Al-Biqa'iHud · 11:45–52

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:45–52

11:45Page 226

وَنَادَىٰ نُوحٞ رَّبَّهُۥ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ٱبۡنِي مِنۡ أَهۡلِي وَإِنَّ وَعۡدَكَ ٱلۡحَقُّ وَأَنتَ أَحۡكَمُ ٱلۡحَٰكِمِينَ ٤٥

And Noah called to his Lord and said, "My Lord, indeed my son is of my family; and indeed, Your promise is true; and You are the most just of judges!"

ولَمّا كانَ الِاسْتِثْناءُ مِن أهْلِهِ في قَوْلِهِ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَجُوزُ أنْ يُرادَ بِهِ امْرَأتُهُ فَقَطْ، فَتَكُونُ نَجاةُ ابْنِهِ جائِزَةً، وكانَ ما عِنْدَ الأنْبِياءِ عَلَيْهِمُ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِن فَرْطِ الشَّفَقَةِ عَلى الخَلْقِ لا سِيَّما الأقارِبُ يَحْمِلُهم عَلى السَّعْيِ في صَلاحِهِمْ ما كانَ لِذَلِكَ وجْهٌ كَما تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنْ تَسْتَغْفِرْ لَهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠] لِأنَّ أجْنِحَةَ الخَلْقِ كَسِيرَةٌ وأيْدِيَهم قَصِيرَةٌ وأمْرَهم ضَعِيفٌ وحالَهم رَثٌّ، فَأدْنى هَوانٍ يُورِثُهُمُ الخُسْرانَ، وأمّا جَنابُ الحَقِّ فَفَسِيحٌ وشَأْنُهُ عَظِيمٌ وأمْرُهُ عَلِيٌّ، فَلا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ بِوَجْهٍ ولا يُدانِيهِ ضَرَرٌ ولا يَعْتَرِي أمْرَهُ وهْنٌ، لَمّا كانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ، سَألَ نُوحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ نَجاةَ ولَدِهِ كَما أخْبَرَ عَنْهُ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿ونادى نُوحٌ رَبَّهُ﴾ [أيِ الَّذِي عَوَّدَهُ بِالإحْسانِ الجَزِيلِ]، ودَلَّ سُبْحانَهُ بِالعَطْفِ بِالفاءِ دُونَ أنْ يَأْتِيَ بِالِاسْتِئْنافِ المُفَسِّرِ لِلنِّداءِ عَلى أنَّ ما ذُكِرَ هُنا مِن نِداءِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ بَعْضُ نِدائِهِ وأنَّ هَذا المَذْكُورَ مُرَتَّبٌ مُعَقَّبٌ عَلى شَيْءٍ مِنهُ سابِقٌ عَلَيْهِ أقْرَبُهُ أنْ يَكُونَ ما أرْشَدَهُ إلَيْهِ سُبْحانَهُ في سُورَةِ المُؤْمِنِينَ ويَشْعُرُ بِهِ قَوْلُهُ تَعالى بَعْدَ هَذا جَوابًا لَهُ: ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ بِسَلامٍ مِنّا﴾ [هود: ٤٨] فَيَكُونُ (p-٢٩٤)تَقْدِيرُ الكَلامِ: قالَ: رَبِّ أنْزِلْنِي مَنزِلًا مُبارَكًا - وما قُدِّرَ لَهُ مِنَ الكَلامِ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: عَقَبَةً لِما حَمَلَهُ عَلى ذَلِكَ مِن رَحْمَةِ النُّبُوَّةِ وشَفَقَةِ الأُبُوَّةِ وسَجِيَّةِ البَشَرِ مُتَعَرِّضًا لِنَفَحاتِ الرَّحْمَةِ وعَواطِفِ العَفْوِ؛ أوِ الفاءُ تَفْصِيلٌ لِمُجْمَلِ ”نادى“ مِثْلَ ما [فِي]: تَوَضَّأ فَغَسَلَ.

﴿رَبِّ إنَّ ابْنِي﴾ أيِ الَّذِي غَرِقَ ﴿مِن أهْلِي﴾ أيْ: وقَدْ أمَرْتَنِي بِحَمْلِ أهْلِي، وذَلِكَ الأمْرُ مُحْتَمِلٌ لِلْإشارَةِ إلى إرادَةِ نَجاتِهِمْ ﴿وإنَّ وعْدَكَ الحَقُّ﴾ أيِ الكامِلُ في نَجاتِهِمْ إلّا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ، وقَدْ عَلِمَتْ ذَلِكَ في المَرْأةُ الكافِرَةُ ﴿وأنْتَ أحْكَمُ الحاكِمِينَ﴾ لِأنَّكَ أعْلَمُهُمْ، ومَن كانَ أعْلَمَ كانَ أحْكَمَ فَتَعْلَمُ أنَّ قَوْلَكَ: ﴿إلا مَن سَبَقَ عَلَيْهِ القَوْلُ﴾ [هود: ٤٠] يَصِحُّ بِاسْتِثْنائِها وحْدَها، فَإنْ كانَ ابْنِي مِمَّنْ نَجا فَأْتِنِي بِهِ؛ وإنْ كانَ هَذا الدُّعاءُ عِنْدَ حَيْلُولَةِ المَوْجِ بَيْنَهُما فالمَعْنى: فَلا تُهْلِكْهُ

11:46Page 227

قَالَ يَٰنُوحُ إِنَّهُۥ لَيۡسَ مِنۡ أَهۡلِكَۖ إِنَّهُۥ عَمَلٌ غَيۡرُ صَٰلِحٖۖ فَلَا تَسۡـَٔلۡنِ مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٌۖ إِنِّيٓ أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ ٱلۡجَٰهِلِينَ ٤٦

He said, "O Noah, indeed he is not of your family; indeed, he is [one whose] work was other than righteous, so ask Me not for that about which you have no knowledge. Indeed, I advise you, lest you be among the ignorant."

﴿قالَ يا نُوحُ﴾ وأكَّدَ في نَفْيِ ما تَقَدَّمَ مِنهُ إثْباتَهُ فَقالَ: ﴿إنَّهُ لَيْسَ مِن أهْلِكَ﴾ [أيْ] المَحْكُومِ بِنَجاتِهِمْ لِإيمانِهِمْ وكُفْرِهِ، ولِهَذا عُلِّلَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ عَمَلٌ﴾ أيْ: ذُو عَمَلٍ، [ولَكِنَّهُ جَعَلَهُ نَفْسَ العَمَلِ في قِراءَةِ الجَماعَةِ مُبالَغَةً في ذَمِّهِ، وذَلِكَ لِأنَّ الجَواهِرَ مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في نَفْسِ الوُجُودِ لا تَشْرُفُ إلّا بِآثارِها، فَبَيَّنَ أنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أثَرٌ صالِحٌ أصْلًا، ويُثْبِتُ قِراءَةَ يَعْقُوبَ والكِسائِيِّ بِالفِعْلِ أنَّ مَن باشَرَ السُّوءَ مُطْلَقَ مُباشَرَةٍ وجَبَتِ البَراءَةُ مِنهُ، ولا سِيَّما لِلْأمْرِ فَلا يُواصَلُ إلّا بِإذْنٍ، وعَبَّرَ بِالعَمَلِ دُونَ الفِعْلِ لِزَعْمِهِ أنَّ أعْمالَهُ مَبْنِيَّةٌ عَلى العِلْمِ، وأكَّدَهُ لِما لا يُخَصُّ مِن سُؤالِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ هَذا] (p-٢٩٥)﴿غَيْرُ صالِحٍ﴾ بِعِلْمِي، وقَدْ حَكَمْتُ في هَذا الأمْرِ أنِّي لا أُنْجِي مِنهُ إلّا مَنِ اتَّصَفَ بِالصَّلاحِ وأنا عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ، وأنْتَ يَخْفى عَلَيْكَ كَثِيرٌ مِنَ الأُمُورِ فَرُبَّما ظَنَنْتَ الإيمانَ بِمَن لَيْسَ بِمُؤْمِنٍ لِبِنائِكَ الأمْرَ عَلى ما نَراهُ مِن ظاهِرِهِ؛ وقَدْ نَقَلَ الرُّمّانِيُّ عَنِ الحَسَنِ أنَّهُ كانَ يُنافِقُ بِإظْهارِ الإيمانِ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّ المُوافِقَ في الدِّينِ ألْصَقُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ البُعْدِ في النَّسَبِ، [والمُخالِفَ فِيهِ أبْعَدُ ما يَكُونُ وإنْ كانَ في غايَةِ القُرْبِ في النَّسَبِ].

ولَمّا تَسَبَّبَ عَنْ هَذا الجَوابِ أنَّ تَرْكَ السُّؤالِ كانَ أوْلى، ذَكَرَ أمْرًا كُلِّيًّا يَنْدَرِجُ فِيهِ فَقالَ: ﴿فَلا تَسْألْنِي﴾ أيْ: بِنَوْعٍ مِن أنْواعِ السُّؤالِ ﴿ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ فَلا تَعْلَمُ أصَوابٌ السُّؤالُ فِيهِ أمْ لا، لِأنَّ اللّائِقَ بِأمْثالِكَ مِن أُولِي القُرْبِ بِناءُ أُمُورِهِمْ عَلى التَّحْقِيقِ وانْتِظارُ الإعْلامِ مِنّا، انْظُرْ إلى قَوْلِ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ في حَدِيثِ الشَّفاعَةِ في الصَّحِيحِ مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ««وإنِّي قَدْ قَتَلْتُ نَفْسًا لَمْ أُومَرْ بِقَتْلِها»». ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ تِلْكَ النَّفْسَ كانَتْ كافِرَةً مِن آلِ فِرْعَوْنَ ﴿إنِّي أعِظُكَ﴾ بِمَواعِظِي كَراهِيَةَ ﴿أنْ تَكُونَ﴾ أيْ: كَوْنًا تَتَخَلَّقُ بِهِ ﴿مِنَ الجاهِلِينَ﴾ أيْ: في عِدادِ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ بِالظَّنِّ لِأنَّهم لا سَبِيلَ لَهم إلى الوُقُوفِ عَلى حَقائِقِ الأُمُورِ مِن قِبَلِنا فَتَسْألُ مِثْلَ ما يَسْألُونَ.

11:47–48Page 227

قَالَ رَبِّ إِنِّيٓ أَعُوذُ بِكَ أَنۡ أَسۡـَٔلَكَ مَا لَيۡسَ لِي بِهِۦ عِلۡمٞۖ وَإِلَّا تَغۡفِرۡ لِي وَتَرۡحَمۡنِيٓ أَكُن مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٤٧

[Noah] said, "My Lord, I seek refuge in You from asking that of which I have no knowledge. And unless You forgive me and have mercy upon me, I will be among the losers."

قِيلَ يَٰنُوحُ ٱهۡبِطۡ بِسَلَٰمٖ مِّنَّا وَبَرَكَٰتٍ عَلَيۡكَ وَعَلَىٰٓ أُمَمٖ مِّمَّن مَّعَكَۚ وَأُمَمٞ سَنُمَتِّعُهُمۡ ثُمَّ يَمَسُّهُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٨

It was said, "O Noah, disembark in security from Us and blessings upon you and upon nations [descending] from those with you. But other nations [of them] We will grant enjoyment; then there will touch them from Us a painful punishment."

ولَمّا انْجَلى لِلسّامِعِ ما هو فِيهِ ﷺ مِن عُلُوِّ المَقامِ وعَظِيمِ (p-٢٩٦)الشَّأْنِ المُوجِبِ لِلْعِتابِ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّوابِ فَتَشَوَّفَ لِلْجَوابِ، اسْتَأْنَفَ بَيانَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: مُبادِرًا عَلى ما يَقْتَضِيهِ لَهُ مِن كَمالِ الصِّفاتِ ﴿رَبِّ﴾ أيْ: أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ، وأكَّدَ دَلالَةً لِلسّامِعِينَ عَلى عَظِيمِ رَغْبَتِهِ فَقالَ: ﴿إنِّي أعُوذُ بِكَ أنْ﴾ أيْ: مِن أنْ ﴿أسْألَكَ﴾ [أيْ] في شَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ ﴿ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾ تَأدُّبًا بِإذْنِكَ واتِّعاظًا بِمَوْعِظَتِكَ وارْتِقاءً لِما رَقَّيْتَنِي إلَيْهِ مِن عُلُوِّ الدَّرَجَةِ ورَفِيعِ المَنزِلَةِ ﴿وإلا تَغْفِرْ لِي﴾ أيِ الآنَ وفي المُسْتَقْبَلِ ﴿وتَرْحَمْنِي﴾ أيْ: تَسْتُرْ زَلّاتِي وتَمْحُها وتُكْرِمْنِي ﴿أكُنْ مِنَ الخاسِرِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الخَسارَةِ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ماذا أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ؟ فَقِيلَ: ﴿قِيلَ﴾ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ دَلالَةً عَلى العَظَمَةِ والجَلالِ الَّذِي تَكُونُ الأُمُورُ العَظِيمَةُ لِأجْلِهِ بِأدْنى إشارَةٍ ﴿يا نُوحُ اهْبِطْ﴾ أيْ: مِنَ السَّفِينَةِ ﴿بِسَلامٍ﴾ أيْ: عَظِيمٍ ﴿مِنّا﴾ أيْ: ومَن سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلا هَلَكَ يَلْحَقُهُ ﴿وبَرَكاتٍ﴾ أيْ: خَيْراتٍ نامِيَةٍ عَظِيمَةٍ صالِحَةٍ ﴿عَلَيْكَ﴾ أيْ: خاصَّةً بِكَ ﴿وعَلى أُمَمٍ﴾ ناشِئَةٍ ﴿مِمَّنْ مَعَكَ﴾ لِكَوْنِهِمْ عَلى ما يُرْضِينا ولا نُمَتِّعُهم بِالدُّنْيا إلّا قَلِيلًا، ولَهم إذا رَجَعُوا إلَيْنا نَعِيمٌ مُقِيمٌ، وقَدْ دَخَلَ في هَذا الكَلامِ كُلُّ مُؤْمِنٍ ومُؤْمِنَةٍ إلى يَوْمِ القِيامَةِ ﴿وأُمَمٌ﴾ أيْ: مِنهم ﴿سَنُمَتِّعُهُمْ﴾ في الدُّنْيا بِالسِّعَةِ في الرِّزْقِ والخَفْضِ في العَيْشِ عَلى وفْقِ عِلْمِنا وإرادَتِنا ولا بَرَكاتٌ عَلَيْهِمْ مِنّا ولا سَلامٌ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: (p-٢٩٧)ذَكَرَ البَرَكاتِ والسَّلامَ أوَّلًا دَلِيلًا عَلى نَفْيِهِما ثانِيًا، والمَتاعَ ثانِيًا، دَلِيلًا عَلى حَذْفِهِ أوَّلًا ﴿ثُمَّ يَمَسُّهم مِنّا﴾ أيْ: في الدّارَيْنِ أوْ في الآخِرَةِ أوْ فِيهِما ﴿عَذابٌ ألِيمٌ﴾ لِجَرْيِهِمْ عَلى غَيْرِ هَدْيِنا وجُرْأتِهِمْ عَلى ما يُسْخِطُنا، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ﴿وأُمَمٌ﴾ مُبْتَدَأً مِن غَيْرِ تَقْدِيرِ صِفَةٍ مَحْذُوفَةٍ، فَيَكُونُ المُسَوِّغُ لِلِابْتِداءِ كَوْنَ المَقامِ مَقامَ التَّفْضِيلِ؛ والعِياذُ: طَلَبُ النَّجاةِ بِما يَمْنَعُ مِنَ الشَّرِّ؛ والبَرَكَةُ: ثُبُوتُ الخَيْرِ بِنَمائِهِ حالًا بَعْدَ حالٍ، وأصْلُهُ الثُّبُوتُ، ومِنهُ البُرُوكُ والبَرَكَةُ لِثُبُوتِ الماءِ فِيها.

ذِكْرُ قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنَ التَّوْراةِ وهو نُوحُ بْنُ لَمَكَ بْنِ مُتَوَشْلِحَ بْنِ خَنُوخَ بْنِ يارْدَ بْنِ مُهَلالِيلَ بْنِ قِينانَ بْنِ أنُوشَ بْنِ شِيثَ بْنِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، وذَلِكَ لِأنَّهُ في أوائِلِ السِّفْرِ الأوَّلِ مِنها: وإنَّ آدَمَ طافَ نَحْوَ حَلِيلَتِهِ فَحَبِلَتْ ووَلَدَتِ ابْنًا فَسَمّاهُ شِيثَ وقالَ: الآنَ أخْلَفَ اللَّهُ عَلَيَّ نَسْلًا آخَرَ بَدَلَ هابِيلَ الَّذِي قَتَلَهُ قابِيلُ، وذَلِكَ بَعْدَ أنْ عاشَ آدَمُ مِائَةً وثَلاثِينَ سَنَةً، وكانَ جَمِيعُ حَياةِ آدَمَ تِسْعَمِائَةٍ وثَلاثِينَ سَنَةً، وعاشَ شِيثُ مِائَةً وخَمْسَ سِنِينَ فَوُلِدَ لَهُ أنُوشُ، وكانَ (p-٢٩٨)جَمِيعُ حَياةِ شِيثَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً، فَعاشَ أنُوشُ تِسْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ قِينانُ وكانَ جَمِيعُ حَياةِ أنُوشَ تِسْعَمِائَةٍ وخَمْسَ سِنِينَ، وعاشَ قِينانُ سَبْعِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُهَلالِيلَ وكانَ جَمِيعُ [حَياةِ] قِينانَ تِسْعَمِائَةٍ وعِشْرِينَ سَنَةً، وعاشَ مُهْلالِيلُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ يارْدُ وكانَتْ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ بِهِ خَنُوخُ فَكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ يارْدَ تِسْعَمِائَةٍ واثْنَتَيْنِ وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ خَنُوخُ خَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ مُتَوَشْلِحُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ خَنُوخَ ثَلاثَمِائَةٍ وخَمْسًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ مُتَوَشْلِحُ مِائَةً وسَبْعًا وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ لَمَكُ وكانَتْ جَمِيعُ حَياةِ مُتَوَشْلِحَ تِسْعَمِائَةٍ وتِسْعًا وسِتِّينَ سَنَةً، وعاشَ لَمَكُ مِائَةً واثْنَتَيْنِ وثَمانِينَ سَنَةً فَوُلِدَ لَهُ ابْنٌ فَسَمّاهُ نُوحًا، ثُمَّ قالَ: هَذا يُرِيحُنا مِن أعْمالِنا، وكَدِّ \ أيْدِينا في الأرْضِ الَّتِي قَدْ لَعَنَها اللَّهُ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ لَمَكَ سَبْعَمِائَةٍ وسَبْعًا وسَبْعِينَ سَنَةً، وتُوُفِّيَ ونُوحٌ ابْنُ خَمْسِمِائَةِ سَنَةٍ. فَوُلِدَ لِنُوحٍ بَنُونَ: سامُ وحامُ ويافِثُ، فَلَمّا بَدَأ النّاسُ أنْ يَكْثُرُوا عَلى وجْهِ الأرْضِ ووُلِدَ لَهُمُ البَناتُ نَظَرَ بَنُو الأشْرافِ مِنهم بَناتِ العامَّةِ حِسانًا جِدًّا فَأخَذُوا مِنهُمُ النِّساءَ عَلى ما اخْتارُوا وأحَبُّوا، فَقالَ اللَّهُ عِنْدَ ذَلِكَ: لا تَحِلُّ عِنايَتِي وشَفَقَتِي عَلى هَؤُلاءِ النّاسِ لِأنَّهم يَتَّبِعُونَ أهْواءَ الجَسَدِ واللَّحْمِ وكانَتْ عَلى الأرْضِ جَبابِرَةٌ في تِلْكَ الأيّامِ ومِن بَعْدِها، لِأنَّ بَنِي الأشْرافِ دَخَلُوا عَلى بَناتِ العامَّةِ فَوُلِدَ لَهم جَبابِرَةٌ مَذْكُورُونَ، فَرَأى الرَّبُّ أنَّ شَرَّ النّاسِ قَدْ كَثُرَ (p-٢٩٩)عَلى الأرْضِ وأنَّ هَوِيءَ فِكْرِهِمْ وحِقْدِهِمْ رَدِيءٌ في جَمِيعِ الأيّامِ، فَقالَ الرَّبُّ: أمَحَقُ الَّذِينَ خَلَقْتُ وأُبِيدُهم عَنْ جَدِيدِ الأرْضِ مِنَ النّاسِ والبَهائِمِ حَتّى الهَوامِّ وطَيْرِ السَّماءِ؛ وظَفِرَ نُوحٌ مِنَ اللَّهِ بِرَحْمَةٍ ورَأْفَةٍ، وكانَ نُوحٌ رَجُلًا بارًّا تَقِيًّا في حِقَبِهِ فَأرْضى اللَّهَ، وفَسَدَتِ الأرْضُ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وامْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا، فَرَأى الرَّبُّ الإلَهُ أنَّ الأرْضَ قَدْ فَسَدَتْ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: قَدْ وصَلَ إلَيَّ [أمْرُ] جَمِيعِ النّاسِ وسُوءُ أعْمالِهِمْ لِأنَّ الأرْضَ قَدِ امْتَلَأتْ إثْمًا وفُجُورًا بِسُوءِ سِيرَتِهِمْ. فَهاأنَذا مُفْسِدُهم مَعَ الأرْضِ فاتَّخِذْ لَكَ أنْتَ تابُوتًا مُرَبَّعًا مِن خَشَبِ السّاجِ - وفي نُسْخَةٍ: الشِّمْشارِ - واجْعَلْ في التّابُوتِ عَلالِيَ. واطْلِها بِالقارِ مِن داخِلِها وخارِجِها، ولْيَكُنْ طُولُ الفُلْكِ ثَلاثَمِائَةِ ذِراعٍ. وعَرْضُهُ خَمْسِينَ ذِراعًا، وسُمْكُهُ ثَلاثِينَ ذِراعًا، واجْعَلْ في التّابُوتِ كُوًى ولْيَكُنْ عَرْضُها مِن أعْلاها ذِراعًا واحِدًا، واجْعَلْ بابَ الفُلْكِ في جانِبِهِ، واجْعَلْ فِيهِ مَنازِلَ أسْفَلَ وأوْساطَ وعَلالِيَ. وهاأنَذا مُحَدِّرُ ماءِ الطُّوفانِ عَلى الأرْضِ لِأُفْسِدَ بِهِ كُلَّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ نَسَمَةُ الحَياةِ مِن تَحْتِ السَّماءِ، ويُبِيدُ كُلَّ ما عَلى الأرْضِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكَ. وتَدْخُلُ التّابُوتَ أنْتَ وبُنُوكَ وامْرَأتُكَ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ، ومَن كُلِّ حَيٍّ مِن ذَوِي اللُّحُومِ مَن كُلِّ صِنْفٍ اثْنانِ لِتَحْيا مَعَكَ، ولْتَكُنْ ذُكُورًا وإناثًا، مِن كُلِّ الطُّيُورِ كَأجْناسِها، (p-٣٠٠)ومِنَ الأنْعامِ لِأصْنافِها، ومَن كُلِّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ لِجَواهِرِها، اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ، أدْخِلْ مَعَكَ مِن كُلِّها لِتَسْتَحْيِيَها ذَكَرًا وأُنْثى، واجْعَلْ مَن كُلِّ ما يُؤْكَلُ فاخْزُنْهُ مَعَكَ، ولْيَكُنْ مَأْكَلَكَ ومَأْكَلَها؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كُلَّ شَيْءٍ كَما أمَرَ اللَّهُ ثُمَّ قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: ادْخُلْ أنْتَ وكُلُّ أهْلِ بَيْتِكَ إلى التّابُوتِ لِأنِّي إيّاكَ وجَدْتُ بارًّا تَقِيًّا في هَذا الحِقْبِ، ومَن كُلِّ الأنْعامِ الزَّكِيَّةِ أدْخِلْ مَعَكَ سَبْعَةً سَبْعَةً مِنَ الذُّكُورِ والإناثِ، ومِنَ الأنْعامِ الَّتِي لَيْسَتْ بِزَكِيَّةٍ أدْخِلْ مَعَكَ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا. ومِنَ الطَّيْرِ الزَّكِيِّ سَبْعَةً سَبْعَةً ذُكُورًا وإناثًا، ومِنَ الطَّيْرِ الَّذِي لَيْسَ بِزَكِيٍّ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ ذُكُورًا وإناثًا، لِيَحْيا مِنها نَسْلٌ عَلى وجْهِ الأرْضِ، لِأنِّي مِنَ الآنِ إلى سَبْعَةِ أيّامٍ أُهْبِطُ القَطْرَ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا ولَيالِيَها، وأُبِيدُ كُلَّ ما خَلَقْتُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ فَصَنَعَ نُوحٌ كَما أمَرَهُ الرَّبُّ الإلَهُ. فَلَمّا كانَ بَعْدَ بَعْدِ ذَلِكَ بِسَبْعَةِ أيّامٍ نَزَلَتْ مِياهُ الطُّوفانِ، تَفَجَّرَتْ [مِياهُ] الغَمْرِ وتَفَتَّحَتْ مَثاعِبُ السَّماءِ. وأقْبَلَتِ الأمْطارُ عَلى وجْهِ الأرْضِ أرْبَعِينَ نَهارًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، [و] في هَذا اليَوْمِ دَخَلَ نُوحٌ وسامُ وحامُ ويافِثُ بَنُو نُوحٍ وامْرَأةُ نُوحٍ ونِساءُ بَنِيهِ الثَّلاثُ مَعَهُ الفُلْكَ هم وجَمِيعُ السِّباعِ لِأجْناسِها وجَمِيعُ الدَّوابِّ لِأصْنافِها وكُلُّ حَشَرَةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ بِجَواهِرِها وجَمِيعُ الطُّيُورِ لِأجْناسِها، ودَخَلَ مَعَ نُوحٍ التّابُوتُ مِن كُلِّ عُصْفُورٍ ومِن كُلِّ ذِي جَناحَيْنِ اثْنانِ اثْنانِ، ومِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ فِيهِ (p-٣٠١)رُوحُ الحَياةِ \ وكُلُّ شَيْءٍ دَخَلَ مِن ذَوِي اللُّحُومِ دَخَلُوا ذُكُورًا وإناثًا كَما أمَرَ اللَّهُ نُوحًا، ثُمَّ أغْلَقَ اللَّهُ الرَّبُّ البابَ عَلَيْهِ، وكانَ الطُّوفانُ عَلى الأرْضِ أرْبَعِينَ يَوْمًا وأرْبَعِينَ لَيْلَةً، وكَثُرَتِ المِياهُ حَتّى احْتَمَلَتِ التّابُوتَ فارْتَفَعَ عَنِ الأرْضِ، وغَزُرَتِ المِياهُ وكَثُرَتْ عَلى الأرْضِ جِدًّا [وجَعَلَ التّابُوتُ يَسِيرُ عَلى وجْهِ الماءِ واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى وجْهِ الأرْضِ جِدًّا] جِدًّا. وتَوارَتْ جَمِيعُ الجِبالِ العالِيَةِ الشّاهِقَةِ الَّتِي تَحْتَ السَّماءِ، وارْتَفَعَتِ المِياهُ مِن فَوْقِ كُلِّ جَبَلٍ خَمْسَةَ عَشَرَ ذِراعًا، وبادَ كُلُّ ذِي لَحْمٍ عَلى الأرْضِ مِنَ الطُّيُورِ أجْمَعَ والسِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعِ الحَشَرَةِ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ وجَمِيعُ النّاسِ والبَهائِمِ، وماتَ كُلُّ شَيْءٍ كانَ [فِيهِ] نَسَمَةُ الحَياةِ مِمّا في اليَبَسِ. وبَقِيَ نُوحٌ ومَن مَعَهُ في الفُلْكِ، واشْتَدَّتِ المِياهُ عَلى الأرْضِ مِائَةً وخَمْسِينَ يَوْمًا؛ وإنَّ اللَّهَ ذَكَرَ نُوحًا وكُلَّ السِّباعِ والدَّوابِّ وجَمِيعَ الطُّيُورِ الَّتِي مَعَهُ في التّابُوتِ. فَأهاجَ اللَّهُ رِيحًا عَلى وجْهِ الأرْضِ فَسَكَنَتِ المِياهُ والأمْطارُ. واشْتَدَّتْ يَنابِيعُ الغَمْرِ ومَيازِيبُ السَّماءِ، وغاضَتِ المِياهُ بَعْدَ مِائَةٍ وخَمْسِينَ يَوْمًا، وسَكَنَ التّابُوتُ ووَقَفَ في الشَّهْرِ السّابِعِ لِثَلاثَ عَشْرَةَ لَيْلَةً بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ عَلى جِبالِ قُودِي وجَعَلَتِ المِياهُ تَنْصَرِفُ وتَنْتَقِصُ إلى الشَّهْرِ العاشِرِ، وظَهَرَتْ رُؤُوسُ الجِبالِ في أوَّلِ يَوْمِ الشَّهْرِ العاشِرِ، فَلَمّا كانَ بَعْدَ ذَلِكَ بِأرْبَعِينَ (p-٣٠٢)يَوْمًا فَتَحَ نُوحٌ الكُوَّةَ الَّتِي عَمِلَها في التّابُوتِ فَأرْسَلَ الغُرابَ، فَخَرَجَ الغُرابُ مِن عِنْدِهِ فَلَمْ يَعُدْ إلَيْهِ حَتّى يَبِسَتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ، [ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ مِن بَعْدِهِ لِيَرى هَلْ قَلَّتِ المِياهُ عَنْ وجْهِ الأرْضِ] فَلَمْ تَجِدِ الحَمامَةُ مَوْضِعًا لِمَوْطِئِ رِجْلَيْها فَرَجَعَتْ إلى التّابُوتِ لِأنَّ المِياهَ كانَتْ بَعْدُ عَلى وجْهِ الأرْضِ، فَمَدَّ يَدَهُ فَأخَذَها وأدْخَلَها إلَيْهِ وانْتَظَرَ سَبْعَةَ أيّامٍ أُخْرى، ثُمَّ عادَ فَأرْسَلَ الحَمامَةَ فَعادَتْ عِنْدَ المَساءِ وفي مِنقارِها ورَقَةُ زَيْتُونٍ، فَعَلِمَ أنَّ الماءَ قَدْ غاضَ عَنْ وجْهِ الأرْضِ فَصَبَرَ أيْضًا سَبْعَةَ [أيّامٍ] أُخَرَ، ثُمَّ أرْسَلَ الحَمامَةَ فَلَمْ تَعُدْ إلَيْهِ أيْضًا، فَفَتَحَ نُوحٌ بابَ الفُلْكِ فَرَأى فَإذا وجْهُ الأرْضِ قَدْ ظَهَرَ وجَفَّتِ الأرْضُ. فَكَلَّمَ الرَّبُّ الإلَهُ نُوحًا وقالَ لَهُ: اخْرُجْ مِنَ التّابُوتِ أنْتَ وامْرَأتُكَ وبُنُوكُ ونِساءُ بَنِيكَ مَعَكَ وكُلُّ السِّباعِ الَّتِي مَعَكَ مِن كُلِّ ذِي لَحْمٍ والطُّيُورُ والدَّوابُّ، وأخْرِجْ كُلَّ الهَوامِّ الَّتِي تَدِبُّ عَلى الأرْضِ مَعَكَ، ولِتَتَوَلَّدَ وتَنْمُوَ في الأرْضِ وتَكْثُرَ وتَزْدادَ عَلى الأرْضِ. فَخَرَجَ نُوحٌ ومَن ذُكِرَ وبَنى لِلرَّبِّ مَذْبَحًا وأخَذَ مِن جَمِيعِ الدَّوابِّ والطُّيُورِ الزَّكِيَّةِ فَأصْعَدَ مِنها عَلى المَذْبَحِ قُرْبانًا لِلرَّبِّ الإلَهِ، فَقالَ الرَّبُّ الإلَهُ: لا أعُودُ ألْعَنُ الأرْضَ أبَدًا مِن أجْلِ أعْمالِ النّاسِ لِأنَّ هَوى قَلْبِ الإنْسانِ وحِقْدَهُ رَدِيءٌ مُنْذُ صِباهُ، ولا أعُودُ أيْضًا أُبِيدُ كُلَّ حَيٍّ كَما فَعَلْتُ، ومِنَ الآنِ جَمِيعُ أيّامِ الأرْضِ (p-٣٠٣)يَكُونُ فِيها الزَّرْعُ والحَصادُ والبَرْدُ والحَرُّ والقَيْظُ والشِّتاءُ، فَبارَكَ اللَّهُ عَلى نُوحٍ وبَنِيهِ وقالَ لَهُمُ: انْمُوا واكْثُرُوا وامْلَئُوا الأرْضَ، ولْيَغْشَ رُعْبُكم وخَوْفُكم جَمِيعَ السِّباعِ وبَهائِمَ الأرْضِ وكُلَّ طُيُورِ السَّماءِ وكُلَّ دابَّةٍ تَدِبُّ عَلى الأرْضِ، وجَمِيعُ حِيتانِ البُحُورِ [تَكُونُ] تَحْتَ أيْدِيكُمْ، وكُلُّ الدَّوابِّ الطّاهِرَةِ الحَيَّةِ تَكُونُ لِأكْلِكُمْ، وقَدْ جَعَلْتُ الأشْياءَ كُلَّها حَلالًا لَكم مِثْلَ عُشْبِ البَرِّيَّةِ خَضِرَها، وأمّا المَخْنُوقُ الَّذِي دَمُهُ فِيهِ فَلا تَأْكُلُوهُ فَإنَّ دَمَهُ نَفْسُهُ، وأمّا دِماؤُكم مِن أنْفُسِكم فَأطْلُبُها بِالنَّهْيِ مِن يَدِ جَمِيعِ الحَيَوانِ ومِن يَدِ جَمِيعِ النّاسِ، أيُّ إنْسانٍ قَتَلَ أخاهُ طالَبْتُهُ بِدَمِهِ، ومَن سَفَكَ دَمَ الإنْسانِ سُفِكَ دَمُهُ؛ لِأنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ بِصُورَتِهِ، وأنْتُمْ فانْمُوا واكْثُرُوا وتَوَلَّدُوا في الأرْضِ واكْثُرُوا فِيها؛ وقالَ اللَّهُ لِنُوحٍ ولِبَنَيْهِ مَعَهُ: هاأنَذا مُثَبِّتٌ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم ومَعَ أنْسالِكم مِن بَعْدِهِمْ ومَعَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مِنكُمْ، \ ومَعَ الطُّيُورِ والدَّوابِّ ومَعَ كُلِّ سِباعِ الأرْضِ جَمِيعِ الَّذِينَ خَرَجُوا مِنَ الفُلْكِ، وأُثَبِّتُ عَهْدِي بَيْنِي وبَيْنَكم فَلا يَبِيدُ كُلُّ ذِي لَحْمٍ أيْضًا بِماءِ الطُّوفانِ ولا يَهْبِطُ الطُّوفانُ أيْضًا لِيُفْسِدَ جَمِيعَ الأرْضِ، قالَ اللَّهُ لِنُوحٍ: هَذِهِ عَلامَةٌ لِعَهْدَيِ الَّذِي أجْعَلَهُ بَيْنِي وبَيْنَكم وبَيْنَ كُلِّ نَفْسٍ حَيَّةٍ مَعَكم في جَمِيعِ أحْقابِ العالَمِ، قَدْ أظْهَرْتُ قَوْسِي في السَّحابِ فَهي أمارَةُ ذِكْرِ العَهْدِ [الَّذِي] (p-٣٠٤)بَيْنِي وبَيْنَكَ وبَيْنَ أهْلِ الأرْضِ، فَإذا أنْشَأتُ السَّحابَ في الأرْضِ وأظْهَرْتُ قَوْسَ السَّحابِ فاذْكُرُوا العَهْدَ الَّذِي بَيْنِي وبَيْنَكُمْ، وكانَ بَنُو نُوحٍ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ مِنَ التّابُوتِ سامَ وحامَ ويافِثَ، [وحامُ] يُكَنّى أبا كَنْعانَ، هَؤُلاءِ الثَّلاثَةُ هم بَنُو نُوحٍ، وتَفَرَّقَ النّاسُ مِن هَؤُلاءِ في الأرْضِ كُلِّها؛ ثُمَّ ذَكَرَ أنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلامُ نامَ فَرَأى حامُ عُرْيَهُ فَأظْهَرَ ذَلِكَ لِأخَوَيْهِ، فَتَناوَلَ سامُ ويافِثُ رِداءً فَألْقَياهُ عَلى أكْتافِهِما ثُمَّ سَعَيا عَلى أعْقابِهِما مُدْبِرِينَ فَوارَيا عُرْيَ أبِيهِما، فَلَمّا عَلِمَ نُوحٌ ما صَنَعَ ابْنُهُ الأصْغَرُ دَعا عَلَيْهِ أنْ يَكُونَ عَبْدًا لِأخَوَيْهِ، وكانَتْ جَمِيعُ أيّامِ حَياةِ نُوحٍ تِسْعَمِائَةِ سَنَةٍ وخَمْسِينَ سَنَةً، ثُمَّ تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ والتَّحِيَّةُ والإكْرامُ؛ ثُمَّ ذُكِرَ أنَّ النّاسَ بَعْدَهُ أرادُوا أنْ يَبْنُوا صَرْحًا لاحِقًا بِالسَّماءِ، واجْتَمَعَ جَمِيعُهم عَلى ذَلِكَ لِأنَّ لُغَتَهم كانَتْ واحِدَةً ورَأْيَهم واحِدٌ فَفَرَّقَ اللَّهُ ألْسِنَتَهم وفَرَّقَهم مِن هُنالِكَ عَلى وجْهِ الأرْضِ ولَمْ يَبْنُوا القَرْيَةَ الَّتِي هَمُّوا بِها، ولِذَلِكَ سُمِّيَتْ بابِلَ وبُوبالَ مَعْناهُ بِالعِبْرانِيِّ: الشَّتاتُ، وما في تَفْسِيرِ البَغَوِيِّ وغَيْرِهِ مِن أنَّ عُوجَ بْنَ عُوقَ - بِضَمِّهِما كَما في القامُوسِ - كانَ [فِي] زَمَنِ نُوحٍ وسَلِمَ مِنَ الطُّوفانِ، وأنَّ الماءَ لَمْ يُجاوِزْ رُكْبَتَيْهِ ونَحْوَ هَذا كَذِبٌ بَحْتٌ مَنابِذٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿ولا تُخاطِبْنِي في الَّذِينَ ظَلَمُوا إنَّهم مُغْرَقُونَ﴾ [هود: ٣٧] وقَوْلِهِ: ﴿لا عاصِمَ اليَوْمَ مِن أمْرِ اللَّهِ إلا مَن رَحِمَ﴾ [هود: ٤٣] وقَوْلِهِ: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلى الأرْضِ مِنَ الكافِرِينَ دَيّارًا﴾ [نوح: ٢٦] ونَحْوِها، فَإنَّ (p-٣٠٥)كُلَّ مَن ذَكَرَ ذَلِكَ ذَكَرَ أنَّ مُوسى عَلَيْهِ السَّلامُ قَتَلَهُ كافِرًا.

11:49Page 227

تِلۡكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡغَيۡبِ نُوحِيهَآ إِلَيۡكَۖ مَا كُنتَ تَعۡلَمُهَآ أَنتَ وَلَا قَوۡمُكَ مِن قَبۡلِ هَٰذَاۖ فَٱصۡبِرۡۖ إِنَّ ٱلۡعَٰقِبَةَ لِلۡمُتَّقِينَ ٤٩

That is from the news of the unseen which We reveal to you, [O Muḥammad]. You knew it not, neither you nor your people, before this. So be patient; indeed, the [best] outcome is for the righteous.

ولَمّا تَمَّتْ هَذِهِ القِصَّةُ عَلى النَّحْوِ الوافِي بِبَيانِ اجْتِهادِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في إبْلاغِ الإنْذارِ مِن غَيْرِ مُراعاةِ إقْبالٍ ولا إدْبارٍ، وكانَتْ مَعَ ذَلِكَ دالَّةً عَلى عِلْمٍ تامٍّ واطِّلاعٍ عَلى دَقائِقَ لا سَبِيلَ إلَيْها إلّا مِن جِهَةِ المَلِكِ العَلّامِ، فَهي عَلى إزالَةِ اللَّبْسِ عَنْ أمْرِهِ ﷺ أوْضَحُ مِنَ الشَّمْسِ، قالَ تَعالى مُنَبِّهًا عَلى ذَلِكَ: ﴿تِلْكَ﴾ أيْ: هَذِهِ الأنْباءُ البَدِيعَةُ الشَّأْنِ الغَرِيبَةُ الأمْرِ البَعِيدَةُ عَنْ طَوْقِ المَعارِضِ، العَلِيَّةِ الرُّتَبِ عَنْ يَدِ المُتَناوِلِ﴿مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ أيْ: أخْبارِهِ العَظِيمَةِ، ثُمَّ أشارَ إلى أنَّهُ لا يَزالُ يُجَدِّدُ لَهُ أمْثالَها بِالمُضارِعِ في قَوْلِهِ: ﴿نُوحِيها إلَيْكَ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ بَعْضَ أهْلِ الكِتابِ يَعْلَمُ بَعْضَ تَفاصِيلِها، فَأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ مَجْمُوعُهُ غَيْبٌ وبِما يَعْلَمُونَهُ غَيْبٌ نِسْبِيٌّ بِقَوْلِهِ: ﴿ما كُنْتَ تَعْلَمُها﴾ أيْ: عَلى هَذا التَّفْصِيلِ ﴿أنْتَ﴾ ولَمّا كانَ خَفاؤُها عَنْ قَوْمِهِ دَلِيلًا عَلى خَفائِها عَنْهُ لِأنَّهُ لَمْ يُخالِطْ غَيْرَهم قالَ: ﴿ولا قَوْمُكَ﴾ أيْ: وإنْ كانُوا أهْلَ قُوَّةٍ في القِيامِ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ وعَدَدًا كَثِيرًا، ومِنهم مَن يَكْتُبُ ويُخالِطُ العُلَماءَ.

ولَمّا كانَ زَمانُ خَفاءِ ذَلِكَ عَنْهم - وإنْ كانَ عامًّا لَهم - بَعْضَ الزَّمانِ الماضِي، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِ هَذا﴾ أيْ: مِن إيحائِي إلَيْكَ حَتّى يَطْرُقَ الوَهْمُ حِينَئِذٍ أنَّكَ تَعَلَّمْتَها مِن أحَدٍ مِنهم وإنْ كانَ يَعْلَمُ (p-٣٠٦)كَثِيرًا مِنها أهْلُ الكِتابِ كَما رَأيْتَ عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ فَبانَ أنْ لا غَرَضَ لِقَوْمِكَ إلّا العِنادُ ﴿فاصْبِرْ﴾ عَلى ذَلِكَ ولا تَفْتُرْ عَنِ الإنْذارِ، فَسَتَكُونُ لَكَ العاقِبَةُ كَما كانَتْ لِنُوحٍ لِأجْلِ تَقْواهُ ﴿إنَّ العاقِبَةَ﴾ أيْ: آخِرَ الأمْرِ مِنَ الفَوْزِ والنَّصْرِ والسَّعادَةِ ﴿لِلْمُتَّقِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في مَخافَةِ اللَّهِ في كُلِّ زَمَنٍ، وقَدْ تَضَمَّنَتِ القِصَّةُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ حالُ أهْلِ الخَيْرِ والإيمانِ وأهْلِ الشَّرِّ والطُّغْيانِ \ مِنَ الِاعْتِبارِ بِالنَّبَأِ عَنِ الفَرِيقَيْنِ لِيَجْتَبِيَ حالَ هَؤُلاءِ ويَتَّقِيَ حالَ أُولَئِكَ لِسُوءِ العاقِبَةِ في الدُّنْيا والآخِرَةِ.

11:50Page 227

وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمۡ هُودٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥٓۖ إِنۡ أَنتُمۡ إِلَّا مُفۡتَرُونَ ٥٠

And to ʿAad [We sent] their brother Hūd. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. You are not but inventors [of falsehood].

ولَمّا تَمَّ مِن ذَلِكَ ما هو كَفِيلٌ بِغَرَضِ السُّورَةِ، وخُتِمَ بِأنَّ العاقِبَةَ دائِمًا لِلْمُتَّقِينَ، أتْبَعَ بِالدَّلِيلِ عَلى ذَلِكَ مِن قَصَصِ الأنْبِياءِ مَعَ الوَفاءِ بِما سِيقَتْ لَهُ قِصَّةُ نُوحٍ - عَلى جَمِيعِهِمُ السَّلامُ - مِنَ الحَثِّ عَلى المُجاهَرَةِ بِالإنْذارِ فَقالَ تَعالى: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿عادٍ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ فَقالَ: ﴿هُودًا﴾ ولَمّا تَقَدَّمَ أمْرُ نُوحٍ مَعَ قَوْمِهِ، اسْتَشْرَفَ السّامِعُ إلى مَعْرِفَةِ ما قالَ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ هَلْ هو مِثْلَ قَوْلِهِ أوْ لا؟ فاسْتَأْنَفَ الجَوابَ بِقَوْلِهِ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ الَّذِينَ هم أعَزُّ النّاسِ لَدَيَّ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيْ: ذا الجَلالِ والإكْرامِ وحْدَهُ؛ ثُمَّ صَرَّحَ وعَلَّلَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ﴾ أيْ: مَعْبُودٍ بِحَقٍّ ﴿غَيْرُهُ﴾ فَدَعا إلى أصْلِ الدِّينِ كَما هو دَأْبٌ سائِرِ النَّبِيِّينَ والمُرْسَلِينَ؛ ثُمَّ خَتَمَ ذَلِكَ بِمُواجَهَتِهِمْ (p-٣٠٧)بِما يَسُوءُهم مِنَ الحَقِّ وما ثَناهُ عَنْ ذَلِكَ رَجاءٌ ولا خَوْفٌ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: [ما] ﴿أنْتُمْ إلا مُفْتَرُونَ﴾ أيْ: مُتَعَمِّدُونَ الكَذِبَ عَلى اللَّهِ في إشْراكِكم بِهِ سُبْحانَهُ لِأنَّ ما عَلى التَّوْحِيدِ مِن أدِلَّةِ العَقْلِ غَيْرُ خافٍ عَلى عاقِلٍ فَكَيْفَ مَعَ تَنْبِيهِ النَّقْلِ! وذَلِكَ مُكَذِّبٌ لِمَن أشْرَكَ، أيْ فاحْذَرُوا عُقُوبَةَ المُفْتَرِي.

11:51Page 227

يَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ أَجۡرًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱلَّذِي فَطَرَنِيٓۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ٥١

O my people, I do not ask you for it [i.e., my advice] any reward. My reward is only from the one who created me. Then will you not reason?

ثُمَّ نَفى أنْ يَكُونَ لَهُ في ذَلِكَ غَرَضٌ غَيْرُ نُصْحِهِمْ بِقَوْلِهِ [مَوْضِعَ: ”إنِّي ناصِحٌ لَكم بِهَذا الأمْرِ فَلا يَسُوءْكم مُواجَهَتِي لَكم فِيهِ بِما تَكْرَهُونَ]“ ﴿يا قَوْمِ﴾ مُكَرِّرًا لِاسْتِعْطافٍ ﴿لا أسْألُكُمْ﴾ أيْ: في المُسْتَقْبَلِ كَما لَمْ أسْألْكم في الماضِي ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: عَلى هَذا الإنْذارِ ﴿أجْرًا﴾ أيْ: فَلَسْتُ مَوْضِعَ تُهْمَةٍ ﴿إنْ﴾ [أيْ ما]؛ ﴿أجْرِيَ﴾ [ثُمَّ وصَفَ مَن تَوَكَّلَ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ بِما يَدُلُّ عَلى الكِفايَةِ فَعَلَيَّ وُجُوبُ شُكْرِهِ فَقالَ]: ﴿إلا عَلى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أيْ: ابْتَدَأ خَلْقِي ولَمْ يُشارِكْهُ فِيَّ أحَدٌ؛ فَهو الغَنِيُّ المُطْلَقُ لا أُوَجِّهُ رَغْبَتِي إلى غَيْرِهِ كَما يَجِبُ عَلى كُلِّ أحَدٍ لِكَوْنِهِ فِطْرَةً.

ولَمّا كانَ الخِلافُ الَّذِي لا حَظَّ فِيهِ جِهَةَ الدُّنْيا لا يَحْتاجُ الإنْسانُ في الدَّلالَةِ عَلى أنَّ صاحِبَهُ مَلْجَأٌ إلَيْهِ مِن جِهَةِ اللَّهِ، وأنَّهُ لا نَجاةَ إلّا بِهِ إلى غَيْرِ العَقْلِ، سَبَّبَ عَنْ قَوْلِهِ هَذا الإنْكارَ عَلَيْهِمْ في قَوْلِهِ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾

11:52Page 227

وَيَٰقَوۡمِ ٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِ يُرۡسِلِ ٱلسَّمَآءَ عَلَيۡكُم مِّدۡرَارٗا وَيَزِدۡكُمۡ قُوَّةً إِلَىٰ قُوَّتِكُمۡ وَلَا تَتَوَلَّوۡاْ مُجۡرِمِينَ ٥٢

And O my people, ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. He will send [rain from] the sky upon you in showers and increase you in strength [added] to your strength. And do not turn away, [being] criminals."

ولَمّا دَعاهم مُشِيرًا إلى تَرْهِيبِهِمْ مُسْتَدِلًّا عَلى الصِّدْقِ بِنَفْيِ الغَرَضِ، رَغَّبَهم في إدامَةِ الخَوْفِ مِمّا مَضى بِقَوْلِهِ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ ومَن هم (p-٣٠٨)أعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ ولَهم قُدْرَةٌ عَلى ما طُلِبَ مِنهم ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا غُفْرانَهُ بِطاعَتِكم لَهُ لِما يَجِبُ لَهُ بِإحْسانِهِ إلَيْكم. وأشارَ إلى عُلُوِّ رُتْبَةِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ أيْ: تَسَمُّوا عالِيَ هَذِهِ الرُّتْبَةِ بِأنْ تَطْلُبُوا سَتْرَ اللَّهِ لِذُنُوبِكم ثُمَّ تَرْجِعُوا إلى طاعَتِهِ بِالنَّدَمِ والإقْلاعِ والِاسْتِمْرارِ ﴿يُرْسِلِ السَّماءَ﴾ أيِ الماءَ النّازِلَ مِنها أوِ السَّحابَ بِالماءِ ﴿عَلَيْكم مِدْرارًا﴾ أيْ: هاطِلَةً بِمَطَرٍ غَزِيرٍ مُتَتابِعٍ ﴿ويَزِدْكم قُوَّةً﴾ أيْ: عَظِيمَةً مَجْمُوعَةً ﴿إلى قُوَّتِكُمْ﴾ ثُمَّ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”اسْتَغْفِرُوا“ قَوْلَهُ: ﴿ولا تَتَوَلَّوْا﴾ أيْ: تُكَلِّفُوا أنْفُسَكم غَيْرَ ما جُبِلَتْ عَلَيْهِ مِن سَلامَةِ الِانْقِيادِ فَتُبالِغُوا في الإعْراضِ - بِما أشارَ إلَيْهِ إثْباتُ التّاءِ ﴿مُجْرِمِينَ﴾ أيْ: قاطِعِينَ لِأنْفُسِكم - بِبِناءِ أمْرِكم عَلى الظُّنُونِ الفاسِدَةِ عَنْ خَيْراتِ الدُّنْيا والآخِرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском