Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Hud 11:53–65
11:53Page 227
قَالُواْ يَٰهُودُ مَا جِئۡتَنَا بِبَيِّنَةٖ وَمَا نَحۡنُ بِتَارِكِيٓ ءَالِهَتِنَا عَن قَوۡلِكَ وَمَا نَحۡنُ لَكَ بِمُؤۡمِنِينَ ٥٣
They said, "O Hūd, you have not brought us clear evidence, and we are not ones to leave our gods on your say-so. Nor are we believers in you.
ولَمّا مَحَّضَ لَهُمُ النُّصْحَ عَلى غايَةِ البَيانِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنَّ ﴿قالُوا﴾ أيْ: عادَ بَعْدَ أنْ أظْهَرَ لَهم [ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ] مِنَ المُعْجِزاتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عَلَيْهِ البَشَرُ ﴿يا هُودُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ غِلْظَةً وجَفاءً ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ فَأوْضَحُوا لِكُلِّ ذِي لُبٍّ أنَّهم مُكابِرُونَ لِقَوِيمِ العَقْلِ وصَرِيحِ النَّقْلِ، فَهم مُفْتَرُونَ كَما كانَ العَرَبُ يَقُولُونَ لِلنَّبِيِّ ﷺ بَعْدَ أنْ أتاهم مِنَ الآياتِ عَلى يَدِهِ ما يَفُوتُ الحَصْرَ ”لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ“ (p-٣٠٩)﴿وما نَحْنُ﴾ وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِتارِكِي آلِهَتِنا﴾ مُجاوِزِينَ لَها أوْ صادِرِينَ ﴿عَنْ قَوْلِكَ﴾ وتَرْكِهِمْ لِلْعَطْفِ بِالفاءِ - المُؤْذِنَةِ بِأنَّ الأوَّلَ سَبَبُ الثّانِي أيِ الواوِ في قَوْلِهِمْ: ﴿وما نَحْنُ لَكَ﴾ أيْ: خاصَّةً، وأغْرَقُوا في النَّفْيِ فَقالُوا: ﴿بِمُؤْمِنِينَ﴾ - دَلِيلٌ عَلى أنَّهم تَرَكُوا اتِّباعَهُ عِنادًا، لا أنَّهم يَعْتَقِدُونَ أنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِبَيِّنَةٍ؛ [وإلى ذَلِكَ يُرْشِدُ أيْضًا تَعْبِيرُهم بِالِاسْمِيَّةِ الَّتِي تَدُلُّ عَلى الثَّباتِ فَإذا نُفِيَ لَمْ يَنْتِفِ الأصْلُ]؛ والبَيِّنَةُ: الحُجَّةُ الواضِحَةُ في الفَصْلِ بَيْنَ الحَقِّ والباطِلِ، والبَيانُ \: فَصْلُ المَعْنى مِن غَيْرِهِ حَتّى يَظْهَرَ لِلنَّفْسِ مُحَرَّرًا مِمّا سِواهُ، والحامِلُ عَلى تَرْكِ البَيِّنَةِ بَعْدَ ظُهُورِها صَدُّ الشُّبْهَةِ عَنْها أوْ تَقْلِيدُ الرُّؤَساءِ في دَفْعِها واتِّهامُ مُورِدِها أوِ اعْتِقادُ أُصُولٍ فاسِدَةٍ تَدْعُو إلى جَحْدِها أوِ العِنادُ لِلْحَسَدِ ونَحْوِهِ، والجامِعُ لَهُ كُلِّهِ وُجُودُ الشُّبْهَةِ.
11:54Page 228
إِن نَّقُولُ إِلَّا ٱعۡتَرَىٰكَ بَعۡضُ ءَالِهَتِنَا بِسُوٓءٖۗ قَالَ إِنِّيٓ أُشۡهِدُ ٱللَّهَ وَٱشۡهَدُوٓاْ أَنِّي بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُشۡرِكُونَ ٥٤
We only say that some of our gods have possessed you with evil [i.e., insanity]." He said, "Indeed, I call Allāh to witness, and witness [yourselves] that I am free from whatever you associate with Allāh
ولَمّا قالُوا هَذا الكَلامَ البَيِّنَ الفَسادِ مِن غَيْرِ تَعَرُّضٍ لِنَقْضِ ما قالَ لَهم بِنَوْعِ شُبْهَةٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ لَهُمْ: هَذا الَّذِي قُلْتُهُ لَكم وهو لا أبْيَنَ مِنهُ ولا أعْدَلَ، افْرِضُوا أنَّهُ ما ظَهَرَ لَكم صِحَّتُهُ فَما تَقُولُونَ إنَّهُ حَمَلَنِي عَلَيْهِ مَعَ أنَّ فِيهِ مُنابِذَتَكم وأنْتُمْ أوْلادُ عَمِّي وأعَزُّ النّاسِ عَلَيَّ؟ فَقالُوا: ﴿إنْ نَقُولُ إلا اعْتَراكَ﴾ أيْ: أصابَكَ وغَشِيَكَ غِشْيانًا التَصَقَ بِكَ التِصاقَ العُرْوَةِ بِما هي فِيهِ مَعَ التَّعَمُّدِ والقُوَّةِ ﴿بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ﴾ مِن نَحْوِ الجُنُونِ والخَبالِ فَذاكَ الحامِلُ لَكَ عَلى النَّهْيِ عَنْ عِبادَتِها.
(p-٣١٠)ولَمّا كانَ الطَّبْعُ البَشَرِيُّ قاضِيًا بِأنَّ الإنْسانَ يَخْشى مِمَّنْ مَسَّهُ بِسُوءٍ وهو يَتَوَهَّمُ أنَّهُ قادِرٌ عَلى ضَرَرِهِ فَلا يُواجِهُهُ بِما يَكْرَهُ، [وكانَ قَوْلُهم مُحَرِّكًا لِلسّامِعِ إلى الِاسْتِعْلامِ عَنْ جَوابِهِ لَهُمْ، اسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿قالَ﴾ نافِيًا لِما قالُوا مُبَيِّنًا أنَّ آلِهَتَهم لا شَيْءَ ضامًّا لَهم مَعَها، وأكَّدَ لِأنَّهم بِحَيْثُ لا يَظُنُّونَ أنَّ أحَدًا [لا] يَقُولُ ما قالَهُ ﴿إنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ لِيَقُومَ عُذْرِي عِنْدَهُ [وعَدَلَ أدَبًا مَعَ اللَّهِ عَنْ أنْ يَقُولَ: وأُشْهِدُكم - لِئَلّا يُتَوَهَّمَ تَسْوِيَةٌ - إلى صِيغَةِ الأمْرِ تَهاوُنًا بِهِمْ فَقالَ]: ﴿واشْهَدُوا﴾ [أيْ] أنْتُمْ لِتَقُومَ الحُجَّةُ عَلَيْكم لِأيِّكم ويَبِينَ عَجْزُكم ويَعْرِفَ كُلُّ أحَدٍ أنَّكم بِحَيْثُ يُتَهاوَنُ بِكم وبِدِينِكم ولا يُبالِي بِكم ولا بِهِ ﴿إنِّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ﴾ [الأنعام: ٧٨] وبَيَّنَ سُفُولَها بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ [هود: ٥٥] كائِنًا ما كانَ ومَن كانَ، فَكَيْفَ إذا لَمْ يَكُنْ إلّا جَمادًا
11:55–56Page 228
مِن دُونِهِۦۖ فَكِيدُونِي جَمِيعٗا ثُمَّ لَا تُنظِرُونِ ٥٥
Other than Him. So plot against me all together; then do not give me respite.
إِنِّي تَوَكَّلۡتُ عَلَى ٱللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمۚ مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلَّا هُوَ ءَاخِذُۢ بِنَاصِيَتِهَآۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٥٦
Indeed, I have relied upon Allāh, my Lord and your Lord. There is no creature but that He holds it by its forelock [i.e., controls it]. Indeed, my Lord is on a path [that is] straight.
﴿فَكِيدُونِي﴾ حالَ كَوْنِكم ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ: فُرادى إنْ شِئْتُمْ أوْ مُجْتَمِعِينَ أنْتُمْ وآلِهَتُكم.
ولَمّا كانَتِ المُعاجَلَةُ في الحَرْبِ أهْوَلَ، وكانَ شَأْنُها أصْعَبَ وأخْطَرَ، بَيَّنَ عِظَمَها بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ﴾ والكَيْدُ: طَلَبُ الغَيْظِ بِالسِّرِّ في مَكْرٍ، وهَذِهِ الآيَةُ مِن أعْلامِ النُّبُوَّةِ الواضِحَةِ لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: هَبْ أنَّ آلِهَتَنا لا شَيْءَ، فَما حَمَلَكَ عَلى الِاجْتِراءِ (p-٣١١)عَلى مُخالَفَتِنا نَحْنُ وأنْتَ كَثْرَتُنا وقُوَّتُنا وأنْتَ لا تَزِيدُ عَلى أنْ تَكُونَ واحِدًا مِنّا؟ فَقالَ: ﴿إنِّي﴾ أيْ: جَسَرْتُ عَلى ذَلِكَ لِأنِّي ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ مُعْتَمِدًا ﴿عَلى اللَّهِ﴾ المَلِكِ المَرْهُوبِ عِقابُهُ الَّذِي لا مَلِكَ سِواهُ ولا رَبَّ غَيْرُهُ؛ وبَيَّنَ إحاطَةَ مُلْكِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿رَبِّي ورَبِّكُمْ﴾ أيِ الَّذِي أوْجَدَنا ودَبَّرَ أُمُورَنا قَبْلَ أنْ يَخْلُقَنا فَعَلِمَ ما يَعْمَلُ كُلٌّ مِنّا في حَقِّ الآخِرَةِ؛ لِأنَّهُ ﴿ما مِن دابَّةٍ﴾ أيْ: صَغُرَتْ أوْ كَبُرَتْ ﴿إلا هو آخِذٌ﴾ أيْ: أخْذَ قَهْرٍ وغَلَبَةٍ ﴿بِناصِيَتِها﴾ أيْ: قادِرٌ عَلَيْها، وقَدْ صارَ الأخْذُ بِالنّاصِيَةِ عُرْفًا في القُدْرَةِ، لِأنَّ الكُلَّ جارُونَ مَعَ مُرادِهِ لا مَعَ مُرادِهِمْ بَلْ لا يَنْفَكُّ أحَدٌ عَنْ كَراهَةٍ لِبَعْضِ ما هو فِيهِ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى أنَّهُ بِغَيْرِ مُرادِهِ وإنَّما هو بِمُرادٍ قاهِرٍ قَهَرَهُ عَلى ذَلِكَ وهو المَلِكُ الأعْلى سُبْحانَهُ؛ والنّاصِيَةُ: شَعْرُ مُقَدَّمِ الرَّأْسِ، ومَن أخَذَ بِناصِيَتِهِ فَقَدِ انْقادَ لِأخْذِهِ لا يَسْتَطِيعُ مَيْلًا ﴿إنَّ﴾ أيْ: لِأنَّ ﴿رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ بِما أقامَنِي فِيهِ ﴿عَلى صِراطٍ﴾ أيْ: طَرِيقٍ واسِعٍ بَيِّنٍ ﴿مُسْتَقِيمٍ﴾ ظاهِرٌ أمْرُهُ لِكُلِّ أحَدٍ لا لَبْسَ فِيهِ أصْلًا ولا خَلَلَ ولا اضْطِرابَ ولا اعْوِجاجَ بِوَجْهٍ، فَلِذَلِكَ كانَ كُلُّ مَن في الكَوْنِ يَتَألَّهُهُ ويَدْعُوهُ ويَخافُهُ ويَرْجُوهُ وإنِ اتَّخَذَ بَعْضُهم مِن دُونِهِ شُرَكاءَ، وأمّا ما يُعْبَدُ مِن دُونِهِ فَلا يُعَظِّمُهُ إلّا عابِدُهُ، وأمّا غَيْرُ عابِدِهِ فَإنَّهُ لا يُقِيمُ لَهُ وزْنًا؛ فَصَحَّ بِهَذا أنَّهُ غالِبٌ (p-٣١٢)عَلى كُلِّ شَيْءٍ [غَلَبَةً] يَعْلَمُها كُلُّ مَوْجُودٍ مِن غَيْرِ خَفاءٍ أصْلًا، فَهو مَرْجُوٌّ مَرْهُوبٌ بِإجْماعِ العُقَلاءِ بِخِلافِ مَعْبُوداتِكُمْ، والحاصِلُ أنَّهُ يَلْزَمُ الصِّراطَ المُسْتَقِيمَ الظُّهُورُ، فَيَلْزَمُ عَدَمُ الِاخْتِلافِ لِانْتِفاءِ اللَّبْسِ، فَمَن كانَ عَلَيْهِ كانَ عَلِيَّ القَدْرِ شَهِيرَ الأمْرِ، بَصِيرًا بِما يُرِيدُ، مَعَ الثَّباتِ والتَّمَكُّنِ، مَرْهُوبَ العاقِبَةِ، مَقْصُودًا بِالِاتِّباعِ والمَحَبَّةِ، مَن لَمْ يُقْبِلْ إلَيْهِ ضَلَّ، ومَن أعْرَضَ عَنْهُ أُخِذَ لِكَثْرَةِ أعْوانِهِ وعِزِّ سُلْطانِهِ، فَظَهَرَتْ قُدْرَتُهُ عَلى عِصْمَةِ مَن يَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ وعَجْزُ مَعْبُوداتِهِمْ مَعَهُمْ، لِأنَّ نَواصِيَ الكُلِّ بِيَدِهِ وهو رَبُّها ورَبُّهم ورَبُّ كُلِّ شَيْءٍ، فَقَدِ انْطَبَقَ خِتامُ الآيَةِ عَلى قَوْلِهِمْ: ﴿ما جِئْتَنا بِبَيِّنَةٍ﴾ [هود: ٥٣] رَدًّا لَهُ لِأنَّ مَن كانَ عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أبْيَنَ مِن أمْرِهِ، وعَلى جَوابِهِ في تَوَكُّلِهِ وما في حَيِّزِهِ أتَمَّ انْطِباقٍ؛ والنّاصِيَةُ: مُقَدَّمُ الشَّعْرِ مِنَ الرَّأْسِ، وأصْلُها الِاتِّصالُ مِن قَوْلِهِمْ: مَفازَةٌ تَناصِي مَفازَةً - إذا كانَتْ مُتَّصِلَةً بِها.
11:57Page 228
فَإِن تَوَلَّوۡاْ فَقَدۡ أَبۡلَغۡتُكُم مَّآ أُرۡسِلۡتُ بِهِۦٓ إِلَيۡكُمۡۚ وَيَسۡتَخۡلِفُ رَبِّي قَوۡمًا غَيۡرَكُمۡ وَلَا تَضُرُّونَهُۥ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ رَبِّي عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٍ حَفِيظٞ ٥٧
But if you turn away, then I have already conveyed that with which I was sent to you. My Lord will give succession to a people other than you, and you will not harm Him at all. Indeed my Lord is, over all things, Guardian."1
ولَمّا اسْتَوْفى تَشْيِيدَهُ أمَرَهُ وهَدْمَ قَوْلِهِمْ، أخَذَ يُحَذِّرُهم فَقالَ مُبَيِّنًا أنَّ العُدُولَ عَمّا جاءَ بِهِ لا يَكُونُ إلّا بِمُعالَجَةِ الطَّبْعِ السَّلِيمِ: ﴿فَإنْ تَوَلَّوْا﴾ ولَوْ أدْنى تَوْلِيَةٍ - بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَذْفُ التّاءِ، فَعَلَيْكُمُ اللَّوْمُ دُونِي، لِأنِّي فَعَلْتُ ما عَلَيَّ ﴿فَقَدْ﴾ أيْ: بِسَبَبِ أنِّي قَدْ ﴿أبْلَغْتُكم ما﴾ أيْ: كُلَّ شَيْءٍ (p-٣١٣)﴿أُرْسِلْتُ﴾ أيْ: تَقَدَّمَ إرْسالِي مِن عِنْدِ مَن لا مُرْسِلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُ ﴿بِهِ إلَيْكُمْ﴾ كامِلًا لَمْ أدَعْ مِنهُ شَيْئًا رَجاءً لِإقْبالِكم ولا خَوْفًا مِن إعْراضِكُمْ، فَأبَيْتُمْ إلّا التَّكْذِيبَ لِي والِاسْتِكْبارَ عَمّا جِئْتُ بِهِ، فالَّذِي أرْسَلَنِي يَنْتَقِمُ مِنكم فَيُهْلِكَكم ﴿ويَسْتَخْلِفُ رَبِّي﴾ أيْ: يُوجِدُ المُحْسِنُ إلَيَّ بِإقامَتِي فِيما يُرْضِيهِ ﴿قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ يَخْلُفُونَكم في دِيارِكم وأمْوالِكُمْ، فَتَكُونُونَ أعْداءَهُ، ويَكُونُ المُسْتَخْلَفُونَ مُتَعَرِّضِينَ لِأنْ يَكُونُوا أوْلِياءَ [مَعَ كَوْنِهِمْ ذَوِي بَأْسٍ وقُوَّةٍ] فَيَخْتَصُّ الضَّرَرُ بِكم ﴿ولا تَضُرُّونَهُ﴾ أيِ اللَّهَ بِإعْراضِكم ﴿شَيْئًا﴾ ثُمَّ عَلَّلَ وعِيدَهُ لَهم بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّ العاصِيَ فاعِلٌ بِعِصْيانِهِ فِعْلَ مَن يَظُنُّ أنَّ اللَّهَ غافِلٌ عَنْهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ المُدَبِّرَ لِمَصالِحِي.
ولَمّا كانَ الأهَمُّ في هَذا السِّياقِ بَيانَ اسْتِعْلائِهِ وقُدْرَتِهِ، قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿عَلى كُلِّ شَيْءٍ﴾ صَغِيرٍ أوْ كَبِيرٍ جَلِيلٍ أوْ حَقِيرٍ ﴿حَفِيظٌ﴾ أيْ: عالِمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ وقادِرٌ عَلى كُلِّ شَيْءٍ [و] بالِغُ الحِفْظِ لَهُ، فَيَعْلَمُ ما يَعْمَلُ مَحْفُوظُهُ فَيُجازِيَهِ بِما يَسْتَحِقُّ مِن نِعَمِهِ ونِقَمِهِ، فَهو تَعْلِيلٌ لِاسْتِخْلافِ غَيْرِهِمْ وتَنَزُّهِهِ عَنْ لُحُوقِ ضَرَرٍ، لِأنَّ الحِفْظَ: الحِراسَةُ، ويَلْزَمُها العِلْمُ والقُدْرَةُ، فَمِنَ القُدْرَةِ حافِظُ العَيْنِ، أيْ لا يَغْلِبُهُ نَوْمٌ، والحَفِيظَةُ - لِلْحَمِيَّةِ والغَضَبِ، ومِنهُما مَعًا المُحافَظَةُ - لِلْمُواظَبَةِ عَلى الشَّيْءِ؛ والتَّوَلِّي عَنِ الشَّيْءِ: الذَّهابُ إلى غَيْرِ جِهَتِهِ إعْراضًا عَنْهُ؛ والإبْلاغُ: إلْحاقُ الشَّيْءِ نِهايَتَهُ؛ (p-٣١٤)والِاسْتِخْلافُ: جَعْلُ الثّانِي بَدَلًا مِنَ الأوَّلِ يَقُومُ مَقامَهُ؛ والضُّرُّ: إيجابُ الألَمِ بِفِعْلِهِ أوِ التَّسَبُّبِ لَهُ.
11:58Page 228
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا هُودٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَنَجَّيۡنَٰهُم مِّنۡ عَذَابٍ غَلِيظٖ ٥٨
And when Our command came, We saved Hūd and those who believed with him, by mercy from Us; and We saved them from a harsh punishment.
ولَمّا تَمَّ ذَلِكَ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَلَمْ يَرْجِعُوا ولَمْ يَرْعَوُوا لِبَيِّنَةٍ ولا رَغْبَةٍ ولا رَهْبَةٍ فَأنْزَلَنا بِهِمْ أمْرَنا ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: وقْتُ إرادَتِنا لِإهْلاكِ عادٍ ﴿نَجَّيْنا﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿هُودًا والَّذِينَ آمَنُوا﴾ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ في الإيمانِ والنَّجاةِ مِن قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَقْدِرُوا أنْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في ذَلِكَ وإعْجابِهِمْ بِقُواهُمْ، ويُقالُ: إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا كانُوا أرْبَعَةَ آلافٍ.
ولَمّا كانَ سُبْحانَهُ [بِحَيْثُ] لا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأحَدٍ شَيْءٌ لِأنَّهُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ أنْ يُقَدِّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ وإنِ اجْتَهَدَ في طاعَتِهِ، فَإنَّ طاعَتَهُ نِعْمَةٌ مِنهُ عَلَيْهِ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ تَحْقِيقًا لِتَوَكُّلِ عَبْدِنا؛ ولَمّا بَيَّنَ إنْجاءَهم مِن قَوْمِهِمْ بَيَّنَ إنْجاءَهم مِمّا أهْلَكَهم بِهِ فَقالَ [مُكَرِّرًا ذِكْرَ التَّنْجِيَةِ دَلالَةً عَلى أنَّ عَذابَهم كانَ في غايَةِ الفَظاعَةِ]: ﴿ونَجَّيْناهُمْ﴾ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ، وبَيَّنَ فَظاعَةَ ما أهْلَكَ بِهِ أعْداءَهم بِقَوْلِهِ: ﴿مِن عَذابٍ غَلِيظٍ﴾ أيْ: أهْلَكْنا بِهِ مُخالِفِيهِمْ وهو الرِّيحُ الصَّرْصَرُ، وهَذا أوْلى مِن حَمْلِهِ عَلى عَذابِ الآخِرَةِ لِما يَأْتِي مِن قَوْلِهِ: ﴿ومِن خِزْيِ يَوْمِئِذٍ﴾ [هود: ٦٦] كَأنَّهم كانُوا إذا رَأوْا مَخايِلَ العَذابِ قَصَدُوا نَبِيَّهم ومَن آمَنَ بِهِ لِيُهْلِكُوهم قَبْلَهم كَما (p-٣١٥)صَرَّحَ بِهِ في قِصَّةِ صالِحٍ؛ والنَّجاةُ: السَّلامَةُ مِنَ الهَلاكِ؛ وحَقِيقَةُ الغِلْظَةِ عِظَمُ الجُثَّةِ، فاسْتُعِيرَ لِلْعَذابِ لِثِقَلِهِ عَلى النَّفْسِ وطُولِ مُكْثِهِ.
11:59Page 228
وَتِلۡكَ عَادٞۖ جَحَدُواْ بِـَٔايَٰتِ رَبِّهِمۡ وَعَصَوۡاْ رُسُلَهُۥ وَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ كُلِّ جَبَّارٍ عَنِيدٖ ٥٩
And that was ʿAad, who rejected the signs of their Lord and disobeyed His messengers and followed the order of every obstinate tyrant.
ولَمّا تَمَّتْ قِصَّتُهم عَلى هَذا الوَجْهِ البَدِيعِ والأُسْلُوبِ \ المُطْرِبِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿تِلْكَ مِن أنْباءِ الغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩] ﴿وتِلْكَ عادٌ﴾ أيْ: قِصَّةُ القَوْمِ البُعَداءِ البُغَضاءِ، ما كُنْتَ تَعْلَمُها عَلى هَذا التَّفْصِيلِ أنْتَ ولا قَوْمُكَ ولا أهْلُ الكِتابِ، وإنَّما نُفِيَتْ عَنْ أهْلِ الكِتابِ لِأنَّهم لا يَعْلَمُونَ إلّا ما لَهُ أصْلٌ عَنْ أنْبِيائِهِمْ، وهَذِهِ وقِصَّةُ ثَمُودٍ لَيْسَتا في التَّوْراةِ ولا شَيْءَ مِن أسْفارِ أنْبِيائِهِمْ، وسَألْتُ بَعْضَ عُلَمائِهِمْ فَلَمْ أجِدْ عِنْدَهُ شَيْئًا مِن عِلْمِها ولا حَرْفًا واحِدًا ولا سَمِعَ بِعادٍ ولا هُودٍ، وتَلْخِيصُ قِصَّتِهِمْ أنَّهم ﴿جَحَدُوا﴾ أيْ: كَذَّبُوا عِنادًا واسْتِهانَةً ﴿بِآياتِ رَبِّهِمْ﴾ المُحْسِنِ إلَيْهِمْ ﴿وعَصَوْا رُسُلَهُ﴾ فَإنَّ مَن عَصى واحِدًا مِنهم فَقَدْ عَصى الكُلَّ لِاتِّفاقِهِمْ عَلى أمْرٍ واحِدٍ مَعَ التَّساوِي في مُطْلَقِ المُعْجِزَةِ ﴿واتَّبَعُوا﴾ أيْ: بِغايَةِ جُهْدِهِمْ ﴿أمْرَ كُلِّ جَبّارٍ﴾ أيْ: قاهِرٍ بَلِيغِ القَهْرِ يَجْبُرُ غَيْرَهُ عَلى ما يُرِيدُ، وهَذا يَدُلُّ عَلى أنَّهُ لا عُذْرَ في أصْلِ الدِّينِ بِوَجْهٍ؛ فَإنَّ الضَّمائِرَ لا يَعْلَمُها إلّا اللَّهُ [فَيُمْكِنُ كُلَّ أحَدٍ مُخالَفَةُ الجَبّارِ فِيهِ] ﴿عَنِيدٍ﴾ أيْ: طاغٍ باغٍ لا يَقْبَلُ الحَقَّ بِوَجْهٍ، فَأُهْلِكُوا ولَمْ يَمْنَعْهم تَجَبُّرُهم ولا أغْنى عَنْهم عِنادُهم وتَكَبُّرُهُمْ
11:60Page 228
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ عَادٗا كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّعَادٖ قَوۡمِ هُودٖ ٦٠
And they were [therefore] followed in this world with a curse and [as well] on the Day of Resurrection. Unquestionably, ʿAad denied their Lord; then away with ʿAad, the people of Hūd.
﴿وأُتْبِعُوا﴾ جَمِيعًا بَعْدَ (p-٣١٦)إهْلاكِهِمْ بِأيْسَرِ وجْهٍ لِعَظِيمِ قُدْرَةِ المُتَّبِعِ ﴿فِي هَذِهِ الدُّنْيا﴾ حَقَّرَها في هَذِهِ العِبارَةِ بِما أشارَتْ إلَيْهِ الإشارَةُ مَعَ التَّصْغِيرِ، وبِما دَلَّ عَلى الدُّنُوِّ وبِأنَّ مَنِ اغْتَرَّ بِها فَهو مِمَّنْ وقَفَ مَعَ الشّاهِدِ لِما لَهُ مِنَ الجُمُودِ ﴿لَعْنَةً﴾ أيْ: طَرْدًا وبُعْدًا وإهْلاكًا ﴿ويَوْمَ القِيامَةِ﴾ أيْ: كَذَلِكَ بَلْ أشَدُّ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: أفَما لِمُصِيبَتِهِمْ مِن تَلافٍ؟ فَقِيلَ: لا، ”ألّا“ مُفْتَتِحًا لِلْإخْبارِ عَنْهم بِهَذِهِ الأداةِ الَّتِي لا تُذْكَرُ إلّا بَيْنَ يَدَيْ كَلامٍ يَعْظُمُ مَوْقِعُهُ ويَجِلُّ خَطْبُهُ، والتَّأْكِيدُ في الإخْبارِ بِكُفْرِهِمْ تَحْقِيقٌ لِحالِهِمْ، وفِيهِ مِن أدِلَّةِ النُّبُوَّةِ وأعْلامِ الرِّسالَةِ الرَّدُّ عَلى طائِفَةٍ قَدْ حَدَثَتْ بِالقُرْبِ مِن زَمانِنا يُصَوِّبُونَ جَمِيعَ المِلَلِ وخَصُّوا عادًا هَذِهِ لِكَوْنِها أغْناهم بِأنْ قالُوا: إنَّهم مِنَ المُقَرَّبِينَ إلى اللَّهِ وإنَّهم بِعَيْنِ الرِّضى مِنهُ، فاللَّهُ المَسْؤُولُ في الإدالَةِ عَلَيْهِمْ وشِفاءِ الصُّدُورِ مِنهُمْ، وهم أتْباعُ ابْنِ عَرَبِيٍّ الكافِرِ العَنِيدِ أهْلِ الِاتِّحادِ، المُجاهِرُونَ بِعَظِيمِ الإلْحادِ، المُسْتَخِفُّونَ بِرَبِّ العِبادِ، فَلِذَلِكَ قالَ تَعالى مُبَيِّنًا لِحالِهِمْ بَيانًا لا خَفاءَ مَعَهُ: ﴿إنَّ عادًا كَفَرُوا﴾ ولَمْ يَقْصُرِ الفِعْلَ، بَلْ عَدّاهُ إعْظامًا لِطُغْيانِهِمْ فَقالَ: ﴿رَبَّهُمْ﴾ أيْ: غَطَّوْا [جَمِيعَ أنْوارِ] الظّاهِرِ الَّذِي لا يَصِحُّ أصْلًا خَفاؤُهُ لِأنَّهُ لا نِعْمَةَ عَلى مَخْلُوقٍ إلّا مِنهُ، [فَكانَ كُفْرُهم أغْلَظَ الكُفْرِ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْثَنِ هُودٌ عَلَيْهِ السَّلامُ عَنْ إبْلاغِهِمْ جَمِيعَ ما أُمِرَ بِهِ ولا تَرَكَ شَيْئًا مِمّا أُوحِيَ إلَيْهِ فَلَكَ بِهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ وفِيهِمْ قُدْوَةٌ]، ومَن كَفَرَ مَن (p-٣١٧)أحْسَنَ إلَيْهِ بَعُدَ بُعْدًا لا قُرْبَ مَعَهُ.
ولَمّا كانَ الأمْرُ عَظِيمًا والخَطْبُ جَلِيلًا، كَرَّرَ الأداةَ الَّتِي تُقالُ عِنْدَ الأُمُورِ الجَلِيلَةِ فَقالَ: ﴿ألا بُعْدًا لِعادٍ﴾ [هُوَ] مِن بَعِدَ - بِكَسْرِ العَيْنِ إذا كانَ بُعْدُهُ بِالهَلاكِ، وبَيَّنَهم بِقَوْلِهِ: ﴿قَوْمِ هُودٍ﴾ تَحْقِيقًا لَهم لِأنَّهم عادانِ: الأُولى والآخِرَةُ، وإيماءً إلى أنَّ اسْتِحْقاقَهم لِلْإبْعادِ بِما جَرى لِهُودٍ عَلَيْهِ السَّلامُ مَعَهم مِنَ الإنْكارِ والدُّعاءِ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الهَلاكِ كِنايَةً عَنِ الإخْبارِ بِأنَّهم كانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْهَلاكِ؛ والجَحْدُ: الخَبَرُ عَمّا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ أنَّهُ لا يَعْلَمُها، وهو ضِدُّ الِاعْتِرافِ كَما أنَّ النَّفْيَ ضِدُّ الإثْباتِ، فَهو خَبَرٌ بِمُجَرَّدِ العَدَمِ فَهو أعَمُّ؛ والعِصْيانُ خِلافُ ما أُمِرَ بِهِ الدّاعِي عَلى طَرِيقِ الإيجابِ؛ واللَّعْنَةُ: الدُّعاءُ بِالإبْعادِ، وأصْلُها الإبْعادُ مِنَ الخَيْرِ؛ والإتْباعُ: جَعْلُ الثّانِي عَلى أثَرِ الأوَّلِ، والإبْلاغُ أخَصُّ مِنهُ، والمُرادُ هُنا بُلُوغُها لَهُمْ؛ لِأنَّ الَّذِي قَضى بِذَلِكَ قادِرٌ وقَدْ ألْحَقَ بِهِمْ عَذابَ الدُّنْيا المُبْعِدَ لَهم مِن مَظانِّ الرَّحْمَةِ.
11:61Page 228
۞ وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمۡ صَٰلِحٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱسۡتَعۡمَرَكُمۡ فِيهَا فَٱسۡتَغۡفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٞ مُّجِيبٞ ٦١
And to Thamūd [We sent] their brother Ṣāliḥ. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. He has produced you from the earth and settled you in it, so ask forgiveness of Him and then repent to Him. Indeed, my Lord is near and responsive."
ولَمّا انْقَضَتْ قِصَّةُ عادٍ عَلى ما أرادَ سُبْحانَهُ، أتْبَعَها قِصَّةَ مَن كانُوا عَقِبَهم في الزَّمَنِ ومِثْلَهم في سُكْنى أرْضِ العَرَبِ وعِبادَةِ الأوْثانِ، والمُناسَبَةُ في الأمْرِ المُعَذَّبِ بِهِ؛ لِأنَّ المُوصِلَ لِلصَّيْحَةِ إلى الأسْماعِ هو الرِّيحُ (p-٣١٨)وفِي خَفاءِ أمْرِهِمْ، مُفَصَّلًا عَلى أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ فَقالَ: ﴿وإلى﴾ أيْ: ولَقَدْ أرْسَلْنا إلى ﴿ثَمُودَ أخاهُمْ﴾ وبَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿صالِحًا﴾ ثُمَّ أخْرَجَ قَوْلَهُ ﷺ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالٍ فَقالَ: ﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ أيْ: يا مَن \ يَعِزُّ عَلَيَّ أنْ يَحْصُلَ لَهم سُوءٌ ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكَ الأعْظَمَ وحْدَهُ لِأنَّ عِبادَتَكم لَهُ مَعَ غَيْرِهِ لَيْسَتْ بِشَيْءٍ؛ ثُمَّ اسْتَأْنَفَ تَفْسِيرَ ذَلِكَ فَقالَ: ﴿ما لَكُمْ﴾ أغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن إلَهٍ غَيْرُهُ﴾ جَرْيًا عَلى مِنهاجِ الدُّعاةِ إلى اللَّهِ في أصْلِ الدِّينِ، وهو إفْرادُ المُنْعِمِ بِالعِبادَةِ.
ولَمّا أمَرَهم بِذَلِكَ، ذَكَّرَهم قُدْرَتَهُ ونِعْمَتَهُ مُرَغِّبًا مُرَهِّبًا فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿أنْشَأكُمْ﴾ أيِ ابْتَدَأ خَلْقَكم ﴿مِنَ الأرْضِ﴾ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلامُ مِنها بِغَيْرِ واسِطَةٍ وبِخَلْقِكم مِنَ المَنِيِّ [مِنَ الدَّمِ] وهو مِنَ الغِذاءِ وهو مِنَ النَّباتِ وهو مِنَ الأرْضِ كَما أنْشَأ أوْثانَكم مِنها ”و“ رَفَعَ مِقْدارَكم عَلَيْها بِأنِ ”اسْتَعْمَرَكم“ أيْ: أهَّلَكم لِما لَمْ يُؤَهِّلْ لَهُ الأوْثانَ مِن أنْ تَكُونُوا عُمّارًا ﴿فِيها﴾ فَلا تَنْسَوْا حَقَّ إلَهِكم وما فَضَّلَكم بِهِ مِن حَقِّ أنْفُسِكم بِخُضُوعِكم لِما لا يُساوِيكم فَكَيْفَ بِمَن أنْشَأكم وإيّاها؛ والإنْشاءُ: الِابْتِداءُ بِالإيجادِ مِن غَيْرِ اسْتِعانَةٍ بِشَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ.
ولَمّا بَيَّنَ لَهم سُبْحانَهُ عَظَمَتَهُ، وكانَ الشَّيْطانُ قَدْ شَبَّهَ عَلَيْهِمْ لِأنَّهُ لِعَظَمَتِهِ لا يُوصَلُ إلَيْهِ بِوَسِيلَةٍ كَما هو حالُ المُلُوكِ وألْقى إلَيْهِمْ أنَّ الأوْثانَ (p-٣١٩)وسائِلُ، نَفى ذَلِكَ مُبَيِّنًا طَرِيقَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿فاسْتَغْفِرُوهُ﴾ أيْ: فَأقْبِلُوا بِكُلِّ قُلُوبِكم عَلَيْهِ طالِبِينَ أنْ يَسْتُرَ ذُنُوبَكُمْ؛ وذَكَرَ شَرْطَ المَغْفِرَةِ بِقَوْلِهِ مُشِيرًا بِأداةِ البُعْدِ إلى عَظِيمِ المَنزِلَةِ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا﴾ أيِ ارْجِعُوا بِجَمِيعِ قُلُوبِكم ﴿إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِلُطْفِهِ وعَطْفِهِ تَرْغِيبًا في الإقْبالِ إلَيْهِ فَقالَ مُؤَكِّدًا لِأنَّ مَن يَرى إمْهالَهُ لِلْعُصاةِ يَظُنُّ الظُّنُونَ ومَن عَصاهُ كانَ عَمَلُهُ عَمَلَ مَن يُنْكِرُ قُرْبَهُ وإجابَتَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ الَّذِي أخْلَصْتُ لَهُ العِبادَةَ لِإحْسانِهِ إلَيَّ وأدْعُوكم إلى الإخْلاصِ لَهُ لِإحْسانِهِ إلَيْكم ﴿قَرِيبٌ﴾ مِن كُلِّ مَن أقْبَلَ إلَيْهِ مِن غَيْرِ حاجَةٍ إلى مُعاناةِ مَشْيٍ ولا حَرَكَةٍ جارِحَةٍ ﴿مُجِيبٌ﴾ لِكُلِّ مَن ناداهُ لا كَمَعْبُوداتِكم في الأمْرَيْنِ مَعًا.
11:62Page 228
قَالُواْ يَٰصَٰلِحُ قَدۡ كُنتَ فِينَا مَرۡجُوّٗا قَبۡلَ هَٰذَآۖ أَتَنۡهَىٰنَآ أَن نَّعۡبُدَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكّٖ مِّمَّا تَدۡعُونَآ إِلَيۡهِ مُرِيبٖ ٦٢
They said, "O Ṣāliḥ, you were among us a man of promise before this. Do you forbid us to worship what our fathers worshipped? And indeed we are, about that to which you invite us, in disquieting doubt."
ولَمّا دَعاهم إلى الحَقِّ ونَصَّبَ لَهم عَلَيْهِ مِنَ الأدِلَّةِ ما هم بِهِ مُعْتَرِفُونَ وذَكَّرَهم نِعَمَهُ مُومِئًا إلى التَّحْذِيرِ مِن نِقَمِهِ، وسَهَّلَ لَهم طَرِيقَ الوُصُولِ إلَيْهِ، ما كانَ جَوابُهم إلّا أنْ سَلَخُوهُ مِن طَوْرِ البَشَرِيَّةِ لِمَحْضِ التَّقْلِيدِ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَ الإخْبارَ عَنْ جَوابِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا﴾ أيْ: ثَمُودُ ﴿يا صالِحُ﴾ نادَوْهُ بِاسْمِهِ قِلَّةَ أدَبٍ مِنهم وجَفاءً ﴿قَدْ كُنْتَ فِينا﴾ أيْ: فِيما بَيْنَنا إذا تَذاكَرْنا أمْرَكَ ﴿مَرْجُوًّا﴾ أيْ: في حَيِّزِ مَن يَصِحُّ أنْ يُرْجى أنْ يَكُونَ فِيهِ خَيْرٌ وسُؤْدُدٌ ورُشْدٌ وصَلاحٌ، واسْتَغْرَقُوا الزَّمانَ فَحَذَفُوا الجارَّ وقالُوا: ﴿قَبْلَ هَذا﴾ أيِ الَّذِي دَعَوْتَنا إلَيْهِ فَأمّا بَعْدَ هَذا فانْسَلَخْتَ مِن هَذا العِدادِ؛ ثُمَّ بَيَّنُوا ما أوْجَبَ سُقُوطَهُ عِنْدَهم بِقَوْلِهِمْ مُنْكِرِينَ إنْكارَ (p-٣٢٠)مُحْتَرِقٍ ﴿أتَنْهانا﴾ أيْ: مُطْلَقَ نَهْيٍ ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿ما يَعْبُدُ آباؤُنا﴾ وعَبَّرُوا بِصِيغَةِ المُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ كَأنَّ آباءَهم مَوْجُودُونَ فَلا تَمْكُنُ مُخالَفَتُهم إجْلالًا لَهُمْ، فَأجَّلُوا مَن يَرَوْنَهُ سَبَبًا قَرِيبًا في وُجُودِهِمْ ولَمْ يَهابُوا مَن أوَجَدَهم وآباءَهم أوَّلًا مِنَ الأرْضِ وثانِيًا مِنَ النُّطَفِ، ثُمَّ خَوَّلَهم فِيما هم فِيهِ، ثُمَّ فَزِعُوا - في أصْلِ الدِّينِ بَعْدَ ذِكْرِ الحامِلِ لَهم عَلى الكُفْرِ المانِعِ لَهم مِن تَرْكِهِ - إلى البُهْتِ بِأنَّ ما يُوجِبُ القَطْعَ لِكُلِّ عاقِلٍ مِن آيَتِهِ الباهِرَةِ لَمْ يُؤَثِّرْ عِنْدَهم إلّا ما هو دُونَ الظَّنِّ في تَرْكِ إجابَتِهِ، فَقالُوا مُؤَكِّدِينَ لِأنَّ شَكَّهم حَقِيقٌ بِأنْ يُنْكَرَ لِأنَّهُ في أمْرٍ واضِحٍ جِدًّا لا يَحْتَمِلُ الشَّكَّ أصْلًا: ﴿وإنَّنا لَفي شَكٍّ﴾ [و] زادُوا التَّأْكِيدَ بِالنُّونِ واللّامِ وبِالإشارَةِ بِالظَّرْفِ إلى إحاطَةِ الشَّكِّ بِهِمْ ﴿مِمّا﴾ ولَمّا كانَ الدّاعِي واحِدًا وهو صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ لَمْ يُلْحِقْ بِالفِعْلِ غَيْرَ نُونٍ واحِدَةٍ هي ضَمِيرُهم بِخِلافِ ما في سُورَةِإبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَلِذَلِكَ قالُوا: ﴿تَدْعُونا إلَيْهِ﴾ مِن عِبادَةِ اللَّهِ وحْدَهُ ﴿مُرِيبٍ﴾ أيْ: مُوقِعٍ في الرِّيبَةِ وهي قَلَقُ النَّفْسِ وانْتِفاءُ الطُّمَأْنِينَةِ بِاليَقِينِ؛ والرَّجاءُ: تَعَلُّقُ النَّفْسَ لِمَجِيءِ الخَيْرِ عَلى \ جِهَةِ الظَّنِّ، ونَظِيرُهُ الأمَلُ والطَّمَعُ؛ والنَّهْيُ: المَنعُ مِنَ الفِعْلِ بِصِيغَةِ لا تَفْعَلْ.
11:63Page 229
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي مِنۡهُ رَحۡمَةٗ فَمَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِنۡ عَصَيۡتُهُۥۖ فَمَا تَزِيدُونَنِي غَيۡرَ تَخۡسِيرٖ ٦٣
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord and He has given me mercy from Himself, who would protect me from Allāh if I disobeyed Him? So you would not increase me except in loss.
(p-٣٢١)ولَمّا أبْرَزُوا لَهُ أمْرَهم في قالَبِ الشَّكِّ عَلى سَبِيلِ الجَزْمِ، قابَلَهم بِمِثْلِهِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ [إنْصافًا لَهم لِئَلّا يُلائِمَ الخِطابُ حالَ المُخاطَبِينَ]، فاسْتَأْنَفَ سُبْحانَهُ الإخْبارَ عَنْهُ بِذَلِكَ في قَوْلِهِ: ﴿قالَ﴾ أيْ: صالِحٌ نادِبًا لَهم إلى النَّظَرِ في أمْرِهِ بِرِفْقٍ ﴿يا قَوْمِ أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الشَّكِّ لِأنَّ خِطابَهُ لِلْجاحِدِينَ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ، لا شَكَّ عِنْدِي فِيها ﴿وآتانِي مِنهُ رَحْمَةً﴾ أيْ: أوامِرَ هي سَبَبُ الرَّحْمَةِ ﴿فَمَن يَنْصُرُنِي﴾ وأظْهَرَ مَوْضِعَ الإضْمارِ وعَبَّرَ بِالِاسْمِ الأعْظَمِ لِاقْتِضاءِ المَقامِ التَّهْوِيلَ فَقالَ: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿إنْ عَصَيْتُهُ﴾ أيْ: إنَّ وُقُوعَكم في الشَّكِّ [عَلى زَعْمِكُمْ] حَمَلَكم عَلى هَيْئَةِ الإباءِ في التَّلَبُّسِ بِأعْمالِهِمْ مَعَ زَوالِهِمْ واضْمِحْلالِهِمْ لَوْ كانُوا مَوْجُودِينَ وعَصَيْتُمُوهم لَمْ تُبالُوا بِهِمْ، وأمّا أنا فالَّذِي أمَرَنِي بِعِبادَتِهِ حَيٌّ قادِرٌ عَلى جَزاءِ مَن يُطِيعُهُ أوْ يَعْصِيهِ، وأقَلُّ ما يَحْمِلُ عَلى طاعَتِهِ الشَّكُّ في عُقُوبَتِهِ، وهو كافٍ لِلْعاقِلِ في تَرْكِ الخَطَرِ ﴿فَما﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ نَهْيِكم لِي عَنِ الدُّعاءِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ أنَّكم ما ﴿تَزِيدُونَنِي﴾ بِذَلِكَ شَيْئًا في عَمَلِي بِما تَرْمُونَهُ مِنِّي مِن عَطْفِي عَنْهُ بِاتِّباعِكم في عَمَلِكم أوِ الكَفِّ عَنْكم لِأصِيرَ في عِدادِ مَن يُرْجى عِنْدَكم مِمَّنْ لَهُ عَقْلٌ ﴿غَيْرَ تَخْسِيرٍ﴾ أيْ: إيقاعِي في الخَسارَةِ عَلى هَذا التَّقْدِيرِ: فَلا تَطْمَعُوا في تَرْكِي لِشَيْءٍ مِن مُخالَفَتِكم ما دُمْتُمْ (p-٣٢٢)عَلى ما أنْتُمْ عَلَيْهِ، والآيَةُ كَما تَرى ناظِرَةٌ إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تارِكٌ بَعْضَ ما يُوحى إلَيْكَ﴾ [هود: ١٢]
11:64Page 229
وَيَٰقَوۡمِ هَٰذِهِۦ نَاقَةُ ٱللَّهِ لَكُمۡ ءَايَةٗۖ فَذَرُوهَا تَأۡكُلۡ فِيٓ أَرۡضِ ٱللَّهِۖ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوٓءٖ فَيَأۡخُذَكُمۡ عَذَابٞ قَرِيبٞ ٦٤
And O my people, this is the she-camel of Allāh - [she is] to you a sign. So let her feed upon Allāh's earth and do not touch her with harm, or you will be taken by an impending punishment."
ولَمّا أخْبَرَهم أنَّ مَعْصِيَةَ اللَّهِ خُسْرانٌ، ذَكَّرَهم أمْرَ النّاقَةِ الَّتِي أخْرَجَها سُبْحانَهُ لَهم مِنَ الأرْضِ شاهِدًا عَلى كَوْنِهِمْ مُساوِينَ لِلْأوْثانِ في كَوْنِهِمْ مِنها مُفَضَّلِينَ عَلَيْها بِالحَياةِ مُحَذِّرًا لَهم مِن شَدِيدِ انْتِقامِهِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ هَذِهِ﴾ إشارَةً إلى حاضِرٍ، وذَلِكم بَعْدَ أنْ أخْرَجَها لَهم سُبْحانَهُ عِنْدَما دَعاهُ صالِحٌ عَلَيْهِ السَّلامُ؛ وبَيَّنَ الإشارَةَ بِقَوْلِهِ: ﴿ناقَةُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى، ثُمَّ بَنى حالًا مِن ﴿آيَةً﴾ مُقَدَّمًا عَلَيْها لِئَلّا يَكُونَ صِفَةً لَها فَقالَ: ﴿لَكُمْ﴾ أيْ: خاصَّةً لِنَظَرِكم إيّاها عِنْدَما خَرَجَتْ ولِكُلِّ مَن سَمِعَ بِها بَعْدَكُمْ، ولَيْسَ الخَبَرُ كالمُعايَنَةِ، أُشِيرَ إلَيْها حالَ كَوْنِها ﴿آيَةً﴾ بِكَوْنِ اللَّهِ تَعالى أخْرَجَها لَكم مِن صَخْرَةٍ، وهي عُشَراءُ عَلى حَسَبِ ما اقْتَرَحْتُمْ وأنْتُمْ تُشاهِدُونَ وبِكَوْنِها تَنْفَرِدُ بِشُرْبِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُونَ كُلُّكم بِشُرْبِ يَوْمٍ وتَنْفَرِدُ بِرَعْيِ يَوْمٍ، وتَنْفَرِدُ جَمِيعُ الحَيَواناتِ مِن دَوابِّكم ووُحُوشُ بِلادِكم بِرَعْيِ يَوْمٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِمّا أنْتُمْ لَهُ مُبْصِرُونَ وبِهِ عارِفُونَ ﴿فَذَرُوها﴾ أيِ اتْرُكُوها عَلى أيِّ حالَةٍ كانَ تَرْكُكم لَها ﴿تَأْكُلْ﴾ [أيْ مِمّا أرادَتْ] ﴿فِي أرْضِ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ الَّتِي خَلَقَها مِنها ﴿ولا تَمَسُّوها بِسُوءٍ﴾ والأكْلُ: مَضْغٌ يَقَعُ عِنْدَ بَلْعٍ؛ والمَسُّ مُطْلَقُ الإصابَةِ ويَكُونُ بَيْنَ الحَيَوانِ وغَيْرِهِ، واللَّمْسُ أخَصُّ مِنهُ لِما فِيهِ مِنَ الإدْراكِ (p-٣٢٣)﴿فَيَأْخُذَكُمْ﴾ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ أنْ يَأْخُذَكم ﴿عَذابٌ قَرِيبٌ﴾ أيْ: مِن زَمَنِ إصابَتِكم لَها بِالسُّوءِ.
11:65Page 229
فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُواْ فِي دَارِكُمۡ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٖۖ ذَٰلِكَ وَعۡدٌ غَيۡرُ مَكۡذُوبٖ ٦٥
But they hamstrung her, so he said, "Enjoy yourselves in your homes for three days. That is a promise not to be denied [i.e., unfailing]."
ثُمَّ أشارَ إلى قُرْبِ مُخالَفَتِهِمْ لِأمْرِهِ فِيها بِقَوْلِهِ مُسَبِّبًا عَنْ أوامِرِهِ ونَواهِيهِ ومُعَقِّبًا: ﴿فَعَقَرُوها﴾ أيِ النّاقَةَ ﴿فَقالَ﴾ أيْ: [عِنْدَ] بُلُوغِهِ الخَبَرَ ﴿تَمَتَّعُوا﴾ أيْ: [أنْتُمْ] تَعِيشُونَ ﴿فِي دارِكُمْ﴾ أيْ: دارِكم هَذِهِ، وهي بَلْدَةُ الحِجْرِ ﴿ثَلاثَةَ أيّامٍ﴾ أيْ: بِغَيْرِ زِيادَةٍ عَلَيْها، فانْظُرُوا ماذا يُغْنِي عَنْكم تَلَذُّذُكم وتَرَفُّهُكم وإنِ اجْتَهَدْتُمْ فِيهِ.
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: هَلْ في هَذا الوَعِيدِ مَثْنَوِيَّةٌ، قالَ مُجِيبًا: ﴿ذَلِكَ﴾ أيِ الوَعْدُ العالِي الرُّتْبَةِ في الصِّدْقِ والغَضَبِ ﴿وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ أيْ: فِيهِ؛ والتَّمَتُّعُ: التَّلَذُّذُ بِالمُدْرَكاتِ الحِسانِ مِنَ المَناظِرِ والأصْواتِ وغَيْرِها مِمّا يُدْرَكُ بِالحَواسِّ، وسُمِّيَتِ البِلادُ دارًا لِأنَّها جامِعَةٌ لِأهْلِها - كَما تَجْمَعُ الدّارُ - ويُدارُ فِيها،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences