Al-Biqa'iAl‑Ikhlas · 112:1–2

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ikhlas 112:1–2, continued

(p-٣٦٢)والواحِدُ مِنَ العَدَدِ في الحِسابِ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ، بَلْ هو قَبْلَ كُلِّ عَدَدٍ وهو خارِجٌ عَنِ العَدَدِ، والواحِدُ كَيْفَما أدَرْتَهُ لَمْ يَزِدْ فِيهِ شَيْءٌ ولَمْ يَنْقُصْ مِنهُ شَيْءٌ، تَقُولُ: واحِدٌ في واحِدٍ بِواحِدٍ - فَلَمْ يَزِدْ عَلى الواحِدِ شَيْءٌ، فَدَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ قَبْلَهُ، وإذا دَلَّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ قَبْلَهُ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُحَدِّثُ الشَّيْءِ، فَإذا دَلَّ عَلى أنَّهُ مُحَدِّثُ الشَّيْءِ دَلَّ عَلى أنَّهُ مُغْنِي الشَّيْءُ، وإذا كانَ مُغْنِي الشَّيْءِ دُلَّ عَلى أنَّهُ لا شَيْءَ بَعْدَهُ، فَإذا لَمْ يَكُنْ قَبْلَهُ شَيْءٌ ولا بَعْدَهُ شَيْءٌ فَهو المُتَوَحِّدُ بِالأزَلِ، يَعْنِي فَهو الواحِدُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ فَهو الأحَدُ، قالَ: فَلِذَلِكَ قِيلَ: هو واحِدٌ وأحَدٌ، وقُلْنا: إنَّ الأحَدَ هو اسْمٌ أكْمَلُ - أيْ أعَمُّ - مِنَ الواحِدِ، ألا تَرى أنَّكَ إذا قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقُومُ لَهُ واحِدٌ، جازَ في المَعْنى أنْ يَقُومَ لَهُ اثْنانِ أوْ ثَلاثَةٌ فَما فَوْقَها، وإذا قُلْتَ: فُلانٌ لا يَقُومُ لَهُ أحَدٌ، فَقَدْ جَزَمْتَ بِأنَّهُ لا يَقُومُ لَهُ واحِدٌ ولا اثْنانِ ولا ما فَوْقَهُما، فَصارَ الأحَدُ أكْمَلَ مِنَ الواحِدِ، وفي الأحَدِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ في الواحِدِ، تَقُولُ: لَيْسَ في الدّارِ واحِدٌ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدًا مِنَ الدَّوابِّ أوِ الطَّيْرِ أوِ الوَحْشِ أوِ الإنْسِ، فَكانَ الواحِدُ يَعُمُّ النّاسَ وغَيْرَ النّاسِ، وإذا قُلْتَ: لَيْسَ في الدّارِ أحَدٌ، فَهو مَخْصُوصٌ لِلْآدَمِيِّينَ دُونَ سائِرِهِمْ، والأحَدُ مُمْتَنَعٌ مِنَ الدُّخُولِ في الضَّرْبِ وفي العَدَدِ وفي القِسْمَةِ (p-٣٦٣)وفِي شَيْءٍ مِنَ الحِسابِ، وهو مُنْفَرِدٌ بِالأحَدِيَّةِ، والواحِدُ مُنْقادٌ لِلْعَدَدِ والقِسْمَةِ وغَيْرُها داخِلٌ في الحِسابِ، تَقُولُ: واحِدٌ واثْنانِ وثَلاثَةٌ، فَهَذا وإنْ لَمْ يَكُنْ مِنَ العَدَدِ فَهو عِلَّةُ العَدَدِ، وداخِلٌ في العَدَدِ، لِأنَّكَ إذا ضَرَبْتَ واحِدًا في واحِدٍ لَمْ يَزِدْ، واثْنانِ هو جِذْرُ الحِسابِ، وتَقُولُ: في القِسْمَةِ، واحِدٌ بَيْنَ اثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ، لِكُلِّ واحِدٍ مِنَ الِاثْنَيْنِ نِصْفٌ، ومِنَ الثَّلاثَةِ ثُلُثٌ، فَهَذِهِ القِسْمَةُ، والأحَدُ مُمْتَنِعٌ مِن هَذا، لا يُقالُ: أحَدٌ واثْنانِ ولا أحَدٌ في أحَدٍ ولا أحَدٌ في واحِدٍ ولا في اثْنَيْنِ أوْ ثَلاثَةٍ، والواحِدُ وإنْ لَمْ يَتَجَزَّأْ مِنَ الواحِدِ فَهو يَتَجَزَّأُ مِن [الِاثْنَيْنِ و-] الثَّلاثَةِ فَما فَوْقَهُما، تَقُولُ: جُزْءٌ واحِدٌ مِن جُزْئَيْنِ أوْ ثَلاثٍ فَما فَوْقَها، ولا يَجُوزُ: جُزْءُ أحَدٍ مِن جُزْئَيْنِ فَما فَوْقَهُما، وقَدْ سَمّى اللَّهُ نَفْسَهُ واحِدًا أحَدًا ووَصَفَ نَفْسَهُ بِالوَحْدانِيَّةِ والأحَدِيَّةِ، فالواحِدُ نَعْتٌ يَلْزَمُهُ عَلى الحَقِيقَةِ لِأنَّهُ كانَ قَبْلُ ولا ثانِيَ مَعَهُ، والثّانِي خِلالُ الواحِدِ، فَهو واحِدٌ لِاتِّحادِهِ في القِدَمِ، والخَلْقِ اثْنانِ لِاقْتِرانِهِ بِالحَدَثِ لِأنَّ الحَدَثَ ثانٍ لِلْقِدَمِ، وبِهِ ظَهَرَتِ التَّثْنِيَةُ، فالواحِدُ هو الأحَدُ في ذاتِهِ فَهو لا شَيْءَ قَبْلَهُ ولا مِن شَيْءٍ ولا في شَيْءٍ ولا عَلى شَيْءٍ ولا لِشَيْءٍ ولا مَعَ شَيْءٍ، فَيَكُونُ ذاكَ الشَّيْءُ ثانِيًا مَعَهُ بَلْ هو الواحِدُ مُنْشِئٌ والأشْياءُ كُلُّها [لَهُ -]، (p-٣٦٤)وهُوَ المُتَّحِدُ بِذاتِهِ مُمْتَنَعٌ مِن أنْ يَكُونَ لَهُ شَيْءٌ ثانِيًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ والخَلْقُ كُلُّه لَهُ، وإنْ كانَ يُسَمّى بِالواحِدِ، أوْ كانَتْ هَذِهِ الصِّفَةُ قَدْ لَزِمَتْ جَمِيعَ الأشْياءِ في وجْهٍ فَإنَّها تَزُولُ عَنْها في وجْهٍ.

كَما قِيلَ: إنْسانٌ واحِدٌ وفَرَسٌ واحِدٌ وبَعِيرٌ واحِدٌ، وكَذَلِكَ يُقالُ لِسائِرِ الأشْياءِ، وهَذِهِ صِفَةٌ تَلْزَمُها في اللَّفْظِ، والمُسَمّى لا يَخْلُو مِن مَعانٍ كَثِيرَةٍ مُجْتَمِعَةٍ [فِيهِ -] كالجِسْمِ والعَرَضِ، وهو واحِدُ مَجْمُوعٍ مِن أشْياءَ مُتَفَرِّقَةٍ، وكُلُّ شَيْءٍ لا يَخْلُو مِنَ ازْدِواجٍ وتَضادٍّ وتَشاكُلٍ وحَدِّ وعْدٍ، وهَذِهِ الصِّفاتُ كُلُّها تَنْفِي عَنْهُ مَعْنى الأُحْدِيَّةِ والواحِدِيَّةِ، و[فِي -] الواحِدِ عَنِ العَرَبِ لُغاتٌ كَثِيرَةٌ، يُقالُ: واحِدٌ وأحَدٌ ووَحْدٌ ووَحِيدٌ وحادٌّ وأُحادٌ ومُوَحَّدٌ [وأوْحَدٌ -] - وهَذا كُلُّهُ راجِعٌ إلى مَعْنى الواحِدِ، وإنْ كانَ في ذَلِكَ مَعانٍ لَطِيفَةً ولَمْ يَجِئْ في صِفَةِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ إلّا الواحِدُ والأحَدُ، قُلْتُ: والوَحِيدُ عَلى بَعْضِ الإعْراباتِ في المُدَّثِّرِ، قالَ: وكُلُّها مُشْتَقَّةٌ مِنَ الواحِدِ، وكَأنَّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنَ الحَدِّ، كَأنَّ الأشْياءَ كُلَّها إلَيْهِ انْتِهاؤُها وهي مَحْدُودَةٌ كُلُّها غَيْرُهُ عَزَّ وجَلَّ وهو مَحْدُودٌ، بَلْ هو غايَةُ المَحْدُودِينَ وغايَةُ الغاياتِ لا غايَةَ لَهُ، والأحَدُ يَجِيءُ في الكَلامِ بِمَعْنى الأوَّلِ وبِمَعْنى الواحِدِ، فَإذا جاءَ بِمَعْنى الأوَّلِ وبِمَعْنى الواحِدِ جازَ (p-٣٦٥)أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ في الخَبَرِ كَقَوْلِكَ: هَذا واحِدٌ أحَدٌ، والعَرَبُ كانَتْ تُسَمِّي يَوْمَ الأحَدِ في الجاهِلِيَّةِ أوَّلًا، وقَوْلُكَ ”يَوْمَ الأحَدِ“ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اليَوْمُ الأوَّلُ مِنَ الأُسْبُوعِ، والِاثْنَيْنِ دَلِيلٌ عَلى أنَّهُ اليَوْمُ الثّانِي، وفي التَّوْراةِ أنَّ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ أوَّلُ ما خَلَقَ مِنَ الأيّامِ ”يَوْمَ الأحَدِ“ قُلْتُ: يُمْكِنُ [أنْ يَكُونَ -] مَعْنى يَوْمِ الأحَدِ يَوْمُ اللَّهِ، أُضِيفَ إلَيْهِ لِكَوْنِهِ أوَّلَ مَخْلُوقاتِهِ مِنَ الأيّامِ، فَلَمّا أوْجَدَ الثّانِي سُمِّيَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ، لِأنَّهُ ثانِي يَوْمِ الأحَدِ، قالَ: وضِدُّ الواحِدِ اثْنانِ، وضِدُّ الأحَدِ الآخَرُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قالَ أحَدُهُما إنِّي أرانِي أعْصِرُ خَمْرًا﴾ [يوسف: ٣٦] [ثُمَّ قالَ في ضِدِّهِ -] ”وقالَ الآخَرُ“ فَهَذا دَلِيلٌ عَلى [أنَّ -] مَعْنى قَوْلِهِمْ ”يَوْمَ الأحَدِ“ اليَوْمُ الأوَّلُ: لِأنَّهم قالُوا لِما بَعْدَهُ اثْنانِ، ولَمْ يَقُولُوا: الآخَرُ، لِأنَّ الأحَدَ إذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى الأوَّلِ فَضِدُّهُ الآخَرُ، وإذا كانَ الأحَدُ بِمَعْنى الأوَّلِ جازَ الخَبَرُ والجَحْدُ، وإذا لَمْ يَكُنْ بِمَعْنى الأوَّلِ وكانَ بِمَعْنى الواحِدِ جازَ في الخَبَرِ وجازَ في الجَحْدِ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿فابْعَثُوا أحَدَكم بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩] [فَهَذا -] مِنَ الخَبَرِ، فَإذا لَمْ يَكُنْ أحَدٌ بِمَعْنى الأوَّلِ وبِمَعْنى الواحِدِ لَمْ يَجُزْ أنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ إلّا في الجَحْدِ، تَقُولُ: ما جاءَنِي أحَدٌ، ولا يَجُوزُ: جاءَنِي أحَدٌ، وكَلَّمَنِي أحَدٌ، قالَ اللَّهُ تَعالى في مَعْنى الجَحْدِ ﴿أيَحْسَبُ أنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أحَدٌ﴾ [البلد: ٥] [وأحَدٌ -] يَسْتَوِي (p-٣٦٦)فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّساءِ﴾ [الأحزاب: ٣٢]

وواحِدٌ لا يَسْتَوِي فِيهِ المُذَكَّرُ والمُؤَنَّثُ حَتّى يَدْخُلَ فِيهِ الهاءُ فَيُقالُ ”واحِدَةً“ لا يَجُوزُ ”كَواحِدٍ مِنَ النِّساءِ“ وأحَدٌ يَكُونُ بِمَعْنى الجَمْعِ، تَقُولُ العَرَبُ: يَظَلُّ أحَدُنا الأيّامَ لا يَأْكُلُ، بِمَعْنى كُلُّنا [لا -] يَأْكُلُ، فاحْتَمَلَ مَعْنى الواحِدِ والجَماعَةِ - انْتَهى، فالواحِدُ مِنَ الأسْماءِ الثُّبُوتِيَّةِ الإضافِيَّةِ، يَكُونُ في أصْلِ اللُّغَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى ثانٍ هو نِصْفُهُ، وثالِثٍ هو ثُلْثُهُ، و[هَكَذا -] هو صِفَةُ اللَّهِ تَعالى بِمَعْنى المُتَوَحِّدِ في الِاتِّصافِ بِالأُلُوهِيَّةِ حَتّى لا يَقْبَلْها غَيْرُهُ بِوَجْهٍ، فَلا شَرِيكَ [لَهُ -]، والأحَدُ مِنَ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةُ، بَلْ هو مَجْمَعُها، هو أحَدٌ في نَفْسِهِ لا يَقْبَلُ العَدَدَ ولا التَّرْكِيبَ بِوَجْهٍ لا بِالقِسْمَةِ ولا بِغَيْرِها سَواءٌ نَظَرَ إلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلى الغَيْرِ أوْ لا، فَهو مُتَمَحِّضٌ لِلسَّلْبِ، فَهو وصْفٌ راجِعٌ إلى نَفْسِ الذّاتِ بِمَعْنى أنَّهُ كامِلٌ في ذاتِهِ لا يُؤَثِّرُ في مَفْهُومِهِ النَّظَرُ إلى شَيْءٍ أصْلًا، والفَرْدُ ناظِرٌ إلى نَفْيِ العَدَدِ، فافْتَرَقَتِ الأوْصافُ الثَّلاثَةُ وإنْ كانَتْ مُتَقارِبَةً في المَعْنى.

وقالَ الإمامُ أبُو الخَيْرِ القِزْوِينِيُّ الشّافِعِيُّ في كِتابِهِ ”العُرْوَةِ الوُثْقى في أُصُولِ الدِّينِ“ ناقِلًا عَنْ بَعْضٍ مَن فَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ الواحِدِ: إنَّ الأحَدَ اسْمٌ لِنَفْيِ ما يُذَكَّرُ مَعَهُ، وعَنْ بَعْضِهِمْ أنَّهُ الَّذِي لا يَجُوزُ لَهُ التَّبْعِيضُ لا فِعْلًا ولا وهْمًا، فَهو أحَدٌ بِذاتِهِ وأحَدٌ بِصِفاتِهِ، وتَوْحِيدُ اللَّهِ تَعالى (p-٣٦٧)لِنَفْسِهِ عِلْمُهُ بِأنَّهُ واحِدٌ، وإخْبارُهُ بِذَلِكَ وتَوْحِيدُ العَبْدِ لَهُ عِلْمُهُ بِذَلِكَ مَعَ إقْرارِهِ بِهِ، وقالَ الإمامُ فَخْرُ الدِّينِ الرّازِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: فاللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أحَدٌ في ذاتِهِ، أحَدٌ في صِفاتِهِ، أحَدٌ في أفْعالِهِ، أحَدٌ لا عَنْ أحَدٍ غَيْرِ مُتَجَزِّئٍ ولا مُتَبَعِّضٍ، أحَدٌ غَيْرُ مُرَكَّبٍ ولا مُؤَلَّفٍ، أحَدٌ لا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ ولا يُشْبِهُ شَيْئًا، أحَدٌ غَنِيٌّ عَنْ كُلِّ أحَدٍ - انْتَهى، وهَذا مَعْنى ما نَقَلَهُ المُعْرِبُونَ عَنْ ثَعْلَبٍ أنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَهُما بِأنَّ واحِدًا يَدْخُلُهُ العَدَدُ، وأحَدٌ لا يَدْخُلُهُ ذَلِكَ، يُقالُ: اللَّهُ أحَدٌ، ولا يُقالُ: زِيدٌ أحَدٌ، لِأنَّ الأحَدَ خُصُوصِيَّةُ اللَّهِ تَعالى، زِيدٌ يَكُونُ مِنهُ حالاتٌ، ونَقَضَ عَلَيْهِ بِالعَدَدِ المُعَدَّدِ المَعْطُوفِ، يُقالُ: أحَدٌ وعِشْرُونَ واثْنانِ وعِشْرُونَ، ورَدَّ بِأنْ أحَدًا فِيهِ بِمَعْنى واحِدٍ، وقالَ الإمامُفَخْرُ الدِّينِ في شَرْحِ الأسْماءِ: إنَّهُ اخْتَصَّ بِهِ البارِئَ سُبْحانَهُ، أمّا الواحِدُ فَيَحْصُلُ فِيهِ المُشارَكَةُ، ولِهَذا السَّبَبِ أُعْرِيَ مِن لامِ التَّعْرِيفِ لِأنَّهُ صارَ نَعْتًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ عَلى الخُصُوصِ، فَصارَ مَعْرِفَةً، وقالَ الأزْهَرِيُّ: سُئِلَ أحْمَدُ بْنُ يَحْيى عَنِ الأُحادِ هَلْ هي جُمَعُ [أحَدٍ، فَقالَ: مَعاذَ اللَّهِ لَيْسَ لِلْأحَدِ جَمْعٌ، ولا يَبْعُدُ أنْ يُقالَ إنَّهُ جَمْعُ -] واحِدٍ كالأشْهادِ جَمْعُ شاهِدٍ - انْتَهى، وقالَ الإقْلِيشِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ: الأحَدُ هو الَّذِي لَيْسَ بِمُنْقَسِمٍ ولا مُتَجَزِّئٍ، (p-٣٦٨)فَهُوَ عَلى هَذا اسْمٌ لِعَيْنِ الذّاتِ، فِيهِ سَلَبَ الكَثْرَةَ عَنْ ذاتِهِ، فَتَقَدَّسَ بِهَذا الوَصْفِ عَنْ صِفاتِ الأجْسامِ القابِلَةِ لِلتَّجَزُّؤِ والِانْقِسامِ، والنُّقْطَةُ والجَوْهَرُ الفَرْدُ عَنْ مُثْبِتِهِ - يَعْنِي مِنَ المُتَكَلِّمِينَ، والجَوْهَرُ البَسِيطُ عِنْدَ مُدَّعِيهِ - يَعْنِي مِنَ الفَلاسِفَةِ، وإنْ كانَتْ هَذِهِ لا تَتَجَزَّأُ ولا تَنْقَسِمُ وإنَّها مُخالَفَةٌ لِلْبارِئِ تَعالى في أُحْدِيَّتِهِ، أمّا النُّقْطَةُ فَعَرْضٌ عِنْدَ بَعْضِهِمْ إذْ هي عِبارَةٌ عَنْ طَرَفِ الخَطِّ، وإذا كانَ الخَطُّ عَرْضًا فالنُّقْطَةُ أوْلى بِالعَرْضِيَّةِ، وأمّا الجَوْهَرُ الفَرْدُ فَإنَّهُ وإنْ كانَ لا يَنْقَسِمُ فَهو مُقَدَّرٌ بِجُزْءٍ، وكُلُّ ما قُدِّرَ بِجُزْءٍ فَلا يَخْلُو مِنَ الأكْوانِ وهو كَيْفَما كانَ عَلى رَأْيِ مَن أثْبَتَهُ مِنَ المُتَكَلِّمِينَ وإنْ كانُوا في أوْصافِهِ مُتَنازِعِينَ فَلا يَخْلُو مِنَ الأعْراضِ، وأمّا الجَوْهَرُ البَسِيطُ عِنْدَ مَن أثْبَتَهُ فَوُجُودُهُ عِنْدَهم لَيْسَ عَيْنَهُ إذا اثْنَيْنَيْتُهُ غَيْرَ ماهِيَّتِهِ، وما هو بِهَذا الوَصْفِ عِنْدَهم فَفِيهِ اثْنَيْنَيْةٌ، فَفارَقَ البارِئُ سُبْحانَهُ وتَعالى بِأُحْدِيَّتِهِ هَذِهِ المَوْجُوداتِ كَما فارَقَ بِذاتِهِ الأجْسامَ، فَوُجُودُهُ عَنْ ذاتِهِ ولَيْسَتْ صِفاتُهُ تَعالى مُغايِرَةً لِذاتِهِ، وأمّا الواحِدُ فَهو وصْفٌ لِذاتِهِ، فِيهِ سَلْبُ الشَّرِيكِ والنَّظِيرِ عَنْهُ، فافْتَرَقا - يَعْنِي بِأنَّ الأحَدَ ناظِرٌ إلى نَفْسِ الذّاتِ، والواحِدُ إلى أمْرٍ خارِجٍ عَنْها، وقالَ البَيْهَقِيُّ في كِتابِ الأسْماءِ والصِّفاتِ: الأحَدُ فِيما يَدْعُوهُ المُشْرِكُونَ إلَهًا [مِن دُونِهِ لا يَجُوزُ (p-٣٦٩)أنْ يَكُونَ إلَهًا -] إذْ كانَتْ إماراتُ الحَدَثِ مِنَ التَّجَزُّؤِ والتَّناهِي قائِمَةً فِيهِ لازِمَةً لَهُ، والبارِئُ سُبْحانَهُ وتَعالى لا يَتَجَزَّأُ ولا يَتَناهى، فَقَدْ مَرَّ أنَّ الأحَدَ خاصٌّ بِاللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى: إنَّهُ لا فَرْقَ في إطْلاقِهِ عَلَيْهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بَيْنَ تَعْرِيفِهِ وتَنْكِيرِهِ لِأنَّهُ مَعْرِفَةٌ في نَفْسِهِ، فَطاحَ اعْتِراضُ مَن قالَ مِنَ المُلْحِدِينَ: الجَلالَةُ مَعْرِفَةٌ وأحَدٌ نَكِرَةٌ لا يُنْعَتُ بِهِ.

وعَلى تَقْدِيرِ التَّسْلِيمِ يَجُوزُ جَعْلَهُ بَدَلًا كَما تَقَدَّمَ ولا مانِعَ مِن إبْدالِ النَّكِرَةِ مِنَ المَعْرِفَةِ مِثْلُ لَنَسْفَعًا بِالنّاصِيَةِ ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ، قالَ صاحِبُ كِتابِ الزِّينَةِ: وعَلى هَذِهِ القِراءَةِ - أيْ قِراءَةِ التَّنْكِيرِ - أجْمَعَتِ الأُمَّةُ، ورَوى قَوْمٌ عَنْ أبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصّادِقِ أنَّهُ قَرَأ قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ اللَّهُ الواحِدُ الأحَدُ الصَّمَدُ، وقالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحِرّالِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ [الحُسْنى -]: الأحَدُ اسْمُ أعْجَزَ اللَّهُ العُقُولَ عَنْ إدْراكِ آيَتِهِ في الخَلْقِ إثْباتًا فَلَمْ تَسْتَعْمِلْهُ العَرَبُ مُفْرَدًا قَطُّ أيْ وهو بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ لا بِمَعْنًى واحِدٍ ولا بِمَعْنًى أوَّلَ مَثَلًا إلّا في النَّفْيِ لَمّا عَلِمُوا أنَّهُ مُفْصِحٌ عَنْ إحاطَةٍ جامِعَةٍ لا يَشِذُّ عَنْها شَيْءٌ، وذَلِكَ مِمّا تُدْرِكُهُ العُقُولُ والحَواسُّ في النَّفْيِ ولا تُدْرِكُهُ في الإثْباتِ فَيَقُولُونَ: ما في الدّارِ أحَدٌ - نَفْيًا لِكُلٍّ ولا يُسَوِّغُ في عُقُولِهِمْ أنْ يَقُولُوا: في الدّارِ أوْ في الوُجُودِ [أحَدٌ -]، إذْ لا يَعْقِلُ عِنْدَهم ذاتُ إنْسانٍ هي جامِعَةٌ لِكُلِّ إنْسانٍ، فَلَمّا ورَدَ عَنِ (p-٣٧٠)اللَّهِ اسْمُهُ في القُرْآنِ تَلَقّاهُ المُؤْمِنُونَ بِالإيمانِ وأحَبَّتْ قُلُوبُهم سُورَةَ ذِكْرِهِ لِجَمْعِها لِما لا يُحْصى مِن ثَناءِ الرَّحْمَنِ وهي أحَدُ الأنْوارِ الثَّلاثَةِ في القُرْآنِ، [القُرْآنُ -] نُورٌ

﴿ولَكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَن نَشاءُ مِن عِبادِنا﴾ [الشورى: ٥٢] ونُورُ نُورِهِ [سُورَةُ ] ذَكَرَ الأحَدَ في خَتْمِهِ وآيَةُ الكُرْسِيِّ في ابْتِدائِهِ وسُورَةُ يس الَّتِي هي قَبْلَهُ في مَحَلِّها مِنهُ واحِدٌ مُبِينٌ عَنِ اسْمِ [اللَّهِ الَّذِي هو بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ، لا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ شِرْكٌ في حَقٍّ ولا باطِلٍ، وهو واحِدٌ مُبِينٌ عَنِ اسْمِ -] الإلَهِ الَّذِي لا يَصِحُّ فِيهِ الشِّرْكُ حَقًّا، وقَدْ يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ باطِلًا ”واتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ آلِهَة“ وذَلِكَ لِأنَّ الواحِدَ يُضائِفُ الثّانِي، وأحَدٌ جامِعٌ مُحِيطٌ لَمْ يَبْقَ خارِجَ عَنْهُ فَيُضايِفَهُ يَعْنِي أنَّ مَفْهُومَهُ ناظَرَ إلى كَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى الآنَ كَما كانَ في الأزَلِ وحْدَهُ، فَإنَّ الخَلْقَ فانٍ فَهو في الحَقِيقَةِ عَدَمٌ، وكَأنَّهُ ما كانَ لِإحاطَتِهِ بِهِ وكَوْنُهُ في قَبْضَتِهِ وطَوْعَ مَشِيئَتِهِ، فَلا خارِجَ يَكُونُ مُضايِفًا لَهُ لِأنَّهُ لا يُضايِفُ الشَّيْءَ إلّا مَناظِرٌ لِمُساواةٍ أوْ مُباراةٍ بِمُعانَدَةٍ أوْ غَيْرِها، فالكُلُّ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ عَدَمٌ ﴿إنَّكَ مَيِّتٌ وإنَّهم مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] ﴿كُلُّ مَن عَلَيْها فانٍ﴾ [الرحمن: ٢٦] ﴿كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إلا وجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] [هَذا مُرادُهُ -] بِدَلِيلِ سابِقِهِ ولاحِقِهِ فَلا شُبْهَةَ فِيهِ لِأهْلِ الوَحْدَةِ - عَلَيْهِمُ الخِزْيُ واللَّعْنَةُ، قالَ: والوَحْدَةُ (p-٣٧١)مِنَ الواحِدِ هي [حَدٌّ -] النِّهايَةُ، والغايَةُ مِمّا هي وحْدَتُهُ، وما دُونُ الوَحْدَةِ الَّتِي هي الغايَةُ ثانِيَةٌ ودُونَهُ وجِماعُ إحاطاتِ كُلِّ ذَلِكَ أعْلى وأدْنى هي الأُحْدِيَّةُ الَّتِي لا يَشِذُّ عَنْها شاذٌّ ولا يَخْرُجُ عَنْها خارِجٌ، فَمِنَ الأسْماءِ مَعْلُومٌ لِخَلِيقَةٍ مِن خَلِيقَتِهِ بِما أتاهم مِنهُ كالرَّحِيمِ والعَلِيمِ، ومِنها ما يَعْجِزُ عَنْهُ خِلافَتُهم كالأسْماءِ المُتَقَدِّمَةِ مِنَ اسْمِهِ المُحْصِي، ولَكِنْ يَنالُ مَثَلًا مِن قَوْلِهِمْ، ومِنها ما لَمْ يَنَلْهُ العِلْمُ ولا أدْرَكَتْ مِثْلَهُ العُقُولُ وهو اسْمُهُ الأحَدُ، فاللَّهُ هو الأحَدُ الَّذِي لا أحَدَ إلّا هو - انْتَهى، وقالَ الإمامُ أبُو الحَكَمِ بْنُ بُرْجانَ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: وهو - أيِ الأحَدُ - أصْلٌ لِبابِ الوَحْدَةِ، يَدُلُّ عَلى مَحْضِ الوَحْدَةِ، ألا تَرى أنَّهُ نافٍ يَأْتِي مَعَهُ، إذا قُلْتَ: لَمْ يَأْتِنِي أحَدٌ، انْتَفى الِاثْنانِ، ولا تَقُولُ: جاءَنِي أحَدٌ كَما تَقُولُ! جاءَنِي واحِدٌ، لِأنَّ واحِدًا تَزُولُ عَنْهُ الواحِدِيَّةِ بِضَمٍّ ثانٍ إلَيْهِ بِخِلافِ الأُحْدِيَّةِ فَإنَّها لازِمَةُ الواحِدِ لا يُفارِقُهُ حَكَمُها بَعْدَ ضَمِّ الثّانِي بَلْ لَها مِن جِهَةٍ مَحْفُوظَةٍ عَلَيْها يَظْهَرُ ذاكَ بِالأشْفاعِ والأوْتارِ، فَإنَّكَ تَقُولُ: ما جاءَنِي أحَدٌ، فَتَنْتَفِي الأشْفاعُ كَما تَنْتَفِي الأوْتارُ، وهَذا دَلِيلٌ عَلى زِيادَةِ شَرَفِهِ فَإنَّ الِاسْمَ كُلَّما غَمُضَتْ دَلالَتُهُ وتَعَذَّرَتْ مَعْرِفَتُهُ عَنِ الأفْهامِ وعَزَبَ عَنِ العُقُولِ عِلْمُهُ كانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلى قُرْبِهِ مِنَ الِاسْمِ الأعْظَمِ - انْتَهى، (p-٣٧٢)وقالَ بَعْضُ العارِفِينَ في كَشْفِ مَعْنى الأحَدِ ورُتْبَتُهُ: إنَّ الذّاتَ الأعْظَمَ غَيْبٌ مَحْضٌ [والأحَدُ أوَّلُ تَعَيُّنِاتِها، ولِذَلِكَ بُدِئَ بِالهَمْزَةِ الَّتِي هي أوَّل تَعَيُّناتِ الألِفِ الَّتِي هي لَهِيبٌ مَحْضٌ -] وذَلِكَ سِرُّ مُخالَفَتِها لِلْأحْرُفِ في أنَّ كُلَّ حَرْفٍ يَدُلُّ عَلى مُسَمّاهُ أوَّلُ حُرُوفِ اسْمِهِ [إلّا-] الألِفُ لِكَوْنِها غَيْبًا، فَكانَ أوَّلُ اسْمِها [الهَمْزَةُ الَّتِي هي أوَّل تَعَيُّناتِها، والهَمْزَةُ لِكَوْنِها مُرَقًّى إلى غَيْبِ الألِفِ كانَ أوَّلَ اسْمِها -] أيْضًا [غَيْرُ -] دالٍّ عَلى مُسَمّاها.

ثُمَّ بَعْدَ التَّعْيِينِ بِالأُحْدِيَّةِ الشّامِلَةِ المُسْتَغْرِقَةِ [يَتَنَزَّلُ -] إلى الإلَهِيَّةِ ثُمَّ مِنها إلى الواحِدِيَّةِ، ولِذَلِكَ ابْتُدِئَ الواحِدُ بِالواوِ الَّتِي هي وصْلَةٌ إلى ما فِيهِ مِنَ الألِفِ الَّذِي هو غَيْبٌ، فَإنَّ الواحِدَ مُرَقّى إلى فَهْمِ الإلَهِ، والإلَهُ مُرَقّى إلى تَعَقُّلِ الأحَدِ، والأحَدُ مُرَقّى إلى التَّعَبُّدِ لِلذّاتِ الأقْدَسِ الأنْزَهِ، ومَنِ اعْتَقَدَ أُحْدِيَّتَهُ سُبْحانَهُ وتَعالى، أنْتَجَ لَهُ ذَلِكَ حُبَّهُ وتَعْظِيمَهُ، وهو تَوْحِيدُ الأُلُوهِيَّةِ لِأنَّ التَّفَرُّدَ بِذَلِكَ يَقْتَضِي الكَمالَ والجَمالَ - واللَّهُ المُوَفِّقُ.

قالَ الإمامُ [ أبُو -] جَعْفَرِ بْنُ الزُّبَيْرِ: لَمّا انْقَضى مَقْصُودُ الكِتابِ العَزِيزِ بِجُمْلَتِهِ عادَ الأمْرُ إلى ما كانَ، وأشْعَرَ العالِمَ بِحالِهِمْ مِن تَرَدُّدِهِمْ بَيْنَ عَدَمَيْنِ ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] فَوُجُودُهم مِنهُ سُبْحانَهُ وتَعالى وبَقاؤُهم بِهِ وهم وجَمِيعُ ما يَصْدُرُ عَنْهم مِن أقْوالِهِمْ وأفْعالِهِمْ (p-٣٧٣)كُلُّ ذَلِكَ خَلْقُهُ واخْتِراعُهُ، وقَدْ كانَ سُبْحانَهُ وتَعالى ولا عالَمَ ولا زَمانَ ولا مَكانَ، [وهُوَ الآنُ عَلى ما -] عَلَيْهِ كانَ، لا يَفْتَقِرُ إلى أحَدٍ ولا يَحْتاجُ إلى مُعَيَّنٍ، ولا يَتَقَيَّدُ بِالزَّمانِ، ولا يَتَحَيَّزُ بِالمَكانِ، فالحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العالَمِينَ، أهْلِ الحَمْدِ ومُسْتَحَقِّهِ مُطْلَقًا، لَهُ الحَمْدُ في الأُولى والآخِرَةِ، ولَهُ الحُكْمُ وإلَيْهِ المَصِيرُ ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: ٢] ﴿لَمْ يَلِدْ ولَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: ٣] ﴿ولَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] هو المَوْجُودُ الحَقُّ، وكَلامُهُ الصِّدْقُ،

﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا إلا لَعِبٌ ولَهْوٌ ولَلدّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: ٣٢] فَطُوبى لِمَنِ اسْتَوْضَحَ أيْ كِتابِ اللَّهِ، وأتى الأمْرُ مِن بابِهِ وعَرَفَ نَفْسَهُ ودُنْياهُ، وأجابَ داعِيَ اللَّهِ ولَمْ يَرَ فاعِلًا في الوُجُودِ حَقِيقَةً إلّا هو سُبْحانَهُ وتَعالى والحَمْدُ لِلَّهِ رَبُّ العالَمِينَ، ولَمّا كَمُلَ مَقْصُودُ الكِتابِ، واتَّضَحَ عَظِيمُ رَحْمَةِ اللَّهِ بِهِ لِمَن تَدَبَّرَ واعْتَبَرَ وأنابَ، كانَ مَظِنَّةَ الِاسْتِعاذَةِ واللَّجَأ مِن شَرِّ الحاسِدِ وكَيْدِ الأعْداءِ فَخَتَمَ بِالمُعَوِّذَتَيْنِ مِن شَرِّ ما خَلَقَ وذَرَأ وشَرِّ الثَّقَلَيْنِ - انْتَهى.

112:2Page 604

ٱللَّهُ ٱلصَّمَدُ ٢

Allāh, the Eternal Refuge.1

ولَمّا تَمَّ البَيانُ لَهَوِيَّتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى هَذا الوَجْهِ الَّذِي أنْهاهُ بِالأُحْدِيَّةِ المُعَلِّمَةِ بِالتَّنَزُّهِ عَنِ القِسْمَةِ والنَّظِيرِ، وكانَ بَيانُ القُرْآنِ بِالغًا أقْصى نِهاياتِ البَيانِ، وكانَ الأحَدُ مَنِ النُّعُوتِ المُتَوَغِّلَةِ في السَّلْبِ، وكانَتِ الشَّرِكَةُ تَقَعُ في التَّعْبِيرِ بِهِ في النَّفْيِ وهو بِمَعْناهُ الحَقِيقِيِّ وتَقَعُ (p-٣٧٤)فِيهِ بِالإثْباتُ والسَّلْبُ عَلى حَدٍّ سَواءٍ، أوْ دَلالَتُهُ عَلى الكَمالِ والإضافَةِ أكَمُلُ، وبَناهُ عَلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الَّذِي هو آخِرُ الأسْماءِ الظّاهِرَةِ وأوَّلُ الأسْماءِ الباطِنَةِ، ولَمْ يَقَعْ فِيهِ شَرِكَةٌ بِوَجْهٍ دَفْعًا لِكُلِّ تَعَنُّتٍ، وإشْعارًا بِأنْ لَمْ يُسَمَّ بِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ الأُلُوهِيَّةَ، وأخْلى الجُمْلَةَ عَنْ عاطِفٍ لِأنَّها كالنَّتِيجَةِ لِلْأُولى والدَّلِيلُ عَلَيْها، فَقالَ مُكاشِفًا لِنُفُوسِ المُؤْمِنِينَ ولِلْعُلَماءِ مُعِيدًا الِاسْمَ ولَمْ يُضْمِرْ لِئَلّا يَظُنُّ تَقَيُّدَ بِحَيْثِيَّةِ غَيْبٍ أوْ غَيْرِها: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي ثَبَتَتْ إلَهِيَّتُهُ وأُحْدِيَّتُهُ، لا غَيْرُهُ ﴿الصَّمَدُ﴾ الَّذِي تَناهى سُؤْدُدُهُ المُطْلَقُ في كُلِّ شَيْءٍ [إلى حَدٍّ تَنْقَطِعُ دُونَهُ الآمالُ، فَكانَ بِحَيْثُ لا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ -] وكُلُّ شَيْءٍ إلَيْهِ مُحْتاجٌ، وتَنَزَّهَ عَنِ الجَوْفِيَّةِ فَلَمْ تَدِنَّ مِن جَنابِهِ بِفِعْلٍ ولا قُوَّةٍ لِأنَّهُ تَنَزَّهَ عَنِ القِسْمَةِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ مَعَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يُشْبِبُها عَظَمَةٌ، فَكانَ واحِدًا بِكُلِّ اعْتِبارٍ، وذَلِكَ هو مَفْهُومُ الأُحْدِيَّةِ عِبارَةٌ وإشارَةٌ، فَكانَ مَصْمُودًا إلَيْهِ في الحَوائِجِ أيْ مَقْصُودًا لِأجْلِها، فَهو المَوْصُوفُ بِهَذا الِاسْمِ عَلى الإطْلاقِ، وبِكُلِّ اعْتِبارٍ، فَكانَ مُوجِدًا لِلْعالَمِ لِأنَّ العالِمَ مُرَكَّبٌ بِدَلِيلِ المُشاهَدَةِ فَكانَ مُمْكِنًا فَكانَ مُحْدِثُهُ واجِبًا قَدِيمًا، نَفْيًا لِلدَّوْرِ والتَّسَلْسُلِ المُحالَيْنِ، وخَلْقُهُ [لَهُ -] بِالقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ (p-٣٧٥)لِأنَّهُ لَوْ كانَ بِالطَّبْعِ والإيجابِ لَكانَ وجُودُهُ مَعَ وُجُودِهِ لَأنَّ العِلَّةَ لا تَنْفَكُّ عَنِ المَعْلُولِ، فَيَلْزَمُ مِن قِدَمِ البارِئِ عَزَّ وجَلَّ قِدَمِ العالَمِ، ومِن حُدُوثِ العالَمِ حُدُوثِ البارِئِ جَلَّ وعَزَّ، وذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ النَّقِيضَيْنِ وهو مُحالٌ، وقِصَرُ الصَّمَدِيَّةِ عَلَيْهِ لِأنَّ اشْتِدادَ الألِفِ لِحاجَةِ الشَّيْءِ إلى غَيْرِهِ رُبَّما كانَ مُوجِبًا لِخَفاءِ اخْتِصاصِهِ بِهِ، ولَمْ يُقَصِّرِ الأُحْدِيَّةِ إمّا لِلتَّنْبِيهِ عَلى أنَّ ذَلِكَ لِشِدَّةِ ظُهُورِهِ غَنِيٌّ عَنِ التَّأْكِيدِ. وإمّا اسْتِئْلافًا لَهم لِئَلّا يَنْفِرُوا قَبْلَ سَماعِ تَمامِ السُّورَةِ عَلى أنَّهُ بِظُهُورِ قِصَرِ الصَّمَدِيَّةِ الَّتِي أحَدُ مَعْنَيَيْها لازِمُ الأُحْدِيَّةِ ظَهَرَ الِاخْتِصاصُ بِالأُحْدِيَّةِ، قالَ العُلَماءُ رَحِمَهُمُ اللَّهُ تَعالى: والصَّمَدُ مَن صَمَدَ إلَيْهِ - إذا قَصَدَهُ، وهو كالأحَدِ، بُنِيَ عَلى هَذا الوَزْنِ لِأنَّهُ لا تَلْحَقْهُ المُضارَعَةُ ولا تَدْنُ مِنهُ المُشابِهَةُ لِأنَّهُ اسْمٌ خاصٌّ فَهو السَّيِّدُ المَصْمُودُ إلَيْهِ، وهو أيْضًا الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ ولا رَخاوَةَ بِوَجْهٍ فِيهِ، لِأنَّ الأجْوافَ وِعاءٌ، وكُلُّ وِعاءٍ مُحْتاجٌ إلى مُوَعِّيهِ، يُقالُ: شَيْءٌ مُصَمَّدٌ، أيْ صُلْبٌ، وحَجَرٌ صَمَدٌ: أمْلَسُ لا يَقْبَلُ الغُبارُ ولا يَدْخُلُ فِيهِ شَيْءٌ ولا يَخْرُجُ مِنهُ شَيْءٌ، قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وهو عَلى هَذا الدّالِّ فِيهِ مُبْدِلُهُ مِنَ التّاءِ وهو المُصْمَتُ، وهو أيْضًا العالِي الَّذِي تَناهى عُلُوُّهُ، تَقُولُ العَرَبُ لِما أشْرَفَ مِنَ الأرْضِ: صَمْدٌ - بِإسْكانِ المِيمِ، وبِناءٍ صَمَدٍ أيْ (p-٣٧٦)مُعَلّى، فَهو عَلى التَّفْسِيرِ الأوَّلِ مِنَ الصِّفاتِ الإضافِيَّةِ بِمَعْنى أنَّهُ سَيِّدٌ لِكُلِّ مَوْجُودٍ، والكُلُّ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ في ابْتِداءِ إيجادِهِمْ وفي تَرْبِيَتِهِمْ، فَهم يَصْمُدُونَ إلَيْهِ في الحَوائِجِ ويَقْصِدُونَ إلَيْهِ في جَمِيعِ الرَّغائِبِ، وهو غَنِيٌّ عَلى الإطْلاقِ، وذَلِكَ هو اتِّصافُهُ بِصِفاتِ الإلَهِيَّةِ، قالَ [ الإقْلِيشِيُّ -]: فَعَلى هَذا أيْ أنَّهُ الَّذِي يَلْجَأُ إلَيْهِ ويَعْتَمِدُ عَلَيْهِ لِتَناهِي سُؤْدُدُهُ - يَتَشَعَّبُ مِن صِفَةِ الصَّمَدِ صِفاتُ السُّؤْدُدِ كُلُّها مِنَ الجُودِ، والحِلْمُ وغَيْرُ ذَلِكَ وإذا قُلْنا: إنَّ الصَّمَدَ العالِيَ تَشَعَّبَتْ مِنهُ صِفاتُ التَّعالِي كُلُّها مِنَ العِزَّةِ والقَهْرِ والعُلُوِّ ونَحْوِها - انْتَهى، وقَدْ رَوى البَيْهَقِيُّ رَحْمَة اللَّهِ تَعالى بِسَنَدِهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما في قَوْلِهِ ”الصَّمَدُ“ قالَ: هو السَّيِّدُ الَّذِي كَمُلَ في سُؤْدُدِهِ، والشَّرِيفُ الَّذِي كَمُلَ في شَرَفِهِ، والعَظِيمُ الَّذِي كَمُلَ في عَظْمَتِهِ، والحَلِيمُ الَّذِي [قَدْ -] كَمُلَ في حُلْمِهِ، والغَنِيُّ الَّذِي [ قَدْ -] كَمُلَ في غِناهُ، والجَبّارُ الَّذِي [قَدْ -] كَمُلَ في جَبَرُوتِهِ، والعالَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في عِلْمِهِ، والحَكَمُ الَّذِي قَدْ كَمُلَ في حُكْمِهِ، وهو الَّذِي كَمُلَ في أنْواعِ الشَّرَفِ والسُّؤْدُدِ وهو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، هَذِهِ صِفَتُهُ لا تَنْبَغِي إلّا لَهُ، (p-٣٧٧)لَيْسَ لَهُ كُفُوءً، ولَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، فَسُبْحانَ اللَّهِ الواحِدِ القَهّارِ وقالَ أبُو العَبّاسِ بْنُ تَيْمِيَةَ الحَنْبَلِيُّ -] في كِتابِهِ ”الفَرْقانِ بَيْنَ أوْلِياءِ الرَّحْمَنِ وأوْلِياءِ الشَّيْطانِ“: أجْمَعَ سَلَفُ الأُمَّةِ وأئِمَّتُها أنَّ الرَّبَّ سُبْحانَهُ وتَعالى بائِنٌ مِن مَخْلُوقاتِهِ، يُوصَفُ بِما وصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وبِما وصَفَهُ بِهِ رَسُولُهُ ﷺ مِن غَيْرِ تَحْرِيفٍ ولا تَعْطِيلٍ، ومِن غَيْرِ تَكْيِيفٍ ولا تَمْثِيلٍ بِوَصْفٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ [دُونَ صِفاتِ النَّقْصِ، ونَعْلَمُ أنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ولا كُفُوءَ لَهُ في شَيْءٍ مِن صِفاتِ الكَمالِ -] كَما قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ هو اللَّهُ أحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ - إلى آخِرِها، قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: الصَّمَدُ - إلى آخِرِ ما مَضى عَنْهُ، وقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وغَيْرُهُ: هو الَّذِي لا جَوْفَ لَهُ، والأحَدُ الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ.

فاسْمُهُ الصَّمَدُ يَتَضَمَّنُ اتِّصافَهُ بِصِفاتِ الكَمالِ ونَفْيِ النَّقائِصِ عَنْهُ، واسْمُهُ الأحَدُ يَتَضَمَّنُ أنَّهُ لا مِثْلَ لَهُ، وقالَ الحَرّالِيُّ: الصَّمَدُ - يَعْنِي بِالسُّكُونِ: - التَّوَجُّهُ بِالحاجاتِ إلى مَلِيٍّ بِقَضائِها لا يَحْتاجُ إلى سِواهُ، فَلِذَلِكَ يَكُونُ [الصَّمَدُ -] سَيِّدًا لا يُسادُ، السَّيِّدُ اللَّهُ - انْتَهى، وعَلى التَّفْسِيرِ الثّانِي: هو مِنَ النُّعُوتِ السَّلْبِيَّةِ، فَهو دالٌّ عَلى نَفْيِ الماهِيَّةِ الَّتِي تَعَنَّتَ بِها فِرْعَوْنُ لِاقْتِضائِها المُقَوِّماتِ المُسْتَلْزَمَةِ لِلْحاجَةِ إلى ما بِهِ التَّقْوِيمُ، وعَلى (p-٣٧٨)إثْباتِ الهُوِيَّةِ المُنَزَّهَةِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍّ، فَإنَّ كُلَّ ما لَهُ ماهِيَّةٌ كانَ لَهُ جَوْفٌ وباطِنٌ، وهو تِلْكَ الماهِيَّةُ، وهو ما لا باطِنَ لَهُ، وهو مَوْجُودٌ فَلا جِهَةَ ولا اعْتِبارَ في ذاتِهِ إلّا الوُجُودُ، فَهو واجِبُ الوُجُودِ غَيْرُ قابِلٍ لِلْعَدَمِ، وقَدْ عَلِمَ بِهَذا أنَّهُ جامِعٌ لِما ذَكَرَ فِيما قَبْلَهُ، فَإنَّ هَذا التَّفْسِيرَ الثّانِيَ يَتَشَعَّبُ مِنهُ مِنَ الأسْماءِ ما يَنْظُرُ إلى نَفْيِ التَّرْكِيبِ كالأحَدِ [ونَحْوِهِ ] وهَذانَ التَّفْسِيرانِ الأوَّلُ والثّانِي جامِعانِ لِجَمِيعِ ما فَسَّرَ بِهِ ولَمّا عَسى أنْ يُقالَ فِيهِ سُبْحانَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، ونُعُوتُ العَظَمَةِ والجَلالِ، فَمَن كانَ مَصْمُودًا إلَيْهِ في جَمِيعِ الحاجاتِ ومُتَعالِيًا عَنْ كُلِّ سَمْتِ حَدَثٍ وشائِبَةِ نَقْصٍ كانَ مُوجِدًا لِكُلِّ ما يُرِيدُ مِن نَفْعٍ وضُرٍّ ونافِعٍ وضارٍّ، قادِرًا عَلى حِفْظِ ما يُرِيدُ، وكانَ مَعْلُومًا كالشَّمْسِ أنَّهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأنَّهُ هو وحْدَهُ المُسْتَحِقُّ لِلْعِبادَةِ لِاحْتِياجِ الكُلِّ إلَيْهِ الِاحْتِياجُ المُطْلَقَ، وغِناهُ عَنْهُمُ الغِنى المُطْلَقَ، وتَفَرُّدُهُ بِصِفاتِ الكَمالِ والِانْقِطاعِ عَنْ قَرِينٍ، وإلى الصَّمَدانِيَّةِ يَنْتَهِي التَّوَجُّهُ وهو الإقْبالُ بِالكُلِّيَّةِ، وهي تَرُدُّ عَلى الفَلاسِفَةِ القائِلِينَ بِتَدْبِيرِ العُقُولِ، والصّابِيَةِ القائِلِينَ بِتَدْبِيرِ النُّجُومِ، وعَلى غَيْرِهِمْ مِن [كُلِّ مَنِ -] ادَّعى تَدْبِيرًا لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، ومَنِ اعْتَقَدَ (p-٣٧٩)صَمَدِيَّتَهُ المُقْتَضِيَةُ لِكَمالِ الذّاتِ والصِّفاتِ وشُمُولِ التَّدْبِيرِ، أنْتَجَ لَهُ كَمالَ التَّفْوِيضِ والتَّوَكُّلِ وهو تَوْحِيدُ الرُّبُوبِيَّةِ، وهَذِهِ الأسْماءُ الأرْبَعَةِ مُشِيرَةٌ إلى مَقاماتِ السّائِرِينَ ومُراماتِ الحائِرِينَ والجائِرِينَ، فالمُقَرَّبُونَ نَظَرُوا إلى الأشْياءِ فَوَجَدُوا كُلَّ ما سِواهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَعْدُومًا بِالذّاتِ، فَكانَ ذِكْرُهم ”هُوَ“ [و -]أصْحابُ اليَمِينِ نَظَرُوا إلى وُجُودِ المُمَكَّناتِ فَعَيَّنُوا مُرادَهم ومَيَّزُوا مَذْكُورَهم بِالجَلالَةِ، وأصْحابُ الشِّمالِ جَوَّزُوا الكَثْرَةَ في الإلَهِ فاحْتاجُوا في تَذْكِيرِهِمْ إلى الوَصْفِ بِالأُحْدِيَّةِ والصَّمَدِيَّةِ، وهي رادَّةٌ عَلى أهْلِ الِاتِّحادِ أعْظَمَ رَدٍّ، فَإنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الإلَهَ هو هَذا العالَمُ، وهو مُنْقَسِمٌ بِالحِسِّ فَضْلًا عَمّا عَداهُ ومُحْتاجٌ أشَدَّ احْتِياجٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском