Al-Biqa'iHud · 11:66–76

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Hud 11:66–76

11:66Page 229

فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا صَٰلِحٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَمِنۡ خِزۡيِ يَوۡمِئِذٍۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ ٱلۡقَوِيُّ ٱلۡعَزِيزُ ٦٦

So when Our command came, We saved Ṣāliḥ and those who believed with him, by mercy from Us, and [saved them] from the disgrace of that day.1 Indeed, it is your Lord who is the Powerful, the Exalted in Might.

وأشارَ إلى تَعَقُّبِ العَذابِ لِلْأيّامِ وتَسَبُّبِهِ عَنِ الوَعِيدِ المُعَيَّنِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ بِالفاءِ بِخِلافِ ما في قِصَّةِ هُودٍ وشُعَيْبٍ عَلَيْهِما السَّلامُ، أيْ مَعَ مُضِيِّ الأيّامِ كانَ أوَّلَ ما فَعَلْنا أنْ ﴿نَجَّيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ أوْلِياءَنا ﴿صالِحًا والَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ مِن كَيْدِ قَوْمِهِمْ، [وبَيَّنَ أنَّ إحْسانَهُ سُبْحانَهُ لا يَكُونُ إلّا فَضْلًا مِنهُ بِقَوْلِهِ]: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ وذَلِكَ أنَّهُ عَلَيْهِ السَّلامُ قالَ لَهُمْ: تُصْبِحُونَ (p-٣٢٤)غَدًا يَوْمَ مُؤْنِسٍ - يَعْنِي الخَمِيسَ - ووُجُوهُكم مُصْفَرَّةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ عُرُوبَةَ - يَعْنِي الجُمْعَةَ - ووُجُوهُكم مُحَمَّرَةٌ، ثُمَّ تُصْبِحُونَ يَوْمَ شِبارٍ ووُجُوهُكم مُسَوَّدَةٌ، ثُمَّ يُصَبِّحُكُمُ العَذابُ يَوْمَ أوَّلَ - أيِ الأحَدَ - فَقالَ التِّسْعَةُ رَهْطٍ الَّذِينَ عَقَرُوا النّاقَةَ: هَلُمَّ فَلْنَقْتُلْ صالِحًا، فَإنْ كانَ صادِقًا عَجَّلْناهُ قَبْلَنا، وإنْ كانَ كاذِبًا قَدْ [كُنّا] ألْحَقْناهُ بِناقَتِهِ، فَأتَوْهُ لَيْلًا لِيُبَيِّتُوهُ في أهْلِهِ فَدَمَغَتْهُمُ المَلائِكَةُ بِالحِجارَةِ، فَلَمّا أبَطُؤُوا عَلى أصْحابِهِمْ أتَوْا مَنزِلَ صالِحٍ فَوَجَدُوهم قَدْ رُضِخُوا بِالحِجارَةِ فَقالُوا لِصالِحٍ: أنْتَ قَتَلْتَهُمْ! ثُمَّ هَمُّوا بِهِ فَقامَتْ عَشِيرَتُهُ دُونَهم ولَبِسُوا السِّلاحَ وقالُوا لَهُمْ: واللَّهِ لا تَقْتُلُونَهُ أبَدًا فَقَدْ وعَدَكم أنَّ العَذابَ يَكُونُ بِكم بَعْدَ ثَلاثٍ، فَإنْ كانَ صادِقًا لَمْ تَزِيدُوا رَبَّكم عَلَيْكم إلّا غَضَبًا، وإنْ كانَ كاذِبًا فَأنْتُمْ وراءَ ما تُرِيدُونَ، فانْصَرَفُوا فَلَمّا أصْبَحَتْ وُجُوهُهم مُصْفَرَّةً عَرَفُوا أنَّهُ قَدْ صَدَقَهُمْ، فَطَلَبُوهُ لِيَقْتُلُوهُ فَجاءَ إلى بَطْنٍ مِنهم يُقالُ لَهُ (بَنُو غُنْمٍ فَنَزَلَ عَلى سَيِّدِهِمْ [رَجُلٍ] فَغَيَّبَهُ عِنْدَهُ، فَعَدَوْا عَلى أصْحابِ صالِحٍ يُعَذِّبُونَهم لِيَدُلُّوهم عَلَيْهِ فَقالُوا: يا نَبِيَّ اللَّهِ! إنَّهم يُعَذِّبُونَنا لِنَدُلَّهم عَلَيْكَ، أفَنَدُلُّهُمْ؟ قالَ: (p-٣٢٥)نَعَمْ، فَدَلُّوهم عَلَيْهِ فَأتَوْهُ فَقالَ الغَنَمِيُّ: نَعَمْ عِنْدِي ولا سَبِيلَ إلَيْهِ، فَتَرَكُوهُ وشَغَلَهم عَنْهُ ما أنْزَلَ اللَّهُ بِهِمْ [كَذا] ذَكَرَ ذَلِكَ البَغَوِيُّ عَنِ ابْنِ إسْحاقَ ووَهْبٍ وغَيْرِهِما مُطَوَّلًا.

ولَمّا ذَكَرَ نَجاتَهم مِن كُلِّ هَلَكَةٍ، ذَكَرَ نَجاتَهم مِن خُصُوصِ ما عُذِّبَ بِهِ قَوْمُهم فَقالَ: ﴿ومِن﴾ أيْ: ونَجَّيْناهم مِن ﴿خِزْيِ﴾ أيْ: ذُلِّ وفَضِيحَةِ ﴿يَوْمِئِذٍ﴾ أيْ: يَوْمِ إذْ جاءَ أمْرُنا بِإهْلاكِهِمْ بِالصَّيْحَةِ وحَلَّ بِهِمْ دُونَهم فَرْقًا [بَيْنَ] أوْلِيائِنا [و] أعْدائِنا، [وحَذْفُ ”نَجَّيْنا“ هُنا يَدُلُّ عَلى أنَّ عَذابَهم دُونَ عَذابِ عادٍ]؛ ثُمَّ عَقَّبَ ذَلِكَ بِتَعْلِيلِهِ إهْلاكًا وإنْجاءً بِاخْتِصاصِهِ بِصِفاتِ القَهْرِ والغَلَبَةِ والِانْتِقامِ فَقالَ: ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ كَما أحْسَنَ إلى الأنْبِياءِ مِن قَبْلِكَ ﴿هُوَ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿القَوِيُّ﴾ فَهو يَغْلِبُ كُلَّ شَيْءٍ ﴿العَزِيزُ﴾ أيِ القادِرُ عَلى مَنعِ غَيْرِهِ مِن غَيْرِ أنْ يَقْدِرَ أحَدٌ عَلَيْهِ أوْ عَلى الِامْتِناعِ مِنهُ، مِن عَزَّ الشَّيْءُ أيِ امْتَنَعَ، ومِنهُ العِزازُ - لِلْأرْضِ الصُّلْبَةِ المُمْتَنِعَةِ بِذَلِكَ عَنِ التَّصَرُّفِ فِيها؛ والخِزْيُ: العَيْبُ الَّذِي تَظْهَرُ فَضِيحَتُهُ ويُسْتَحى مِن مِثْلِهِ.

11:67Page 229

وَأَخَذَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٦٧

And the shriek1 seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone

ثُمَّ بَيَّنَ إيقاعَهُ بِأعْدائِهِ بَعْدَ إنْجائِهِ لِأوْلِيائِهِ فَقالَ مُعَظِّمًا لِلْأخْذِ بِتَذْكِيرِ الفِعْلِ: ﴿وأخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وأشارَ إلى عَظَمَةِ هَذِهِ الصَّيْحَةِ (p-٣٢٦)بِإسْقاطِ عَلامَةِ التَّأْنِيثِ وسَبَّبَ عَنْها قَوْلَهُ: ﴿فَأصْبَحُوا في دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: ساقِطِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، وقِيلَ: جاثِينَ عَلى الرُّكَبِ مَوْتى لا حَراكَ بِهِمْ، وتَقَدَّمَ سِرُّ التَّعْبِيرِ بِالدِّيارِ مَعَ الصَّيْحَةِ والدّارِ مَعَ الرَّجْفَةِ في الأعْرافِ، وخُصَّتْ هُودٌ بِما ذُكِرَ فِيها لِأنَّ مَقْصُودَها أعْظَمُ نَظَرٍ إلى التَّفْصِيلِ، وكُلٌّ مِنَ الدِّيارِ والصَّيْحَةِ أقْرَبُ إلى ذَلِكَ.

11:68Page 229

كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَآ إِنَّ ثَمُودَاْ كَفَرُواْ رَبَّهُمۡۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّثَمُودَ ٦٨

As if they had never prospered therein. Unquestionably, Thamūd denied their Lord; then, away with Thamūd.

ولَمّا كانَ الجُثُومُ كِنايَةً عَنِ المَوْتِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ﴾ أيْ: كَأنَّهم ﴿لَمْ يَغْنَوْا﴾ أيْ: يُقِيمُوا أغْنِياءَ لاهِينَ بِالغَناءِ ﴿فِيها﴾ ثُمَّ نَبَّهَ - عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ ذَلِكَ لِمَن لَعَلَّهُ يَغْفُلُ فَيَسْألُ - بِقَوْلِهِ مُفْتَتِحًا بِالأداةِ الَّتِي لا تُقالُ إلّا عِنْدَ الأُمُورِ الهائِلَةِ: ﴿ألا إنَّ ثَمُودا﴾ قِراءَةُ الصَّرْفِ دالَّةٌ عَلى الِاسْتِخْفافِ بِهِمْ [لِطَيْشِهِمْ في المَعْصِيَةِ] ﴿كَفَرُوا رَبَّهُمْ﴾ أيْ: أوْقَعُوا التَّغْطِيَةَ والسَّتْرَ عَلى المُحْسِنِ إلَيْهِمْ بِالخَلْقِ والرِّزْقِ والإرْسالِ وهو الظّاهِرُ وبِصِفاتِهِ وأفْعالِهِ، فَلا يَخْفى عَلى أحَدٍ أصْلًا، [فَإيصالُ الفِعْلِ دُونَ قَصْرِهِ كَما في أكْثَرِ أضْرابِهِ بَيانٌ لِغِلْظَةِ كُفْرِهِمْ]؛ ثُمَّ كَرَّرَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لَهُ وإعْلامًا بِتَأْبِيدِ هَلاكِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِثَمُودَ﴾ تَرَكَ صَرْفَهم في قِراءَةِ غَيْرِ الكِسائِيِّ إيذانًا بِدَوامِ لُبْثِهِمْ في الطَّرْدِ والبُعْدِ؛ والصَّيْحَةُ: صَوْتٌ \ عَظِيمٌ مِن فَمِ حَيٍّ، والجُثُومُ لِدَوامِ مَكانٍ واحِدٍ أوِ السُّقُوطِ عَلى الوَجْهِ، وقِيلَ: القُعُودُ عَلى الرُّكَبِ؛ وقالَ: ﴿أصْبَحُوا﴾ [المائدة: ١٠٢] زِيادَةً في التَّخْوِيفِ والتَّأْسِيفِ (p-٣٢٧)بِما وقَعَ لَهم مِنَ التَّحْسِيرِ لَوْ أدْرَكَهُ أحَدٌ مِنهم لَأنَّ الإنْسانَ يَفْرَحُ إذا أصْبَحَ بِقِيامِهِ مِن نَوْمِهِ مُسْتَرِيحًا قادِرًا عَلى ما يُرِيدُ مِنَ الحَرَكاتِ لِلِاسْتِمْتاعِ بِما يَشْتَهِي مِنَ التَّصَرُّفاتِ، فَأصْبَحَ هَؤُلاءِ - بَعْدَ هَذِهِ الصِّفَةِ عَلى ما قَصَّ اللَّهُ - خُفُوتًا أجْمَعِينَ كَنَفْسٍ واحِدَةٍ رِجالًا ونِساءً صِغارًا وكِبارًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا [أصْلًا، ولا أصْدَرُوا فَصْلًا ولا وصْلًا كَأنَّهم لَمْ يَكُونُوا] لِلْعُيُونِ قُرَّةً، ولَمْ يُعَدُّوا في الأحْياءِ مَرَّةً، كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا؛ أيْ: يُقِيمُوا لِانْقِطاعِ آثارِهِمْ إلّا ما بَقِيَ مِن أجْسادِهِمُ الدّالَّةِ عَلى الخِزْيِ؛ والمَغانِي: المَنازِلُ، وأصْلُ الغَناءِ الِاكْتِفاءُ؛ ومَعْنى ”ألا“ التَّنْبِيهُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وهي ألِفُ الِاسْتِفْهامِ دَخَلَتْ عَلى ”لا“ فالألِفُ تَقْتَضِي مَعْنًى، و”لا“ تَنْفِي مَعْنًى، فاقْتَضى الكَلامُ بِهِما مَعْنى التَّنْبِيهِ مَعَ نَفْيِ الغَفْلَةِ - انْتَهى.

وكانَ حَقِيقَتَهُ - واللَّهُ أعْلَمُ - أنَّ ”لا“ دَخَلَتْ عَلى ما بَعْدَها فَنَفَتْهُ، ثُمَّ دَخَلَتْ عَلَيْها هَمْزَةُ الإنْكارِ فَنَفَتْها، ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ نَفْيَ النَّفْيِ إثْباتٌ فَرَجَعَ المَعْنى كَما كانَ عَلى أتَمِّ وُجُوهِ [التَّنْبِيهِ و] التَّأْكِيدِ؛ لِأنَّ إثْباتَ المَعْنى بَعْدَ نَفْيِهِ آكَدُ مِن إثْباتِهِ عُرْيًا عَنِ النَّفْيِ ولا سِيَّما إذا كانَ المُفِيدُ لِذَلِكَ الإنْكارَ، وهَذا المَعْنى مُطَّرِدٌ في [ألا] العَرْضِيَّةِ وهَلا التَّخْصِيصِيَّةِ ونَحْوِهِما، ويَمْشِي في كُلِّ صِلَةٍ بِأنْ تَرُدَّها إلى أصْلِ مَدْلُولِها في اللُّغَةِ ثُمَّ تَتَصَرَّفُ بِما يَقْتَضِيهِ الحالُ - (p-٣٢٨)واللَّهُ الهادِي.

ولَما جازَ الصَّرْفُ في ثَمُودَ بِاعْتِبارِ أنَّهُ اسْمُ أبِي القَبِيلَةِ وعَدَمُهُ بِاعْتِبارِ إطْلاقِهِ عَلى القَبِيلَةِ اخْتِيرَ الصَّرْفُ في النَّصْبِ فَقَطْ لِخِفَّتِهِ.

11:69Page 229

وَلَقَدۡ جَآءَتۡ رُسُلُنَآ إِبۡرَٰهِيمَ بِٱلۡبُشۡرَىٰ قَالُواْ سَلَٰمٗاۖ قَالَ سَلَٰمٞۖ فَمَا لَبِثَ أَن جَآءَ بِعِجۡلٍ حَنِيذٖ ٦٩

And certainly did Our messengers [i.e., angels] come to Abraham with good tidings; they said, "Peace." He said, "Peace," and did not delay in bringing [them] a roasted calf.

ولَمّا انْقَضَتِ القِصَّةُ عَلى هَذا الوَجْهِ الرّائِعِ، أتْبَعَها قِصَّةَ لُوطٍ عَلَيْهِ السَّلامُ إذْ كانَتْ أشْهَرَ الوَقائِعِ بَعْدَها وهي أفْظَعُ مِنها وأرْوَعُ، وقَدَّمَ عَلَيْها ما يَتَعَلَّقُ بِها مِن أمْرِ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ، ذَكَرَ بُشْراهُ لِما في ذَلِكَ كُلِّهِ مِنَ التَّنْبِيهِ لِمَن تَعَنَّتَ بِطَلَبِ إنْزالِ المَلائِكَةِ في قَوْلِهِمْ: ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] عَلى أنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَزِيزًا عَلَيْهِ. وقَدْ أكْثَرَ مِن فِعْلِهِ ولَكِنَّ نُزُولَهم مُرْهِبٌ، وأمْرَهم عِنْدَ المُكاشَفَةِ مُرْعِبٌ، وأمّا مَعَ السَّتْرِ فَلا يَقْطَعُ تَعَنُّتَهُمْ، هَذا مَعَ ما في ذَلِكَ مِن مُناسَبَةِ أمْرِ هَذا الوَلَدِ لِأمْرِ النّاقَةِ في تَكْوِينِ كُلٍّ مِنهُما بِخارِقٍ لِلْعادَةِ إشارَةً إلى تَمامِ القُدْرَةِ وكَمالِ العِلْمِ المَبْنِيِّ عَلَيْهِ أمْرُ السُّورَةِ في إحْكامِ الكِتابِ وتَفْصِيلِهِ وتَناسُبِ جِدالَيْ نُوحٍ وإبْراهِيمَ عَلَيْهِما السَّلامُ في أنَّ كُلًّا مِنهُما شَفَقَةٌ عَلى الكافِرِينَ ورَجاءٌ لِنَجاتِهِمْ مِنَ العَذابِ بِحُسْنِ المَثابِ، ولَعَلَّهُ سُبْحانَهُ كَرَّرَ ”لَقَدْ“ في صَدْرِها عَطْفًا عَلى ما في قِصَّةِ نُوحٍ لِلتَّنْبِيهِ عَلى مِثْلِ الأغْراضِ، لِأنَّ ”قَدْ“ لِلتَّوَقُّعِ فَجاءَتْ لِتُؤْذِنَ بِأنَّ السّامِعَ في حالِ تَوَقُّعٍ لِذَلِكَ؛ لِأنَّهُ إذا انْقَضَتْ قِصَّةُ الخَبَرِ عَمّا بَعْدَها فَقالَ تَعالى: ﴿ولَقَدْ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: ودَخَلَتِ اللّامُ لِتَأْكِيدِ الخَبَرِ كَما يُؤَكِّدُ (p-٣٢٩)القَسَمُ ﴿جاءَتْ رُسُلُنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَمَتُهم مِن عَظَمَتِنا، قِيلَ: كانُوا جِبْرائِيلَ ومِيكائِيلَ وإسْرافِيلَ عَلَيْهِمُ السَّلامُ ﴿إبْراهِيمَ﴾ هو خَلِيلُ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿بِالبُشْرى﴾ أيِ الَّتِي هي مِن أعْظَمِ البَشائِرِ وهي إكْرامُهُ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ ولَدًا لَهُ مِن زَوْجَتِهِ سارَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها، [جاءُوهُ] في الصِّفَةِ الَّتِي يُحِبُّها وهي صِفَةُ الأضْيافِ، فَلَمْ يَعْرِفْهم مَعَ أنَّهُ الخَلِيلُ بَلْ أنْكَرَهم كَما قالَ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ﴾ [الذاريات: ٢٥] فَيُحْمَلُ إنْكارُهُ أوَّلًا عَلى الِاسْتِغْرابِ بِمَعْنى أنَّهُ لَمْ يَرَ عَلَيْهِمْ زِيَّ أهْلِ تِلْكَ البِلادِ ولا أثَرَ السَّفَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما كانَ مِن أمْرِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا سَلامًا﴾ أيْ: سَلَّمْنا عَلَيْكَ سَلامًا عَظِيمًا ﴿قالَ سَلامٌ﴾ أيْ: ثابِتٌ دائِمٌ عَلَيْكم لا زَوالَ لَهُ أبَدًا، فَلِلرَّفْعِ مَزِيَّةٌ عَلى النَّصْبِ؛ لِأنَّهُ إخْبارٌ عَنْ ثابِتٍ، والنَّصْبُ تَجْدِيدُ ما لَمْ يَكُنْ، فَصارَ مُنْدَرِجًا \ في ﴿فَحَيُّوا بِأحْسَنَ مِنها﴾ [النساء: ٨٦] ثُمَّ أكْرَمَ نُزُلَهم وذَهَبَ يَفْعَلُ ما طَبَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ مِن سَجايا الكَرَمِ وأفْعالِ الكِرامِ في أدَبِ الضِّيافَةِ مِنَ التَّعْجِيلِ مَعَ الإتْقانِ ﴿فَما لَبِثَ﴾ أيْ: [فَتَسَبَّبَ عَنْ مَجِيئِهِمْ وتَعَقَّبَهُ أنَّهُ] ما تَأخَّرَ ﴿أنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ﴾ أيْ: مَشْوِيٍّ عَلى حِجارَةٍ مُحْماةٍ في أُخْدُودٍ [وفَوْقَهُ حِجارَةٌ مُحْماةٌ لِيَشْتَدَّ نُضْجُهُ، فَكانَ بَعْدَ الشَّيِّ] يَقْطُرُ دَسَمُهُ لِأنَّهُ سَمِينٌ، كُلُّ ذَلِكَ وهو لا يَعْرِفُ أنَّهم مَلائِكَةٌ، بَلْ هو قاطِعٌ بِأنَّهم مِمَّنْ يَأْكُلُ، وهَذا ناظِرٌ إلى قَوْلِ قَوْمِ نُوحٍ (p-٣٣٠)﴿وما نَرى لَكم عَلَيْنا مِن فَضْلٍ﴾ [هود: ٢٧] وقَوْلِهِ: ﴿ولا أقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أعْيُنُكُمْ﴾ [هود: ٣١] الآيَةَ. أيْ إنَّ اللَّهَ جَعَلَ المَعانِيَ في القُلُوبِ وناطَ بِها السَّعادَةَ والشَّقاوَةَ، وقَدْ تَخْفى تِلْكَ المَعانِي كَما خَفِيَ عَلى أكْمَلِ أهْلِ ذَلِكَ الزَّمانِ أنَّ ضَيْفَهُ مَلائِكَةٌ حَتّى خافَ مِنهم وقَدْ أتَوْهُ بِالبُشْرى، فَلا يَنْبَغِي لِأحَدٍ أنْ يَحْتَقِرَ أحَدًا إلّا بِما أذِنَ اللَّهُ فِيهِ.

11:70Page 229

فَلَمَّا رَءَآ أَيۡدِيَهُمۡ لَا تَصِلُ إِلَيۡهِ نَكِرَهُمۡ وَأَوۡجَسَ مِنۡهُمۡ خِيفَةٗۚ قَالُواْ لَا تَخَفۡ إِنَّآ أُرۡسِلۡنَآ إِلَىٰ قَوۡمِ لُوطٖ ٧٠

But when he saw their hands not reaching for it, he distrusted them and felt from them apprehension.1 They said, "Fear not. We have been sent to the people of Lot."

ولَمّا وضَعَ الطَّعامَ بَيْنَ أيْدِيهِمْ لَمْ يَلُمُّوا بِهِ ﴿فَلَمّا رَأى أيْدِيَهُمْ﴾ أيِ الرُّسُلِ [عَقِبَ الوَضْعِ سَواءٌ] ﴿لا تَصِلُ إلَيْهِ﴾ أيْ: [إلى] العِجْلِ الَّذِي وضَعَهُ لِيَأْكُلُوهُ ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أيِ اشْتَدَّتْ نَكارَتُهُ لَهم وانْفَعَلَ لِذَلِكَ، وهَذا يَدُلُّ عَلى ما قالَ بَعْضُ العُلَماءِ: إنَّ نَكِرَ أبْلَغُ مِن أنْكَرَ ﴿وأوْجَسَ﴾ أيْ: أضْمَرَ مَخْفِيًّا في قَلْبِهِ ﴿مِنهم خِيفَةً﴾ [أيْ عَظِيمَةً] لِما رَأى مِن أحْوالِهِمْ وشاهَدَ مِن جَلالِهِمْ، [وأصْلُ الوُجُوسِ: الدُّخُولُ]، والدَّلِيلُ - عَلى أنَّ خَوْفَهُ كانَ لِعِلْمِهِ بِالتَّوَسُّمِ أنَّهم مَلائِكَةٌ نَزَلُوا لِأمْرٍ يَكْرَهُهُ مِن تَعْذِيبِ مَن يَعِزُّ عَلَيْهِ أوْ نَحْوَ هَذا - أنَّهم ﴿قالُوا لا تَخَفْ﴾ ثُمَّ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِقَوْلِهِمْ ﴿إنّا أُرْسِلْنا﴾ أيْ: مِمَّنْ لا يُرَدُّ أمْرُهُ ﴿إلى قَوْمِ لُوطٍ﴾ فَإنَّهم نَفَوُا الخَوْفَ عَنْهُ بِالإعْلامِ بِمَن أُرْسِلُوا إلَيْهِ، لا بِكَوْنِهِمْ مَلائِكَةً، قالُوا ذَلِكَ وبَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ

11:71Page 229

وَٱمۡرَأَتُهُۥ قَآئِمَةٞ فَضَحِكَتۡ فَبَشَّرۡنَٰهَا بِإِسۡحَٰقَ وَمِن وَرَآءِ إِسۡحَٰقَ يَعۡقُوبَ ٧١

And his wife was standing, and she smiled.1 Then We gave her good tidings of Isaac and after Isaac, Jacob.

﴿وامْرَأتُهُ﴾ أيْ: [جاءَتْهُ الرُّسُلُ بِالبُشْرى أيْ ذَكَرُوها لَهُ] والحالُ أنَّ زَوْجَةَ إبْراهِيمَ الَّتِي هي كامِلَةُ المُرُوءَةِ وهي سارَّةُ ﴿قائِمَةٌ﴾ قِيلَ: عَلى بابِ الخَيْمَةِ [لِأجَلِ] ما لَعَلَّها (p-٣٣١)تَفُوزُ بِهِ مِنَ المُعاوَنَةِ عَلى خِدْمَتِهِمْ، فَسَمِعَتِ البِشارَةَ بِالوَلَدِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْها فِيما مَضى قَوْلُهُ: ﴿بِالبُشْرى﴾ [هود: ٦٩] ﴿فَضَحِكَتْ﴾ أيْ: تَعَجَّبَتْ مِن تِلْكَ البُشْرى لِزَوْجِها مَعَ كِبَرِهِ، ورُبَّما ظَنَّتْهُ مَن غَيْرِها لِأنَّها - مَعَ أنَّها كانَتْ عَقِيمًا - عَجُوزٌ، فَهو مِن إطْلاقِ المُسَبَّبِ عَلى السَّبَبِ [إشارَةً إلى أنَّهُ تَعَجُّبٌ عَظِيمٌ] ﴿فَبَشَّرْناها﴾ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ تَعَجُّبِها أنّا أعَدْنا لَها البُشْرى مُشافَهَةً بِلِسانِ المَلائِكَةِ تَشْرِيفًا لَها وتَحْقِيقًا أنَّهُ مِنها ﴿بِإسْحاقَ﴾ تَلِدُهُ ﴿ومِن وراءِ إسْحاقَ يَعْقُوبَ﴾ أيْ: يَكُونُ يَعْقُوبُ ابْنًا لِإسْحاقَ، والَّذِي يَدُلُّ عَلى [ما] قُدَّرْتُهُ - مِن أنَّهم بَشَّرُوهُ بِالوَلَدِ قَبْلَ امْرَأتِهِ فَسَمِعَتْ فَعَجِبَتْ - ما يَأْتِي عَنْ نَصِّ التَّوْراةِ، والحَكَمُ العَدْلُ عَلى ذَلِكَ كُلِّهِ قَوْلُهُ تَعالى في الذّارِياتِ: ﴿قالُوا لا تَخَفْ وبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ﴾ [الذاريات: ٢٨] ﴿فَأقْبَلَتِ امْرَأتُهُ في صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وجْهَها﴾ [الذاريات: ٢٩] - الآيَةَ.

11:72–73Page 230

قَالَتۡ يَٰوَيۡلَتَىٰٓ ءَأَلِدُ وَأَنَا۠ عَجُوزٞ وَهَٰذَا بَعۡلِي شَيۡخًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عَجِيبٞ ٧٢

She said, "Woe to me!1 Shall I give birth while I am an old woman and this, my husband, is an old man? Indeed, this is an amazing thing!"

قَالُوٓاْ أَتَعۡجَبِينَ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۖ رَحۡمَتُ ٱللَّهِ وَبَرَكَٰتُهُۥ عَلَيۡكُمۡ أَهۡلَ ٱلۡبَيۡتِۚ إِنَّهُۥ حَمِيدٞ مَّجِيدٞ ٧٣

They said, "Are you amazed at the decree of Allāh? May the mercy of Allāh and His blessings be upon you, people of the house. Indeed, He is Praiseworthy and Honorable."

ولَمّا شافَهُوها بِذَلِكَ، صَرَّحَتْ بِوَجْهِ العَجَبِ مِن أنَّهُ جامِعٌ بَيْنَ عَجَبَيْنِ في كَوْنِهِ مِنهُ ومِنها بِأنْ ﴿قالَتْ يا ويْلَتى﴾ وهي كَلِمَةٌ تُؤْذِنُ بِأمْرٍ فَظِيعٍ تَخِفُّ عَلى أفْواهِ النِّساءِ ويَسْتَعْمِلْنَها إلى اليَوْمِ، لَكِنَّهُنَّ غَيَّرْنَ في لَفْظِها كَما غُيِّرَ كَثِيرٌ مِنَ الكَلامِ؛ والوَيْلُ: حُلُولُ الشَّرِّ؛ والألِفُ في آخِرِهِ بَدَلَ عَنْ ياءِ الإضافَةِ، كَنّى بِها هُنا عَنِ العَجَبِ الشَّدِيدِ لِما فِيهِ مِنَ الشُّهْرَةِ ومُراجَمَةِ الظُّنُونِ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: إنَّ (p-٣٣٢)مَعْناها الإيذانُ بِوُرُودِ الأمْرِ الفَظِيعِ كَما تَقُولُ العَرَبُ: يا لَلدَّواهِي! أيْ تَعالَيْنَ فَإنَّهُ مِن أحْيانِكِ فَحُضُورُ ما حَضَرَ مِن أشْكالِكِ.

ولَمّا كانَ ما بُشِّرَتْ بِهِ مُنْكَرًا في نَفْسِهِ بِحَسْبِ العادَةِ قالَتْ: ﴿أألِدُ وأنا﴾ أيْ: والحالُ أنِّي ﴿عَجُوزٌ وهَذا﴾ أيْ: مَن هو حاضِرِي ﴿بَعْلِي شَيْخًا﴾ ثُمَّ تَرْجَمَتْ ذَلِكَ بِما هو نَتِيجَتُهُ فَقالَتْ: [مُؤَكِّدَةً لِأنَّهُ - لِما لَهُ مِن خَرْقِ العَوائِدِ - في حَيِّزِ المُنْكَرِ عِنْدَ النّاسِ]: ﴿إنَّ هَذا﴾ أيِ الأمْرَ المُبَشَّرَ بِهِ ﴿لَشَيْءٌ عَجِيبٌ﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قِيلَ لَها؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا﴾ أيِ المَلائِكَةُ مُتَعَجِّبِينَ مِن تَعَجُّبِها ﴿أتَعْجَبِينَ مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، وهو لا يَنْبَغِي لَكِ لِأنَّكِ مُعْتادَةٌ مِنَ اللَّهِ بِما لَيْسَ لِغَيْرِكم مِنَ الخَوارِقِ، والعَجَبُ إنَّما يَكُونُ مِمّا خَرَجَ عَنْ أشْكالِهِ وخَفِيَ سَبَبُهُ، وأنْتِ - لِثَباتِ عِلْمِكِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هو قُدْرَةُ اللَّهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ وحُضُورُهُ \ لَدَيْكِ مَعَ اصْطِفاءِ اللَّهِ لَكم وتَكَرُّرِ خَرْقِهِ لِلْعَوائِدِ في شُؤُونِكم - لَسْتِ كَغَيْرِكِ مِمَّنْ لَيْسَ كَذَلِكَ؛ ثُمَّ عَلَّلُوا إنْكارَهم لِتَعَجُّبِها بِقَوْلِهِمْ: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾ أيْ: كَرامَةُ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِصِفاتِ الجَلالِ والإكْرامِ ﴿وبَرَكاتُهُ﴾ أيْ: خَيْراتُهُ النّامِيَةُ الثّابِتَةُ ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وبَيَّنُوا خُصُوصِيَّتَهم بِإسْقاطِ أداةِ النِّداءِ [مِدْحَةً لَهم فَقالَ]: ﴿أهْلَ البَيْتِ﴾ قَدْ تَمَرَّنْتُمْ عَلى مُشاهَدَةِ العَجائِبِ لِكَثْرَةِ ما تَرَوْنَ مِن آثارِهِ بِمِثْلِ ذَلِكَ (p-٣٣٣)وغَيْرِهِ؛ [ثُمَّ عَلَّلَ إحْسانَهُ إلَيْهِمْ مُؤَكَّدًا تَثْبِيتًا لِأصْلِ الكَلامِ الَّذِي أنْكَرَتْهُ فَقالَ]: ﴿إنَّهُ﴾ أيْ: بِخُصُوصِ هَذا الإحْسانِ ﴿حَمِيدٌ مَجِيدٌ﴾ [أيْ] كَثِيرُ التَّعَرُّفِ إلى مَن يَشاءُ مِن جَلائِلِ التَّعَمُّمِ وعَظِيمِ المَقْدُورِ بِما يُعْرَفُ أنَّهُ مُسْتَحِقُّ الحَمْدِ عَلى المَجْدِ، وهو الكَرَمُ الَّذِي يَنْشَأُ عَنْهُ الجُودُ،

11:74–75Page 230

فَلَمَّا ذَهَبَ عَنۡ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلرَّوۡعُ وَجَآءَتۡهُ ٱلۡبُشۡرَىٰ يُجَٰدِلُنَا فِي قَوۡمِ لُوطٍ ٧٤

And when the fright had left Abraham and the good tidings had reached him, he began to argue [i.e., plead] with Us1 concerning the people of Lot.

إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥

Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].

فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ واطْمَأنُّوا، أخَذَ في قَصِّ ما كانَ بَعْدَهُ، فَقالَ مُشِيرًا بِالفاءِ إلى قِلَّةِ زَمَنِ الإنْكارِ الَّذِي هو سَبَبُ الفَزَعِ: ﴿فَلَمّا ذَهَبَ﴾ بِانْكِشافِ الأمْرِ ﴿عَنْ إبْراهِيمَ الرَّوْعُ﴾ أيِ الخَوْفُ والفَزَعُ الشَّدِيدُ ﴿وجاءَتْهُ البُشْرى﴾ فامْتَلَأ سُرُورًا ﴿يُجادِلُنا﴾ أيْ: أخَذَ يَفْعَلُ مَعَنا بِمُجادِلَةِ رُسُلِنا فِعْلَ المُجادِلِ الَّذِي يَكْثُرُ كَلامُهُ إرادَةً لِفَتْلِ مُخاطِبِهِ عَمّا يَقُولُهُ: ﴿فِي قَوْمِ لُوطٍ﴾ أيْ: يَسْألُنا في نَجاتِهِمْ سُؤالًا يَحْرِصُ فِيهِ حِرْصَ المُجادِلِ في صَرْفِ الشَّيْءِ، مِنَ الجَدَلِ وهو الفَتْلُ، ووَضَعَ المُضارِعَ مَوْضِعَ الماضِي إشارَةً إلى تَكَرُّرِ المُجادَلَةِ مَعَ تَصْوِيرِ الحالِ، أيْ: جادَلَنا فِيهِمْ جِدالًا كَثِيرًا؛ ثُمَّ عَلَّلَ مُجادَلَتَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ إبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الحُلْمِ، وهو إمْهالُ صاحِبِ الذَّنْبِ عَلى ما يَقْتَضِيهِ العَقْلُ ﴿أوّاهٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ لِلتَّأوُّهِ خَوْفًا مِنَ التَّقْصِيرِ ﴿مُنِيبٌ﴾ أيْ: رَجّاعٌ إلى اللَّهِ بِالسَّبْقِ في ارْتِقاءِ دَرَجِ القُرْبِ، فَهو - لِما عِنْدَهُ هَذِهِ المَحاسِنُ - لا يَزالُ يَتَوَقَّعُ الإقْلاعَ مِنَ العُصاةِ.

11:76Page 230

يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦

[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."

ولَمّا كانَ أكْثَرُ المُجادَلَةِ لِما عِنْدَهُ مِنَ الشَّفَقَةِ عَلى عِبادِ اللَّهِ لِما لَهُ (p-٣٣٤)مِن هَذِهِ الصِّفاتِ الجَلِيلَةِ، أعْلَمَهُ اللَّهُ أنَّ الأمْرَ قَدْ خُتِمَ بِقَوْلِهِ حِكايَةً أنَّ الرُّسُلَ قالَتْ لَهُ بَعْدَ طُولِ المُجادَلَةِ مُنادِينَ بِالأداةِ الَّتِي هي أُمُّ البابِ إعْلامًا بِأنَّ ما بَعْدَها عَظِيمُ الشَّأْنِ عالِي المَنزِلَةِ: ﴿يا إبْراهِيمُ أعْرِضْ﴾ أيْ: بِكُلِّيَّتِكَ ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ السُّؤالِ في نَجاتِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكَّدًا لِأنَّهُ بِمُجادَلَتِهِ في حَيِّزِ مَن يُنْكِرُ بَتَّ الأمْرِ: ﴿إنَّهُ قَدْ﴾ افْتَتَحَهُ بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ لِأنَّهُ مَوْضِعُهُ ﴿جاءَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ أيِ الَّذِي عَوَّدَكَ بِإحْسانِهِ الجَمِّ، فَلَوْلا أنَّهُ حَتَمَ الأمْرَ بِعَذابِهِمْ لَأمْهَلَهم لِأجْلِكَ، ولِذا عَطَفَ عَلى العِلَّةِ قَوْلَهُ مُؤَكَّدًا إعْلامًا بِأنَّهُ أمْرٌ قَدِ انْبَرَمَ ومَضى: ﴿وإنَّهم آتِيهِمْ﴾ أيْ: إتْيانًا ثابِتًا ﴿عَذابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ﴾ أيْ: بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ مِن أحَدٍ كائِنًا مَن كانَ؛ الإعْراضُ: الِانْصِرافُ، وحَقِيقَتُهُ الذَّهابُ عَنِ الشَّيْءِ في جِهَةِ العَرْضِ؛ والرَّدُّ: إذْهابُ الشَّيْءِ إلى ما جاءَ مِنهُ كالرَّجْعِ؛ والدَّفْعُ أعَمُّ؛ لِأنَّهُ قَدْ يَكُونُ إلى جِهَةِ القُدّامِ؛ فَلَّما عَلِمَ مُرادَ اللَّهِ تَعالى فِيهِمْ، قَدَّمَهُ عَلى مُرادِهِ ولَمْ يَنْطِقْ بَعْدَهُ بِبِنْتِ شَفَةٍ.

ذِكْرُ هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ في السِّفْرِ الأوَّلِ: واسْتَعْلَنَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ في مَرْجٍ - وفي نُسْخَةٍ: بَيْنَ بَلُّوطِ مُمْرى الأُمُورانِيِّ - وكانَ جالِسًا عَلى بابِ خَيْمَتِهِ إذِ اشْتَدَّ النَّهارُ، فَرَفَعَ عَيْنَيْهِ فَنَظَرَ فَإذا هو بِثَلاثَةِ رِجالٍ وُقُوفٍ عَلى رَأْسِهِ، فَلَمّا رَآهم أحْضَرَ إلَيْهِمْ مِن بابِ الخَيْمَةِ (p-٣٣٥)وسَجَدَ عَلى الأرْضِ وقالَ: يا رَبِّ - وفي نُسْخَةٍ: يا ولِيَّ اللَّهِ - إنْ كانَ لِي عِنْدَكَ مَوَدَّةٌ فَلا تَبْعُدْ عَنْ عَبْدِكَ حَتّى آتِيَ بِما أغْسِلُ بِهِ أرْجُلَكُمْ، واتَّكَئُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ وأصِيبُوا شَيْئًا مِنَ الطَّعامِ تُقِرُّونَ بِهِ أنْفُسَكُمْ، ثُمَّ حِينَئِذٍ تَجُوزُونَ لِأنَّكم مَرَرْتُمْ بِعَبْدِكم بَغْتَةً فَقالُوا لَهُ: اصْنَعْ كَما قُلْتُ، فاسْتَعْجَلَ إبْراهِيمُ فَأحْضَرَ إلى الخَيْمَةِ إلى سارَّةَ وقالَ: عَجِّلِي بِثَلاثَةِ آصُعٍ مِن دَرْمَكٍ - وفي نُسْخَةٍ: دَقِيقٍ سَمِيدٍ - فاعْجِنِيهِ واخْبِزِي مِنهُ مَلِيلًا، وسَعى إلى قَطِيعِ البَقَرِ فَأخَذَ عِجْلًا سَمِينًا شابًّا فَدَفَعَهُ إلى الغُلامِ وأمَرَ بِتَعْجِيلِ صَنْعَتِهِ وأخَذَ سَمْنًا ولَبَنًا والعِجْلَ الَّذِي \ صُنِعَ لَهُ أيْضًا فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ، وكانَ هو واقِفًا بَيْنَ أيْدِيهِمْ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وقالُوا لَهُ: أيْنَ سارَّةُ امْرَأتُكَ؟ فَقالَ: في الخَيْمَةِ، فَقالَ لَهُ: إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في مِثْلِ هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي في الحَياةِ ولَها مِنكَ ابْنٌ، فَسَمِعَتْ سارَّةُ وهي عَلى بابِ الخَيْمَةِ مُسْتَتِرَةً وكانَ هو خَلْفَها، وكانَ إبْراهِيمُ وسارَّةُ قَدْ شاخا وقَدِمَ سِنُّهُما وانْقَطَعَ عَنْ سارَّةَ سَبِيلُ النِّساءِ، فَضَحِكَتْ سارَّةُ في قَلْبِها وقالَتْ: أمِن بَعْدِ ما بَلِيتُ أرْجِعُ شابَّةً وسَيِّدِي قَدْ شاخَ؟ فَقالَ اللَّهُ لِإبْراهِيمَ: لِمَ ضَحِكَتْ سارَّةُ وقالَتْ: أنّى لِي بِالوَلَدِ وقَدْ شِخْتُ؟ أيَعْسَرُ هَذا عَلى اللَّهِ؟ إنِّي أرْجِعُ إلَيْكَ في [مِثْلِ] هَذا الحِينِ مِن قابِلٍ وهي حَيَّةٌ ولَها ابْنٌ، فَجَحَدَتْ سارَّةُ وقالَتْ: كَلّا ما ضَحِكْتُ، لِأنَّها فَزِعَتْ، فَقالَ: كَلّا! ولَكِنَّكِ قَدْ ضَحِكْتِ، ثُمَّ قامَ (p-٣٣٦)الرِّجالُ وتَعَمَّدُوا طَرِيقَ سَدُومَ وعامُورا، وانْطَلَقَ مَعَهم إبْراهِيمُ لِيُشَيِّعَهم. وقالَ اللَّهُ: أأكْتُمُ عَبْدِي إبْراهِيمَ شَيْئًا مِمّا أصْنَعُ؟ وإبْراهِيمُ يَكُونُ رَئِيسًا لِشُعَبٍ عَظِيمٍ كَبِيرٍ، وتَتَبارَكُ بِهِ شُعُوبُ الأرْضِ، لِأنِّي عالِمٌ أنَّهُ يُوصِي بَنِيهِ وأهْلَ بَيْتِهِ مِن بَعْدِهِ أنْ يَحْفَظُوا طُرُقَ الرَّبِّ لِيَعْمَلُوا بِالبَرِّ والعَدْلِ، لِأنَّ الرَّبَّ يُكْمِلُ لِإبْراهِيمَ جَمِيعَ ما وعَدَهُ بِهِ. فَقالَ الرَّبُّ [ لِإبْراهِيمَ ]: لَقَدْ وصَلَ إلَيَّ حَدِيثُ سَدُومَ وعامُورا وقَدْ كَثُرَتْ خَطاياهم جِدًّا، ثُمَّ ولّى القَوْمُ ومَضَوْا إلى سَدُومَ، وكانَ إبْراهِيمُ بَعْدُ واقِفًا قُدّامَ الرَّبِّ، [فَدَنا إبْراهِيمُ ] وقالَ: يا رَبِّ! تُهْلِكُ الأبْرارَ مَعَ الفُجّارِ بِغَضَبٍ واحِدٍ؟ إنْ كانَ في القَرْيَةِ خَمْسُونَ بارًّا أتُهْلِكُهم بِغَضَبٍ واحِدٍ؟ حاشاكَ يا رَبِّ أنْ تَصْنَعَ هَذا الصَّنِيعَ وتُهْلِكَ البَرِيءَ مَعَ السَّقِيمِ، ويَكُونَ البَرِيءُ بِحالِ السَّقِيمِ، حاشا لَكَ يا حاكِمَ الأرْضِ كُلِّها! لا يَكُونُ هَذا مِن صَنِيعِكَ! فَقالَ الرَّبُّ: إنْ وجَدْتُ بِسَدُومَ خَمْسِينَ بارًّا في القَرْيَةِ عَفَوْتُ عَنْ جَمِيعِ البَلَدِ مِن أجْلِهِمْ، فَأجابَ إبْراهِيمُ وقالَ: إنِّي قَدْ بَدَأْتُ بِالكَلامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، وإنَّما أنا تُرابٌ ورَمادٌ، فَإنْ نَقَصَ مِنَ الخَمْسِينَ بارًّا خَمْسَةٌ تُخَرِّبُ القَرْيَةَ كُلَّها مِن أجْلِ الخَمْسَةِ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وجَدْتُ بِها خَمْسَةً وأرْبَعِينَ بارًّا، فَعادَ إبْراهِيمُ وقالَ لَهُ: فَإنْ وُجِدَ فِيها أرْبَعُونَ؟ (p-٣٣٧)فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وُجِدَتْ فِيها أرْبَعِينَ، فَقالَ: لا يُمْكِنُ الرَّبُّ كَلامِي فَأتَكَلَّمُ، فَإنْ كانَ هُناكَ ثَلاثُونَ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها إنْ وجَدْتُ فِيها ثَلاثِينَ، فَقالَ: إنِّي قَدْ أمْعَنْتُ في الكَلامِ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، فَإنْ وُجِدَ بِها عِشْرُونَ؟ فَقالَ: لا أُخَرِّبُها مِن أجْلِ العِشْرِينَ، فَقالَ: لا نَشُقَّنَّ عَلى الرَّبِّ، فَأتَكَلَّمُ هَذِهِ المَرَّةَ يا رَبِّ فَقَطْ، فَإنْ وُجِدَ بِها عَشَرَةُ رَهْطٍ؟ فَقالَ: لا أُفْسِدُها مِن أجْلِ العَشَرَةِ؛ فارْتَفَعَ اسْتِعْلانُ الرَّبِّ عَنْ إبْراهِيمَ لَمّا فَرَغَ إبْراهِيمُ مِن كَلامِهِ ورَجَعَ إبْراهِيمُ إلى مَوْضِعِهِ - انْتَهى. وقَدْ مَضى أمْرُ حَبَلِ سارَّةَ ووِلادِها في البَقَرَةِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском