Al-Biqa'iHud · 11:17–24

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:17–24

11:17Page 223

أَفَمَن كَانَ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّهِۦ وَيَتۡلُوهُ شَاهِدٞ مِّنۡهُ وَمِن قَبۡلِهِۦ كِتَٰبُ مُوسَىٰٓ إِمَامٗا وَرَحۡمَةًۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُؤۡمِنُونَ بِهِۦۚ وَمَن يَكۡفُرۡ بِهِۦ مِنَ ٱلۡأَحۡزَابِ فَٱلنَّارُ مَوۡعِدُهُۥۚ فَلَا تَكُ فِي مِرۡيَةٖ مِّنۡهُۚ إِنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يُؤۡمِنُونَ ١٧

So is one who [stands] upon a clear evidence from his Lord [like the aforementioned]? And a witness1 from Him follows it,2 and before it was the Scripture of Moses to lead and as mercy. Those [believers in the former revelations] believe in it [i.e., the Qur’ān]. But whoever disbelieves in it from the [various] factions - the Fire is his promised destination. So be not in doubt about it. Indeed, it is the truth from your Lord, but most of the people do not believe.

ولَمّا اتَّضَحَتِ الحُجَجُ وانْتَهَضَتِ الدَّلائِلُ فَأغْرَقَتْهم عَوالِي اللُّجَجِ، كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ الإنْكارِ عَلى مَن يُسَوِّي بَيْنَ المُهْتَدِي والمُعْتَدِي، فَكَيْفَ يُفَضَّلُ إمّا بِاعْتِبارِ النَّظَرِ إلى الرِّئاسَةِ الدُّنْيَوِيَّةِ غَفْلَةً مِن حَقائِقِ الأُمُورِ أوْ عِنادًا كَمَن قالَ مِنَ اليَهُودِ \ لِلْمُشْرِكِينَ: أنْتُمْ أهْدى مِنهُمْ، فَقالَ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ وحُجَّةٍ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ بِما آتاهُ مِن نُورِ البَصِيرَةِ وصَفاءِ العَقْلِ فَهو يُرِيدُ الآخِرَةَ ويَبْنِي أفْعالَهُ عَلى أساسٍ ثابِتٍ ﴿ويَتْلُوهُ﴾ أيْ: ويَتَّبِعُ هَذِهِ البَيِّنَةَ ﴿شاهِدٌ﴾ هو القُرْآنُ ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِن رَبِّهِ، أوْ تَأيَّدَ ذَلِكَ البُرْهانُ بِرِسالَةِ رَسُولٍ عَرَبِيٍّ بِكَلامٍ مُعْجِزٍ وكانَ ”مِن قَبْلِهِ“ أيْ: هَذا الشّاهِدِ مُؤَيِّدًا لَهُ ﴿كِتابُ مُوسى﴾ أيْ: شاهِدٌ [أيْضًا] وهو التَّوْراةُ حالَ كَوْنِهِ ﴿إمامًا﴾ يَحِقُّ الِاقْتِداءُ بِهِ ﴿ورَحْمَةً﴾ أيْ: لِكُلِّ مَنِ اتَّبَعَهُ. (p-٢٥٣)ولَمّا كانَ الجَوابُ ظاهِرًا حَذَفَهُ، وتَقْدِيرُهُ - واللَّهُ أعْلَمُ: كَمَن هو عَلى الضَّلالَةِ فَهو يُرِيدُ الدُّنْيا فَهو يَفْعَلُ مِنَ المَكارِمِ ما لَيْسَ مَبْنِيًّا عَلى أساسٍ صَحِيحٍ، فَيَكُونُ في دارِ البَقاءِ والسَّعادَةِ هَباءً مَنثُورًا؛ ولَمّا كانَ هَذا الَّذِي عَلى البَيِّنَةِ عَظِيمًا، ولَمْ يَكُنْ يُرادُ بِهِ واحِدًا بِعَيْنِهِ، اسْتَأْنَفَ البَيانَ لِعُلُوِّ مَقامِهِ بِأداةِ الجَمْعِ بِشارَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ بِكَثْرَةِ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ بِكَوْنِهِمْ عَلى هُدًى مِن رَبِّهِمْ وتَأيَّدَ هُداهم بِشاهِدٍ مِن قَبْلِهِ وشاهِدٍ مِن بَعْدِهِ مُصَدِّقٍ لَهُ ﴿يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا القُرْآنِ الَّذِي هو الشّاهِدُ ولا يَنْسُبُونَ الآتِيَ بِهِ إلى أنَّهُ افْتَراهُ ﴿ومَن يَكْفُرْ بِهِ﴾ أيْ: بِهَذا الشّاهِدِ ﴿مِنَ الأحْزابِ﴾ مِن جَمِيعِ الفِرَقِ وأهْلِ المِلَلِ سَواءً، سَوّى بَيْنِ الفَرِيقَيْنِ جَهْلًا أوْ عِنادًا ﴿فالنّارُ مَوْعِدُهُ﴾ أيْ: وعِيدُهُ ومَوْضِعُ وعِيدِهِ يَصْلى سَعِيرَها ويُقاسِي زَمْهَرِيرَها.

ولَمّا عَمَّ بِوَعِيدِ النّارِ، اشْتَدَّ تَشَوُّفُ النَّفْسِ لِما سُبِّبَ عَنْهُ فَقَرُبَ إزالَةُ ما حَمَلَتْ مِن ذَلِكَ بِالإيجازِ، فاقْتَضى الأمْرُ حَذْفَ نُونِ ”تَكُنْ“ فَقِيلَ: ﴿فَلا تَكُ﴾ أيْ: أيُّها المُخاطَبُ الأعْظَمُ ﴿فِي مِرْيَةٍ﴾ أيْ: شَكٍّ عَظِيمٍ [ووَهْمٍ] ﴿مِنهُ﴾ أيْ: مِنَ القُرْآنِ ولا يَضِيقُ صَدْرُكَ عَنْ إبْلاغِهِ، أوْ مِنَ الوَعْدِ الَّذِي هو النّارُ والخَيْبَةُ وإنْ أنْعَمْنا عَلى المُتَوَعَّدِ بِذَلِكَ ونَعَّمْناهُ في الدُّنْيا؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ القُرْآنَ (p-٢٥٤)أوِ المَوْعِدَ ﴿الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ، وزادَ في التَّرْغِيبِ فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِإنْزالِهِ عَلَيْكَ.

ولَمّا كانَ كَوْنُهُ حَقًّا سَبَبًا يَعْلَقُ الأمَلُ بِإيمانِ كُلِّ مَن سَمِعَهُ، قالَ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في حَيِّزِ الِاضْطِرابِ ﴿لا يُؤْمِنُونَ﴾ بِأنَّهُ حَقٌّ لا لِكَوْنِ الرَّيْبِ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ بَلْ لِما عَلى قُلُوبِهِمْ مِنَ الرَّيْنِ ويَؤُولُونَ إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُعَدِّ لَهم مِمَّنْ لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ ولا يُنْسَبُ الظُّلْمُ إلَيْهِ، والقَصْدُ بِهَذا الِاسْتِفْهامِ الحَثُّ عَلى ما حَثَّ عَلَيْهِ الِاسْتِفْهامُ في قَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ أنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [هود: ١٤] مِنَ الإقْبالِ عَلى الدِّينِ الحَقِّ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَخافَةِ عُقُولِ المُمْتَرِينَ ورَكاكَةِ آرائِهِمْ.

11:18Page 223

وَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ يُعۡرَضُونَ عَلَىٰ رَبِّهِمۡ وَيَقُولُ ٱلۡأَشۡهَٰدُ هَٰٓؤُلَآءِ ٱلَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَىٰ رَبِّهِمۡۚ أَلَا لَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٨

And who is more unjust than he who invents a lie about Allāh? Those will be presented before their Lord, and the witnesses will say, "These are the ones who lied against their Lord." Unquestionably, the curse of Allāh is upon the wrongdoers

ولَمّا كانَ الكافِرُونَ قَدْ كَذَبُوا عَلى اللَّهِ بِما أحْدَثُوهُ مِنَ الدِّينِ مِن غَيْرِ دَلِيلٍ وما نَسَبُوا إلَيْهِ النَّبِيَّ ﷺ مِنَ الِافْتِراءِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ قَوْلَهُ: ﴿ومَن أظْلَمُ﴾ أيْ: لا أحَدَ أظْلَمُ ﴿مِمَّنِ افْتَرى﴾ أيْ: تَعَمَّدَ أنِ اخْتَلَقَ مُتَكَبِّرًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿كَذِبًا﴾ الآيَةَ. وهو مَوْضِعُ ضَمِيرٍ لَوْ أتى بِهِ لَقِيلَ: لا يُؤْمِنُونَ ظُلْمًا مِنهُمْ، ومَن أظْلَمُ مِنهم أيْ هم أظْلَمُ الظّالِمِينَ، فَأتى بِهَذا الظّاهِرِ بَيانًا لِما كَفَرُوا بِهِ؛ لِأنَّهُ إذا عُلِّقَ الحُكْمُ بِالوَصْفِ دَلَّ عَلى أنَّهُ عِلَّتُهُ.

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم أظْلَمُ، أتْبَعَهُ جَزاءَهم بِقَوْلِهِ اسْتِئْنافًا: ﴿أُولَئِكَ﴾ المُسْتَحِقُّو البُعْدِ؛ ولَمّا كانَ نَفْسُ العَرَضِ مَخُوفًا، بَنى لِلْمَجْهُولِ قَوْلَهُ: (p-٢٥٥)﴿يُعْرَضُونَ﴾ [أيْ] لِذَلِكَ ولِدَلالَةٍ عَلى أنَّهم عَلى صِفَةِ الهَوانِ ومُسْتَسْلِمُونَ لِكُلِّ عارِضٍ، فَعَرْضُهم في غايَةِ السُّهُولَةِ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ الَّذِي أحْسَنَ إلَيْهِمْ فَلَمْ يَشْكُرُوهُ، العالِمُ بِالخَفايا فَيُفْتَضَحُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ بِما قابَلُوا بِهِ إحْسانَهُ مِنَ اللَّوْمِ ﴿ويَقُولُ﴾ [عَلى سَبِيلِ التَّكْرارِ] ﴿الأشْهادُ﴾ وهُمُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالكُتُبِ الشّاهِدِ بَعْضُها لِبَعْضٍ المُشارِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿ويَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنهُ﴾ [هود: ١٧] والمَلائِكَةُ الَّذِينَ \ شَهِدُوا أعْمالَهم ومِن أعْضائِهِمْ حِينَ يُخْتَمُ عَلى أفْواهِهِمْ ﴿هَؤُلاءِ﴾ إشارَةٌ بِأداةِ القُرْبِ إلى تَحْقِيرِهِمْ ﴿الَّذِينَ كَذَبُوا﴾ مُتَكَبِّرِينَ ﴿عَلى رَبِّهِمْ﴾ في ادِّعاءِ الشَّرِيكِ والوَلَدِ والتَّحْلِيلِ والتَّحْرِيمِ وغَيْرِ ذَلِكَ [بِما عَراهم مِن إحْسانِهِ وطُولِ حِلْمِهِ]، وفي الإتْيانِ بِصِفَةِ الرُّبُوبِيَّةِ غايَةُ التَّشْنِيعِ عَلَيْهِمْ، فَتَكَرَّرَتْ بِهَذا القَوْلِ فَضِيحَتُهم عِنْدَ جِنْسِهِمْ وبُعْدُهم عَنْ كُلِّ مَن سَمِعَ هَذا الكَلامَ؛ لِأنَّهُ لا أبْعَدَ عَنِ القُلُوبِ مِنَ الكاذِبِ فَكَيْفَ بِالمُجْتَرِئِ بِالكَذِبِ عَلى الرُّؤَساءِ فَكَيْفَ بِمَلِكِ المُلُوكِ الَّذِي رَبّاهم وكُلٌّ مِن أهْلِ المَوْقِفِ مُرْتَقِبٌ بِرَّهُ خائِفٌ مِنَ انْتِقامِهِ، وكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم بَعْدَ هَذا العَذابِ العَظِيمِ بِهَذِهِ الفَضِيحَةِ؟ فَقِيلَ: ﴿ألا لَعْنَةُ اللَّهِ﴾ وهي طَرْدُ المَلِكِ الأعْظَمِ وإبْعادُهُ، وانْظُرْ إلى تَهْوِيلِ الأمْرِ بِاسْمِ الذّاتِ ما أشَدَّهُ ﴿عَلى الظّالِمِينَ﴾ فَكَيْفَ بِأظْلَمِ الظّالِمِينَ،

11:19Page 223

ٱلَّذِينَ يَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَيَبۡغُونَهَا عِوَجٗا وَهُم بِٱلۡأٓخِرَةِ هُمۡ كَٰفِرُونَ ١٩

Who averted [people] from the way of Allāh and sought to make it [seem] deviant while they, concerning the Hereafter, were disbelievers.

ثُمَّ فَصَّلَ ظُلْمَهم بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ يَصُدُّونَ﴾ أيْ: يُعْرِضُونَ في أنْفُسِهِمْ ويَمْنَعُونَ غَيْرَهم ﴿عَنْ سَبِيلِ﴾ (p-٢٥٦)أيْ دِينِ ﴿اللَّهِ﴾ أيِ [المَلِكِ] الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ مَعَ أنَّهُ الوَلِيُّ الحَمِيدُ ﴿ويَبْغُونَها﴾ أيْ: يُرِيدُونَ بِطَرِيقِ الدِّينِ الواسِعَةِ السَّهْلَةِ ﴿عِوَجًا﴾ بِإلْقاءِ الشُّبَهاتِ والطَّعْنِ في الدَّلائِلِ مَعَ كَوْنِها في غايَةِ الِاسْتِقامَةِ.

ولَمّا كانَ النَّظَرُ شَدِيدًا إلى بَيانِ كَذِبِهِمْ وتَكْذِيبِهِمْ، بُولِغَ في تَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿وهُمْ﴾ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ وظَواهِرِهِمْ؛ ولَمّا كانَ تَكْذِيبُهم بِالآخِرَةِ شَدِيدًا، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِالآخِرَةِ﴾ وأعادَ الضَّمِيرَ تَأْكِيدًا لِتَعْيِينِهِمْ وإثْباتِ غايَةِ الفَسادِ لِبَواطِنِهِمْ واخْتِصاصِهِمْ بِمَزِيدِ الكُفْرِ [فَقالَ]: ﴿هم كافِرُونَ﴾ أيْ: عَرِيقُونَ في هَذا الوَصْفِ؛ والعَرْضُ: إظْهارُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يُرى لِلتَّوْقِيفِ عَلى حالَةٍ؛ والصَّدُّ: المَنعُ بِالإغْراءِ الصّارِفِ عَنِ الأمْرِ؛ والبُغْيَةُ: طَلَبُ أمْرٍ مِنَ الأُمُورِ، وهي إرادَةُ وِجْدانِ المَعْنى بِما يُطْمَعُ فِيهِ؛ والعِوَجُ: العُدُولُ عَنْ طَرِيقِ الصَّوابِ، وهو في المَعْنى كالدِّينِ بِالكَسْرِ، وفي غَيْرِهِ كالعَوْدِ بِالفَتْحِ فَرْقًا بَيْنَ ما يُرى وما لا يُرى، جَعَلُوا السَّهْلَ لِلسَّهْلِ والصَّعْبَ لِلصَّعْبِ؛ رَوى البُخارِيُّ في التَّفْسِيرِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ في النَّجْوى: ««يُدْنى المُؤْمِنُ مِن رَبِّهِ حَتّى يَضَعَ كَنَفَهُ عَلَيْهِ فَيُقَرِّرُهُ بِذُنُوبِهُ: تَعْرِفُ ذَنْبَ كَذا؟ يَقُولُ: أعْرِفُ رَبِّ أعْرِفُ - مَرَّتَيْنِ، ويَقُولُ: سَتَرْتُها عَلَيْكَ في الدُّنْيا وأغْفِرُها لَكَ اليَوْمَ، ثُمَّ يَطْوِي صَحِيفَةَ حَسَناتِهِ، وأمّا الآخَرُونَ أوِ الكُفّارُ فَيُنادى عَلى رُؤُوسِ الأشْهادِ: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلى رَبِّهِمْ ألا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلى الظّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨]»

11:20Page 224

أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠

Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1

(p-٢٥٧)ولَمّا هَدَّدَهم بِأُمُورِ الآخِرَةِ، أشارَ إلى بَيانِ قُدْرَتِهِ عَلى ذَلِكَ في الدّارَيْنِ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ عَنْ حَضْرَةِ الرَّحْمَةِ ﴿لَمْ يَكُونُوا﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مُعْجِزِينَ﴾ وأشارَ إلى عَجْزِهِمْ بِأنَّهم لا يَقْدِرُونَ عَلى بُلُوغِ العالَمِ العُلْوِيِّ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ: ما كانَ الإعْجازُ - وهو الِامْتِناعُ مِن مُرادِ اللَّهِ - لَهم ولا هو في قُدْرَتِهِمْ، لِأنَّ قَدْرَهُ عَلى جَمِيعِ المُمْكِناتِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ.

ولَمّا نَفى التَّعَذُّرَ بِأنْفُسِهِمْ، نَفاهُ مِن جِهَةِ غَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿وما كانَ لَهُمْ﴾ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ الَّتِي [هِيَ] دُونَ عَظَمَتِهِ سُبْحانَهُ مُتَكاثِرَةً جِدًّا، بَيَّنَ أنَّهم مَعْزُولُونَ عَنْ كُلٍّ مِنها بِإثْباتِ الجارِّ فَقالَ: ﴿مِن دُونِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ، وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن أوْلِياءَ﴾ أيْ: يَفْعَلُونَ مَعَهم ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مِن تَوَلِّي المَصالِحِ والحِمايَةِ مِنَ المَصائِبِ، ومَن لَمْ يَقْدِرْ عَلى الِامْتِناعِ وهو حَيٌّ لَمْ يَمْتَنِعْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا يُفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿يُضاعَفُ﴾ أيْ: يُفْعَلُ فِيهِ فِعْلَ مَن يُناظِرُ آخَرَ في الزِّيادَةِ، وبَناهُ لِلْمَفْعُولِ لِأنَّ المَرْجِعَ وُجُودُ المُضاعَفَةِ مُطْلَقًا ﴿لَهُمُ العَذابُ﴾ [أيْ] بِما كانُوا يُضاعِفُونَ المَعاصِيَ؛ ثُمَّ عَلَّلَ سَبَبَ المُضاعَفَةِ بِأنَّهُ خَلَقَ لَهم سَمْعًا وبَصَرًا فَضَيَّعُوهُما بِتَصامِّهِمْ عَنِ الحَقِّ وتَعامِيهِمْ عَنْهُ، فَكَأنَّ لا فَرْقَ بَيْنَهم وبَيْنَ فاقِدِهِما فَقالَ: ﴿ما كانُوا﴾ أيْ: بِما لَهم مِن فَسادِ الجِبِلّاتِ (p-٢٥٨)﴿يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ أيْ: يَقْدِرُونَ لِما غَلَبَ عَلى فِطَرِهِمُ الأُولى السَّلِيمَةِ بِانْقِيادِهِمْ لِلْهَوى مِنَ التَّخَلُّقِ \ بِنَقائِصِ الشَّهَواتِ عَلى أنْ تُوجَدَ طاعَتُهُ لَهم فَما كانُوا يَسْمَعُونَ ﴿وما كانُوا﴾ يَسْتَطِيعُونَ الإبْصارَ فَما كانُوا ﴿يُبْصِرُونَ﴾ حَتّى يُعْرِضُوا عَنِ الشَّهَواتِ فَتُوجَدُ اسْتِطاعَتُهم لِلسَّمْعِ [والإبْصارِ]، وهو كِنايَةٌ عَنْ عَدَمِ قَبُولِهِمْ لِلْحَقِّ وأنَّ شِدَّةَ إعْراضِهِمْ عَنْهُ وصَلَتْ إلى حَدٍّ صارَتْ فِيهِ تُوصَفُ بِعَدَمِ الِاسْتِطاعَةِ كَما يَقُولُ الإنْسانُ لَمّا تَشْتَدُّ كَراهَتُهُ لَهُ: هَذا مِمّا لا أسْتَطِيعُ أنْ أسْمَعَهُ، وتَكُونُ المُضاعَفَةُ بِالكُفْرِ والصَّدِّ، ونَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أعْرَقُ في العَيْبِ وأدَلُّ عَلى النَّقْصِ وأنْكَأُ مِن نَفْيِ السَّمْعِ لِأنَّهم قَدْ يَحْمِلُونَهُ عَلى الإجابَةِ، وأمّا نَفْيُ البَصَرِ فَغَيْرُ مُنْفَكٍّ عَنِ النَّقْصِ سَواءٌ كانَ لِلْعَيْنِ أوْ لِلْقَلْبِ، هَذا إنْ لَمْ تُخَرَّجِ الآيَةُ عَلى الِاحْتِباكِ، وإنْ خُرِّجَتْ عَلَيْهِ اسْتَوى الأمْرانِ، وصارَ نَفْيُ الِاسْتِطاعَةِ أوَّلًا دالًّا عَلى نَفْيِها ثانِيًا، ونَفْيُ الإبْصارِ يَدُلُّ عَلى نَفْيِ السَّمْعِ أوَّلًا.

11:21–22Page 224

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١

Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢

Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.

ولَمّا ثَبَتَ أنَّهم لا سَمْعَ ولا بَصَرَ، ثَبَتَ أنَّهم لا شَيْءَ فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ البُعَداءُ البُغَضاءُ ﴿الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ﴾ أيْ: بِتَضْيِيعِ الفِطْرَةِ الأُولى الَّتِي [هِيَ] سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلْخَيْرِ وصُعُوبَةُ الِانْقِيادِ لِلشَّرِّ؛ ولَمّا كانَ العاجِزُ رُبَّما نَفَعَهُ مَن كانَ يَخْدِمُهُ فَيُكْسِبُهُ قُوَّةً بَعْدَ الضَّعْفِ ونَشاطًا بَعْدَ العَجْزِ، نَفى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عائِدًا إلى نَفْيِ النَّفْعِ مِمَّنْ عَذَرَهم أوَّلًا (p-٢٥٩)عَلى أحْسَنِ وجْهٍ: ﴿وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا﴾ أيْ: كَوْنًا جُبِلُوا عَلَيْهِ فَصارُوا لا يَنْفَكُّونَ عَنْهُ ﴿يَفْتَرُونَ﴾ أيْ: يَتَعَمَّدُونَ كَذِبَهُ مِمّا ادَّعَوْا كَوْنَهم آلِهَةً، ولا شَكَّ أنَّ مَن خَسِرَ نَفْسَهُ ومَن خَسِرَها مِن أجْلِهِ بِادِّعاءِ أنَّهُ شَرِيكٌ لِخالِقِهِ ونَحْوَ ذَلِكَ كانَ أخْسَرَ النّاسِ، فَلِذَلِكَ قالَ: ﴿لا جَرَمَ﴾ أيْ: لا شَكَّ ﴿أنَّهُمْ﴾ أيْ: هَؤُلاءِ الَّذِينَ بالَغُوا في إنْكارِ الآخِرَةِ ﴿فِي الآخِرَةِ﴾ ولَمّا كانَ المَقامُ جَدِيرًا بِالمُبالَغَةِ في وصْفِهِمْ بِالخَسارَةِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هُمُ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿الأخْسَرُونَ﴾ أيِ الأكْثَرُونَ خُسْرانًا مِن كُلِّ مَن يُمْكِنُ وصْفُهُ بِالخُسْرانِ؛ والإعْجازُ: الِامْتِناعُ مِنَ المُرادِ بِما لا يُمْكِنُ مَعَهُ إيقاعُهُ؛ والمُضاعَفَةُ: الزِّيادَةُ عَلى المِقْدارِ بِمِثْلِهِ أوْ أكْثَرَ؛ والِاسْتِطاعَةُ: قُوَّةٌ يَنْطاعُ بِها الجَوارِحُ لِلْفِعْلِ؛ وأمّا ”لا جَرَمَ“ فَقَدِ اضْطَرَبَ عُلَماءُ العَرَبِيَّةِ في تَفْسِيرِها، قالَ الرَّضِيُّ في شَرْحِ الحاجِبِيَّةِ والبُرْهانِ لِلسَّفاقِسِيِّ في إعْرابِهِ ما حاصِلُهُ: والغالِبُ بَعْدَ ”لا جَرَمَ“ الفَتْحُ، أيْ في ”أنْ“، فَ: ”لا“ إمّا رَدُّ الكَلامِ السّابِقِ - عَلى ما هو مَذْهَبُ الخَلِيلِ - أوْ زائِدَةٌ كَما في ”لا أُقْسِمُ“ لِأنَّ في «جَرَمَ» مَعْنى القَسَمِ، وهي فِعْلٌ ماضٍ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ والخَلِيلِ مُرَكَّبَةٌ مَعَ ”لا“، وجَعَلَها سِيبَوَيْهِ فِعْلًا بِمَعْنى حَقَّ، فَ ”أنْ“ ”فاعِلُهُ“، وقِيلَ: ”جَرَمَ“ بِمَعْنى حَقَّ، وهو اسْمُ «لا» و”أنَّهُمْ“ خَبَرُهُ؛ وقالَ الكِسائِيُّ: مَعْناها: لا صَدَّ ولا مَنعَ؛ وعَنِ الزَّجّاجِ أنَّها غَيْرُ مُرَكَّبَةٍ، ولا نَفْيَ لِما قِيلَ مِن أنَّ لَهم أصْنامًا تَنْفَعُهُمْ، وجَرَمَ - فِعْلٌ ماضٍ بِمَعْنى كَسَبَ وفاعِلُهُ (p-٢٦٠)مُضْمَرٌ مُعَبَّرٌ بِهِ عَنْ فِعْلِهِمْ، و”إنَّهم“ مَفْعُولُهُ؛ وقالَ الفَراهِيُّ: كَلِمَةٌ كانَتْ في الأصْلِ بِمَعْنى لا بُدَّ ولا مَحالَةَ، لِأنَّهُ يَرْوِي عَنِ العَرَبِ ”لا جُرْمَ“ - يَعْنِي بِضَمٍّ ثُمَّ سُكُونٍ، والفِعْلُ - يَعْنِي هَكَذا، والفِعْلُ - يَعْنِي مُحَرَّكًا، يَشْتَرِكانِ في المَصادِرِ كالرُّشْدِ والرَّعْدِ والبُخْلِ؛ والجَرَمُ: القَطْعُ، أيْ لا قَطْعَ مِن هَذا كَما أنَّهُ لا بُدَّ بِمَعْنى لا قَطْعَ، فَكَثُرَتْ وجَرَتْ عَلى ذَلِكَ حَتّى صارَتْ بِمَعْنى القَسَمِ، فَلِذَلِكَ يُجابُ بِما يُجابُ بِهِ القَسَمُ، فَيُقالُ: لا جَرَمَ لَآتِيَنَّكَ، ولا جَرَمَ أنَّكَ قائِمٌ، فَمَن فَتَحَ فَلِلنَّظَرِ إلى أصْلِ ”لا جَرَمَ“ كَما نَقُولُ: لا بُدَّ أنْ نَفْعَلَ كَذا وأنَّكَ تَفْعَلُ، أيْ: مِن أنْ ومِن أنَّكَ تَفْعَلُ، ومَن كَسَرَ فَلِمَعْنى القَسَمِ العارِضِ فِي: ”لا جَرَمَ“ - انْتَهى. فَتَفْسِيرُهُ لَها بِالقَطْعِ نُظِرَ مِنهُ إلى أنَّ مادَّةَ ”جَرَمَ“ بِخُصُوصِها دائِرَةٌ عَلى القَطْعِ، والأصْنَعُ تَفْسِيرُها بِالظَّنِّ نَظَرًا إلى ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِن حَيْثُ هي - بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - مِن جَرَمَ [وجَمَرَ] ورَجَمَ ورَمَجَ ومَجَرَ ومَرَجَ، وإنَّما جَعَلْتُها كَذَلِكَ لِأنَّهم قالُوا: جَرَمَ النَّخْلَ: خَرَصَها، وأجْمَرَ النَّخْلَ أيْضًا: خَرَصَها، ورَجَمَ - إذا ظَنَّ، والمَجَرُ: العَقْلُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ اتِّقادُ الذِّهْنِ ومِنهُ جَمْرَةُ النّارِ، والجَرْمُ لِلْأرْضِ \ الشَّدِيدَةُ الجَرِّ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ أيْضًا اجْتِماعُ الفِكْرِ، ومِنهُ الجَمْرَةُ لِلْقَلْبِيَّةِ وكُلُّ ما شاكَلَها في الجَمْعِ، ومِنهُ الجِرْمُ بِالكَسْرِ وهو الجَسَدُ فَإنَّهُ بِالنَّظَرِ إلى جَمِيعِهِ، والصَّوْتِ أوْ جَهارَتِهِ فَإنَّهُ يُجْمَعُ فِيهِ الحَلْقُ لِقَطْعِهِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا العَظَمَةُ، ومِنهُ أجْرَمَ - إذا عَظُمَ، (p-٢٦١)والجَمِيرُ كَأمِيرٍ: مُجْتَمَعُ القَوْمِ، ومِنَ الجَمْعِ الرِّياءُ والعَقْلُ، فَيَنْشَأُ مِنهُ الصَّفاءُ، ومِنهُ ﴿مارِجٍ مِن نارٍ﴾ [الرحمن: ١٥] أيْ: لا دُخانَ فِيهِ، ومِنهُ أجْرَمَ لَوْنُهُ: صَفا، ومِنَ الِاجْتِماعِ المَجَرُ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو أنْ يَمْلَأ بَطْنَهُ مِنَ الماءِ ولَمْ يَرْوَ، والكَسْبُ، جَرَمَ لِأهْلِهِ - إذا كَسَبَ، ومِنهُ الذَّنْبُ فَإنَّهُ كَسْبٌ خاصٌّ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مِنَ القَطْعِ لِأنَّهُ يَقْطَعُ صاحِبَهُ عَنِ الخَيْرِ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ أيْضًا [الِاسْتِتارُ] ومِنهُ أجَمَرَتِ اللَّيْلَةُ - اسْتَتَرَ فِيها الهِلالُ، والمَجَرُ لِما في بُطُونِ الحَوامِلِ مِنَ الإبِلِ والغَنَمِ، أوْ يَجْعَلُ هَذا مِمّا يَلْزَمُ نَفْسَ الظَّنِّ مِنَ الخَفاءِ، ومِنَ الِاجْتِماعِ الضُّمُورُ، أجَمَرَ الخَيْلَ: أضْمَرَها، وشاةٌ مُجْمَرَةٌ: مَهْزُولَةٌ، ويَلْزَمُ الِاجْتِماعَ الصَّلابَةُ والتَّمامُ، ومِنهُ حَوْلٌ مُجْرَمٌ كَمُعْظَمٍ: تامٌّ، فَيَنْشَأُ الِافْتِراقُ، ومِنهُ تَجَرَّمَ اللَّيْلُ: ذَهَبَ، وابْنا جَمِيرٍ كَأمِيرٍ: اللَّيْلُ والنَّهارُ، أوْ يَكُونُ ذَلِكَ مِن لَوازِمِ القَطْعِ كَما يَأْتِي؛ ومِنَ الِاجْتِماعِ الرَّجْمُ الَّذِي هو الخَلِيلُ والنَّدِيمُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الفَصْلُ بَيْنَ الأشْياءِ، ومِنهُ جِرامُ النَّخْلِ لِصِرامِها؛ والجَمْرَةُ: الحَصاةُ، فَيَلْزَمُ مُطْلَقُ الرَّمْيِ فَيَنْشَأُ الرَّمْيُ بِالجِمارِ، وهي الحِجارَةُ فَيَنْشَأُ القَتْلُ لِلْمَرْجُومِ، وهو يَرْجِعُ أيْضًا إلى نَفْسِ القَطْعِ، فَإنَّهُ قَطْعُ النَّفْسِ عَمّا كانَتْ عَلَيْهِ، ويَلْزَمُ الفَصْلَ القَذْفُ والعَيْبُ؛ والرَّماجُ كَسَحابٍ: كُعُوبُ الرُّمْحِ لِانْفِصالِ بَعْضِها عَنْ بَعْضٍ، والرَّمَجُ بِالفَتْحِ وهو إلْقاءُ الطَّيْرِ ذَرْقَهُ، ويَلْزَمُ الظَّنَّ [المُبالَغَةُ في النَّظَرِ فَتَأْتِي المُبالَغَةُ في الكَلامِ والعَزِيمَةِ، ومِنهُ المِرْجامُ لِلْمادِّ (p-٢٦٢)عُنُقَهُ في السَّيْرِ مِنَ الإبِلِ، وأجْمَرَ: أسْرَعَ في السَّيْرِ، وقَدْ يَلْزَمُ الظَّنَّ] الحَيْرَةُ، ومِنهُ حَدِيثٌ مُرْجَمٌ كَمُعْظَمٍ: لا يُوقَفُ عَلى حَقِيقَتِهِ، فَيَلْزَمُ حِينَئِذٍ الذَّنْبُ والفَسادُ والقَلَقُ والِاضْطِرابُ، ومِنهُ أمْرَجَ العَهْدَ: لَمْ يَفِ بِهِ، أيْ: جَعَلَهُ مارِجًا مُزَلْزَلًا، وعَلى الِاضْطِرابِ تَدُورُ مادَّةُ ”مَرَجَ“ بِخُصُوصِ هَذا التَّرْتِيبِ، أوِ التَّرْمِيجُ: إفْسادُ سُطُورٍ بَعْدَ كَتْبَتِها، ويَلْزَمُ الظَّنَّ الِاخْتِلاطُ، ومِنهُ الجِرْمُ لِلَّوْنِ لِأنَّهُ لا يَخْلُو عَنْ شَوْبٍ، وأجْرَمَ الدَّمُ بِهُ: لَصَقَ، والإجْرامُ: مَتاعُ الرّاعِي، أوْ هي مِنَ الكَسْبِ، والجُرّامُ كَرُمّانٍ: السَّمَكُ؛ والمَرْجُ: مَوْضِعُ الرَّعْيِ، وقَدْ عُلِمَ مِن هَذا أنَّ جَمِيعَ تَصارِيفِ المادَّةِ تَدُورُ عَلى الِاضْطِرابِ وهو بَيِّنٌ في غَيْرِ العَقْلِ، وأمّا فِيهِ فَإنَّهُ يُقَدَّرُ العَقْلُ بِكَوْنِ اضْطِرابِ الرَّأْيِ لِأنَّ العاقِلَ كُلَّما أنْعَمَ النَّظَرَ انْفَتَحَ لَهُ ما كانَ مُغْلَقًا فَيَعْدِلُ إلَيْهِ، فَإذا ظَهَرَ هَذا ظَهَرَ أنَّ مَعْنى ”لا جَرَمَ“ أنَّهم لا ظَنَّ ولا اضْطِرابَ في أنَّهُمْ، ويَكُونُ نَفْيُ الظَّنِّ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ نَفْيًا لِجَمِيعِ ما يُقابِلُهُ إلّا العِلْمُ الَّذِي هو بِمَعْنى القَطْعِ كَما إذا قِيلَ: لا شَكَّ في كَذا ولا رَيْبَ، فاتَّضَحَ أنَّ تَفْسِيرَهم لَها بِ: ”حَقًّا“ تَفْسِيرُ مَعْنًى لِمَجْمُوعِ الكَلِمَتَيْنِ؛ لِأنَّهُ إذا نُفِيَ في مِثْلِ هَذا السِّياقِ الظَّنُّ ثَبَتَ اليَقِينُ والقَطْعُ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ تَفْسِيرُ سِيبَوَيْهِ بِلا حَقٍّ لِأنَّهُ يُرِيدُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنْ لا صِلَةَ، ومَوْضُوعُها في الأصْلِ النَّفْيُ، فَهي نافِيَةٌ لِضِدِّ ما دَخَلَتْ عَلَيْهِ، فَكَأنَّهُ (p-٢٦٣)قِيلَ: حَقَّ وثَبَتَ أنَّهم كَذا وانْتَفى كُلُّ ما يُضادُّهُ، فَهَذا وجْهُ كَوْنِها صِلَةً مُؤَكَّدَةً، وقَرِيبٌ مِن ذَلِكَ ما قِيلَ في ”إنَّما“ نَحْوَ: إنَّما زَيْدٌ قائِمٌ، أيْ: أنَّ زَيْدًا قائِمٌ، ما هو إلّا كَذَلِكَ، فَقَدْ بانَ أنَّ النّافِيَ مِثْلَ ذَلِكَ مُؤَكِّدٌ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

11:23Page 224

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣

Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.

ولَمّا تَوَعَّدَ الكافِرِينَ وأخْبَرَ عَنْ مَآلِهِمْ بِسَبَبِهِ، كانَ مَوْضِعَ أنْ يُسْألَ عَنْ حالِ المُؤْمِنِينَ فَقالَ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا هَذِهِ الحَقِيقَةَ ﴿وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما مَضى مِن وصْفِ الكافِرِينَ بَعْدَ مُطْلَقِ الأعْمالِ السَّيِّئَةِ الإعْراضَ عَنْ رَبِّهِمْ والنُّفْرَةَ عَنِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ جَلافَةً وغِلْظَةً، وصَفَ المُؤْمِنِينَ بِالإقْبالِ \ عَلَيْهِ والطُّمَأْنِينَةِ إلَيْهِ فَقالَ: ﴿وأخْبَتُوا﴾ أيْ: خَشَعُوا مُتَوَجِّهِينَ مُنْقَطِعِينَ ﴿إلى رَبِّهِمْ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ فَشَكَرُوهُ فَوَفَّقَهم لِاسْتِطاعَةِ السَّمْعِ والأبْصارِ.

ولَمّا ذَكَرَ وصْفَهم ذَكَرَ جَزاءَهم [عَلَيْهِ] بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ العالُو الرُّتْبَةِ ﴿أصْحابُ الجَنَّةِ﴾ ولَمّا كانُوا مُخْتَصِّينَ بِها أوَّلَ أوْ بِالخُلُودِ مِن أوَّلِ الأمْرِ، أعادَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿هم فِيها﴾ أيْ: خاصَّةً لا في غَيْرِها ﴿خالِدُونَ﴾

11:24Page 224

۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤

The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?

ولَمّا اسْتَوْفى أوْصافَ الحِزْبَيْنِ وجَزاءَهُمْ، ضَرَبَ لِلْكُلِّ مَثَلًا بِقَوْلِهِ: ﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ أيِ الكافِرِينَ والمُؤْمِنِينَ، وهو مِن بابِ [اللَّفِّ] (p-٢٦٤)والنَّشْرِ المُرَتَّبِ، فَإنَّ الكافِرَ ذُكِرَ فِيما قَبْلُ أوَّلًا ﴿كالأعْمى﴾ أيِ العامِّ العَمى في بَصَرِهِ وبَصِيرَتِهِ ﴿والأصَمِّ﴾ في سَمْعِهِ كَذَلِكَ، فَهَذا لِلْكافِرِينَ ﴿والبَصِيرِ﴾ بِعَيْنِهِ وقَلْبِهِ ﴿والسَّمِيعِ﴾ عَلى أتَمِّ أحْوالِهِما، وهَذا لِلْمُؤْمِنِينَ، وفي أفْرادِ المَثَلِ طِباقٌ أيْضًا ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ أيِ الفَرِيقانِ ﴿مَثَلا﴾ أيْ: مِن جِهَةِ المَثَلِ. ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا لِمَن لَهُ أدْنى تَأمُّلٍ: لا يَسْتَوِيانِ مَثَلًا فَلا يَسْتَوِيانِ مَمْثُولًا، حَسُنَ تَسَبُّبُ الإنْكارِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: يَحْصُلُ لَكم أدْنى تَذَكُّرٍ بِما أشارَ إلَيْهِ الإدْغامُ فَتَعْلَمُوا صِدْقَ ما وُصِفُوا بِهِ بِما تَرَوْنَهُ مِن أحْوالِهِمْ، وذَلِكَ ما قُدِّمَ في حَقِّ الكُفّارِ مِن قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ [هود: ٢٠] الآيَةَ. والإخْباتُ: الخُشُوعُ المُسْتَمِرُّ عَلى اسْتِواءٍ فِيهِ، وأصْلُهُ الِاسْتِواءُ مِنَ الخَبْتِ، وهو الأرَضُ المُسْتَوِيَةُ الواسِعَةُ، ولَعَلَّهُ وصَلَهُ بِ: «إلى» في مَوْضِعِ اللّامِ إشارَةً إلى الإخْلاصِ؛ أيْ: إخْباتًا يَنْتَهِي إلى رَبِّهِمْ مِن غَيْرِ أنْ يُحْجَبَ عَنْهُ؛ والمَثَلُ قَوْلٌ سائِرٌ يُشَبَّهُ فِيهِ حالُ الثّانِي بِحالِ الأوَّلِ، والأمْثالُ لا تُغَيَّرُ عَنْ صُورَتِها.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском