلاحِ، فَهو قادِرٌ عَلى أنْ يَجْعَلَهم كُلَّهم مُصْلِحِينَ مُتَّفِقِينَ عَلى الإيمانِ فَلا يُهْلِكُهُمْ، ولَكِنَّهُ لَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، بَلْ شاءَ اخْتِلافَهم والأمْرُ تابِعٌ لِمَشِيئَتِهِ فاخْتَلَفُوا ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ أيْ: ثابِتًا اخْتِلافُهم لِكَوْنِهِمْ عَلى أدْيانٍ شَتّى ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِالتَّأْلِيفِ بَيْنَهم في جَعْلِهِمْ مِن أهْلِ طاعَتِكَ فَإنَّهم لا يَخْتَلِفُونَ في أُصُولِ الحَقِّ. ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ رُبَّما أوْجَبَ أنْ يُقالَ: لِمْ لَمْ يُقْبِلْ بِقُلُوبِهِمْ إلى الهُدى ويَصْرِفْهم عَنْ مُوجِباتِ الرَّدى إذا كانَ قادِرًا؟ قالَ تَعالى مُجِيبًا عَنْ ذَلِكَ: ﴿ولِذَلِكَ﴾ أيِ الِاخْتِلافِ ﴿خَلَقَهُمْ﴾ [أيِ اخْتَرَعَهم وأوْجَدَهم مِنَ العَدَمِ وقَدَّرَهُمْ]، وذَلِكَ أنَّهُ لَمّا طَبَعَهم سُبْحانَهُ عَلى خَلائِقَ مِنَ الخَيْرِ والشَّرِّ تَقْتَضِي الِاخْتِلافَ لِتَفاوُتِهِمْ فِيها، جُعِلُوا كَأنَّهم خُلِقُوا لَهُ فَجَرَوْا مَعَ القَضاءِ والقَدَرِ، ولَمْ يُمْكِنْهُمُ الجَرْيُ عَلى ما تَدْعُو إلَيْهِ العُقُولُ في أنَّ الِاتِّفاقَ رَحْمَةٌ والِاخْتِلافَ نِقْمَةٌ، فاسْتَحَقَّ فَرِيقٌ مِنهُمُ النّارَ وفَرِيقٌ الجَنَّةَ، ولَيْسَ ذَلِكَ مُخالِفًا لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وما خَلَقْتُ الجِنَّ والإنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦] (p-٤٠٢)بَلْ هو مِن شَكْلِهِ؛ أيْ أنَّهُ تَعالى لَمّا رَكَّبَهم عَلى العَجْزِ ومَنَحَهُمُ العُقُولَ مَعَ نَصْبِ الأدِلَّةِ، كانَ ذَلِكَ مُهَيِّئًا لِلْعِبادَةِ فَكانُوا كَأنَّهم ما خُلِقُوا إلّا لَها أيْ ما خَلَقْتُهم إلّا لِيَعْرِفُونِ بِنُفُوذِ أقْضِيَتِي وتَصارِيفِي فِيهِمْ فَيَعْبُدُونَ، أيْ يَخْضَعُوا لِي؛ فَمَن كانَ مِنهم طائِعًا فَهو عابِدٌ حَقِيقَةً، ومَن كانَ عاصِيًا كانَ عابِدًا مَجازًا، أيْ: خاضِعًا لِلْأمْرِ لِنُفُوذِهِ فِيهِ وعَجْزِهِ عَنِ الِامْتِناعِ كَما قالَ تَعالى: ﴿ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَن في السَّماواتِ والأرْضِ طَوْعًا وكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥] - الآيَةَ. فَقَدْ بانَ أنَّ خَلْقَهم لِلْعِبادَةِ فَقَطْ يُنافِي خَلْقَهم لِلِاخْتِلافِ، لِأنَّ جَرْيَهم في قَضائِهِ بِالِاخْتِلافِ عِبادَةٌ وسُجُودٌ لُغَةً، وذَلِكَ أنَّ مادَّتِي عَبَدَ وسَجَدَ تَدُورانِ عَلى الخُضُوعِ والذُّلِّ والِانْقِيادِ، وبِذَلِكَ كانَ الكُلُّ عَبِيدَ اللَّهِ، أوِ الإشارَةُ إلى مَجْمَعِ الِاتِّفاقِ والِاخْتِلافِ لِيَظْهَرَ فَضْلُهُ عَلى مَن ثَبَّتَهم ويَظْهَرُ عَدْلُهُ فِيمَن خَذَلَهم.
ولَمّا كانَ هَذا الِاخْتِلافُ سَبَبَ الكُفْرِ الَّذِي أرْسَلَ رُسُلَهُ بِالقِتالِ عَلَيْهِ، كانَ رُبَّما ظُنَّ أنَّهُ بِغَيْرِ مَشِيئَتِهِ، فَبَيَّنَ أنَّهُ إنَّما هو بِمُرادِهِ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وتَمَّتْ﴾ أيْ: فَبادَرُوا إلى ما خَلَقَهم لَهم مُعْرِضِينَ عَنْ أوامِرِهِ ولَمْ تُغْنِ عَنْهم عُقُولُهُمْ، وتَمَّتْ حِينَئِذٍ ﴿كَلِمَةُ رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِقَهْرِ أعْدائِكَ الَّتِي سَبَقَتْ في الأزَلِ وهي وعِزَّتِي ﴿لأمْلأنَّ جَهَنَّمَ﴾ (p-٤٠٣)[أيْ] الَّتِي تَلْقى المُعَذَّبَ فِيها بِالتَّجَهُّمِ والعَبُوسَةَ ﴿مِنَ الجِنَّةِ﴾ أيْ: قَبِيلُ الجِنِّ، [قَدَّمَهم لِأنَّهم أصْلٌ في الشَّرِّ، ثُمَّ عَمَّ فَقالَ]: ﴿والنّاسِ أجْمَعِينَ﴾ فَمَشَوْا عَلى ما أرادَ ولَمْ يُمْكِنْهم مَعَ عُقُولِهِمُ الجَيِّدَةِ الِاسْتِعْدادُ وقُواهُمُ الشِّدادِ غَيْرَ إلْقاءِ القِيادِ، فَمَن قالَ: إنَّهُ يَخْلُقُ فِعْلَهُ أوْ لَهُ قُدْرَةٌ عَلى شَيْءٍ فَلْيَفْعَلْ غَيْرَ ذَلِكَ؛ بِأنْ يُخْبِرَ بِاتِّفاقِهِمْ ثُمَّ يَفْعَلُهُ لِيَتِمَّ قَوْلُهُ. وإلّا فَلْيَعْلَمْ أنَّهُ مَرْبُوبٌ مَقْهُورٌ فَيَسْمَعُ رِسالاتِ رَبِّهِ إلَيْهِ بِقالَبِهِ وقَلْبِهِ.
11:120Page 235
وَكُلّٗا نَّقُصُّ عَلَيۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِۦ فُؤَادَكَۚ وَجَآءَكَ فِي هَٰذِهِ ٱلۡحَقُّ وَمَوۡعِظَةٞ وَذِكۡرَىٰ لِلۡمُؤۡمِنِينَ ١٢٠
And each [story] We relate to you from the news of the messengers is that by which We make firm your heart. And there has come to you, in this, the truth and an instruction and a reminder for the believers.
ولَمّا أخْبَرَ سُبْحانَهُ بِما فُعِلَ بِالقُرى الظّالِمَةِ، وحَذَّرَ كُلَّ مَن فَعَلَ أفْعالَهم بِسَطَواتِهِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ، وأمَرَ بِاتِّباعِ أمْرِهِ والإعْراضِ عَنِ اخْتِلافِهِمُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ وأرادَهُ، عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ [هود: ١٠٠] قَوْلَهُ: ﴿وكُلا نَقُصُّ﴾ أيْ: ونَقُصُّ ﴿عَلَيْكَ﴾ كُلَّ نَبَأٍ؛ أيْ: خَبَرٍ عَظِيمٍ جِدًّا ﴿مِن أنْباءِ الرُّسُلِ﴾ مَعَ أُمَمِهِمْ: صالِحِيهِمْ وفاسِدِيهِمْ، فَعَمَّ تَفْخِيمًا لِلْأمْرِ، ولَمّا كانَ الَّذِي جَرَّ هَذِهِ \ القِصَصَ ما مَضى مِن قَوْلِهِ: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] - الآيَةَ. وكانَ ساكِنُ الصَّدْرِ القَلْبَ، وهو الفُؤادُ الَّذِي بِهِ قِوامُ الإنْسانِ بَلِ الحَيَوانِ، وهو أحَرُّ ما فِيهِ، ولِذا عَبَّرَ عَنْهُ بِما اشْتُقَّ مِنَ الفَأْدِ وهو (p-٤٠٤)الحَرْقُ، وكانَ مِن لازِمِ الحَرارَةِ الِاضْطِرابُ والتَّقَلُّبُ الَّذِي اشْتُقَّ مِنهُ القَلْبُ فَيَضِيقُ بِهِ الصَّدْرُ، أبْدَلَ مِن ”كُلًّا“ قَوْلُهُ: ﴿ما نُثَبِّتُ﴾ أيْ: تَثْبِيتًا عَظِيمًا ﴿بِهِ فُؤادَكَ﴾ أيْ: فَيَسْكُنُ في مَوْضِعِهِ ويَطْمَئِنَّ أوْ يَزْدادَ يَقِينُهُ فَلا يَضِيقُ الصَّدْرُ مِن قَوْلِهِمْ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] ونَحْوِهِ، وبِهَذا تَبَيَّنَ أنَّ المُرادَ بِذَلِكَ العامِّ خاصٌّ لِحُصُولِهِ المَقْصُودَ لَهُ، وهو التَّسْلِيَةُ نَظَرًا إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] لِأنَّ المُشارَكَةَ في الأُمُورِ الصَّعْبَةِ تُهَوِّنُ عَلى الإنْسانِ ما يَلْقى مِنَ الأذى، والإعْلامَ بِعُقُوباتِ المُكَذِّبِينَ فِيها تَأْنِيسٌ لِلْمَكْرُوبِ؛ والتَّثْبِيتُ: تَمْكِينُ إقامَةِ الشَّيْءِ؛ والفُؤادُ: العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ الحالِّ فِيهِ، مِنَ المُفْتَأدِ وهو المُسْتَوِي.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّ كُلَّ ما قُصَّ عَلَيْهِ مِن أخْبارِهِمْ يَسْتَلْزِمُ هَذا المَقْصُودَ، بَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ كَما يُعَلَّلُ بِهِ غالِبًا مِنَ الأخْبارِ الفارِغَةِ والأحادِيثِ المُزَخْرَفَةِ الباطِلَةِ ولا مِمّا يَنْقُلُهُ المُؤَرِّخُونَ مَشُوبًا بِالتَّحْرِيفِ فَقالَ: ﴿وجاءَكَ في هَذِهِ﴾ أيِ الأخْبارِ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في الثَّباتِ الَّذِي لا مِرْيَةَ فِيهِ، وفائِدَةُ الظَّرْفِ التَّأْكِيدُ لِعِظَمِ المَقْصُودِ مِن آيَةِ: ﴿فَلَعَلَّكَ﴾ [هود: ١٢] وصُعُوبَتِهِ.
ولَمّا كانَ الحَقُّ حَقًّا بِالنِّسْبَةِ إلى كُلِّ أحَدٍ عَرَّفَهُ ونَكَّرَ ما هو خاصٌّ بِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ فَقالَ: ﴿ومَوْعِظَةٌ﴾ أيْ: مُرَقِّقٍ لِلْقُلُوبِ ﴿وذِكْرى﴾ أيْ: تَذْكِيرٌ عَظِيمٌ جِدًّا ﴿لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ الرّاسِخِينَ في الإيمانِ، وقَدْ (p-٤٠٥)تَضَمَّنَتِ الآيَةُ الِاعْتِبارَ مِن قَصَصِ الرُّسُلِ بِما فِيها مِن حُسْنِ صَبْرِهِمْ عَلى أُمَمِهِمْ واجْتِهادِهِمْ عَلى دُعائِهِمْ إلى عِبادَةِ اللَّهِ بِالحَقِّ وتَذْكِيرِ الخَيْرِ والشَّرِّ وما يَدْعُو إلَيْهِ كُلٌّ مِنهُما مِن عاقِبَةِ النَّفْعِ والضُّرِّ لِلثَّباتِ عَلى ذَلِكَ جَمِيعِهِ اقْتِداءً بِهِمْ.
11:121–122Page 235
وَقُل لِّلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنَّا عَٰمِلُونَ ١٢١
And say to those who do not believe, "Work according to your position; indeed, we are working.
وَٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٢٢
And wait; indeed, we are waiting."
ولَمّا ذَكَرَ نَفْعَ هَذا الحَقِّ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَعِظْهم بِذَلِكَ وذَكِّرْهم بِهِ، فَعَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وقُلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ مَعْطُوفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿واصْبِرْ﴾ [هود: ١١٥] أيِ اصْبِرْ عَلى ما أمَرْناكَ بِهِ مِن تَبْلِيغِ وحْيِنا وامْتِثالِهِ، وقُلْ ﴿لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهِمْ هَذِهِ المَوْعِظَةُ فَهم ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ مُنْذِرًا لَهم ﴿اعْمَلُوا﴾ مُتَمَكِّنِينَ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: طَرِيقَتِكُمُ الَّتِي تَتَمَكَّنُونَ مِنَ العَمَلِ عَلَيْها.
ولَمّا كانَ العَمَلُ واجِبًا عَلَيْهِ ﷺ وعَلى كُلِّ مَن تَبِعَهُ فَهم عامِلُونَ لا مَحالَةَ سَواءٌ عَمَلَ الكُفّارِ أوْ لا، قالَ مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِ الكُفّارِ أنْ يَدُومُوا عَلى العَمَلِ المُخالِفِ لَهم مَعَ ما يَصِلُ إلَيْهِمْ لِأجْلِهِ مِنَ الضُّرِّ، مُعَرِّيًا لَهُ عَنْ فاءِ السَّبَبِ [لِذَلِكَ والِاسْتِئْنافِ]: ﴿إنّا﴾ [أيْ أنا ومَن مَعِي] ﴿عامِلُونَ﴾ [أيْ ثابِتٌ عَمَلُنا لا نَحُولُ عَنْهُ؛ لِأنَّ ما كانَ لِلَّهِ فَهو دائِمٌ بِدَوامِهِ سُبْحانَهُ]، وحَذَفَ النُّونَ (p-٤٠٦)الثّانِيَةَ اكْتِفاءً بِمُطْلَقِ التَّأْكِيدِ لِأنَّهُ كافٍ في الإعْلامِ بِالجَزْمِ في النِّيَّةِ، وفِيهِ تَأدُّبٌ بِالإشارَةِ إلى أنَّ المُسْتَقْبَلَ أمْرٌ لا اطِّلاعَ عَلَيْهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَيَنْبَغِي أنْ لا يُبَلِّغَ في التَّأْكِيدِ فِيهِ غَيْرَهُ، وهَذا بِخِلافِ ما في سُورَةِ فُصِّلَتْ مِمّا هو جارٍ عَلى ألْسِنَةِ الكَفَرَةِ ﴿وانْتَظِرُوا﴾ أيْ: ما أنْتُمْ مُنْتَظِرُونَ لَهُ مِن قَهْرِنا ﴿إنّا مُنْتَظِرُونَ﴾ أيْ: ما وعَدَنا اللَّهُ في أمْرِكُمْ، فَإنَّ اللَّهَ مُهْلِكُهم ومُنْجِيكَ لِأنَّهُ عالِمٌ بِغَيْبِ حالِكَ وحالِهِمْ وقادِرٌ عَلَيْكُمْ؛ والِانْتِظارُ: طَلَبُ الإدْراكِ لِما يَأْتِي مِنَ الأمْرِ الَّذِي يُقْدَرُ النَّظَرُ إلَيْهِ؛ والتَّوَقُّعُ: طَلَبُ ما يُقَدَّرُ أنَّهُ يَقَعُ، وهُما يَكُونانِ في الخَيْرِ والشَّرِّ ومَعَ العِلْمِ والشَّكِّ، والتَّرَجِّي لا يَكُونُ إلّا مَعَ الخَيْرِ والشَّكِّ.
11:123Page 235
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَإِلَيۡهِ يُرۡجَعُ ٱلۡأَمۡرُ كُلُّهُۥ فَٱعۡبُدۡهُ وَتَوَكَّلۡ عَلَيۡهِۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَٰفِلٍ عَمَّا تَعۡمَلُونَ ١٢٣
And to Allāh belong the unseen [aspects] of the heavens and the earth and to Him will be returned the matter, all of it, so worship Him and rely upon Him. And your Lord is not unaware of that which you do.
ولَمّا تَضَمَّنَ هَذا التَّهْدِيدُ العِلْمَ والقُدْرَةَ، قالَ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلِلَّهِ كُلُّ ما شُوهِدَ مِن أمْرِنا وأمْرِكم وأمْرِ عالِمِ [الغَيْبِ و] الشَّهادَةِ كُلِّهِ ما كانَ مِنَ ابْتِداءِ أُمُورِنا ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ وحْدَهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مَعَ ذَلِكَ ﴿غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ: جَمِيعُ ما غابَ عِلْمُهُ عَنِ العِبادِ فَهو تامُّ العِلْمِ، [ومِنهُ ما يَنْهى عَنْهُ وإنْ ظَنَّ الجَهَلَةُ أنَّهُ خارِجٌ عَنْ قُدْرَتِهِ لِما أُظْهِرَ مِنَ الزَّجْرِ عَنْهُ ومِن كَراهِيَتِهِ.
ولَمّا كانَ السِّياقُ هُنا لِأنَّهُ سُبْحانَهُ خَلَقَ الخَلْقَ ذَواتَهم ومَعانِيَهم لِلِاخْتِلافِ، وكانَ تَهْدِيدُهم عَلى المَعاصِي رُبَّما أوْهَمَ أنَّهُ بِغَيْرِ إرادَتِهِ، فَكانَ رُبَّما قالَ جاهِلٌ: أنا بَرِيءٌ مِنَ المُخالِفِينَ لِأوْلِيائِهِ كَثِيرًا جِدًّا، وعادَةُ الخَلْقِ أنَّ مَن خالَفَهم خارِجٌ عَنْ أمْرِهِمْ، كانَ الجَوابُ عَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ لِهَذا الأمْرِ (p-٤٠٧)الظّاهِرِ: فَلَهُ كانَ الأمْرُ كُلُّهُ ظاهِرًا وباطِنًا] ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿يُرْجَعُ﴾ [بَعْدَ أنْ كانَ ظَهَرَ لِلْجاهِلِ أنْ خَرَجَ عَنْهُ]؛ والرُّجُوعُ: ذَهابُ الشَّيْءِ إلى حَيْثُ ابْتَدَأ مِنهُ ﴿الأمْرُ كُلُّهُ﴾ في الحالِ عَلى لَبْسٍ وخَفاءٍ، وفي المالِ عَلى ظُهُورٍ واتِّضاحٍ وجَلاءٍ، فَهو شامِلُ القُدْرَةِ كَما هو شامِلُ العِلْمِ، فَلا بُدَّ مِن أنْ يَرْجِعَ إلَيْهِ أمْرُكَ وأمْرُ أعْدائِكَ، أيْ يَعْمَلُ فِيهِ عَمَلَ مَن يَرْجِعُ إلَيْهِ الأمْرُ فَيُجازِي المُحْسِنَ بِإحْسانِهِ والمُسِيءَ بِإساءَتِهِ، ولِذَلِكَ سَبَّبَ عَنْ إسْنادِ الأُمُورِ كُلِّها [إلَيْهِ قَوْلَهُ]: ﴿فاعْبُدْهُ﴾ أيْ: وحْدَهُ عِبادَةً لا شَوْبَ فِيها ﴿وتَوَكَّلْ﴾ مُعْتَمِدًا في أُمُورِكَ كُلِّها ﴿عَلَيْهِ﴾ فَإنَّهُ القَوِيُّ المَتِينُ، وفي تَقْدِيمِ الأمْرِ \ بِالعِبادَةِ عَلى التَّوَكُّلِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّهُ إنَّما يَنْفَعُ العابِدَ.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ جارِيَةً بِأنَّ العالِمَ قَدْ يَغْفُلُ، نَزَّهَ عَنْ ذَلِكَ سُبْحانَهُ [نَفْسَهُ] فَقالَ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا: ﴿وما رَبُّكَ﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيْكَ بِما يَعْمَلُهُ بِإحاطَةِ عِمْلِهِ إحْسانًا، وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِغافِلٍ عَمّا تَعْمَلُونَ﴾ [ولا تَهْدِيدَ أبْلَغُ مِنَ العِلْمِ]، وهَذا بِعَيْنِهِ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿كِتابٌ أُحْكِمَتْ آياتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢]
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences