Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Hud 11:85–95
11:85Page 231
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.
ولَمّا كانَ عَدَمُ النَّقْصِ قَدْ يُفْهَمُ مِنهُ التَّقْرِيبُ، أتْبَعَهُ بِما يَنْفِي هَذا الِاحْتِمالَ ولِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّهُ [لا] يَكْفِي الكَفُّ عَنْ تَعَمُّدِ التَّطْفِيفِ، بَلْ يَلْزَمُ السَّعْيُ في الإيفاءِ ولَوْ بِزِيادَةٍ لا يَتَأتّى بِدُونِها، ولِأنَّ التَّصْرِيحَ (p-٣٥٣)بِالأمْرِ بِالشَّيْءِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ ضِدِّهِ أوْكَدُ، فَقالَ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّهُ مِنهم يَسُوءُهُ ما يَسُوءُهم وبِأنَّهم لِما أعْطاهُمُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ جَدِيرُونَ بِأنْ يُعْرِضُوا عَنْ تَعاطِي سَفْسافِ الأخْلاقِ ورَذائِلِها: ﴿ويا قَوْمِ﴾ أيْ: أيُّها الَّذِينَ لَهم قُوَّةٌ في القِيامِ فِيما يَنُوبُهم ﴿أوْفُوا﴾ أيْ: أتِمُّوا إتْمامًا حَسَنًا ﴿المِكْيالَ والمِيزانَ﴾ [أيْ]، المَكِيلَ والمَوْزُونَ وآلَتَهُما؛ وأكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿بِالقِسْطِ﴾ أيِ العَدْلِ السَّوِيِّ، فَصارَ الوَفاءُ مَأْمُورًا بِهِ في هاتَيْنِ الجُمْلَتَيْنِ مِرارًا تَأْكِيدًا لَهُ وحِرْصًا عَلَيْهِ وإظْهارًا لِعُمُومِ نَفْعِهِ وشُمُولِ بَرَكَتِهِ، فَزالَ بِالمَجْمُوعِ تَوَهُّمُ المَجازِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وقَدْ مَضى في الأنْعامِ ويَأْتِي في هَذِهِ السُّورَةِ عِنْدَ: ﴿غَيْرَ مَنقُوصٍ﴾ [هود: ١٠٩] أنَّ الشَّيْءَ يُطْلَقُ مَجازًا عَلى ما قارَبَهُ؛ ثُمَّ أكَّدَهُ أيْضًا بِتَعْمِيمِ النَّهْيِ عَنْ كُلِّ نَقْصٍ بِذَلِكَ وغَيْرِهِ في جَمِيعِ الأمْوالِ فَقالَ: ﴿ولا تَبْخَسُوا﴾ أيْ: تَنْقُصُوا [عَلى وجْهِ الجَحْدِ والإهانَةِ] ﴿النّاسَ أشْياءَهُمْ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّ أفْعالَهم ثَمَرَةُ الهُجُومِ عَنْ غَيْرِ فِكْرٍ لِأنَّها لَيْسَتْ ناشِئَةً عَنْ شَرْعٍ فَأوَّلُها سَفَهٌ وآخِرُها فَسادٌ فَقالَ: ﴿ولا تَعْثَوْا في الأرْضِ﴾ أيْ: تَتَصَرَّفُوا وتَضْطَرِبُوا فِيها عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ ولا تَأمُّلٍ حالَ كَوْنِكم ﴿مُفْسِدِينَ﴾ أيْ: فاعِلِينَ ما يَكُونُ فَسادًا في المَعْنى كَما كانَ فَسادًا في الصُّورَةِ، فَهو دُعاءٌ إلى تَقْدِيمِ التَّأمُّلِ والتَّرَوِّي عَلى كُلِّ فِعْلٍ [وذَلِكَ] لِأنَّ مادَّةَ ”عَثى“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ دائِرَةٌ عَلى الطَّلَبِ عَنْ غَيْرِ بَصِيرَةٍ، مِنَ العَيْثِ - لِلْأرْضِ السَّهْلَةِ، فَإنَّها لِسُهُولَتِها (p-٣٥٤)يُغْتَرُّ بِها فَيَسْلُكُها الغَبِيُّ بِلا دَلِيلٍ فَيَأْتِي الخَفاءَ والجَهْلَ، ومِنهُ التَّعْيِيثُ - لِطَلَبِ الأعْمى الشَّيْءَ؛ والأعْثى: الأحْمَقُ الثَّقِيلُ، واللَّوْنُ إلى السَّوادِ، والكَثِيرُ الشَّعْرِ، ويَلْزَمُ ذَلِكَ اتِّباعَ الهَوى فَيَأْتِي الإفْسادُ والمُسارَعَةُ فِيهِ، وذَلِكَ هو مَعْنى العُثِيِّ؛ قالَ أئِمَّةُ اللُّغَةِ: عَثى وعاثَ: أفْسَدَ، وفي مُخْتَصِرِ العَيْنِ لِلزُّبَيْدِيِّ: عَثى في الأرْضِ بِمَعْنى عاثَ يَعِيثُ عَيْثًا، وهو الإسْراعُ في الفَسادِ، فالمَعْنى عَلى ما قالَ الجُمْهُورُ: ولا تَفْعَلُوا الفَسادَ عَمْدًا وهو واضِحٌ، وعَلى ما قَدَّرْتُهُ مِن أصْلِ المَعْنى الَّذِي هو لِلْمَدارِ أوْضَحُ، وعَلى ما قالَ الزُّبَيْدِيُّ: ولا تُسْرِعُوا فِيهِ، فَلا يُظَنُّ أنَّهُ يَكُونُ الإسْراعُ حِينَئِذٍ قَيْدًا حَتّى يَنْصَبَّ النَّهْيُ إلَيْهِ، بَلْ هو إشارَةٌ إلى أنَّهُ لا يَكُونُ الإقْدامُ بِلا تَأمُّلٍ إلّا كَذَلِكَ لِمُلاءَمَتِهِ لِلشَّهْوَةِ - واللَّهُ أعْلَمُ؛ والوَفاءُ: تَمامُ الحَقِّ؛ والبَخْسُ: النَّقْصُ، فَهو أخَصُّ مِنَ الظُّلْمِ لِأنَّهُ وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ.
11:86Page 231
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."
ولَمّا كانَ نَظَرُهم بَعْدَ الشِّرْكِ مَقْصُورًا عَلى الأمْوالِ، وكانَ نَهْيُهُ عَمّا نَهى عَنْهُ مُوجِبًا لِمَحْقِها في زَعْمِهِمْ، كانُوا كَأنَّهم قالُوا: إنّا إذا اتَّبَعْناكَ فِيما قُلْتَ فَنِيَتْ أمْوالُنا أوْ قَلَّتْ فَتَضَعْضَعَتْ أحْوالُنا، فَلا يَبْقى لَنا شَيْءٌ؟ فَقالَ: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ﴾ أيْ: فَضْلُ المَلِكِ الأعْلى المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ، وبَرَكَتُهُ في أمْوالِكم وجَمِيعِ أحْوالِكم وإبْقاؤُهُ عَلَيْكم نَظَرَهُ إلَيْكُمُ المُوجِبَ (p-٣٥٥)لِعَفْوِهِ الَّذِي هو ثَمَرَةُ اتِّباعِ أمْرِهِ ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ مِمّا تَظُنُّونَهُ زِيادَةً بِالنَّقْصِ والظُّلْمِ، وذَلِكَ أنَّ بَقِيَّةَ الشَّيْءِ ما فَضَلَ مِنهُ، وتَكُونُ أيْضًا بِمَعْنى البُقْيا، مِن أبْقى عَلَيْهِ يُبْقِي إبْقاءً، واسْتَبْقَيْتُ فُلانًا - إذا عَفَوْتَ عَنْ ذَنْبِهِ، كَأنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ أوْجَبَ فَناءَ وُدِّهِ أوْ فَناهَ عِنْدَكَ، فَإذا اسْتَبْقَيْتَهُ فَقَدْ تَرَكْتَ ما كانَ وجَبَ، ويَقُولُونَ: أراكَ تُبْقِي هَذا بِبَصَرِكَ - إذا كانَ يَنْظُرُ إلَيْهِ - قالَهُ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ الجامِعِ، وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ بَيانُ ما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ.
ولَمّا كانَتْ خَيْرِيَّةُ ما يُبْقِيهِ العَدْلُ مِنَ الظُّهُورِ بِمَحَلٍّ لا يَخْفى عَلى ذِي لُبٍّ تَرَكَها وبَيَّنَ شَرْطَها بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا ﴿مُؤْمِنِينَ﴾ أيْ: راسِخِينَ في الإيمانِ إشارَةً إلى أنَّ خَيْرِيَّتَها لِغَيْرِ المُؤْمِنِ مَبْنِيَّةٌ عَلى غَيْرِ أساسٍ، فَهي غَيْرُ مُجْدِيَةٍ إلّا في الدُّنْيا، فَهي عَدَمٌ لِسُرْعَةِ الزَّوالِ والنُّزُوحِ عَنْها والِارْتِحالِ، ودَلَّتِ الواوُ العاطِفَةُ عَلى غَيْرِ مَذْكُورٍ أنَّ المَعْنى: فَآمِنُوا فاعِلِينَ ما أمَرْتُكم بِهِ لِتَظْفَرُوا بِالخَيْرِ فَإنَّما أنا نَذِيرٌ ﴿وما أنا﴾ وقَدَّمَ ما يَتَوَهَّمُونَهُ مِن قَصْدِهِ لِلِاسْتِعْلاءِ نافِيًا لَهُ فَقالَ: ﴿عَلَيْكُمْ﴾ وأغْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿بِحَفِيظٍ﴾ أعْلَمُ جَمِيعَ أعْمالِكم [وأحْوالِكُمْ] وأقْدِرُ عَلى كَفِّكم عَمّا يَكُونُ مِنها فَسادًا؛ وأصْلُ البَقِيَّةِ تَرْكُ شَيْءٍ مِن شَيْءٍ قَدْ مَضى.
11:87Page 231
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧
They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1
(p-٣٥٦)ولَمّا كانَ الحاصِلُ ما دَعاهم إلَيْهِ تَرْكَ ما كانَ عَلَيْهِ آباؤُهم مِنَ السَّفَهِ في حَقِّ الخالِقِ بِالشِّرْكِ والخَلائِقِ بِالخِيانَةِ، وكانَ ذَلِكَ التَّرْكُ عِنْدَهم قَطِيعَةً وسَفَهًا، كانَ ذَلِكَ مِحَكًّا لِلْعُقُولِ ومَحَزًّا لِلْآراءِ يُعْرَفُ بِهِ نافِذُها مِن جامِدِها، فَكانَ كَأنَّهُ قِيلَ: ما قالُوا؟ فَقِيلَ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ سَمَّوْهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً وأنْكَرُوا عَلَيْهِ مُسْتَهْزِئِينَ بِصَلاتِهِ: ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ أيْ: تَفْعَلُ مَعَكَ فِعْلَ [مَن] كانَ يَأْمُرُ دائِمًا بِتَكْلِيفِنا ﴿أنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ﴾ أيْ: عَلى سَبِيلِ المُواظَبَةِ ﴿آباؤُنا أوْ﴾ نَتْرُكَ ﴿أنْ نَفْعَلَ﴾ أيْ: دائِمًا ﴿فِي أمْوالِنا ما نَشاءُ﴾ مِن قَطْعِ الدِّرْهَمِ والدِّينارِ وإفْسادِ المُعامَلَةِ والمُقامَرَةِ ونَحْوِها مِمّا يَكُونُ إفْسادًا لِلْمالِ، يَعْنُونَ أنَّ ما تَأْمُرُنا بِهِ لا يَمْشِي عَلى مِنهاجِ العَقْلِ، فَما يَأْمُرُكَ بِهِ إلّا ما نَراكَ تَفْعَلُهُ مِن هَذا الشَّيْءِ الَّذِي تُسَمِّيهِ صَلاةً، أيْ أنَّهُ مِن وادِي: فِعْلُكَ لِلصَّلاةِ؛ ومادَّةُ صَلا - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها - تَدُورُ عَلى الوَصْلَةِ، فالصَّلاةُ لِصِلَةِ العَبْدِ بِرَبِّهِ، وكَذا الدُّعاءُ والِاسْتِغْفارُ، وصَلَواتُ اليَهُودِ: كَنائِسُهُمُ اللّاتِي تَجْمَعُهُمْ، والصَّلا: وسَطُ الظَّهْرِ ومَجْمَعُهُ وما حَوْلَ الذَّنَبِ أيْضًا، والمُصَلِّي مِنَ الخَيْلِ: التّابِعُ لِلسّابِقِ، وصالَ الفَحْلُ - إذا حَمَلَ عَلى العانَةِ، ولَصَوْتُ الرَّجُلَ ولَصَيْتُهُ: عِبْتَهُ، كَأنَّكَ ألْصَقْتَ بِهِ العَيْبَ، والواصِلَةُ واضِحَةٌ في ذَلِكَ، وكَأنَّها الحَقِيقَةُ الَّتِي تَفَرَّعَتْ مِنها جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ، وسَيَأْتِي شَرْحُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿بِالغُدُوِّ والآصالِ﴾ [الرعد: ١٥] (p-٣٥٧)فِي سُورَةِ الرَّعْدِ إنْ شاءَ اللَّهُ، فَمَعْنى الآيَةِ حِينَئِذٍ: أمّا تُعانِيهِ مِنَ الصَّلَواتِ: الحَقِيقِيَّةِ ذاتِ الأرْكانِ، والمَعْنَوِيَّةِ مِنَ الدُّعاءِ والِاسْتِغْفارِ وجَمِيعِ أفْعالِ البِرِّ الحامِلَةِ عَلى أنْواعِ الوَصْلِ النّاهِيَةِ عَنْ كُلِّ قَطِيعَةٍ تَأْمُرُكَ بِمُجاهَرَتِنا لِآبائِنا بِالقَطِيعَةِ مَعَ تَقْدِيرِ حُضُورِهِمْ ومُشاهَدَتِهِمْ لِما نَفْعَلُ مِمّا يُخالِفُ أغْراضَهم وبِتَرْكِ التَّنْمِيَةِ لِأمْوالِنا بِالنَّقْصِ وهو مَعَ مُخالَفَةِ أفْعالِ الآباءِ تَبْذِيرٌ؛ فَهو سَفَهٌ - فَدارَتْ شُبْهَتُهم في الأمْرَيْنِ عَلى تَقْلِيدِ الآباءِ وتَنْزِيهِهِمْ عَنِ الغَلَطِ لِاحْتِمالِ أنْ يَكُونَ لِأفْعالِهِمْ \ وجْهٌ مِنَ الصَّوابِ خَفِيَ عَنْهُمْ، وزادَتْ في الأمْوالِ بِظَنِّ التَّبْذِيرِ - فَقَدْ صِرْتَ بِدُعائِنا إلى كُلٍّ مِنَ الأمْرَيْنِ حِينَئِذٍ داعِيًا إلى ضِدِّ ما أنْتَ مُتَلَبِّسٌ بِهِ ﴿إنَّكَ﴾ إذًا ﴿لأنْتَ﴾ وحْدَكَ ﴿الحَلِيمُ﴾ في رِضاكَ بِما يَغْضَبُ مِنهُ ذَوُو الأرْحامِ ﴿الرَّشِيدُ﴾ في تَضْيِيعِ الأمْوالِ، يُرِيدُونَ بِهَذا كَما زَعَمُوا - سَلْخَهُ مِن كُلِّ ما هو مُتَّصِفٌ بِهِ دُونَهم مِن هاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ الفائِقَتَيْنِ بِما خَيَّلَ إلَيْهِمْ سَفَهُهم أنَّهُ دَلِيلٌ عَلَيْهِ قاطِعٌ، وعَنَوْا بِذَلِكَ نِسْبَتَهُ إلى السَّفَهِ والغَيِّ عَلى طَرِيقِ التَّهَكُّمِ.
11:88Page 231
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
ولَمّا اتَّهَمُوهُ بِالقَطِيعَةِ والسَّفَهِ شَرَعَ في إبْطالِ ما قالُوا ونَفْيِ التُّهْمَةِ فِيهِنَّ وأُخْرِجَ مَخْرَجَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما أجابَهم بِهِ؟ فَقِيلَ: (p-٣٥٨)﴿قالَ يا قَوْمِ﴾ مُسْتَعْطِفًا لَهم بِما بَيْنَهم مِن عَواطِفِ القَرابَةِ مُنَبِّهًا لَهم عَلى حُسْنِ النَّظَرِ فِيما ساقَهُ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ والتَّقْدِيرِ لِيَكُونَ أدْعى إلى الوِفاقِ والإنْصافِ ﴿أرَأيْتُمْ﴾ أيْ: أخْبِرُونِي ﴿إنْ كُنْتُ﴾ أيْ: كَوْنًا هو في غايَةِ الثَّباتِ ﴿عَلى بَيِّنَةٍ﴾ أيْ: بُرْهانٍ ﴿مِن رَبِّي﴾ الَّذِي أحْسَنَ إلَيَّ بِما هو إحْسانٌ إلَيْكُمْ، وعَطَفَ عَلى جُمْلَةِ الشَّرْطِ المُسْتَفْهَمِ عَنْهُ قَوْلَهُ: ”و“ قَدْ ”رَزَقَنِي“ وعَظَّمَ الرِّزْقَ بِقَوْلِهِ: ﴿مِنهُ رِزْقًا حَسَنًا﴾ جَلِيلًا ومالًا جَمًّا حَلالًا لَمْ أظْلِمْ فِيهِ أحَدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ لِتَذْهَبَ النَّفْسُ فِيهِ كُلَّ مَذْهَبٍ، ويُمْكِنُ أنْ يُقالَ فِيهِ: هَلْ يَسَعُ عاقِلًا أنْ يَنْسِبَنِي إلى السَّفَهِ بِتَبْذِيرِ المالِ بِتَرْكِ الظُّلْمِ، أوْ يَسَعُنِي أنْ أحْلُمَ عَمَّنْ عَبَدَ غَيْرَهُ وأتْرُكَ دُعاءَكم إلى اللَّهِ، فَقَدْ بانَ بِهَذا أنِّي ما أمَرْتُكم بِما يَسُوءُكم مِن تَرْكِ ما ألِفْتُمْ وتَعَرَّضْتُ لِغَضَبِكم كُلِّكُمْ، وتَرَكْتُ مِثْلَ أفْعالِكم إلّا خَوْفًا مِن غَضَبِهِ ورَجاءً لِرِضاهُ، فَظَهَرَ أنْ لا تُهْمَةَ في شَيْءٍ مِن أمْرِي ولا خَطَأ، ما فَعَلْتُ قَطُّ ما نَهَيْتُكم عَنْهُ فِيما مَضى ﴿وما أُرِيدُ﴾ أيْ: في وقْتٍ مِنَ الأوْقاتِ ﴿أنْ أُخالِفَكُمْ﴾ أيْ: [بِأنْ] أذْهَبَ وحْدِي ﴿إلى ما أنْهاكم عَنْهُ﴾ في المُسْتَقْبَلِ، وما نَقَصَ مالٌ بِتَرْكِ مِثْلِ أفْعالِكُمْ، فَهو إرْشادٌ إلى النَّظَرِ في بابِ:
؎لا تَنْهَ عَنْ خُلُقٍ وتَأْتِيَ مِثْلَهُ عارٌ عَلَيْكَ إذا فَعَلْتَ عَظِيمُ
؎فابْدَأْ بِنَفْسِكَ فانْهَها عَنْ غَيِّها ∗∗∗ فَإذا انْتَهَيْتَ عَنْهُ فَأنْتَ حَكِيمُ
(p-٣٥٩)[وقَدْ نَبَّهَتْ هَذِهِ الأجْوِبَةُ الثَّلاثَةُ عَلى أنَّ العاقِلَ يَجِبُ أنْ يُراعِيَ في كُلِّ ما يَأْتِي ويَذْرُ أحَدَ حُقُوقٍ ثَلاثَةٍ؛ أهَمُّها وأعْلاها حَقُّ اللَّهِ، وثانِيها حَقُّ النَّفْسِ، وثالِثُها حَقُّ العِبادِ عَلى وجْهِ الإخْلاصِ في الكُلِّ] فَثَبَتَ بِبُعْدِهِ عَنِ التُّهْمَةِ مَعَ سَدادِ الأفْعالِ وحُسْنِ المَقاصِدِ - حِلْمُهُ ﷺ ورُشْدُهُ، فَلِذَلِكَ أتْبَعَهُ بِما تَضَمَّنَ مَعْناهُ مُصَرَّحًا بِهِ فَقالَ: ﴿إنْ﴾ أيْ: ما ﴿أُرِيدُ﴾ أيْ: شَيْئًا مِنَ الأشْياءِ ﴿إلا الإصْلاحَ﴾ وأقَرَّ بِالعَجْزِ فَقالَ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ أيْ: مُدَّةَ اسْتِطاعَتِي لِلصَّلاحِ وهو كَما أرَدْتُ فَإنَّ مالِي - مَعَ اجْتِنابِي ما أنْتُمْ عَلَيْهِ - صالِحٌ، لَيْسَ بِدُونِ مالِ أحَدٍ مِنكُمْ، فَعُلِمَ، مُشاهَدَةً أنْ لا تَبْذِيرَ في العَدْلِ، وأمّا التَّوْحِيدُ فَهو - مَعَ انْتِفاءِ التُّهْمَةِ عَنِّي فِيهِ - دُعاءٌ إلى القادِرِ عَلى كُلِّ شَيْءِ الَّذِي لا خَيْرَ إلّا مِنهُ ولا مَحِيصَ عَنِ الرُّجُوعِ إلّا إلَيْهِ؛ ثُمَّ تَبَرَّأ مِنَ الحَوْلِ والقُوَّةِ، وأسْنَدَ الأمْرَ إلى مَن هو لَهُ فَقالَ: ﴿وما تَوْفِيقِي﴾ أيْ: فِيما اسْتَطَعْتُ مِن فِعْلِ الإصْلاحِ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ؛ ثُمَّ بَيَّنَ أنَّهُ الأهْلُ لِأنَّ يُرْجى فَقالَ مُشِيرًا إلى مَحْضِ التَّوْحِيدِ الَّذِي هو أقْصى مَراتِبِ العِلْمِ بِالمَبْدَأِ ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ: وحْدَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ ولَمّا طَلَبَ التَّوْفِيقَ لِإصابَةِ الحَقِّ فِيما يَأْتِي ويَذْرُ مِنَ اللَّهِ والِاسْتِعانَةَ بِهِ في مَجامِعِ أمْرِهِ وأقْبَلَ عَلَيْهِ بِكُلِّيَّتِهِ وحَسَمَ أطْماعَ الكُفّارِ عَنْهُ وأظْهَرَ الفَراغَ عَنْهم وعَدَمَ المُبالاةِ بِهِمْ، وكانَ في قَوْلِهِ: ﴿ما اسْتَطَعْتُ﴾ (p-٣٦٠)إقْرارٌ بِأنَّهُ مَحَلُّ التَّقْصِيرِ، أخْبَرَ بِأنَّهُ لا يَزالُ يُجَدِّدُ التَّوْبَةَ لِعِظَمِ الأمْرِ، وعَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِعِبارَةٍ صالِحَةٍ لِلتَّحْذِيرِ مِن يَوْمِ البَعْثِ تَهْدِيدًا لَهم فَقالَ مُنَبِّهًا عَلى مَعْرِفَةِ المَعادِ لِيَكْمُلَ الإيمانُ بِاللَّهِ واليَوْمِ الآخِرِ: ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ: خاصَّةً ﴿أُنِيبُ﴾ أيْ: أرْجِعُ مَعْنًى سَبْقِي لِلتَّوْبَةِ وحِسًّا تَيَقُّنِي بِالبَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ؛ والتَّوْفِيقُ: خَلْقُ قُدْرَةِ ما هو وفْقَ الأمْرِ مِنَ الطّاعَةِ، مِنَ المُوافَقَةِ لِلْمُطابَقَةِ؛ والتَّوَكُّلُ عَلى اللَّهِ: تَفْوِيضُ الأمْرِ إلَيْهِ عَلى الرِّضاءِ بِتَدْبِيرِهِ مَعَ التَّمَسُّكِ بِطاعَتِهِ.
11:89Page 232
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
ولَمّا بَيَّنَ لَهم عُذْرَهُ بِما انْتَفَتْ بِهِ تُهْمَتُهُ، \ أتْبَعَهُ بِما يَدُلُّهم عَلى أنَّ الحَقَّ وضَحَ لَهم وُضُوحًا لَمْ يَبْقَ مَعَهُ إلّا المُعانَدَةُ، فَحَذَّرَهم عَواقِبَها وذَكَّرَهم أمْرَ مَنِ ارْتَكَبَها فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ﴾ وأعَزَّ النّاسِ عَلَيَّ ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أيْ: يَحْمِلَنَّكم ﴿شِقاقِي﴾ [أيْ] شِقاقُكم لِي عَلى ﴿أنْ يُصِيبَكُمْ﴾ مِنَ العَذابِ ﴿مِثْلُ ما﴾ [أيِ العَذابِ الَّذِي] ﴿أصابَ قَوْمَ نُوحٍ﴾ بَعْدَ طُولِ أعْمارِهِمْ وتَنائِي أقْطارِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ هُودٍ﴾ عَلى شِدَّةِ أبْدانِهِمْ وتَمادِي أمانِهِمْ ﴿أوْ قَوْمَ صالِحٍ﴾ مَعَ نَحْتِهِمُ البُيُوتَ مِنَ الصُّخُورِ وتَشْيِيدِهِمْ عَوالِيَ القُصُورِ.
ولَمّا كانَ لِلْمُقارَبَةِ أثَرُ المُشاكَلَةِ والمُناسَبَةِ غَيَّرَ الأُسْلُوبَ تَعْظِيمًا لِلتَّهْوِيلِ فَقالَ: ﴿وما قَوْمُ لُوطٍ﴾ [أيْ] عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ وسُوءِ (p-٣٦١)حالِهِمْ وقُوَّةِ أخْذِهِمْ ووَبالِهِمْ ﴿مِنكم بِبَعِيدٍ﴾ [أيْ] لا في الزَّمانِ ولا في المَكانِ فَأنْتُمْ أجْدَرُ النّاسِ بِذِكْرِ حالِهِمْ لِلِاتِّعاظِ بِها، وإنَّما فَسَّرُتُ جَرَمَ بِحَمَلَ؛ لِأنَّ ابْنَ القَطّاعِ نَقَلَ أنَّهُ يُقالُ: جَرَمْتُ الرَّجُلَ: حَمَلْتَهُ عَلى الشَّيْءِ، وقَدْ عَزا الرُّمّانِيُّ تَفْسِيرَها بِذَلِكَ لِلْحَسَنِ وقَتادَةَ، ويَجُوزُ أنْ تُفَسَّرَ بِما تَدُورُ عَلَيْهِ المادَّةُ مِنَ القَطْعِ، أيْ: لا يَقْطَعَنَّكم شِقاقِي عَنِ اتِّباعِ ما أدْعُوكم إلَيْهِ خَوْفَ أنْ يُصِيبَكُمْ، وقَدْ جَوَّزَهُ الرُّمّانِيُّ.
11:90Page 232
وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠
And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."
ولَمّا رَهَّبَهُمْ، أتْبَعَهُ التَّرْغِيبَ في سِياقٍ مُؤْذِنٍ بِأنَّهم إنْ لَمْ يُبادِرُوا إلى المَتابِ بادَرَهُمُ العَذابُ، بِقَوْلِهِ عاطِفًا لِهَذا الأمْرِ عَلى ذَلِكَ النَّهْيِ المُتَقَدِّمِ: ﴿واسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ أيِ اطْلُبُوا سَتْرَ المُحْسِنِ إلَيْكُمْ، ونَبَّهَ عَلى مِقْدارِ التَّوْبَةِ بِأداةِ التَّراخِي فَقالَ: ﴿ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ﴾ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ مُرَغَّبًا في الإقْبالِ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُخْتَصَّ لِي بِما تَرَوْنَ مِنَ الإحْسانِ دِينًا ودُنْيا ﴿رَحِيمٌ ودُودٌ﴾ أيْ: بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يَرْجِعُ إلَيْهِ بِأنْ يَحْفَظَهُ عَلى ما يَرْضاهُ، بَلِيغُ التَّحَبُّبِ إلَيْهِ، ولَمْ يَبْدَأْهُ بِالِاسْتِعْطافِ عَلى عادَتِهِ بِقَوْلِهِ: يا قَوْمِ، إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ لِي وقْتٌ آمَنُ فِيهِ وُقُوعَ العَذابِ حَتّى أشْتَغِلَ فِيهِ بِالِاسْتِعْطافِ، فَرُبَّما كانَ الأمْرُ أعْجَلَ مِن ذَلِكَ فاطْلُبُوا مَغْفِرَتَهُ بِأنْ تَجْعَلُوها غَرَضَكم ثُمَّ تَوَصَّلُوا إلَيْها بِالتَّوْبَةِ؛ فَ «ثُمَّ» عَلى بابِها في التَّرْتِيبِ، وأمّا التَّراخِي فَبِاعْتِبارِ عِظَمِ مِقْدارِ التَّوْبَةِ وعُلُوِّ رُتْبَتِها (p-٣٦٢)لِأنَّ الغُفْرانَ لا يَحْصُلُ بِالطَّلَبِ إلّا إنِ اقْتَرَنَ بِها، هَذا الشَّأْنُ في كُلِّ كَبِيرَةٍ مِن أنَّها لا تُكَفَّرُ إلّا بِالتَّوْبَةِ، وذَلِكَ لِأنَّ الطّاعَةَ المَفْعُولَةَ بَعْدَها يَكُونُ مِثْلُها كَبِيرَةً في جِنْسِ الطّاعاتِ [كَما أنَّ تِلْكَ كَبِيرَةٌ في جِنْسِ المَعاصِي فَلا تَقْوى الطّاعَةُ عَلى مَحْوِها، وتَكَرُّرُ] الطّاعاتِ يُقابِلُهُ تَكَرُّرُ المَعاصِي بِالإصْرارِ الَّذِي هو بِمَنزِلَةِ تَكْرِيرِ المَعْصِيَةِ في كُلِّ حالٍ،
11:91Page 232
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
فَلَمّا رَأوْهُ لا يَنْزِعُ عَنْهم ولَمْ يَقْدِرُوا لِكَلامِهِ عَلى جَوابٍ، أيْأسُوهُ مِنَ الرُّجُوعِ إلَيْهِ بِأنْ أنْزَلُوا أنْفُسَهم عِنادًا في الفَهْمِ لِهَذا الكَلامِ الواضِحِ جِدًّا إلى عِدادِ البَهائِمِ، وهَدَّدُوهُ فَأخْبَرَ تَعالى عَنْهم [بِذَلِكَ] اسْتِئْنافًا في جَوابِ مَن يَقُولُ: ما قالُوا بَعْدَ هَذا الدُّعاءِ الحَسَنِ؟ بِقَوْلِهِ: ﴿قالُوا يا شُعَيْبُ﴾ مُنادِينَ لَهُ بِاسْمِهِ جَفاءً وغِلْظَةً ﴿ما نَفْقَهُ﴾ أيِ الآنَ؛ لِأنَّ ”ما“ تَخُصُّ بِالحالِ ﴿كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ وإذا لَمْ يُفْهَمِ الكَثِيرُ مِنَ الكَلامِ لَمْ يُفْهَمْ مَقْصُودُهُ، يَعْنُونَ: خَفِّضْ عَلَيْكَ واتْرُكْ كَلامَكَ فَإنّا لا نَفْهَمُهُ تَهاوُنًا [بِهِ] كَما يَقُولُ الإنْسانُ لِخَصْمِهِ إذا نَسَبَهُ إلى الهَذَيانِ: أنا لا أدْرِي ما تَقُولُ، ولَمّا كانَ غَرَضُهم مَعَ العِنادِ قَطْعَ الأمْرِ، خَصُّوا عَدَمَ الفَهْمِ بِالكَثِيرِ لِيَكُونَ أقْرَبَ إلى الإمْكانِ، وكَأنَّهم - واللَّهُ أعْلَمُ - أشارُوا إلى أنَّهُ كَلامٌ غَيْرُ مُنْتَظِمٍ فَلا حاصِلَ لَهُ ولا لِمَضْمُونِهِ وُجُودٌ في الخارِجِ.
ولَمّا كانَ في ذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّهُ ضَعِيفُ العَقْلِ لِأنَّ كَلامَهُ مِثْلُ كَلامِ المَجانِينِ، (p-٣٦٣)أتْبَعُوهُ قَوْلَهُمْ: ﴿وإنّا لَنَراكَ﴾ أيْ: رُؤْيَةً مُجَدَّدَةً مُسْتَمِرَّةً ﴿فِينا ضَعِيفًا﴾ أيْ: في البَدَنِ وغَيْرِهِ، فَلا تَتَعَرَّضْ لِسُخْطِنا؛ فَإنَّكَ لا تَقْدِرُ عَلى الِامْتِناعِ مِن مَكْرُوهٍ نَحُلُّهُ بِكَ بِقُوَّةِ عَقْلٍ ولا جِسْمٍ ولا عَشِيرَةٍ، وأشارُوا إلى ضَعْفِ العَشِيرَةِ بِتَعْبِيرِهِمْ بِالرَّهْطِ في قَوْلِهِمْ: ﴿ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْناكَ﴾ أيْ: قَتَلْناكَ شَرَّ قِتْلَةٍ - فَإنَّ الرَّهْطَ مِن ثَلاثَةٍ إلى عَشَرَةٍ، وأكْثَرُ ما قِيلَ: إنَّ فَخِذَهُ أرْبَعُونَ - فَما أنْتَ عَلَيْنا بِمُمْتَنِعٍ لِضَعْفِكَ وقِلَّةِ قَوْمِكَ ﴿وما أنْتَ﴾ أيْ: خاصَّةً، لِأنَّ ”ما“ لِنَفْيِ الحالِ اخْتِصاصٌ بِالزَّمانِ، والقِياسُ أنْ يَكُونَ مَدْخُولُها فِعْلًا أوْ شِبْهَهُ، وحَيْثُ أُولِيَتِ الِاسْمَ لا سِيَّما الضَّمِيرُ دَلَّ عَلى أنَّ التَّقْدِيمَ لِلِاهْتِمامِ والِاخْتِصاصِ ﴿عَلَيْنا بِعَزِيزٍ﴾ بِكَرِيمٍ مَوْدُودٍ، تَقُولُ: أعْزَزْتُ فُلانًا - إذا كانَ لَهُ عِنْدَكَ وُدٌّ، بَلْ قَوْمُكَ هُمُ الأعِزَّةُ عِنْدَنا لِمُوافَقَتِهِمْ لَنا، ولَوْ كانَ المُرادُ: ما عَزَزْتَ عَلَيْنا، لَكانَ الجَوابُ: لِمْ لا أعِزُّ وقَدْ شَرَّفَنِيَ اللَّهُ - أوْ نَحْوَ هَذا، ويَصِحُّ أنْ يُرادَ بِالعَزِيزِ القَوِيُّ المُمْتَنِعُ، ويَصِيرُ إفْهامُهُ لِامْتِناعِ رَهْطِهِ مَحْمُولًا عَلى أنَّ المانِعَ لَهم مُوافَقَتُهم لَهم لا قُوَّتُهُمْ؛ والفِقْهُ: فَهْمُ الكَلامِ عَلى ما تَضَمَّنَ مِنَ المَعْنى، وقَدْ صارَ اسْمًا لِضَرْبٍ مِن عُلُومِ الدِّينِ، وأصْلُ الرَّهْطِ: الشِّدَّةُ، مِنَ التَّرْهِيطِ لِشِدَّةِ الأكْلِ، ومِنهُ الرّاهِطاءُ: جُحْرُ اليَرْبُوعِ لِشِدَّتِهِ وتَوَثُّقِهِ لِيَخْبَأ فِيهِ ولَدُ.
11:92Page 232
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢
He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.
ولَمّا كانَ تَخْصِيصُهم نَفْيَ العِزَّةِ بِهِ يُفْهِمُ أنَّ رَهْطَهُ عَلَيْهِمْ أعِزَّةٌ، أنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ في سِياقِ مُهَدِّدٍ لَهم فَقالَ تَعالى حاكِيًا عَنْهُ اسْتِئْنافًا: ﴿قالَ﴾ (p-٣٦٤)أيْ شُعَيْبٌ ﴿يا قَوْمِ﴾ ولَمْ يَخْلُ الأمْرُ مِن جَذْبٍ واسْتِعْطافٍ بِذِكْرِ الرَّحِمِ العاطِفَةِ ﴿أرَهْطِي﴾ أيْ: أقارِبِي الأقْرَبُونَ مِنكم ﴿أعَزُّ عَلَيْكم مِنَ اللَّهِ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً حَتّى نَظَرْتُمْ إلَيْهِمْ فِيَّ لِقَرابَتِي مِنهم ولَمْ تَنْظُرُوا إلى اللَّهِ في قُرْبِي مِنهُ بِما ظَهَرَ عَلَيَّ مِن كَرامَتِهِ ﴿واتَّخَذْتُمُوهُ﴾ أيْ: [بِما] كَلَّفْتُمْ بِهِ أنْفُسَكم مِمّا هو خِلافُ الفِطْرَةِ الأُولى ﴿وراءَكُمْ﴾ أيْ: أعْرَضْتُمْ عَنْهُ إعْراضَ مَن جَعَلَ الشَّيْءَ وراءَهُ؛ وحَقَّقَ مَعْنى الوَراءِ بِقَوْلِهِ: ﴿ظِهْرِيًّا﴾ أيْ: جَعَلْتُمُوهُ كالشَّيْءِ الغائِبِ عَنْكُمُ المَنسِيِّ عِنْدَكُمُ الَّذِي لا يُعْبَأُ بِهِ، ولَمْ تُراقِبُوهُ فِيَّ لِنِسْبَتِي إلَيْهِ بِالرِّسالَةِ والعُبُودِيَّةِ.
ولَمّا كانَ مَعْنى الكَلامِ لِأجْلِ الإنْكارِ: إنَّكم عَكَسْتُمْ في الفِعْلِ فَلَمْ تَعْرِفُوا الحَقَّ لِأهْلِهِ؛ إذْ كانَ يَنْبَغِي لَكم أنْ لا تَنْسَوُا اللَّهَ بَلْ تُراقِبُوهُ في كُلِّ أُمُورِكُمْ، حَسُنَ تَعْلِيلُ هَذا المَفْهُومِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنَ إلَيَّ؛ ولَمّا كانَ المُرادُ المُبالَغَةَ في إحاطَةِ عِلْمِهِ تَعالى بِأعْمالِهِمْ قَدَّمَ قَوْلَهُ: ﴿بِما تَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ مِن جَلِيلٍ وحَقِيرٍ، فَهو مُقْتَدِرٌ في كُلِّ فِعْلٍ مِن أفْعالِكم عَلى إنْفاذِهِ وإبْطالِهِ، فَهو مُحِيطٌ بِكم لا يَرُدُّهُ عَنْ نُصْرَتِي مِنكم والإيقاعِ بِكم مُراعاةُ أحَدٍ لِعِزَّةٍ ولا قُوَّةٍ، بَلْ لَكم عِنْدَهُ أجَلٌ هو مُؤَخِّرُكم إلَيْهِ لِأنَّهُ لا يَخْشى الفَوْتَ؛ والِاتِّخاذُ: أخْذُ الشَّيْءِ لِأمْرٍ يَسْتَمِرُّ في المُسْتَأْنَفِ كاتِّخاذِ البَيْتِ؛ والمُحِيطُ: المُدِيرُ عَلى الشَّيْءِ كالحائِطِ يَحْصُرُهُ بِحَيْثُ (p-٣٦٥)لا يَفُوتُهُ مِنهُ شَيْءٌ.
11:93Page 232
وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣
And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."
ولَمّا خَتَمَ الآيَةَ بِتَهْدِيدِهِمْ بِما بَيَّنَ أنَّ تَهْدِيدَهم لَهُ عَدَمٌ لا يُبالِي بِهِ، أتْبَعَهُ ما يُصَدِّقُهُ مِن أنَّهُ لَيْسَ بِتارِكٍ شَيْئًا مِن عَمَلِهِ مِمّا جُبِلُوا بِهِ، وزادَ في التَّهْدِيدِ فَقالَ: ﴿ويا قَوْمِ اعْمَلُوا﴾ أيْ: أوْقِعُوا العَمَلَ لِكُلِّ ما تُرِيدُونَ قارِّينَ مُسْتَعْلِينَ ﴿عَلى مَكانَتِكُمْ﴾ أيْ: حالِكُمُ الَّذِي تَتَمَكَّنُونَ بِهِ مِنَ العَمَلِ ﴿إنِّي عامِلٌ﴾ عَلى ما صارَ لِي مَكانَةً، أيْ حالًا أتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ العَمَلِ لا أنْفَكُّ عَنْهُ ما أنا عامِلٌ مِن تَحْذِيرِي لِمَن كَفَرَ وتَبْشِيرِي لِمَن آمَنَ وقِيامِي بِكُلِّ ما أوْجَبَ عَلَيَّ المَلِكُ غَيْرَ هائِبٍ لَكم ولا خائِفٍ مِنكم ولا طامِعٍ في مُؤالَفَتِكم ولا مُعْتَمِدٍ عَلى سِواهُ.
ولَمّا كانَتْ مُلازَمَتُهم لِأعْمالِهِمْ سَبَبًا لِوُقُوعِ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ [و] وُقُوعُهُ سَبَبًا لِلْعِلْمِ بِمَن يُخْزِي لِمَن يَعْلَمُ أيَّ هَذَيْنِ الأمْرَيْنِ يُرادُ، ذَكَرَهُ بَعْدَ هَذا التَّهْدِيدِ فَحَسُنَ حَذْفُ الفاءِ مِن قَوْلِهِ: ﴿سَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ أيْ: بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ وإنْ تَأخَّرَ زَمانُهُ، وسَوْقُهُ مَساقَ الجَوابِ لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ما المُرادُ بِهَذا الأمْرِ بِالعَمَلِ المُبالَغِ قَبْلُ في النَّهْيِ عَنْهُ؟ وقَدْ تَقَدَّمَ في قِصَّةِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلامُ ما يُوَضِّحُهُ. وأحْسَنُ مِنهُ أنَّهم لَمّا قالُوا ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] كَذِبُهم - في إخْراجِ الكَلامِ عَلى تَقْدِيرِ سُؤالِ مَن هو مُنْصَبُّ الفِكْرِ كُلِّهِ إلى كَلامِهِ - قائِلٌ: ماذا يَكُونُ إذا عَمِلْنا وعَمِلْتَ؟ فَهَذا وصْلٌ خَفِيٌّ مُشِيرٌ إلى تَقْدِيرِ السُّؤالِ ولَوْ ذَكَرَ الفاءَ لَكانَ (p-٣٦٦)وصْلًا ظاهِرًا، [وقَدْ ظَهَرَ الفَرْقُ بَيْنَ كَلامِ اللَّهِ العالِمِ بِالأسْبابِ وما يَتَّصِلُ بِها مِنَ المُسَبَّباتِ المَأْمُورِ بِها أشْرَفُ خَلْقِهِ ﷺ في سُورَةِ الأنْعامِ والزُّمَرِ والكَلامِ المَحْكِيِّ عَنْ نَبِيِّهِ شُعَيْبٍ عَلَيْهِ السَّلامُ في هَذِهِ السُّورَةِ] ﴿مَن﴾ أيْ: أيُّنا أوِ الَّذِي ﴿يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ﴾ ولَمّا كانَ مِن مَضْمُونِ قَوْلِهِمْ ﴿ما نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمّا تَقُولُ﴾ [هود: ٩١] النِّسْبَةُ إلى الكَذِبِ لِأنَّهُ التَّكَلُّمُ بِما لَيْسَ لَهُ نِسْبَةٌ في الواقِعِ تُطابِقُهُ، قالَ: ﴿ومَن هو كاذِبٌ﴾ أيْ: مِنِّي ومِنكُمْ، فالتَّقْدِيرُ: إنْ كانَتْ ”مَن“ مَوْصُولَةً: سَتَعْلَمُونَ المُخْزى بِالعَذابِ والكَذِبِ أنا وأنْتُمْ، وإنْ كانَتِ اسْتِفْهامِيَّةً: أيُّنا يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وأيُّنا هو كاذِبٌ، فالزَمُوا مَكانَتَكم لا تَتَقَدَّمُوا عَنْها ﴿وارْتَقِبُوا﴾ أيِ انْتَظَرُوا ما يَكُونُ مِن عَواقِبِها.
ولَمّا كانُوا يُكَذِّبُونَهُ ويُنْكِرُونَ قَوْلَهُ أكَّدَ فَقالَ: ﴿إنِّي مَعَكم رَقِيبٌ﴾ لِمِثْلِ ذَلِكَ، وإنَّما قَدَّرْتُ هَذا المَعْطُوفَ عَلَيْهِ لِفَصْلِ الكَلامِ [فِي قَوْلِهِ: ”سَوْفَ“ ويَجُوزُ عَطْفُهُ عَلى ”اعْمَلُوا“ وجَرَّدَ ولَمْ يَقُلْ: مُرْتَقِبٌ، إشارَةً إلى أنَّ هَمَّهُ الِاجْتِهادُ في العَمَلِ بِما أمَرَهُ اللَّهُ لِأنَّهُ مُبالِغٌ في ارْتِقابِ عاقَبْتِهِ مَعَهُمُ اسْتِهانَةً بِهِمْ.
11:94Page 232
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤
And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone
ولَمّا كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَأخَذُوا الكَلامَ] عَلى ظاهِرِهِ ولَمْ يَنْتَفِعُوا بِصادِعِ وعِيدِهِ وباهِرِهِ، فاسْتَمَرُّوا عَلى ما هم عَلَيْهِ مِنَ القَبِيحِ إلى أنْ جاءَ أمْرُنا في الأجَلِ المَضْرُوبِ لَهُ، قالَ عاطِفًا عَلَيْهِ، وكانَ العَطْفُ بِالواوِ (p-٣٦٧)لِأنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ وعِيدٌ بِوَقْتٍ مُعَيَّنٍ - كَما في قِصَّتَيْ صالِحٍ ولُوطٍ عَلَيْهِما السَّلامُ - يَتَسَبَّبُ عَنْهُ المَجِيءُ ويَتَعَقَّبُهُ: ﴿ولَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ أيْ: تَعَلُّقُ إرادَتِنا بِالعَذابِ ﴿نَجَّيْنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿شُعَيْبًا﴾ أيْ: تَنْجِيَةً عَظِيمَةً ﴿والَّذِينَ آمَنُوا﴾ كائِنِينَ ﴿مَعَهُ﴾ مِنهم ومِمّا عَذَّبْناهم بِهِ، وكانَ إنْجاؤُنا لَهم ﴿بِرَحْمَةٍ مِنّا﴾ ولَمّا ذَكَرَ نَجاةَ المُؤْمِنِينَ، أتْبَعَهَ هَلاكَ الكافِرِينَ فَقالَ: ﴿وأخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ: أوْقَعُوا الظُّلْمَ ولَمْ يَتُوبُوا ﴿الصَّيْحَةُ﴾ وكَأنَّها كانَتْ دُونَ صَيْحَةِ ثَمُودَ لِأنَّهم كانُوا أضْعَفَ مِنهم فَلِذَلِكَ أبْرَزَ عَلامَةَ التَّأْنِيثِ في هَذِهِ دُونَ تِلْكَ.
ولَمّا ذَكَرَ الصَّيْحَةَ ذَكَرَ ما تَسَبَّبَ عَنْها فَقالَ: ﴿فَأصْبَحُوا﴾ أيْ: في الوَقْتِ الَّذِي يَتَوَقَّعُ الإنْسانُ فِيهِ السُّرُورَ وكُلَّ خَيْرٍ ﴿فِي دِيارِهِمْ جاثِمِينَ﴾ أيْ: ساقِطِينَ لازِمِينَ لِمَكانِهِمْ.
11:95Page 232
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥
As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.
ولَمّا كانَ الجُثُومُ قَدْ لا يَكُونُ بِالمَوْتِ، أوْضَحَ المُرادَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَأنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها﴾ أيْ: لَمْ يُقِيمُوا في دِيارِهِمْ أغْنِياءَ مُتَصَرِّفِينَ مُتَرَدِّدِينَ مَعَ الغَوانِي لاهِينَ بِالغِناءِ؛ ولَمّا كانَ مَضْمُونُ ذَلِكَ الإبْعادَ أكَّدَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ألا بُعْدًا لِمَدْيَنَ﴾ بُعْدًا مَعَ أنَّهُ بِمَعْنى ضِدِّ القُرْبِ مَعَهُ هَلاكٌ، فَهو مِن بَعِدَ بِالكَسْرِ، وأيَّدَ ما فَهِمْتُهُ مِن أنَّ أمْرَهم كانَ أخَفَّ مِن أمْرِ ثَمُودَ بِقَوْلِهِ: ﴿كَما بَعِدَتْ ثَمُودُ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences