Al-Biqa'iHud · 11:25–33

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:25–33

11:25Page 224

وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥

And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner

ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ عَلى أوْضَحِ المَسالِكِ، وخُتِمَ بِالحَثِّ عَلى التَّذَكُّرِ، وكانَ تَقْدِيمُ ذِكْرِ كِتابِ مُوسى مُحَرِّكًا لِتَوَقُّعِ ذِكْرِ نَبَئِهِ ونَبَأِ غَيْرِهِ مِنَ الرُّسُلِ، عُطِفَ - مَقْرُونًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ عَلى العامِلِ الَّذِي قَدَّرْتُهُ في قَوْلِهِ: ﴿ألا تَعْبُدُوا إلا اللَّهَ﴾ [هود: ٢] (p-٢٦٥)أوْ عَلى قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] وهو أحْسَنُ وأقْرَبُ - قَوْلُهُ: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿نُوحًا إلى قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم عَلى لِسانِهِ؛ وما بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ القِصَصِ تَقْرِيرًا لِمَضْمُونِ هَذا المَثَلِ وتَثْبِيتًا وتَسْلِيَةً وتَأْيِيدًا وتَعْزِيَةً لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ لِئَلّا يَضِيقَ صَدْرُهُ بِشَيْءٍ مِمّا أُمِرَ بِإبْلاغِهِ حِرْصًا عَلى إيمانِ أحَدٍ وإنْ كانَ أقْرَبَ الخَلائِقِ إلَيْهِ وأعَزَّهم عَلَيْهِ كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلا يَكُنْ في صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنهُ﴾ [الأعراف: ٢] وقَوْلِهِ: ﴿وضائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ [هود: ١٢] ويَأْتِي في قَوْلِهِ: ﴿وكُلا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِن أنْباءِ الرُّسُلِ ما نُثَبِّتُ بِهِ فُؤادَكَ﴾ [هود: ١٢٠] فَوَضَحَ أنَّ هَذِهِ القِصَصَ لِهَذا المَعْنى سِيقَتْ، وأنَّ سِياقَها في الأعْرافِ وغَيْرِها كانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَما تَقَدَّمَ وأنَّ تَضَمُّنَ هَذا الغَرَضِ بَيانُ إهْلاكِ مَن كانُوا أشَدَّ مِنَ العَرَبِ قُوَّةً وأكْثَرَ جَمْعًا وأمْكَنَ أمْرًا وأقْوى عِنادًا وأعْظَمَ فَسادًا وأحَدَّ شَوْكَةً وما اتَّفَقَ في دِيارِهِمْ مِنَ الطّامّاتِ والأهْوالِ المُفْظِعاتِ تَحْذِيرًا مِن مِثْلِ حالِهِمْ بِارْتِكابِ أفْعالِهِمْ، فَفَرْقٌ بَيْنَ ما يُساقُ لِلشَّيْءِ وما يَلْزَمُ مِنهُ الشَّيْءُ، ولِهَذا الغَرَضِ المَقْصُودِ هُنا طُوِّلَتْ قِصَّةُ نُوحٍ في هَذِهِ السُّورَةِ ما لَمْ يُطَوَّلْهُ في غَيْرِها، وصُدِّرَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: قائِلًا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ بِالكَسْرِ، والتَّقْدِيرُ عِنْدَ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو والكِسائِيِّ: مُلْتَبِسًا بِأنِّي ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿نَذِيرٌ مُبِينٌ﴾ أيْ: مُخَوِّفٌ بَلِيغُ التَّحْذِيرِ، أُبَيِّنُ ما أُرْسِلْتُ بِهِ غايَةَ البَيانِ، وذَكَرَ فِيها أنَّهُ طالَتْ مُجادَلَتُهُ لَهم وأنَّهُ لَمّا وضَحَ لَهُ أمْرُ اللَّهِ تَعَوَّذَ مِنَ السُّؤالِ فِيهِ وفي كُلِّ ما يُشْبِهُهُ، وخُلِّلَتْ (p-٢٦٦)قِصَّتُهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ [هود: ٣٥] خِطابًا لِهَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ وخُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: ﴿فاصْبِرْ إنَّ العاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [هود: ٤٩] وذُكِرَتْ قِصَّةُ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِما ضُمِّنَتْهُ مِن أنَّهُ بُشِّرَ الوَلَدَ بِما لَمْ يَجْرِ بِمِثْلِهِ عادَةٌ فَلَمْ يَتَرَدَّدْ فِيهِ، وأنَّهُ جادَلَ الرُّسُلَ في قَوْمِ ابْنِ أخِيهِ لُوطٍ، وأنَّهُ لَمّا تَحَقَّقَ حَتْمُ الأمْرِ وبَتَّ الحُكْمِ سَلَّمَ لِرَبِّهِ مَعَ كَوْنِهِ حَلِيمًا أوّاهًا مُنِيبًا إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُومِئُ إلَيْهِ سِياقُ القَصَصِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ أرْسَلْناكَ لِتُبَلِّغَ ما أُرْسِلْتَ بِهِ مِنَ الإنْذارِ وإنْ شَقَّ عَلَيْهِمْ، وعِزَّتِنا لَقَدْ أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ رُسُلًا مُنْذِرِينَ فَدَعَوْا إلى ما أُمِرْتَ بِالدَّعْوَةِ إلَيْهِ وأنْذَرُوهم ما يَشُقُّ عَلَيْهِمْ مِن بَأْسِنا امْتِثالًا لِأمْرِنا وما تَرَكُوا شَيْئًا مِنهُ خَوْفًا مِن إعْراضٍ ولا رَجاءٍ في إقْبالٍ عَلى أنَّ أُمَمَهم قالُوا لَهم ما قالَتْ لَكَ أُمَّتُكَ كَما يُشِيرُ إلَيْهِ قَوْلُهُ تَعالى عَنْ نُوحٍ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ [هود: ٣١] - الآيَةَ. وقَدْ كانَ في المُخالِفِينَ مِن أُمَمِهِمُ القَرِيبُ مِنهم نَسَبُهُ والعَزِيزُ عَلَيْهِمْ أمْرُهُ مِنَ ابْنٍ وصاحِبَةٍ وغَيْرِهِما، هَذا مَعَ أنَّ قِصَصَهم دَلِيلٌ عَلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ألا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ﴾ [هود: ٨] وزَجْرٌ لَهم عَنْ مِثْلِ قَوْلِهِمْ: ﴿ما يَحْبِسُهُ﴾ [هود: ٨] وتَأْيِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿ومِن قَبْلِهِ كِتابُ مُوسى إمامًا ورَحْمَةً﴾ [هود: ١٧] - وغَيْرُ ذَلِكَ مِمّا تَقَدَّمَ، فَقَدْ عُلِمَ مِن هَذا الوَجْهِ في تَكْرِيرِ هَذِهِ القِصَصِ، وأنَّهُ في كُلِّ سُورَةٍ لِمَقْصِدٍ يُخالِفُ المَقْصِدَ في غَيْرِها وإنْ كانَ يُسْتَفادُ مِن (p-٢٦٧)ذَلِكَ فَوائِدُ أُخَرُ: مِنها إظْهارُ القُدْرَةِ في بَيانِ الإعْجازِ بِتَصْرِيفِ المَعْنى في الوُجُوهِ المُخْتَلِفَةِ لِما في ذَلِكَ مِن عُلُوِّ الطَّبَقَةِ في البَلاغَةِ لِأنَّهُ رُبَّما قالَ مُتَعَنِّتٌ عِنْدَ التَّحَدِّي: قَدِ اسْتَوْفى اللَّفْظَ البَلِيغَ عَلى الأُسْلُوبِ الأكْمَلِ البَدِيعِ في هَذِهِ القِصَصِ فَلَمْ تَبْقَ لَنا ألْفاظٌ نُعَبِّرُ بِها عَنْ هَذِهِ المَعانِي حَتّى نَأْتِيَ بِمِثْلِ هَذِهِ القِصَّةِ؛ فَأتى بِها ثانِيًا إظْهارًا لِعَجْزِهِ وقَطْعًا لِحُجَّتِهِ، ورُبَّما كُرِّرَتْ ثالِثًا ورابِعًا تَوْكِيدًا لِذَلِكَ وتَمْكِينًا لِلِاعْتِبارِ بِضُرُوبِ البَيانِ وتَصْبِيرًا لِلنَّبِيِّ ﷺ عَلى أذى قَوْمِهِ حالًا فَحالًا، فَإنْ قِيلَ: فَما بالُها تَأْتِي تارَةً في غايَةِ البَسْطِ وتارَةً في غايَةِ الإيجازِ وتارَةً عَلى الوَسَطِ؟ قِيلَ: هَذا مِن أعْلى دَرَجاتِ البَلاغَةِ وأجَلِّ مَراتِبِ الفَصاحَةِ والبَراعَةِ، فَإنْ قِيلَ: فَإنّا نَرى القِصَّةَ تُبْسَطُ في بَعْضِ السُّورِ غايَةَ البَسْطِ ثُمَّ تُوجَزُ في غَيْرِها غايَةَ الإيجازِ ويُؤْتِي فِيها ما لَمْ يُؤْتِ في المَبْسُوطَةِ كَما في العَنْكَبُوتِ فَإنَّهُ عَيَّنَ فِيها مِقْدارَ لُبْثِهِ وأنَّهُ كانَ ألْفَ سَنَةٍ إلّا خَمْسِينَ عامًا، فَلِمَ لا اسْتَوْعَبَتْ جَمِيعَ المَعانِي في المَوْضِعِ المَبْسُوطِ كَما هو الألْيَقُ بِمَقامِ البَسْطِ لا سِيَّما لِمَن لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَنْسى، وإذا وقَعَ حَذْفٌ كانَ في المُوجَزَةِ، قِيلَ: قالَ شَيْخُنا حافِظُ العَصْرِ أبُو الفَضْلِ بْنُ حَجَرٍ: إنَّ الإمامَ أبا حاتِمِ بْنِ حِبّانَ البَسْتِيَّ ذَكَرَ في كِتابِهِ: «التَّقاسِيمُ والأنْواعُ»: إنَّما لَمْ يُرَتِّبْهُ لِيُحْفَظَ؛ إذْ لَوْ رَتَّبَهُ تَرْتِيبًا سَهْلًا لاتَّكَلَ مَن يَكُونُ عِنْدَهُ عَلى سُهُولَةِ الكَشْفِ مِنهُ فَلا يَتَحَفَّظُهُ، وإذا وعِرَ طَرِيقُ الكَشْفِ (p-٢٦٨)كانَ أدْعى إلى حِفْظِهِ لِيَكُونَ عَلى ذُكْرٍ مِن جَمِيعِهِ، وذَكَرَ أنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ اقْتِداءً بِالكِتابِ العَزِيزِ؛ فَإنَّهُ رُبَّما أتى بِالقِصَصِ غَيْرَ مُرَتَّبَةٍ، قالَ شَيْخُنا: ومِن هُنا يَظْهَرُ أنَّ مِن أسْرارِ تَخْصِيصِ بَعْضِ المُوجَزاتِ بِما لَيْسَ في المَبْسُوطِ الحَثُّ عَلى حِفْظِ الجَمِيعِ - انْتَهى. وهَذِهِ فَوائِدُ يَنْبَغِي إهْمالُها بَلْ تُسْتَعْمَلُ حَيْثُ أمْكَنَ، والعُمْدَةُ في المُناسَبَةِ الوَجْهُ الأوَّلُ وهو أنَّها في كُلِّ سُورَةٍ لِمُناسَبَةٍ تَخُصُّ تِلْكَ السُّورَةَ، ثُمَّ يُراعِي في البَسْطِ وغَيْرِهِ المَعانِيَ المُناسِبَةَ لِلْمَقْصِدِ الَّذِي سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

واللّامُ في ”لَقَدْ“ لِلْقَسَمِ: قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عِيسى الرُّمّانِيُّ: لِأنَّها تَدْخُلُ عَلى الفِعْلِ والحَرْفِ الَّذِي يَخْتَصُّ بِالفِعْلِ مِمّا يَصِحُّ مَعْناهُ مَعَهُ. ولامُ الِابْتِداءِ لِلِاسْمِ خاصَّةً، ومَعْنى ”قَدْ“ تَوَقُّعُ الخَبَرِ لِلتَّقْرِيبِ مِنَ الحالِ، يُقالُ: قَدْ رَكِبَ الأمِيرُ - لِقَوْمٍ يَتَوَقَّعُونَ رُكُوبَهُ \ فَعَلى هَذا القَوْلِ جَرى: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾ والإبانَةُ: إظْهارُ المَعْنى لِلنَّفْسِ بِما يُمْكِنُ إدْراكُهُ، وأصْلُهُ القَطْعُ، فالإبانَةُ قَطْعُ المَعْنى مِن غَيْرِهِ لِيَظْهَرَ في نَفْسِهِ - انْتَهى.

11:26–27Page 224

أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦

That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."

فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧

So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."

والمَقْصُودُ مِنَ الرِّسالَةِ قَوْلُهُ سُبْحانَهُ: ﴿أنْ﴾ أيْ: نَذِيرٌ لِأجْلِ أنْ ﴿لا تَعْبُدُوا﴾ أيْ: شَيْئًا أصْلًا ﴿إلا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ و[مَعْنى النِّذارَةِ] قَوْلُهُ: ﴿إنِّي أخافُ عَلَيْكُمْ﴾ وعِظَمَ العَذابِ المُحَذَّرِ مِنهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَذابَ يَوْمٍ ألِيمٍ﴾ وإذا كانَ اليَوْمُ مُؤْلِمًا فَما الظَّنُّ بِما فِيهِ مِنَ العَذابِ! فَهو إسْنادٌ مَجازِيٌّ مِثْلَ: نَهارُهُ صائِمٌ، ولَمْ يَذْكُرْ بِشارَةً (p-٢٦٩)كَما تَقَدَّمَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّنِي لَكم مِنهُ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ﴾ [هود: ٢] إرْشادًا إلى ما سِيقَتْ لَهُ القِصَّةُ مِن تَقْرِيرِ مَعْنى: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ﴾ [هود: ١٢] ولِذَلِكَ صَرَّحَ بِالألَمِ بِخِلافِ الأعْرافِ، وكَذا ما أُمِرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ أوَّلَ هَذِهِ مِن عَذابِ يَوْمٍ كَبِيرٍ، وهُما مُتَقارِبانِ؛ ثُمَّ ساقَ سُبْحانَهُ جَوابَ قَوْمِهِ عَلى وجْهٍ هو في غايَةِ التَّسْلِيَةِ والمُناسَبَةِ لِلسِّياقِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَقالَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ هَذا النُّصْحِ العَظِيمِ أنْ قالَ؛ ولَمّا كانَ هَذا بَعْدَ أنْ تَبِعَهُ بَعْضُهم قالَ: ﴿المَلأُ﴾ وبَيَّنَ أنَّ الجِدالَ مَعَ الضَّلالِ بَعْدَ أنْ بَيَّنَ أنَّهم هُمُ الأشْرافُ زِيادَةً في التَّسْلِيَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبَيَّنَ أنَّهُمُ أقارِبُ أعِزَّةٌ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم في غايَةِ القُوَّةِ لِما يُرِيدُونَ مُحاوَلَةَ القِيامِ بِهِ ﴿ما نَراكَ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا بَشَرًا﴾ أيْ آدَمِيًّا ﴿مِثْلَنا﴾ أيْ: في مُطْلَقِ البَشَرِيَّةِ، لَسْتَ بِمَلَكٍ تَصْلُحُ لِما لا تَصْلُحُ لَهُ مِنَ الرِّسالَةِ، وهَذا قَوْلُ البَراهِمَةِ، وهو مَنعُ نُبُوَّةِ البَشَرِ عَلى الإطْلاقِ، وهو قَوْلُ مَن يَحْسُدُ عَلى فَضْلِ اللَّهِ ويَعْمى عَنْ جَلِيِّ حِكْمَتِهِ فَيَمْنَعُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ بَشَرًا ويَجْعَلُ الإلَهَ حَجَرًا.

ولَمّا كانَتِ العَظَمَةُ عِنْدَهم مُنْحَصِرَةً في عَظَمَةِ الأتْباعِ قالُوا: ﴿وما نَراكَ﴾ ولَمّا نَفَوُا الرُّؤْيَةَ عَنْهُ فَتَشَوَّفَ السّامِعُ إلى ما يَقَعُ عَلَيْهِ مِنَ المَعانِي، بَيَّنُوا أنَّ مُرادَهم رُؤْيَةُ مَنِ اتَّبَعَهُ فَقالُوا: ﴿اتَّبَعَكَ﴾ أيْ (p-٢٧٠)تَكَلَّفَ اتِّباعَكَ ﴿إلا الَّذِينَ هُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أراذِلُنا﴾ أيْ: كالحائِكِ ونَحْوِهِ، ولَيْسَ مِنّا رَذْلٌ غَيْرُهُمْ، وهو جَمْعُ أرْذُلٍ كَأكْلُبٍ جَمْعِ رَذْلٍ كَكَلْبٍ، والرَّذْلُ: الخَسِيسُ الدَّنِيءُ، وهَذا يَنْتِجُ أنَّهُ لَمْ يَتْبَعْكَ أحَدٌ لَهُ قَدْرٌ؛ قالُوا: و”اتَّبَعَكَ“ عامِلٌ في قَوْلِهِ: ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ وهو ظَرْفٌ أيِ اتَّبَعُوكَ بَدِيهَةً مِن غَيْرِ تَأمُّلٍ، فاتِّباعُهم لا يَدُلُّ عَلى سَدادٍ لِما اتَّبَعُوهُ مِن وجْهَيْنِ: رَذالَتُهم في أنْفُسِهِمْ، وأنَّهم لَمْ يُفَكِّرُوا فِيهِ، لَكِنْ يُضْعِفُهُ إيرادُ الِاتِّباعِ بِصِيغَةِ الِافْتِعالِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى عِلاجٍ ومُجاذَبَةٍ، فالأحْسَنُ إسْنادُهُ - كَما قالُوهُ أيْضًا - إلى أراذِلٍ. أيْ أنَّهم بِحَيْثُ لا يَتَوَقَّفُ ناظِرُهم عِنْدَ أوَّلِ وُقُوعِ بَصَرِهِ عَلَيْهِمْ أنَّهم سَفَلَةٌ أسْقاطٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ”بادِيَ رَأْيِكَ“ أيْ أنَّكَ تَظُنُّ أنَّهُمُ اتَّبَعُوكَ، ولَمْ يَتَّبِعُوكَ.

ولَمّا كانُوا لا يَعِظُونَ إلّا بِالتَّوَسُّعِ في الدُّنْيا، قالُوا: ﴿وما نَرى لَكُمْ﴾ أيْ: لَكَ ولِمَن تَبِعَكَ ﴿عَلَيْنا﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ بِقَوْلِهِمْ: ﴿مِن فَضْلٍ﴾ أيْ: شَرَفٍ ولا مالٍ، وهَذا - مَعَ ما مَضى مِن قَوْلِهِمْ - قَوْلَ مَن يَعْرِفُ الحَقَّ بِالرِّجالِ ولا يَعْرِفُ الرِّجالَ بِالحَقِّ، وذَلِكَ أنَّهُ يَسْتَدِلُّ عَلى كَوْنِ الشَّيْءِ حَقًّا بِعَظَمَةِ مُتَّبِعِهِ في الدُّنْيا، وعَلى كَوْنِهِ باطِلًا بِحَقارَتِهِ فِيها، ومَجْمُوعُ قَوْلِهِمْ يَدُلُّ عَلى أنَّهم يُرِيدُونَ: لَوْ صَحَّ كَوْنُ النُّبُوَّةِ في البَشَرِ لَكانَتْ في واحِدٍ مِمَّنْ أقَرُّوا لَهُ بِالعُلُوِّ في الأرْضِ، وعَمَلُ ﴿اتَّبَعَكَ﴾ في ﴿بادِيَ﴾ يَمْنَعُهُ تَمادِي (p-٢٧١)الِاتِّباعِ عَلى الإيمانِ، فانْتَفى الطَّعْنُ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ ﴿بَلْ نَظُنُّكم كاذِبِينَ﴾ أيْ: لَكم هَذا الوَصْفُ لازِمًا دائِمًا لِأنَّكم لَمْ تَتَّصِفُوا بِما جَعَلْناهُ مَظِنَّةَ الِاتِّباعِ مِمّا يُوجِبُ العَظَمَةَ في القُلُوبِ والِانْقِيادَ لِلنُّفُوسِ بِالتَّقَدُّمِ في الدُّنْيا بِالمالِ والجاهِ؛ فَكانَ داؤُهم بَطَرَ الحَقِّ وغَمْطَ النّاسِ، وهو احْتِقارُهُمْ، وهَذا قَدْ سَرى إلى أكْثَرِ أهْلِ الإسْلامِ، فَصارُوا لا يُعَظِّمُونَ إلّا بِذَلِكَ، وهو أجْهَلُ الجَهْلِ لِأنَّ الرُّسُلَ أتَتْ لِلتَّزْهِيدِ في الدُّنْيا وانْظُرْ إلى رِضاهم لِأنْفُسِهِمْ بِالعُدُولِ عَنِ البَيِّنَةِ إلى اتِّباعِ الظَّنِّ ما أرْدَأهُ! وهَذا أفْظَعُ مِمّا حَكى هُنا مِن قَوْلِقُرَيْشٍ: ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ كَنْـزٌ أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] وأبْشَعُ؛ والبَشَرُ: الإنْسانُ لِظُهُورِ بَشَرَتِهِ أيْ ظاهِرِ جِلْدِهِ؛ لِأنَّ الغالِبَ عَلى غَيْرِهِ مِنَ الحَيَوانِ سَتْرُها بِالصُّوفِ أوِ الشَّعْرِ أوِ الوَبَرِ أوِ الرِّيشِ؛ والمَثَلُ: السّادُّ مَسَدَّ غَيْرِهِ في الحِسِّ بِمَعْنى أنَّهُ لَوْ ظَهَرَ لِلْمُشاهَدَةِ لَسَدَّ مَسَدَّهُ؛ والرَّذْلُ: الحَقِيرُ بِما عَلَيْهِ مِن صِفاتِ النَّقْصِ وجَمْعِهِ؛ والفَضْلُ: الزِّيادَةُ مِنَ الخَيْرِ، والإفْضالُ: مُضاعَفَةُ الخَيْرِ الَّتِي تُوجِبُ الشُّكْرَ.

11:28Page 224

قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨

He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?

ولَمّا كانَ خِتامُ جَوابِهِمْ أشَدَّهُ، بَدَأ في جَوابِهِ بِرَدِّهِ مُبَيِّنًا لِضَلالاتِهِمْ مُغْضِيًا عَنْ شَناعاتِهِمْ شَفَقَةً عَلَيْهِمْ ومَحَبَّةً لِنَجاتِهِمْ، فَقالَ تَعالى (p-٢٧٢)حِكايَةً عَنْهُ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ وشَرَعَ يُكَرِّرُ هَذِهِ اللَّفْظَةَ كُلَّ قَلِيلٍ تَذْكِيرًا لَهم أنَّهُ مِنهم لِتَعْطِفَهُمُ الأرْحامُ وتَرُدَّهُمُ القَراباتُ عَنْ حَسَدٍ أوِ اتِّهامِهِ إلى قَبُولِ ما يُلْقِي إلَيْهِمْ مِنَ الكَلامِ، وأشارَ بِأداةِ البُعْدِ - مَعَ قُرْبِهِمْ - إلى مُباعَدَتِهِمْ فِيما يَقْتَضِي غايَةَ القُرْبِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ مِنكم والتَّقْدِيرِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ساطِعٍ، وزادَ تَرْغِيبًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن رَبِّي﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنِي وأحْسَنَ إلَيَّ بِالرِّسالَةِ وغَيْرِها يَشْهَدُ بِصِحَّةِ دَعْوايَ [شَهادَةً] لا يَتَطَرَّقُ إلَيْها عِنْدَ المُنْصِفِ شُبْهَةٌ فَكَيْفَ بِالظَّنِّ! ﴿وآتانِي﴾ فَضْلًا مِنهُ عَلَيَّ لا لِمَعْنًى فِيَّ أزِيدُ عَلَيْكم بِهِ، بَلْ ﴿رَحْمَةً﴾ أيْ: إكْرامًا بِالرِّسالَةِ بَعْدَ النُّبُوَّةِ، وعَظَّمَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عِنْدِهِ﴾ فِيها فَضْلٌ عَظِيمُ النُّورِ واضِحُ الظُّهُورِ.

ولَمّا كانَتِ البَيِّنَةُ مِنَ الرَّحْمَةِ، وحَّدَ الضَّمِيرَ فَقالَ: ﴿فَعُمِّيَتْ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَخْصِيصِي بِها أنْ أظْلَمَتْ، ووَقَعَ ظَلامُها ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيْ: فَعَمِيتُمْ أنْتُمْ عَنْها لِضَعْفِ عُقُولِكم ولَمْ يَقَعْ عَلَيْكم شَيْءٌ مِن نُورِها، وذَلِكَ أنَّ الدَّلِيلَ إذا كانَ أعْمى عادَ ضَرَرُهُ عَلى التّابِعِ بِالحَيْرَةِ والضَّلالِ، وهو مَعْنى قِراءَةِ حَمْزَةَ والكِسائِيِّ وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ مُشَدَّدَةً ﴿أنُلْزِمُكُمُوها﴾ وقَوْلُهُ: ﴿وأنْتُمْ لَها كارِهُونَ﴾ مَعَ تَسْمِيَتِهِ لَها بَيِّنَةً - إشارَةً إلى أنَّها لَمْ تَعُمَّ ولا خَفِيَتْ عَلَيْهِمْ لِقُوَّةِ نُورِها وشَدَّةِ ظُهُورِها، وإنَّما هم مُعانِدُونَ في نَفْيِهِمْ لِفَضْلِهِ وفَضْلِ مَن تَبِعَهُ، والتَّعْبِيرُ عَنْ ذَلِكَ بِالجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ (p-٢٧٣)واسْمِ الفاعِلِ إشارَةً إلى أنَّ أفْعالَهم أفْعالٌ مِن كَراهَتِهِ لَها ثابِتَةٌ مُسْتَحْكَمَةٌ، وكَأنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِالقِتالِ كَما كانَ نَبِيُّنا ﷺ في أوَّلِ الأمْرِ، والآيَةُ ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَأنْتَ تُكْرِهُ النّاسَ حَتّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ [يونس: ٩٩] ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ذَلِكَ كِنايَةً عَنْ أنَّهم مُعانِدُونَ مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الجِهادِ وغَيْرِهِ فَإنَّ الأنْبِياءَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَأْمُورُونَ بِالمُجادَلَةِ لِلْمُعانِدِينَ إلى أنْ يُلْزِمُوهُمُ الحُجَّةَ، وهي لا تُفِيدُ إلّا الإلْزامَ في الظّاهِرِ مَعَ الإنْكارِ والكَراهَةِ في الباطِنِ، والدَّعْوَةِ إلى سَبِيلِ اللَّهِ بِالحِكْمَةِ لِلْكامِلِينَ، وبِالمَوْعِظَةِ والخَطابَةِ لِلْمُنافِقِينَ الَّذِي لا يُعانِدُونَ ويُحْسِنُونَ الظَّنَّ في الدّاعِي، فَيَكُونُ المَعْنى أنَّ البَيِّنَةَ لَمْ تَنْفَعْكم لِشَكاسَةٍ واعْوِجاجٍ في طِباعِكُمْ، فَلَمْ يَبْقَ إلّا المَوْعِظَةُ وهي لا تُفِيدُ [إلّا] مَعَ حُسْنِ الظَّنِّ، وأمّا مَعَ الكَراهَةِ فَلا يَنْفَعُكُمُ النُّصْحُ، فَلا فائِدَةَ في المُجادَلَةِ إلّا الإلْزامُ، وهو مَعَ الكَراهَةِ غَيْرُ نافِعٍ لَكم.

11:29Page 225

وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩

And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.

ولَمّا كانَ نَفْيُ ذَلِكَ عامًّا لِلْفَضْلِ الدُّنْيَوِيِّ، وكانَ الِاتِّصافُ بِقِلَّةِ ما في اليَدِ إنَّما يَكُونُ ضارًّا إذا كانَ صاحِبُهُ يَسْألُ غَيْرَهُ، نَفى عَنْهُ هَذا اللّازِمَ العائِبَ فَقالَ مُجِيبًا عَنْ نَفْيِهِمُ الفَضْلَ عَنْهُ وعَنْ أتْباعِهِ بِأنَّهُ قَدْ يُرِيدُ مِنهم عَلى ذَلِكَ ثَوابًا دُنْيَوِيًّا: ﴿ويا قَوْمِ﴾ اسْتِعْطافًا لَهم ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ \ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيِ الإنْذارِ كَما يَأْخُذُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ مِنكم مَن يُنْذِرُكم أمْرَ مَن يُرِيدُ بِكم بَعْضَ ما تَكْرَهُونَ (p-٢٧٤)فِي أُمُورِ دُنْياكم حَتّى تَكُونَ عاقِبَةُ ذَلِكَ أنْ تَتَّهِمُونِي ﴿مالا إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أجْرِيَ إلا عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ فَبِيَدِهِ الخَزائِنُ كُلُّها، ونَبَّهَ بِهَذا عَلى أنَّهُ لا غَرَضَ لَهُ مِن عَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ يُنَفِّرُ المَدْعُوَّ عَنْهُ فَوَجَبَ تَصْدِيقُهُ، وفِيهِ تَلْقِينٌ لِلْجَوابِ عَنْ قَوْلِ قُرَيْشٍ: لَوْلا أُلْقِي إلَيْهِ كَنْزٌ - كَما سَيَأْتِي بِأبْيَنَ مِن ذَلِكَ عَقِبَ قِصَّةِ يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ في قَوْلِهِ: ﴿وما تَسْألُهم عَلَيْهِ مِن أجْرٍ﴾ [يوسف: ١٠٤] لِأنَّ هَذِهِ القِصَصَ كالشَّيْءِ الواحِدِ مُتَتابِعَةً في بَيانِ حَقِّيَّةِ هَذا القُرْآنِ والتَّأْسِيَةِ في الِاقْتِداءِ بِالرُّسُلِ في الصَّبْرِ عَلى أداءِ جَمِيعِ الرِّسالَةِ مَعَ ما يَلْزَمُ ذَلِكَ مِن جَلِيلِ العِبَرِ وبَدِيعِ الحِكَمِ، فَلَمّا اتَّحَدَ الغَرَضُ مِنها مَعَ تَوالِيها اتَّحَدَتْ مُتَفَرِّقاتُها.

ولَمّا كانَ التَّعْبِيرُ بِرَذالَةِ المُتَّبِعِ مِمّا يُنَفِّرُ أهْلَ الدُّنْيا عَنْ ذَلِكَ التّابِعِ، بَيَّنَ لَهم أنَّ شَأْنَهُ غَيْرُ شَأْنِهِمْ وأنَّهُ رَقِيقٌ عَلى مَن آمَنَ بِهِ رَفِيقٌ بِهِ رَحِيمٌ لَهُ وإنْ كانَ مُتَأخِّرًا في الدُّنْيا مَحْرُومًا مِنها خَوْفًا مِنَ اللَّهِ الَّذِي اتَّبَعُوهُ فِيهِ فَقالَ: ﴿وما أنا﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ بِقَوْلِهِ: ﴿بِطارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ: أقَرُّوا بِألْسِنَتِهِمْ بِالإيمانِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ﴿أنَّهم مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾ [البقرة: ٤٦] أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بَعْدَ إيجادِهِمْ وتَرْتِيبِهِمْ لِهِدايَتِهِمْ، فَلَوْ طَرَدْتُهم لَشَكَوْنِي إلَيْهِ فَلا أرى لَكم وجْهًا في الإشارَةِ إلى طَرْدِهِمْ ولا في شَيْءٍ مِمّا أجَبْتُمُونِي بِهِ ﴿ولَكِنِّي أراكُمْ﴾ أيْ: أعْلَمُكم عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿قَوْمًا تَجْهَلُونَ﴾ [أيْ] تَفْعَلُونَ أفْعالَ أهْلِ الجَهْلِ فَتُكَذِّبُونَ (p-٢٧٥)الصّادِقَ وتُعَيِّرُونَ المُؤْمِنِينَ بِما لا يَعْنِيهِمْ وتَنْسَوْنَ لِقاءَ اللَّهِ وتُوقِعُونَ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواقِعِها، وفي تَعْبِيرِهِ بِ: ”تَجْهَلُونَ“ دُونَ ”جاهِلِينَ“ إشارَةً إلى أنَّ الجَهْلَ مُتَجَدِّدٌ لَهم وهو غَيْرُ عادَتِهِمُ اسْتِعْطافًا لَهم إلى الحِلْمِ،

11:30Page 225

وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠

And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?

ثُمَّ عَطَفَ إلى صَرِيحِ الِاسْتِعْطافِ في سِياقٍ مُحَذِّرٍ مِن سَطَواتِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيِ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿مَن يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ جَمِيعُ العَظَمَةِ ﴿إنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ ولَوْ لَمْ يَشْكُونِي إلَيْهِ لِاطِّلاعِهِ عَلى ما دَقَّ وجَلَّ: ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنِ ازْدِرائِهِمْ، سَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارَ لِعَدَمِ تَذَكُّرِهِمْ ما قالَهُ لَهم بِما يَجِدُونَهُ في أنْفُسِهِمْ فَقالَ: ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: ولَوْ أدْنى تَذَكُّرٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ الإدْغامُ - فَتَعْلَمُوا أنَّ مَن طَرَدَ صَدِيقًا لَكم عادَيْتُمُوهُ وقَصَدْتُمُوهُ بِالأذى، فَتَرْجِعُوا عَمّا طَرَأ لَكم مِن جَهْلٍ إلى عادَتِكم مِنَ الحِلْمِ الباعِثِ عَلى التَّأمُّلِ المُوَقِّفِ عَلى الحَقِّ؛ والطَّرْدُ: إبْعادُ الشَّيْءِ عَلى جِهَةِ الهَوانِ؛ والقَوْمُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالأمْرِ، اسْمُ جَمْعٍ لا واحِدَ لَهُ مَن لَفْظِهِ؛ والتَّذْكِيرُ: طَلَبُ مَعْنًى قَدْ كانَ حاضِرًا لِلنَّفْسِ، والتَّفَكُّرُ طَلَبُهُ وإنْ لَمْ يَكُنْ حاضِرًا.

11:31Page 225

وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١

And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."

ولَمّا كانَ نَفْيُهم لِلْفَضْلِ شامِلًا لِلْأمْوالِ وعِلْمِ الغَيْبِ، أقَرَّهم عَلى ذَلِكَ مُنَبِّهًا عَلى خَطَئِهِمْ فِيهِ بِأنَّهُ لَمْ يَقُلْ بَيْنَهم قَطُّ ما يَكُونُ سَبَبًا لَهُ، فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ”لا أسْألُكم عَلَيْهِ أجْرًا“؛ ﴿ولا أقُولُ لَكُمْ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ فَأتَفَضَّلُ عَلَيْكم بِها؛ (p-٢٧٦)ولَمّا كانَ مِنَ الجائِزِ أنْ يُمَكِّنَ اللَّهُ مَن يَشاءُ مِن خَزائِنِ الأرْزاقِ ونَحْوِها فَيَسُوغُ لَهُ أنْ يُطْلِقَ مِلْكَ ذَلِكَ مَجازًا، ولا يَجُوزَ أنْ يُمَكِّنَهُ مِن عِلْمِ الغَيْبِ، وهو ما غابَ عَنِ الخَلْقِ كُلِّهِمْ، لِأنَّهُ خاصَّتُهُ سُبْحانَهُ، قالَ عاطِفًا عَلى: ”أقُولُ“ لا عَلى المَقُولِ: ﴿ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ لا حَقِيقَةً ولا مَجازًا فَأعْلَمُ وقْتَ ما تُوعَدُونَ بِهِ أوْ ما في قُلُوبِ المُؤْمِنِينَ مِمّا قَدْ يُتَوَهَّمُ بِهِ مِنَ السُّوءِ، وأعْلَمَهم أنَّهُ لا مانِعَ مِن إرْسالِ البَشَرِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ إنِّي مَلَكٌ﴾ فَتَكُونُ قُوَّتِي أفْضَلَ مِن قُوَّتِكم أوْ خَلْقِي أعْظَمَ قَدْرًا مِن خَلْقِكم ونَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الفَضْلِ الصُّورِيِّ الَّذِي جَعَلْتُمُوهُ هو الفَضْلَ، فَلا \ تَكُونُ الآيَةُ دَلِيلًا عَلى أفْضَلِيَّةِ المَلائِكَةِ، وتَقَدَّمَ في الأنْعامِ سِرُّ إسْقاطِهِ ”لَكم“ .

ولَمّا كانَ تَعْرِيضُهم بِنَفْيِ المَلَكِيَّةِ عَنْهُ مِن بابِ الإزْراءِ، أتْبَعَهُ تَأْكِيدَ قَبُولِهِ لِمَن آمَنَ كائِنًا مَن كانَ وإنِ ازْدَرَوْهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ﴾ أيْ: لِأجْلِ الَّذِينَ ﴿تَزْدَرِي﴾ أيْ: تَحْتَقِرُ ﴿أعْيُنُكُمْ﴾ أيْ: تُقَصِّرُونَ بِهِ عَنِ الفَضْلِ عِنْدَ نَظَرِكم لَهُ وتَعِيبُونَهُ ﴿لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿خَيْرًا﴾ ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما لَكَ لا تَقُولُ ذَلِكَ؟ أجابَ بِما تَقْدِيرُهُ: لِأنِّي أعْلَمَ ضَمائِرَهم ولا أحْكُمُ إلّا عَلى الظّاهِرِ: ﴿اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿أعْلَمُ﴾ أيْ: حَتّى مِنهم ﴿بِما في أنْفُسِهِمْ﴾ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ لا يَظْلِمُ أحَدًا، فَمَن كانَ في نَفْسِهِ خَيْرٌ جازاهُ عَلَيْهِ، ويَجُوزُ (p-٢٧٧)أنْ يَكُونَ هَذا راجِعًا إلى ﴿بادِيَ الرَّأْيِ﴾ [هود: ٢٧] بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ ﷺ كَما تَقَدَّمَ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ كَفَّهُ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِإنْكارِهِمْ ظُلْمَهُ عَلى ذَلِكَ التَّقْدِيرِ]: ﴿إنِّي إذًا﴾ أيْ: إذا قُلْتُ لَهم ذَلِكَ ﴿لَمِنَ الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في وضْعِ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ؛ والخَزائِنُ: أخْبِيَةُ المَتاعِ الفاخِرَةُ، [وخَزائِنُ اللَّهِ مَقْدُوراتُهُ لِأنَّهُ يُوجِدُ مِنها ما يَشاءُ، وفي وصْفِها بِذَلِكَ بَلاغَةٌ]؛ والغَيْبُ: ذَهابُ الشَّيْءِ عَنِ الإدْراكِ، ومِنهُ الشّاهِدُ خِلافَ الغائِبِ، وإذا قِيلَ: عِلْمُ غَيْبٍ، كانَ مَعْناهُ: عِلْمٌ مِن غَيْرِ تَعْلِيمٍ؛ والِازْدِراءُ: الِاحْتِقارُ، وهو افْتِعالٌ مِنَ الزِّرايَةِ، زَرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا عِبْتَهُ، وأزْرَيْتُ عَلَيْهِ - إذا قَصَّرْتَ بِهِ؛ والمَلَكُ أصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الألُوكَةِ وهي الرِّسالَةُ.

11:32–33Page 225

قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢

They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."

قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣

He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.

فَلَمّا اسْتَوْفى نَقْضَ ما أبْرَمُوهُ في زَعْمِهِمْ مِن جَوابِهِمْ عَلى غايَةِ الإنْصافِ واللِّينِ والِاسْتِعْطافِ، اسْتَأْنَفَ الحِكايَةَ عَنْهم بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ [أيْ] قَوْلَ مَن لَمْ يَجِدْ في رَدِّهِ شُبْهَةً يُبْدِيها ولا مَدْفَعًا يُغِيرُ بِهِ: ﴿يا نُوحُ قَدْ جادَلْتَنا﴾ أيْ أرَدْتَ فَتْلَنا وصَرْفَنا عَنْ آرائِنا بِالحِجاجِ وأرَدْنا صَرْفَكَ عَنْ رَأْيِكَ بِمِثْلِ ذَلِكَ ﴿فَأكْثَرْتَ﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ تَضَجُّرِنا] أنَّكَ أكْثَرْتَ ﴿جِدالَنا﴾ أيْ: كَلامَنا عَلى صُورَةِ الجِدالِ ﴿فَأْتِنا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ [وعَنْ] تَضَجُّرِنا أنْ نَقُولَ لَكَ: لَمْ يَصِحَّ (p-٢٧٨)عِنْدَنا دَعْواكَ، ائْتِنا ﴿بِما تَعِدُنا﴾ مِنَ العَذابِ ﴿إنْ كُنْتَ﴾ أيْ: كَوْنًا هو جِبِلَّةٌ لَكَ ﴿مِنَ الصّادِقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ [فِي الصِّدْقِ في أنَّهُ يَأْتِينا] فَصَرَّحُوا بِالعِنادِ المُبْعِدِ مِنَ الإنْصافِ والِاتِّصافِ بِالسَّدادِ وسَمَّوْهُ بِاسْمِهِ ولَمْ يَسْمَحُوا بِأنْ يَقُولُوا لَهُ: يا ابْنَ عَمِّنا، مَرَّةً واحِدَةً كَما كَرَّرَ لَهُمْ: يا قَوْمِ، فَكانَ المَعْنى أنّا غَيْرُ قابِلِينَ لِشَيْءٍ مِمّا تَقُولُ وإنْ أكْثَرْتَ وأطَلْتَ - بِغَيْرِ حُجَّةٍ مِنهم بَلْ عِنادًا وكِبْرًا - فَلا تَتْعَبْ، بَلْ قَصِّرِ الأمْرَ مِمّا تَتَوَعَّدُنا بِهِ، وسَمَّوْهُ وعْدًا سُخْرِيَةً بِهِ، أيْ أنَّ هَذا الَّذِي جَعَلْتَهُ وعِيدًا هو عِنْدَنا وعْدٌ حَسَنٌ سارَ بِاعْتِبارِ أنّا نُحِبُّ حُلُولَهُ، المَعْنى أنَّكَ لَسْتَ قادِرًا عَلى ذَلِكَ ولا أنْتَ صادِقٌ فِيهِ، فَإنْ كانَ حَقًّا فائْتِنا بِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا قالَ لَهُمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ جَرْيًا عَلى سَنَنِ قَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لَكم عِنْدِي خَزائِنُ اللَّهِ ولا أعْلَمُ الغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] ﴿إنَّما يَأْتِيكم بِهِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ فَتَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ ورَدَّ ذَلِكَ إلى] مَن هو لَهُ، وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ شاءَ﴾ إلى أنَّهُ مُخَيَّرٌ في إيقاعِهِ وإنْ كانَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ بِهِ إرْشادًا إلى أنَّهُ سُبْحانَهُ لا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ولا يَقْبُحُ مِنهُ شَيْءٌ، بَلْ [و] لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ [وإنْ كانَ لا يَقَعُ إلّا ما أخْبَرَ بِهِ]؛ ثُمَّ بَيَّنَ لَهم عَجْزَهم وخَطَأهم في تَعَرُّضِهِمْ لِلْهَلاكِ فَقالَ: ﴿وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ أيْ: في شَيْءٍ مِنَ الأوْقاتِ لِشَيْءٍ مِمّا يُرِيدُهُ بِكم سُبْحانَهُ؛ والإكْثارُ: الزِّيادَةُ عَلى مِقْدارِ الكِفايَةِ؛ والمُجادَلَةُ: المُقابَلَةُ بِما يَفْتِلُ الخَصْمَ عَنْ مَذْهَبِهِ بِحُجَّةٍ أوْ شُبْهَةٍ، وهو مِنَ الجَدَلِ وهو شِدَّةُ الفَتْلِ، والمَطْلُوبُ بِهِ الرُّجُوعُ عَنِ المَذْهَبِ، والمَطْلُوبُ (p-٢٧٩)بِالحِجاجِ ظُهُورُ الحُجَّةِ، فَهو قَدْ يَكُونُ مَذْمُومًا كالمِراءِ، وذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لِلتَّشْكِيكِ في الحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ، وحَيْثُ قُيِّدَ الجِدالُ بِ: ﴿الَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [الإسراء: ٥٣] فالمُرادُ بِهِ إظْهارُ الحَقِّ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском