Al-Biqa'iHud · 11:34–44

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:34–44

11:34Page 225

وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤

And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."

ولَمّا بَيَّنَ أنَّهم إنَّما هم في قَبْضَتِهِ سُبْحانَهُ، زادَ في بَيانِ عَظَمَتِهِ وأنَّ إرادَتَهُ تَضْمَحِلُّ مَعَها كُلُّ إرادَةٍ في سِياقٍ دالٍّ عَلى أنَّهُ بِذَلِكَ ناصِحٌ لَهم وأنَّ نُصْحَهُ خاصٌّ بِهِمْ، فَقالَ جَوابًا لِما وهِمُوا مِن أنَّ جِدالَهُ لَهم كَلامٌ بِلا طائِلٍ: ﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي﴾ وذَكَرَ إرادَتَهُ لِما يُرِيدُ أنْ يَذْكُرَهُ مِن إرادَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿إنْ أرَدْتُ﴾ [أيْ جَمَعْتُ إلى فِعْلِ النُّصْحِ إرادَةَ] ﴿أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ بِإعْلامِ مَوْضِعِ الغَيِّ لِيُتَّقى والرُّشْدِ لِيُتَّبَعَ، وجَزاؤُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِي ﴿إنْ كانَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ ﴿يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ أيْ: يُضِلَّكم ويُرْكِبَكم غَيْرَ الصَّوابِ [فَإنَّهُ إرادَتُهُ سُبْحانَهُ تَغْلِبُ إرادَتِي وفِعْلِي مَعًا] لا يَنْفَعُكم شَيْءٌ إشارَةً إلى أنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى دَفْعِ العَذابِ بِقُوَّةٍ فَتَكُونُوا غالِبِينَ، ولا بِطاعَةٍ فَتَكُونُوا مَحْبُوبِينَ مُقَرَّبِينَ إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ إهْلاكَكم بِالإغْواءِ، وإنْ أرَدْتُ أنا نَجاتَكُمْ، ولَمْ يَقُلْ: ولا يَنْفَعُكم نُصْحِي إنْ نَصَحْتُ لَكُمْ، إشارَةً إلى أنِّي لا أمْلِكُ إلّا إرادَتِي لِنُصْحِكُمْ، فَإذا أرَدْتُهُ فَغايَةُ ما يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِن فِعْلِي وُقُوعُ النُّصْحِ وإخْلاصُهُ لَكُمْ، وأمّا النَّفْعُ بِهِ فَلا شَيْءَ مِنهُ إلَيَّ، بَلْ هو تابِعٌ لِمُرادِ اللَّهِ، فَإنْ أرادَ غَوايَتَكم حَصَلَتْ (p-٢٨٠)لا مَحالَةَ، ولَمْ يَقَعْ ما قَدْ يَتَرَتَّبُ عَلى النُّصْحِ مِن عَمَلِ المَنصُوحِ بِمُقْتَضاهُ المُسْتَجْلِبِ لِنَفْعِ المُسْتَدْفِعِ لِلضُّرِّ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم في إحْسانِهِ ورَهَّبَهم مِنَ انْتِقامِهِ مُعَلِّلًا لِعَدَمِ ما لا يُرِيدُهُ: ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ أيِ المُوجِدُ لَكُمُ المُدَبِّرُ لِأُمُورِكم فَهو يَتَصَرَّفُ وحْدَهُ لِما يُرِيدُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَمِنهُ مَبْدَؤُكُمْ، عَطْفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: لا إلى غَيْرِهِ ﴿تُرْجَعُونَ﴾ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ وأهْوَنِهِ بِالمَوْتِ ثُمَّ البَعْثِ فَيُجازِيكم عَلى أعْمالِكم كَما هي عادَةُ المُلُوكِ مَعَ عُمّالِهِمْ.

11:35Page 225

أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥

Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."

ولَمّا كانَ مَضْمُونُ هَذِهِ الآيَةِ نَحْوَ مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّما أنْتَ نَذِيرٌ واللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وكِيلٌ﴾ [هود: ١٢] فَإنَّ النَّذِيرَ مَن يَنْصَحُ المُنْذَرَ، والوَكِيلَ [هُوَ] المَرْجُوعُ إلَيْهِ في أمْرِ الشَّيْءِ المَوْكُولِ إلَيْهِ، وما قَبْلَها تَعْرِيضٌ بِنِسْبَةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إلى الِافْتِراءِ، تَلاهُ بِما تَلا بِهِ ذاكَ مِنَ النِّسْبَةِ إلى الِافْتِراءِ وإشارَةً إلى أنَّ هَذِهِ القِصَصَ كُلَّها لِلتَّسْلِيَةِ في أمْرِ النِّذارَةِ والتَّأْسِيَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: أيَقُولُونَ لَكَ مِثْلَ هَذِهِ الأقْوالِ فَقَدْ قالُوها لِنُوحٍ كَما تَرى، ثُمَّ والى عَلَيْهِمْ مِنَ الإنْذارِ ما لَمْ يَطْعَمُوا مَعَهُ في تَرْكِ شَيْءٍ مِمّا أمَرْناهُ بِهِ أعْجَبَهم أوْ أغْضَبَهُمْ، فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ وحَسْبُكَ بِهِ قُدْوَةً في أنْ تَعُدَّ كَلامَهم عَدَمًا وتَقْبَلَ عَلى ما أرْسَلْناكَ بِهِ مِن بَذْلِ النَّصِيحَةِ بِالنِّذارَةِ: ﴿أمْ يَقُولُونَ﴾ في القُرْآنِ ﴿افْتَراهُ﴾ إصْرارًا عَلى ما تَقَوَّلُوهُ فَدَمَغَهُ الدَّلِيلُ وأدْحَضَتْهُ الحُجَّةُ فَكَأنَّهُ قِيلَ: نَعَمْ، [إنَّهُمْ] يَقُولُونَ ذَلِكَ، (p-٢٨١)فَقِيلَ: لا عَلَيْكَ؛ فَإنَّهُ قَوْلٌ يَقْصِدُونَ بِهِ مُجَرَّدَ العِنادِ وهم يَعْلَمُونَ خِلافَهُ بَعْدَ ما قامَ عَلَيْهِمْ مِنَ الحُجَجِ الَّتِي وصَلُوا مَعَها إلى عَيْنِ اليَقِينِ فَلا يَهُمَّنَّكَ قَوْلُهم هَذا، فَإنَّهم يَجْعَلُونَهُ وسِيلَةً إلى تَرْكِكَ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ فَلا تَفْعَلْ، بَلْ ﴿قُلْ﴾ في جَوابِ قَوْلِهِمْ هَذا ﴿إنِ افْتَرَيْتُهُ﴾ أيْ: قَطَعْتُ كَذِبَهُ ﴿فَعَلَيَّ﴾ أيْ: خاصًّا بِي ﴿إجْرامِي﴾ أيْ: وبالُهُ وعِقابُهُ دُونَكم وإذا اسْتَعْلى عَلَيَّ الإجْرامُ عُرِفَ ذَلِكَ لِأرْبابِ العُقُولِ وظَهَرَ ظُهُورًا أفْتَضِحُ بِهِ وأنْتُمْ أعْرَفُ النّاسِ بِأنِّي أبْعَدُ مِن ذَلِكَ مِمّا بَيْنَ اجْتِماعِ الضِّدَّيْنِ وارْتِفاعِ النَّقِيضَيْنِ لِما تَعْلَمُونَ مِنِّي مِن طَهارَةِ الشِّيَمِ وعُلُوِّ الهِمَمِ وطِيبِ الذِّكْرِ وشَرِيفِ القَدْرِ وكَرِيمِ الأمْرِ، هَذا لَوْ كُنْتُ قادِرًا عَلى ذَلِكَ فَكَيْفَ وأنا وأنْتُمْ في العَجْزِ عَنْهُ سَواءٌ ﴿وأنا بَرِيءٌ﴾ أيْ: غايَةَ البَراءَةِ ﴿مِمّا تُجْرِمُونَ﴾ أيْ: تُوجِدُونَ إجْرامَهُ، لَيْسَ عَلَيَّ مِن إجْرامِكم عائِدُ ضَرَرٍ بَعْدَ أنْ أوْضَحْتُهُ لَكم وكَشَفْتُ عَنْكم غِطاءَ الشُّبَهِ، إنَّما ضَرَرُهُ عَلَيْكم فاعْمَلُوا عَلى تَذَكُّرِ هَذا المَعْنى فَإنَّ سَوْقَ جَوابِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ أنْكى لَهم مِن إقامَةِ حُجَّةٍ أُخْرى لِأنَّهم يَعْلَمُونَ مِنهُ أنَّهُ إلْزامٌ لَهم بِالفَضِيحَةِ لِانْقِطاعِهِمْ لَدى مَن لَهُ وعْيٌ، ويُمْكِنُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هَلِ انْتَبَهَ قَوْمُكَ يا مُحَمَّدُ فَعَلِمُوا قُبْحَ مِثْلِ هَذِهِ الحالِ وأنَّها حالُ المُعانِدِينَ، فَرَجَعُوا تَكَرُّمًا عَنْ رُكُوبِ مِثْلِها \ واسْتِحْياءً ﴿أمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ﴾ أيْ: كَذَبَهُ مُتَعَمِّدًا اسْتِمْرارًا عَلى العِنادِ وتَمادِيًا في البِعادِ كَما تَمادى قَوْمُ نُوحٍ فَيَحِلُّ (p-٢٨٢)بِهِمْ ما حَلَّ بِهِمْ، أيْ: هَلْ رَجَعُوا بِهَذا المِقْدارِ مِن قِصَّةِ قَوْمِ نُوحٍ أمْ هم مُسْتَمِرُّونَ عَلى ما نَسَبُوكَ إلَيْهِ في أوائِلِ السُّورَةِ مِنَ افْتِرائِهِ فَيَحْتاجُونَ إلى تَكْمِيلِ القِصَّةِ بِما وقَعَ مِن عَذابِهِمْ لِيَخافُوا مِثْلَ مُصابِهِمْ؛ وافْتِراءُ الكَذِبِ: افْتِعالُهُ مِن قِبَلِ النَّفْسِ فَهو أخَصُّ مِن مُطْلَقِ الكَذِبِ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَقْلِيدًا لِلْغَيْرِ.

11:36–37Page 225

وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦

And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.

وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧

And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."

ولَمّا فَرَغَ مِن هَذِهِ الجُمْلَةِ الَّتِي هي المَقْصُودُ بِهَذا السِّياقِ كُلِّهِ وإنْ كانَتِ اعْتِراضِيَّةً في هَذِهِ القِصَّةِ، رَجَعَ إلى إكْمالِها بَيانًا لِأنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ يُكاشِفُ قَوْمَهُ بِجَمِيعِ ما أُمِرَ بِهِ وإنْ عَظُمَتْ مَشَقَّتُهُ عَلَيْهِمْ بِحَيْثُ لَمْ يَكُنْ قَطُّ مَوْضِعَ رَجاءٍ لَهم في أنْ يَتْرُكَ شَيْئًا مِنهُ وتَحْذِيرًا لِكُلِّ مَن سَمِعَ قِصَّتَهم مِن أنْ يَحِلَّ بِهِ ما حَلَّ بِهِمْ فَقالَ: ﴿وأُوحِيَ﴾ أيْ: مِنَ الَّذِي لا مُوحِيَ إلّا هو وهو مَلِكُ المُلُوكِ ﴿إلى نُوحٍ﴾ بَعْدَ تِلْكَ الخُطُوبِ ﴿أنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ﴾ بِما جِئْتُ بِهِ ﴿مِن قَوْمِكَ إلا مَن﴾ ولَمّا كانَ الَّذِي يُجِيبُ الإنْسانُ إلى ما يَسْألُهُ فِيهِ يَلُوحُ عَلَيْهِ مَخايِلُ قَبْلَ الإجابَةِ يَتَوَقَّعُ السّائِلُ بِها الإجابَةَ، قالَ: ﴿قَدْ آمَنَ فَلا﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ عِلْمِكَ بِأنَّهُ قَدْ تَمَّ شَقاؤُهم أنّا نَقُولُ لَكَ: [لا] ﴿تَبْتَئِسْ﴾ أيْ: يَحْصُلْ لَكَ بُؤْسٌ، أيْ شِدَّةٌ يَعْظُمُ عَلَيْكَ خَطْبُها بِكَثْرَةِ تَأمُّلِكَ في عَواقِبِها ﴿بِما كانُوا﴾ أيْ: بِما جُبِلُوا عَلَيْهِ ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فَإنّا نَأْخُذُ لَكَ بِحَقِّكَ مِنهم قَرِيبًا، وكَأنَّهُ كانَ أعْلَمَهُ أنَّهم [إنْ] لَمْ يُجِيبُوهُ أغْرَقَهم وأنْجاهُ ومَن مَعَهُ في فُلْكٍ يَحْمِلُهم فِيهِ عَلى مَتْنِ الماءِ فَقالَ: ﴿واصْنَعِ الفُلْكَ﴾ حالَ (p-٢٨٣)كَوْنِكَ مَحْفُوظًا ﴿بِأعْيُنِنا﴾ نَحْفَظُكَ أنْ تَزِيغَ في عَمَلِها، وجُمِعَ مُبالَغَةً في الحِفْظِ والرِّعايَةِ عَلى طَرِيقِ التَّمْثِيلِ ﴿ووَحْيِنا﴾ فَنَحْنُ نُلْهِمُكَ أصْلَحَ ما يَكُونُ مِن عَمَلِها وأنْتَ تَعْلَمُ ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي تَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ولا يَتَعاظَمُها شَيْءٌ، فَلا تَهْتَمَّ بِكَوْنِكَ لا تَعْرِفُ صَنْعَتَها؛ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ اللَّهَ أوْحى إلَيْهِ أنْ يَصْنَعَهُ مِثْلَ جُؤْجُؤِ الطّائِرِ - أيْ صَدْرِهِ. وأشارَ إلى شَفَقَتِهِ عَلى قَوْمِهِ وحُبِّهِ لِنَجاتِهِمْ كَما هو حالُ هَذا النَّبِيِّ الكَرِيمِ مَعَ أُمَّتِهِ فَقالَ: ﴿ولا تُخاطِبْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعِ مُخاطَبَةٍ وإنْ قَلَّتْ ﴿فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْجَدُوا الظُّلْمَ واسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ في أنْ أُنْجِيَهُمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ النَّهْيَ بِأنَّ الحُكْمَ فِيهِمْ [قَدِ] انْبَرَمَ فَقالَ: ﴿إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ قَدِ انْبَرَمَ الأمْرُ بِذَلِكَ؛ والِابْتِئاسُ: حُزْنٌ في اسْتِكانَةٍ، لِأنَّ أصْلَ البُؤْسِ الفَقْرُ والمَسْكَنَةُ؛ والوَحْيُ: إلْقاءُ المَعْنى إلى النَّفْسِ في خَفاءٍ، وقَدْ يَكُونُ إفْهامًا مِن غَيْرِ كَلامٍ بِإشارَةٍ ونَحْوِها، وقَدْ يَكُونُ بِكَلامٍ خَفِيٍّ؛ والفُلْكُ: السَّفِينَةُ، يُؤَنَّثُ ويُذَكَّرُ، واحِدُهُ وجَمْعُهُ سَواءٌ، وأصْلُهُ الإدارَةُ مِنَ الفَلْكَةِ.

11:38–40Page 226

وَيَصۡنَعُ ٱلۡفُلۡكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيۡهِ مَلَأٞ مِّن قَوۡمِهِۦ سَخِرُواْ مِنۡهُۚ قَالَ إِن تَسۡخَرُواْ مِنَّا فَإِنَّا نَسۡخَرُ مِنكُمۡ كَمَا تَسۡخَرُونَ ٣٨

And he constructed the ship, and whenever an assembly of the eminent of his people passed by him, they ridiculed him. He said, "If you ridicule us, then we will ridicule you just as you ridicule.

فَسَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيۡهِ عَذَابٞ مُّقِيمٌ ٣٩

And you are going to know who will get a punishment that will disgrace him [on earth] and upon whom will descend an enduring punishment [in the Hereafter]."

حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَمۡرُنَا وَفَارَ ٱلتَّنُّورُ قُلۡنَا ٱحۡمِلۡ فِيهَا مِن كُلّٖ زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِ وَأَهۡلَكَ إِلَّا مَن سَبَقَ عَلَيۡهِ ٱلۡقَوۡلُ وَمَنۡ ءَامَنَۚ وَمَآ ءَامَنَ مَعَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٞ ٤٠

[So it was], until when Our command came and the oven overflowed,1 We said, "Load upon it [i.e., the ship] of each [creature] two mates and your family, except those about whom the word [i.e., decree] has preceded, and [include] whoever has believed." But none had believed with him, except a few.

ولَمّا أمَرَهُ تَعالى ونَهاهُ، أخْبَرَ أنَّهُ امْتَثَلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَأيِسَ مِن إيمانِ أحَدٍ مِنهم فَتَرَكَ دُعاءَهم وشَرَعَ يُسَلِّي نَفْسَهُ: ﴿ويَصْنَعُ﴾ أيْ: صَنْعَةَ ماهِرٍ جِدًّا، لَهُ مَلَكَةٌ عَظِيمَةٌ بِذَلِكَ الصُّنْعِ ﴿الفُلْكَ﴾ فَحَلّى فِعْلَهُ حالُ عِلْمِهِ بِأنَّهُ سُبْحانَهُ بَتَّ الأمْرَ بِأنَّهُ كانَ يَعْمَلُ ما أمَرَهُ بِهِ (p-٢٨٤)سُبْحانَهُ ولَمْ يُخاطِبْهُ فِيهِمْ ولا أسِفَ عَلَيْهِمْ، وأشارَ إلى أنَّهُمُ ازْدادُوا بَغْيًا بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلَّما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ كُلَّما ﴿مَرَّ عَلَيْهِ مَلأٌ﴾ أيْ: أشْرافٌ ﴿مِن قَوْمِهِ﴾ وأجابَ ”كُلَّما“ بِقَوْلِهِ: ﴿سَخِرُوا مِنهُ﴾ أيْ: ولَمْ يَمْنَعْهم شَرَفُهم مِن ذَلِكَ، وذَلِكَ أنَّهم رَأوْهُ يُعانِي ما لَمْ يَرَوْا قَبْلَهُ مِثْلَهُ لِيَجْرِيَ عَلى الماءِ وهو في البَرِّ وهو عَلى صِفَةٍ مِنَ الهَوْلِ عَظِيمَةٍ فَعَنِ الحَسَنِ أنَّ طُولَها ألْفُ ذِراعٍ ومِائَتا ذِراعٍ وعَرْضُها سِتُّمِائَةٍ، فَقالُوا: يا نُوحُ! ما تَصْنَعُ؟ قالَ: أبْنِي بَيْتًا عَلى الماءِ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿سَخِرُوا﴾ صِفَةً لِ «مَلَأٌ»، وجَوابُ ”كُلَّما“ ﴿قالَ﴾ ولَمّا أيْأسَهُ اللَّهُ مِن خَيْرِهِمْ، تَرَكَ ما كانَ مِن لِينِهِ لَهم واسْتِعْطافِهِمْ فَعُلِمَ أنَّ ذَلِكَ ما كانَ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ، فَقالَ حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: \ ﴿قالَ إنْ تَسْخَرُوا مِنّا﴾ ولَمّا كانُوا يَظُنُّونَ أنَّهُ غائِبٌ في عَمَلِهِ كانَ [عِنْدَهُمْ] مَوْضِعًا لِلْخِزْيِ والسُّخْرِيَةِ، وكانَ هو ﷺ عالِمًا بِأنَّ عَمَلَهم سَبَبٌ لِخِزْيِهِمْ بِالعَذابِ المُسْتَأْصِلِ، فَكانَ المَعْنى: إنْ تَسْخَرُوا مِنّا - أيْ مِنِّي ومِمَّنْ يُساعِدُنِي - لِظَنِّ أنَّ عَمَلَنا غَيْرُ مُثْمِرٍ ﴿فَإنّا نَسْخَرُ﴾ أيْ: نُوجِدُ السُّخْرِيَةَ ﴿مِنكُمْ﴾ جَزاءً لَكم ﴿كَما تَسْخَرُونَ﴾ مِنّا الآنَ لِأنَّ عَمَلَنا مُنْجٍ وعَمَلَكم لَيْسَ مُقْتَصِرًا عَلى الضَّياعِ بَلْ هو مُوجِبٌ لِما تُوعَدُونَ مِنَ العَذابِ فَأنْتُمُ المَخْزِيُّونَ دُونِي. ولَمّا كانَ قَوْلُهُ: ﴿نَسْخَرُ مِنكُمْ﴾ واقِعًا مَوْقِعَ هَذا الإخْبارِ، حَسُنَ الإتْيانُ بِالفاءِ المُؤْذِنَةِ بِتَسَبُّبِ العِلْمِ المَذْكُورِ عَنْهُ في قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ (p-٢٨٥)﴿مَن يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ أيْ: يَفْضَحُهُ فَيُذِلَّهُ، وكَأنَّ المُرادَ بِهِ عَذابُ الدُّنْيا ﴿ويَحِلُّ عَلَيْهِ﴾ أيْ: حُلُولَ الدَّيْنِ الَّذِي لا مَحِيدَ عَنْهُ ﴿عَذابٌ مُقِيمٌ﴾ وهو عَذابُ الآخِرَةِ، وقَدْ مَضى نَحْوَهُ في الأنْعامِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ﴿فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَن تَكُونُ لَهُ عاقِبَةُ الدّارِ﴾ [الأنعام: ١٣٥] والسُّخْرِيَةُ: إظْهارُ ما يُخالِفُ الإبِطانَ عَلى جِهَةِ تَفَهُّمِ اسْتِضْعافِ العَقْلِ، مِنَ التَّسْخِيرِ وهو التَّذْلِيلُ اسْتِضْعافًا بِالقَهْرِ، وهي تُفارِقُ اللَّعِبَ بِأنَّ فِيها خَدِيعَةَ اسْتِنْفاضٍ، فَلا تَكُونُ إلّا بِحَيَوانٍ، واللَّعِبُ قَدْ يَكُونُ بِجَمادٍ لِأنَّهُ مُطْلَقُ طَلَبِ الفَرَحِ؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ والعارُ بِهِ، ونَظِيرُهُ الذُّلُّ والهَوانُ؛ واسْتَمَرَّ ذَلِكَ دَأْبَهُ ودَأْبَهم ﴿حَتّى إذا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِهِمْ ﴿وفارَ﴾ أيْ: غَلا وطَفَحَ ﴿التَّنُّورُ﴾ وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما والحَسَنِ ومُجاهِدٍ أنَّهُ الحَقِيقِيُّ الَّذِي يُخْبَزُ فِيهِ، وهَذا هو الظّاهِرُ فَلا يُعْدَلُ عَنْهُ إلّا بِدَلِيلٍ، لِأنَّ صَرْفَ اللَّفْظِ عَنْ ظاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ عَبَثٌ [كَما] قالَهُ أهْلُ الأُصُولِ ﴿قُلْنا﴾ بِعَظَمَتِنا ﴿احْمِلْ﴾ [ولَمّا كانَ اللَّهُ تَعالى قَدْ أمَرَهُ أنْ يَجْعَلَ لَها غِطاءً - كَما قالَهُ أهْلُ التَّفْسِيرِ - لِئَلّا تَمْتَلِئَ مِن شِدَّةِ الأمْطارِ، كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ فِيها بِخِلافِ غَيْرِها مِنَ السُّفُنِ واضِحَةً؛ فَلِذَلِكَ قالَ]: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ ﴿مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ﴾ مِنَ الحَيَواناتِ، والزَّوْجُ فَرْدٌ يَكُونُ مَعَهُ آخَرُ لا يَكْمُلُ نَفْعُهُ إلّا بِهِ ﴿اثْنَيْنِ﴾ ذَكَرًا وأُنْثى ﴿وأهْلَكَ﴾ أيِ احْمِلْهُمْ، والأهْلُ: (p-٢٨٦)العِيالُ ﴿إلا مَن سَبَقَ﴾ غالِبًا ﴿عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ بِأنِّي أُغْرِقُهُ وهو امْرَأتُهُ وابْنُهُ كَنْعانُ ﴿ومَن﴾ أيْ: واحْمِلْ فِيها مَن ﴿آمَنَ﴾ قالَ أبُو حَيّانَ: وكانَتِ السَّفِينَةُ ثَلاثَ طَبَقاتٍ: السُّفْلى لِلْوُحُوشِ، والوُسْطى لِلطَّعامِ والشَّرابِ، والعُلْيا لَهُ ولِمَن آمَنَ مَعَهُ؛ ثُمَّ سَلّى المُخاطَبَ بِهَذِهِ القِصَصِ ﷺ وذَكَّرَهُ نِعْمَتَهُ بِكَثْرَةِ مَنِ اتَّبَعَهُ مَعَ صَدْعِهِمْ بِمُؤْلِمِ الإنْذارِ عَلى قِصَرِ الزَّمانِ دُونَ نُوحٍ عَلَيْهِمُ السَّلامُ مَعَ تَطاوُلِ الزَّمَنِ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ: والحالُ أنَّهُ ما ﴿آمَنَ﴾ كائِنًا ﴿مَعَهُ﴾ أيْ: بِإنْذارِهِ ﴿إلا قَلِيلٌ﴾ بِسَبَبِ تَقْدِيرِنا لا بِإغْضائِهِمْ بِما كُوفِحُوا بِهِ مِنَ الإنْذارِ؛ والتَّنُّورُ - قالَ أبُو حَيّانَ: وزْنُهُ فَعُّولٌ عِنْدَ أبِي عَلِيٍّ وهو أعْجَمِيٌّ، وقالَ ثَعْلَبٌ: وزْنُهُ تَفَعُولٌ مِنَ النُّورِ، وأصْلُهُ تَنْوُورٌ، هُمِزَتِ الواوُ ثُمَّ خُفِّفَتْ وشُدِّدَ الحَرْفُ الَّذِي قَبْلَها، والزَّوْجُ قَدْ كَثُرَ عَلى الرَّجُلِ الَّذِي لَهُ امْرَأةٌ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ في ﴿ومِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا زَوْجَيْنِ﴾ [الذاريات: ٤٩] السَّماءُ زَوْجٌ والأرْضُ زَوْجٌ، والشِّتاءُ زَوْجٌ، والصَّيْفُ زَوْجٌ، واللَّيْلُ زَوْجٌ، والنَّهارُ زَوْجٌ، حَتّى يَصِيرَ الأمْرُ إلى اللَّهِ الفَرْدِ الَّذِي لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ، ومَعْنى ذَلِكَ في صَحِيحِ البُخارِيِّ، وأقَلُّ ما قِيلَ فِيمَن كانَ في السَّفِينَةِ ثَمانِيَةٌ: نُوحٌ وامْرَأةٌ لَهُ، وثَلاثَةُ بَنِينَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، ونِساؤُهُمْ؛ وأكْثَرُ ما قِيلَ أنَّهم ثَمانُونَ - رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما.

11:41Page 226

۞ وَقَالَ ٱرۡكَبُواْ فِيهَا بِسۡمِ ٱللَّهِ مَجۡر۪ىٰهَا وَمُرۡسَىٰهَآۚ إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ٤١

And [Noah] said, "Embark therein; in the name of Allāh [are] its course and its anchorage. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."

(p-٢٨٧)ولَمّا أتاهُ الأمْرُ بِذَلِكَ، بادَرَ الِامْتِثالَ فَجَمَعَ مَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ إلى السَّفِينَةِ بَعْدَ أنْ هَيَّأها لَهم ﴿وقالَ﴾ أيْ: لِمَن أُمِرَ بِحَمْلِهِ ﴿ارْكَبُوا﴾ ولَمّا كانَتِ الظَّرْفِيَّةُ أغْلَبَ عَلى السَّفِينَةِ قالَ: ﴿فِيها﴾ أيِ السَّفِينَةِ؛ ولَمّا أمَرَهم بِالرُّكُوبِ فَرَكِبُوا، اسْتَأْنَفَ قَوْلَهُ، أوْ أمَرَهم بِالرُّكُوبِ قائِلِينَ: ﴿بِسْمِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ ﴿مَجْراها ومُرْساها﴾ أيْ: إجْراؤُها وإرْساؤُها ومَحَلُّهُما ووَقْتُهُما، وقَرَأ الحَسَنُ وقَتادَةُ وحُمَيْدٌ الأعْرَجُ وإسْماعِيلُ بْنُ مُجالِدٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ الرّاءِ والسِّينِ كَسْرًا خالِصًا بَعْدَهُ ياءانِ خالِصَتانِ عَلى أنَّ الِاسْمَيْنِ صِفَتانِ لِلْجَلالَةِ \؛ ثُمَّ عَلَّلَ نَجاتَهم بِالإجْراءِ والإرْساءِ اعْتِرافًا بِأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِعَفْوِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما دَبَّرَ مِنِّي هَذا الأمْرَ وغَيْرَهُ، وزادَ في التَّأْكِيدِ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِ مَن مَعَهُ مُعَرِّفًا لَهم بِأنَّ أحَدًا لَنْ يُقَدِّرَ اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وأنَّ العَبْدَ لا يَسَعُهُ إلّا الغُفْرانُ فَقالَ: ﴿لَغَفُورٌ﴾ أيْ: بالِغُ السَّتْرِ لِلزَّلّاتِ والهَفَواتِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ: بالِغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ، فَرَكِبُوها واسْتَمَرُّوا سائِرِينَ فِيها يَقُولُونَ: بِسْمِ اللَّهِ

11:42Page 226

وَهِيَ تَجۡرِي بِهِمۡ فِي مَوۡجٖ كَٱلۡجِبَالِ وَنَادَىٰ نُوحٌ ٱبۡنَهُۥ وَكَانَ فِي مَعۡزِلٖ يَٰبُنَيَّ ٱرۡكَب مَّعَنَا وَلَا تَكُن مَّعَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٤٢

And it sailed with them through waves like mountains, and Noah called to his son who was apart [from them], "O my son, come aboard with us and be not with the disbelievers."

﴿وهِيَ﴾ أيْ: والحالُ أنَّها ﴿تَجْرِي بِهِمْ﴾

ولَمّا كانَ الماءُ مُهَيِّئًا لِلْإغْراقِ، فَكانَ السَّيْرُ عَلى ظَهْرِهِ مِنَ الخَوارِقِ، وأشارَ إلى ذَلِكَ بِالظَّرْفِ فَقالَ: ﴿فِي مَوْجٍ﴾ ونَبَّهَ عَلى عُلُوِّهِ بِقَوْلِهِ: ﴿كالجِبالِ﴾ أيْ: في عِظَمِهِ وتَراكُمِهِ [وارْتِفاعِهِ]، فالجُمْلَةُ حالٌ مِن فَرَكِبُوها المُقَدَّرِ؛ لِأنَّهُ لِظُهُورِهِ في قُوَّةِ المَلْفُوظِ، وكانَ هَذِهِ الحالُ مَعَ (p-٢٨٨)أنَّ اسْتِدامَةَ الرُّكُوبِ رُكُوبٌ إشارَةً إلى سُرْعَةِ امْتِلاءِ الأرْضِ مِنَ الماءِ وصَيْرُورَتِهِ فِيها أمْثالَ الجِبالِ عَقِبَ رُكُوبِهِمُ السَّفِينَةَ مِن غَيْرِ كَبِيرِ تَراخٍ، قالُوا: وكانَ أوَّلُ ما رَكِبَ مَعَهُ الذَّرَّةَ، وآخِرُ ما رَكِبَ مَعَهُ الحِمارَ، وتَعَلَّقَ إبْلِيسُ بِذَنَبِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعِ الدُّخُولَ حَتّى قالَ لَهُ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ: ادْخُلْ ولَوْ كانَ الشَّيْطانُ مَعَكَ - كَذا قالُوا، وقِيلَ: إنَّهُ مَنَعَ الحَيَّةَ والعَقْرَبَ وقالَ: إنَّكُما سَبَبُ الضُّرِّ، فَقالا: احْمِلْنا ولَكَ أنْ لا نَضُرَّ أحَدًا ذَكَرَكَ، فَمَن قالَ: ﴿سَلامٌ عَلى نُوحٍ في العالَمِينَ﴾ [الصافات: ٧٩] ﴿إنّا كَذَلِكَ نَجْزِي المُحْسِنِينَ﴾ [الصافات: ٨٠] ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا المُؤْمِنِينَ﴾ [الصافات: ٨١] لَمْ تَضُرّاهُ. ولَمّا كانَ ابْتِداءُ الحالِ في تَفَجُّرِ الأرْضِ كُلِّها عُيُونًا وانْهِمارِ السَّماءِ انْهِمارًا - مُرْشِدًا إلى أنَّ الحالَ سَيَصِيرُ إلى ما أخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِن كَوْنِ المَوْجِ كالجِبالِ لا يُنْجِي مِنهُ إلّا السَّبَبُ الَّذِي أقامَهُ سُبْحانَهُ، تَلا ذَلِكَ بِأمْرِ ابْنِ نُوحٍ فَقالَ عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقالَ ارْكَبُوا﴾ [هود: ٤١] ﴿ونادى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [أيْ] كَنْعانَ وهو لِصُلْبِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ والضَّحّاكِ ﴿وكانَ﴾ أيِ الِابْنُ ﴿فِي مَعْزِلٍ﴾ أيْ: عَنْ أبِيهِ في مَكانِهِ وفي دِينِهِ لِأنَّهُ كانَ كافِرًا، وبَيَّنَ أنَّ ذَلِكَ المَعْزِلَ كانَ عَلى بَعْضِ البُعْدِ بِقَوْلِهِ: ﴿يا بُنَيَّ﴾ صَغَّرَهُ تَحَنُّنًا وتَعَطُّفًا ﴿ارْكَبْ﴾ كائِنًا ﴿مَعَنا﴾ - أيْ في السَّفِينَةِ لِتَكُونَ مِنَ النّاجِينَ ﴿ولا تَكُنْ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿مَعَ الكافِرِينَ﴾ أيْ: في دِينٍ ولا مَكانٍ إشارَةً إلى أنَّ حِرْصَ الرُّسُلِ عَلَيْهِمُ السَّلامُ (p-٢٨٩)وشَفَقَتَهم - وإنْ كانَتْ مَعَ رُؤْيَةِ الآياتِ العِظامِ والأُمُورِ الهائِلَةِ - لَيْسَتْ سَبَبًا لِلِينِ القُلُوبِ وخُضُوعِ النُّفُوسِ ما لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ، انْظُرْ إلى اسْتِعْطافِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بِقَوْلِهِ: ”يا بُنَيَّ“ مُذَكِّرًا لَهُ بِالنُّبُوَّةِ مَعَ تَصْغِيرِ التَّحَنُّنِ والتَّراؤُفِ وفَظاظَةِ الِابْنِ مَعَ عَدَمِ سَماحِهِ بِأنْ يَقُولَ: يا أبَتِ، ولَمْ يَلِنْ مَعَ ما رَأى مِنَ الآياتِ العِظامِ ولا تَناهى لِشَيْءٍ مِنها عَنْ تَقَحُّمِ الجَهْلِ بَدَلًا مِنَ العِلْمِ وتَعَسُّفِ الشُّبْهَةِ بَدَلًا مِنَ الحُجَّةِ.

11:43Page 226

قَالَ سَـَٔاوِيٓ إِلَىٰ جَبَلٖ يَعۡصِمُنِي مِنَ ٱلۡمَآءِۚ قَالَ لَا عَاصِمَ ٱلۡيَوۡمَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِ إِلَّا مَن رَّحِمَۚ وَحَالَ بَيۡنَهُمَا ٱلۡمَوۡجُ فَكَانَ مِنَ ٱلۡمُغۡرَقِينَ ٤٣

[But] he said, "I will take refuge on a mountain to protect me from the water." [Noah] said, "There is no protector today from the decree of Allāh, except for whom He gives mercy." And the waves came between them, and he was among the drowned.

ولَمّا كانَ الحالُ حالَ دَهَشٍ واخْتِلالٍ كانَ السّامِعُ جَدِيرًا بِأنْ لا يَصْبِرَ بَلْ يُبادِرَ إلى السُّؤالِ فَيَقُولَ: فَما قالَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ قَوْلَ مَن لَيْسَ لَهُ عَقْلٌ تَبَعًا لِمُرادِ اللَّهِ ﴿سَآوِي إلى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي﴾ أيْ: بِعُلُوِّهِ ﴿مِنَ الماءِ﴾ أيْ: فَلا أغْرَقُ ﴿قالَ﴾ أيْ: نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿لا عاصِمَ﴾ أيْ: لا مانِعَ مِن جَبَلٍ ولا غَيْرِهِ مَوْجُودٌ ﴿اليَوْمَ﴾ أيْ: لِأحَدٍ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ المُحِيطِ أمْرُهُ وقُدْرَتُهُ وعِلْمُهُ، وهو حُكْمُهُ بِالغَرَقِ عَلى كُلِّ ذِي رُوحٍ [لا يَعِيشُ في الماءِ] ﴿إلا مَن رَحِمَ﴾ أيْ: إلّا مَكانٌ مِن رَحْمَةِ اللَّهِ فَإنَّهُ مانِعٌ مِن ذَلِكَ وهو السَّفِينَةُ، أوْ لَكِنْ مَن رَحِمَهُ اللَّهُ فَإنَّ اللَّهَ يَعْصِمُهُ.

ولَمّا رَكِبَ نُوحٌ ومَن أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وأرادَهُ. ولَمْ تَبْقَ حاجَةٌ في تَدَرُّجِ ارْتِفاعِ الماءِ، فَعَلا وطَما وغَلَبَ وعَتا فَهالَ الأمْرُ وزادَ عَلى الحَدِّ والقَدْرِ، [قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُهُ ذَلِكَ (p-٢٩٠)مِنهُ بَلْ عَصى أباهُ كَما عَصى اللَّهَ فَأوى إلى الجَبَلِ الَّذِي أرادَهُ فَعَلا الماءُ عَلَيْهِ ولَمْ يُمْكِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ اللَّحاقُ بِأبِيهِ ولا الوُصُولُ إلَيْهِ]: ﴿وحالَ بَيْنَهُما﴾ أيْ: بَيْنَ الِابْنِ والجَبَلِ أوْ بَيْنَهُ وبَيْنَ أبِيهِ ﴿المَوْجُ﴾ المَذْكُورُ في قَوْلِهِ: ﴿فِي مَوْجٍ كالجِبالِ﴾ [هود: ٤٢] ﴿فَكانَ﴾ أيِ [الِابْنُ] بِأهْوَنِ أمْرٍ ﴿مِنَ المُغْرَقِينَ﴾ وهم كُلُّ مَن لَمْ يَرْكَبْ مَعَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِن جَمِيعِ أهْلِ الأرْضِ]؛ قالَ أبُو حَيّانَ: قِيلَ: كانا يَتَراجَعانِ الكَلامَ فَما اسْتَتَمَّتْ لِمُراجَعَةٍ حَتّى جاءَتْ مَوْجَةٌ عَظِيمَةٌ وكانَ راكِبًا عَلى فَرَسٍ قَدْ بَطِرَ وأُعْجِبَ بِنَفْسِهِ فالتَقَمَتْهُ وفَرَسَهُ وحِيلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ فَغَرِقَ - انْتَهى.

والرُّكُوبُ: العُلُوُّ عَلى ظَهْرِ الشَّيْءِ، رَكِبَ الدّابَّةَ والسَّفِينَةَ والبَرَّ والبَحْرَ؛ والجَرْيُ: مَرٌّ سَرِيعٌ؛ يُقالُ: هَذِهِ العِلَّةُ تَجْرِي في أحْكامِها، أيْ تَمُرُّ مِن غَيْرِ مانِعٍ، والمَوْجُ جَمْعُ مَوْجَةٍ - لِقِطْعَةٍ عَظِيمَةٍ مِنَ الماءِ الكَثِيرِ تَرْتَفِعُ عَنْ حَمْلَتِهِ، وأعْظَمُ ما يَكُونُ ذَلِكَ إذا اشْتَدَّتِ الرِّيحُ؛ والجَبَلُ: جِسْمٌ عَظِيمُ الغِلَظِ شاخِصٌ مِنَ الأرْضِ هو لَها كالوَتَدِ؛ والعِصْمَةُ: المَنعُ مِنَ الآفَةِ

11:44Page 226

وَقِيلَ يَٰٓأَرۡضُ ٱبۡلَعِي مَآءَكِ وَيَٰسَمَآءُ أَقۡلِعِي وَغِيضَ ٱلۡمَآءُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ وَٱسۡتَوَتۡ عَلَى ٱلۡجُودِيِّۖ وَقِيلَ بُعۡدٗا لِّلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ ٤٤

And it was said, "O earth, swallow your water, and O sky, withhold [your rain]." And the water subsided, and the matter was accomplished, and it [i.e., the ship] came to rest on the [mountain of] Jūdiyy. And it was said, "Away with the wrongdoing people."

﴿وقِيلَ﴾ أيْ: بِأدْنى إشارَةٍ بَعْدَ هَلاكِ أهْلِ الأرْضِ وخُلُوِّها مِنَ الكافِرِينَ وتَدْمِيرِ مَن في السُّهُولِ والجِبالِ مِنَ الخاسِرِينَ، وهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ - وهو القَوْلُ - عَلى السَّبَبِ - وهو الإرادَةُ - لِتَصْوِيرِ أمْرٍ ومَأْمُورٍ هو في غايَةِ الطّاعَةِ فَإنَّهُ أوْقَعُ في النَّفْسِ.

(p-٢٩١)ولَمّا كانَ كُلَّ شَيْءٍ دُونَ مَقامِ الجَلالِ والكِبْرِياءِ والعِزَّةِ بِأمْرٍ لا يَعْلَمُهُ إلّا اللَّهُ. دَلَّ عَلى ذَلِكَ بِأداةِ البُعْدِ فَقالَ: ﴿يا أرْضُ ابْلَعِي﴾ أيِ اجْذِبِي مِن غَيْرِ مَضْغٍ إلى مَكانٍ خَفِيٍّ بِالتَّدْرِيجِ، وعَيَّنَ المَبْلُوعَ لِئَلّا يَعُمَّ فَتَبْتَلِعَ كُلَّ شَيْءٍ عَلى ظَهْرِها مِن جَبَلٍ وغَيْرِهِ، ولِذَلِكَ أفْرَدَ ولَمْ يَجْمَعْ فَقالَ: ﴿ماءَكِ﴾ أيِ الَّذِي تَجَدَّدَ عَلى ظَهْرِكِ لِلْإغْراقِ لِيَكُونَ كالغِذاءِ لِلْآكِلِ الَّذِي يُقَوِّي بَدَنَهُ فَيَقْوى بِهِ عَلى الإنْباتِ وسائِرِ المَنافِعِ وجَعَلَهُ ماءَها لِاتِّصالِهِ بِها اتِّصالَ المِلْكِ بِالمالِكِ ﴿ويا سَماءُ أقْلِعِي﴾ أيْ: أمْسِكِي عَنِ الإمْطارِ، فَفَعَلَتا مُبادِرَتَيْنِ لِأمْرِ المَلِكِ الَّذِي لا يَخْرُجُ عَنْ مُرادِهِ شَيْءٌ ﴿وغِيضَ الماءُ﴾ أيِ المَعْهُودُ، حُكِمَ عَلَيْهِ بِالدَّبُوبِ في أعْماقِ الأرْضِ، مِنَ المُتَعَدِّي فَإنَّهُ يُقالُ: غاضَ الماءُ وغاضَهُ اللَّهُ، كَما يُقالُ: نَقَضَ الشَّيْءُ ونَقَضْتُهُ أنا ﴿وقُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: فُرِغَ وانْبَتَّ وانْبَرَمَ في إهْلاكِ مَن هَلَكَ ونَجاةِ مَن نَجا كَما أرادَ الجَلِيلُ عَلى ما تَقَدَّمَ بِهِ وعْدُهُ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ، لَمْ يَقْدِرْ أحَدٌ أنْ يَحْبِسَهُ عَنْهم ولا أنْ يَصْرِفَهُ ولا أنْ يُؤَخِّرَهُ دَقِيقَةً ولا أصْغَرَ مِنها. فَلْيَحْمَدِ اللَّهَ مَن أُخِّرَ عَنْهُ العَذابُ ولا يَقُلْ: ”ما يَحْبِسُهُ“ لِئَلّا يَأْتِيَهُ مِثْلُ ما أتى هَؤُلاءِ أوْ مَن بَعْدَهم ﴿واسْتَوَتْ﴾ أيِ اسْتَقَرَّتْ واعْتَدَلَتِ السَّفِينَةُ ﴿عَلى الجُودِيِّ﴾ إشارَةً بِاسْمِهِ إلى أنَّ الِانْتِقامَ العامَّ قَدْ مَضى، وما بَقِيَ إلّا الجُودُ بِالماءِ والخَيْرِ والخِصْبِ والرَّحْمَةِ العامَّةِ، وهو الجَبَلُ بِالمُوصِلِ بَعْدَ خَمْسَةِ أشْهُرٍ؛ قالَ قَتادَةُ: اسْتَقَلَّتْ بِهِمْ (p-٢٩٢)لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِن رَجَبٍ وكانَتْ في الماءِ خَمْسِينَ ومِائَةَ يَوْمٍ، واسْتَقَرَّتْ بِهِمْ عَلى الجُودِيِّ شَهْرًا، وهَبَطَ بِهِمْ يَوْمَ عاشُوراءَ ﴿وقِيلَ﴾ أيْ: إعْلامًا بِهَوانِ المُهْلَكِينَ والرّاحَةِ مِنهم ﴿بُعْدًا﴾ هو مِن بَعِدَ - بِالكَسْرِ مُرادًا بِهِ البُعْدُ مِن حَيْثُ الهَلاكُ، فَإنَّ حَقِيقَتَهُ بُعْدٌ بَعِيدٌ لا يُرْجى مِنهُ عَوْدٌ، ثُمَّ اسْتُعِيرَ لِلْهَلاكِ وخُصَّ بِدُعاءِ السُّوءِ، وعَبَّرَ بِالمَصْدَرِ لِتَعْلِيقِهِ بِاللّامِ الدّالَّةِ عَلى الِاسْتِحْقاقِ والِاخْتِصاصِ ﴿لِلْقَوْمِ﴾ [أيِ المَعْهُودِينَ في هَذِهِ القِصَّةِ الَّتِي كانَ فِيها مِن شِدَّةِ القِيامِ فِيما يُحاوِلُونَهُ ما لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ إلّا اللَّهُ] ﴿الظّالِمِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الظُّلْمِ، وهَذِهِ الآيَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ لَفْظَةً فِيها أحَدٌ وعِشْرُونَ نَوْعًا مِنَ البَدِيعِ - عَدَّها أبُو حَيّانَ وقالَ: ورُوِيَ أنَّ أعْرابِيًّا سَمِعَها فَقالَ: هَذا كَلامُ القادِرِينَ. وذَكَرَ الرُّمّانِيُّ عِدَّةً مِن مَعانِيها، مِنها إخْراجُ الأمْرِ عَلى جِهَةِ التَّعْظِيمِ لِفاعِلِهِ مِن غَيْرِ مُعاناةٍ ولا لُغُوبٍ، ومِنها: حُسْنُ تَقابُلِ المَعانِي، ومِنها: حُسْنُ ائْتِلافِ الألْفاظِ، ومِنها: حُسْنُ البَيانِ في تَصْوِيرِ الحالِ، ومِنها الإيجازُ مِن غَيْرِ إخْلالٍ، ومِنها تَقَبُّلُ الفَهْمِ عَلى أتَمِّ الكَمالِ؛ والبَلْعُ: إجْراءُ الشَّيْءِ في الحَلْقِ إلى الجَوْفِ؛ والإقْلاعُ: إذْهابُ الشَّيْءِ مِن أصْلِهِ حَتّى لا يَبْقى لَهُ أثَرٌ؛ والغَيْضُ: غَيْبَةُ الماءِ في الأرْضِ عَلى جِهَةِ النَّشَفِ. وإبْرازُ الكَلامِ عَلى البِناءِ لِلْمَفْعُولِ أدَلُ عَلى الكِبْرِياءِ والعَظَمَةِ لِلْفاعِلِ لِلْإشارَةِ إلى أنَّهُ مَعْلُومٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِ هَذِهِ الأفْعالِ غَيْرُهُ، ونَقَلَ (p-٢٩٣)الأصْبِهانِيُّ عَنْ صاحِبِ المِفْتاحِ فِيها كَلامًا أغْلى مِنَ الجَوْهَرِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском