Al-Biqa'iAl‑Ikhlas · 112:4

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Ikhlas 112:4, continued

ولَكِنَّ الَّذِي ظَهَرَ مِنها ما كانَ في آخِرِ النَّهارِ مِن ظُهُورِ الكُفّارِ، فَأخْفى اللَّهُ تَعالى نَصْرَهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ فِيها بِاسْمِهِ الباطِنِ إلّا عَلى أرْبابِ البَصائِرِ، فَما عَلِمَ ذَلِكَ [إلّا -] بِوَجْهٍ خَفِيٍّ جِدًّا مُناسَبَةً (p-٣٩٧)لِلضَّمِيرِ الباطِنِ الواجِبِ الِاسْتِتارِ، وإذا ضَمَمْتَ إلى ذَلِكَ الضَّمِيرَيْنِ المُسْتَتِرَيْنِ الجائِزِي الظُّهُورِ، فَكانَتِ الكَلِماتُ بِذَلِكَ ثَمانِيَ عَشْرَةَ، كانَتْ إشارَةً إلى أنَّ في السَّنَةِ الثّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنَ النُّبُوَّةِ - وهي الخامِسَةُ مِنَ الهِجْرَةِ دَلالَةٌ عَظِيمَةٌ عَلى أنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ يُوجِبُ الإخْلاصَ عَلى وجْهٍ هو أجْلى مِمّا كانَ في غَزْوَةِ أُحُدٍ وإنْ كانَ فِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ، وذَلِكَ في غَزْوَةِ الأحْزابِ وبَنِي قُرَيْظَةَ حِينَ رَدَّ اللَّهُ الكَفّارَ بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْرًا بَعْدَ أنْ كانُوا في عَشَرَةِ آلافِ مُقاتِلٍ غَيْرَ بَنِي قُرَيْظَةَ، يَقُولُونَ: إنَّهُ لا غالِبَ لَهُمْ، وكَفى الله المُؤْمِنِينَ القِتالَ، وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا قاهِرًا لَهم بِرِيحٍ وجُنُودٍ لَمْ يَرَوْها، وأمْكَنَ [مِن -] بَنِي قُرَيْظَةَ، وكانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا، وذَلِكَ في شَوّالَ وذِي القِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَ الآخَرَ البارِزَ بِالفِعْلِ في ”لَهُ“ فَكانَتْ تِسْعَ عَشْرَةَ، كانَتْ إشارَةً إلى مِثْلِ ذَلِكَ عَلى وجْهٍ [أجْلى -] في عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ في ذِي القِعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، فَإنَّهُ كانَ فِيها الفَتْحُ السَّبَبِيُّ الَّذِي أنْزَلَ اللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى فِيهِ سُورَةَ الفَتْحِ، وكانَ فِيها مِن دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ (p-٣٩٨)أُمُورٌ كَثِيرَةٌ تُوجِبُ الإخْلاصَ، وإنْ كانَ في ذَلِكَ نَوْعُ خَفاءٍ مُناسِبَةٍ لِلضَّمِيرِ وإنْ كانَ بارِزًا بِالفِعْلِ، فَقَدَ خَفِيَ عَلى كَثِيرٍ مِنَ الصَّحابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهم أجْمَعِينَ حَتّى نَبَّهَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها كَلِماتِ البَسْمَلَةِ الأرْبَعِ كانَتْ ثَلاثًا وعِشْرِينَ تُوازِي السَّنَةَ العاشِرَةَ مِنَ الهِجْرَةِ، وهي الثّالِثَةُ والعِشْرُونَ مِنَ النُّبُوَّةِ، وفِيها كانَ اسْتِقْرارُ الفَتْحِ الأكْبَرِ والإخْلاصِ الأعْظَمِ بِنَفْيِ الشِّرْكِ وأهْلِهِ مِن جَزِيرَةِ العَرَبِ لِحَجَّةِ الوَداعِ الَّتِي قالَ النَّبِيَّ ﷺ فِيها: [«إنَّ الشَّيْطانَ -] قَدْ أيِسَ أنْ يُعْبَدَ في أرْضِ العَرَبِ». ولِذَلِكَ تَوَفّى اللَّهُ تَعالى نَبِيَّهُ ﷺ عَقِبَها بَعْدَ إظْهارِ الدِّينِ وإذْلالِ الكافِرِينَ وإتْمامِ النِّعْمَةِ، وقامَ سُبْحانَهُ بِنَصْرِ الأُمَّةِ وحْدَهُ بَعْدَ أنْ مَهَّدَ أسْبابَ النَّصْرِ بِنَبِيِّهِ ﷺ حَتّى عَلِمَ قَطْعًا في الرِّدَّةِ وأحْوالِها، ومَوْجِ الفِتْنَةِ وأهْوالِها، وغَلَبَةِ رُعْبِها عَلى القُلُوبِ وزِلْزالِها، في ذَلِكَ الِاضْطِرابِ الشَّدِيدِ، أنَّهُ الإلَهُ وحْدَهُ الَّذِي لا كُفُوءَ لَهُ لِحِفْظِ الدِّينِ في حَياة نَبِيِّهِ ﷺ [و -]بَعْدَهُ، وكَذا فِيما بَعْدَ ذَلِكَ مِن فُتُوحِ البِلادِ، وإذْلالِ المُلُوكِ العُتاةِ الشِّدادِ، مَعَ ما لَهم مِنَ الكَثْرَةِ والقُوَّةِ بِالأمْوالِ والأجْنادِ، والتَّمَكُّنِ العَظِيمِ في البِلادِ، وجَعَلَ النَّصْرَ عَلَيْهِمْ بِأهْلِ الضَّعْفِ والقِلَّةِ (p-٣٩٩)آيَةً في آيَةٍ، ودَلالَةً بالِغَةً في ظُهُورِها الغايَةَ، وإذا سَلَكَتْ طَرِيقًا آخَرَ في التَّرْتِيبِ في الكَلِماتِ الخَطِّيَّةِ والِاصْطِلاحِيَّةِ دَلَّكَ عَلى مِثْلِ ذَلِكَ بِطَرِيقٍ آخَرَ، وذَلِكَ أنْ تَضُمَّ إلى الكِماتِ الخَمْسَ عَشْرَةَ كَلِماتِ البَسْمَلَةِ الأرْبَعِ لِتَكُونَ تِسْعَ عَشْرَةَ فَنُوازِي سَنَةَ سِتٍّ مِنَ الهِجْرَةِ، وذَلِكَ سُنَّةُ عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ الَّتِي سَمّاها اللَّهُ تَعالى فَتْحًا، وأنْزَلَ فِيها سُورَةَ الفَتْحِ لِكَوْنِها كانَتْ سَبَبَ الفَتْحِ الَّذِي هو عَمُودُ الإخْلاصِ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَ المُسْتَتِرَ كانَتْ عِشْرِينَ، فَوازَتْ سَنَةَ سَبْعِ الَّتِي كانَتْ فِيها عُمْرَةُ القَضاءِ، فَأظْهَرَ اللَّهُ فِيها الإخْلاصَ عَلى عَبْدِهِ ورَسُولِهِ ﷺ بَيْن أظْهُرِ المُشْرِكِينَ في البَلَدِ الَّذِي كانَ بَعْثُهُ مِنهُ وفِيهِ عَلى وجْهِ ظَهْرٍ فِيهِ أنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ، ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ خَفِيٍّ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَيْنِ المُسْتَتِرَيْنِ الجائِزِي البُرُوزِ كانَتِ اثْنَتَيْنِ وعِشْرِينَ مُوازِيَةً لِسَنَةِ تِسْعٍ سَنَةَ الوُفُودِ [و -] دُخُولِ النّاسِ في دِينِ اللَّهِ أفْواجًا، فالإلَهِيَّةُ مِن حَيْثُ هي تَقْتَضِي الوَحْدَةَ، والوَحْدَةُ لا تَقْتَضِي الإلَهِيَّةَ، وعَبَّرَ بِهِ دُونَ الواحِدِ لِأنَّ المُرادَ الإبْلاغُ في الوَصْفِ بِالوَحْدَةِ إلى حَدٍّ لا يَكُونُ شَيْءٌ أشَدَّ مِنهُ، والواحِدُ - قالَ ابْنُ سِينا - مَقُولٌ عَلى ما تَحْتَهُ مِنَ التَّشْكِيكِ، والَّذِي لا يَنْقَسِمُ بِوَجْهٍ أصْلًا أوْلى بِالوَحْدانِيَّةِ مِمّا يَنْقَسِمُ مِن بَعْضِ الوُجُوهِ، (p-٤٠٠)والَّذِي يَنْقَسِمُ انْقِسامًا عَقْلِيًّا أوْلى مِمّا يَنْقَسِمُ بِالحِسِّ، [و -] الَّذِي يَنْقَسِمُ بِالحِسِّ وهو بِالقُوَّةِ أوْلى مِنَ المُنْقَسِمِ بِالحِسِّ بِالفِعْلِ، وإذا ثَبَتَ أنَّ الوَحْدَةَ قابِلَةٌ لِلْأشَدِّ والأضْعَفِ وأنَّ الواحِدَ مَقُولٌ عَلى ما تَحْتَهُ بِالتَّشْكِيكِ (؟ كانَ الأكْمَلُ في الفِعْلِ الَّذِي لا يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ شَيْءُ آخَرُ أقْوى مِنهُ فِيها وإلّا لَمْ يَكُنْ بِالِغًا أقْصى المَرامِ، والأحَدُ جامِعٌ لِذَلِكَ دالٌّ عَلى الواحِدِيَّةِ مِن جَمِيعِ الوُجُوهِ، وأنَّهُ لا كَثْرَةَ هُناكَ أصْلًا، لا مَعْنَوِيَّةَ مِنَ المَقُولاتِ مِنَ الأجْناسِ والفُصُولِ ولا بِالأجْزاءِ العَقْلِيَّةِ كالمادَّةِ والصُّورَةِ، ولا حِسِّيَّةً بِقُوَّةٍ ولا فِعْلٍ كَما في الأجْسامِ، وذَلِكَ لِكَوْنِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى مُنَزَّهًا عَنِ الجِنْسِ والفَصْلِ والمادَّةِ والصُّورَةِ والأعْراضِ والأبْعاضِ والأعْضاءِ والأشْكالِ والألْوانِ وسائِرِ الوُجُوهِ وُجُوهِ التَّشْبِيهِ الَّتِي تَثْلِمُ الوَحْدَةَ الكامِلَةَ الحَقَّةَ اللّائِقَةَ بِكَرَمِ وجْهِهِ وعِزَّ جَلالِهِ أنْ يُشْبِهَهُ شَيْءٌ أوْ يُساوِيهِ شَيْءٌ لِأنَّ كُلَّ ما كانَتْ هُوِيَّتُهُ أنْ تَحْصُلَ مِنَ اجْتِماعٍ آخَرَ كانَتْ هُوِيَّتُهُ مَوْقُوفَةً عَلى تِلْكَ الأجْزاءِ فَلا يَكُونُ هو هو لِذاتِهِ بَلْ لِغَيْرِهِ، فَلِذا كانَ مُنَزَّهًا عَنِ الكَثْرَةِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ ومُتَّصِفًا بِالوَحْدِ مِن كُلِّ الوُجُوهِ، فَقَدْ بَلَغَ هَذا النَّظْمُ مِنَ البَيانِ أعْظَمَ شَأْنٍ، فَسُبْحانَ مَن أنْزَلَ هَذا الكَلامَ ما أعْظَمَ شَأْنَهُ وأقْهَرَ سُلْطانَهُ! فَهو مُنْتَهى الحاجاتِ، ومِن عِنْدِهِ نَيْلُ الطَّلَباتِ، ولا يَبْلُغُ أدْنى ما اسْتَأْثَرَهُ مِنَ الجَلالِ والعَظَمَةِ والبَهْجَةِ أقْصى نُعُوتِ النّاعِتِينَ، وأعْظَمَ وصْفِ الواصِفِينَ، بَلِ القَدْرُ المُمْكِنُ مِنهُ المُمْتَنِعُ أزْيَدُ مِنهُ هو الَّذِي ذَكَرَهُ في كِتابِهِ العَزِيزِ، وأوْدَعَهُ وحْيَهُ المُقَدَّسَ الحَكِيمَ، وبِالكَلامِ عَلى مَعْناهُ والمَعْنى الواحِدِ تَحَقَّقَ ما تَقَدَّمَ، قالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ الإقْلِيشِيُّ في شَرْحِ (p-٤٠١)الأسْماءِ الحُسْنى، فَمَن أهَّلَ اللِّسانَ مَن ساوى بَيْنَهُما جَعَلَهُما مُتَرادِفَيْنِ، ومِنهم مَن قالَ: أصْلُ ”أحَدٍ“ واحِدٌ، أُسْقِطَتْ مِنهُ الألِفُ، ثُمَّ أُبْدِلَتِ الهَمْزَةُ مِنَ الواوِ المَفْتُوحَةِ مِثْلُ حَسَنَ يَحْسُنُ فَهو حَسَنٌ - مِنَ الحُسْنِ، أُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً، وأمّا مَن فَرَّقَ بَيْنَهُما فَمِنهم مَن قالَ: ”أحَدٌ“ عَلى حِيالِهِ، لا إبْدالَ فِيهِ ولا تَغْيِيرَ، ومِنهم مَن قالَ: أصْلُهُ وحَدَ - أُبْدِلَتِ الواوُ هَمْزَةً - انْتَهى.

وقَدِ اسْتَخْلَصْتُ الكَلامَ عَلى الِاسْمَيْنِ الشَّرِيفَيْنِ مِن عِدَّةِ شُرُوحٍ لِلْأسْماءِ الحُسْنى وغَيْرِها، مِنها شَرْحُ الفَخْرِ الرّازِيِّ والفَخْرِ الحَرّالِيِّ وغَيْرِهِما - قالُوا: الواحِدُ الَّذِي لا كَثْرَةَ فِيهِ بِوَجْهٍ لا بِقِسْمَةٍ ولا بِغَيْرِها مَعَ اتِّصافِهِ بِالعَظَمَةِ لِيَخْرُجَ الجَوْهَرُ الفَرْدُ وهو الَّذِي لا يَتَثَنّى، أيْ لا ضِدَّ لَهُ ولا شَبِيهَ، فَهو سُبْحانُهُ وتَعالى واحِدٌ بِالمَعْنَيَيْنِ عَلى الإطْلاقِ لا بِالنَّظَرِ إلى حالٍ ولا شَيْءٍ، قالَ الإمامُ أبُو العَبّاسِ الإقْلِيشِيُّ في شَرْحِ الأسْماءِ الحُسْنى: هَذِهِ حَقِيقَةُ الوَحْدَةِ عِنْدَ المُحَقِّقِينَ فَلا يَصِحُّ أنْ يُوصَفَ شَيْءٌ مُرَكَّبٌ بِها إلّا مَجازًا كَما تَقُولُ: رَجُلٌ واحِدٌ ودِرْهَمٌ واحِدٌ، وإنَّما يُوصَفُ بِها حَقِيقَةَ ما حَراكَ لَهُ (؟ كالجَوْهَرِ عِنْدَ الأشْعَرِيَّةِ غَيْرَ أنَّكَ إذا نَظَرْتَ فَوَجَدْتَ وُجُودَهُ مِن غَيْرِهِ عَلِمْتَ أنَّ اسْتِحْقاقَهُ لِهَذا الوَصْفِ لَيْسَ كاسْتِحْقاقِ مُوجِدِهِ لَهُ، وهو أيْضًا إنَّما يُوصَفُ بِهِ لِحَقارَتِهِ، ومُوجِدُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى مَوْصُوفٌ بِهِ مَعَ اتِّصافِهِ بِالعَظَمَةِ، فاتِّصافُهُ بِالوَحْدَةِ عَلى الإطْلاقِ، والِاتِّصافُ بِالجَوْهَرِ بِالنَّظَرِ إلى عَدَمِ التَّرْكِيبِ مِنَ الجِسْمِ مَعَ صِحَّةِ اتِّصافِهِ بِأنَّهُ جُزْءٌ يُزِلْ عَنْهُ حَقِيقَةَ ذَلِكَ، والوَحْدَةُ أيْضًا بِالنَّظَرِ إلى المَعْنى الثّانِي - وهو ما لا نَظَرَ لَهُ - لا تَصِحُّ بِالحَقِيقَةِ إلّا لَهُ سُبْحانَهُ (p-٤٠٢)وتَعالى، وكُلُّ ما نَوْعِيَّتُهُ في شَخْصِيَّتِهِ كالعَرْشِ والكُرْسِيِّ والشَّمْسِ والقَمَرِ يَصِحُّ أنْ يُقَدِّرَ لَها نَظائِرَ، ولَها مَعْنًى ثالِثٌ وهو التَّوْحِيدُ بِالفِعْلِ والإيجادُ، فَيَفْعَلُ كُلَّ ما يُرِيدُ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلى شَيْءٍ، والفَرْقُ بَيْنَ هَذا الوَجْهِ والَّذِي قَبْلَهُ أنَّ الأوَّلَ ناظِرٌ إلى نَفْيِ إلَهٍ ثانٍ، وهَذا نافٍ لِمُعَيَّنٍ ووَزِيرٍ، وكِلاهُما وصْفٌ ذاتِيٌّ سَلْبِيٌّ، والحاصِلُ أنَّ النَّظَرَ الصَّحِيحَ دَلَّ عَلى أنَّ لَنا مُوجِدًا واحِدًا بِمَعْنى أنَّهُ لا يَصِحُّ أنْ يُلْحِقَهُ نَقْصٌ لِقِسْمَتِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وبِمَعْنى أنَّهُ مَعْدُومُ النَّظِيرِ بِكُلِّ اعْتِبارٍ، ومَعْنى أنَّهُ مُسْتَبِدٌّ بِالفِعْلِ مُسْتَقِلٌّ بِالإيجادِ ومُتَوَحِّدٌ بِالصُّنْعِ مُنْفَرِدٌ بِالتَّدْبِيرِ، قَضى بِهَذا شاهِدُ العَقْلِ المَعْصُومُ مِن ظُلْمَةِ الهَوى وكَثافَةِ الطَّبْعِ، ووَرَدَ بِهِ قَواطِعُ النَّقْلِ ونَواطِقُ السَّمْعِ، ولِهَذا كانَ مِن أعْظَمِ الخَلْقِ دُعاؤُهُ سُبْحانَهُ وتَعالى لِجَمِيعِ الخَلْقِ، وكانَتْ دَعْوَةُ رَسُولِهِ الخاتَمِ ﷺ لِلْخَلْقِ كافَّةً، وقالَ حُجَّةُ الإسْلامِ أبُو حامِدٍ الغَزالِيُّ في آخِرِ شَرْحِهِ لِلْأسْماءِ الحُسْنى في شَرْحِهِ في بَيانِ رَدِّ الأسْماءِ الكَثِيرَةِ إلى ذاتِ الواحِدِ وسَبْعِ صِفاتِ الأحَدِ المَسْلُوبِ عَنْهُ النَّظِيرُ، وقالَ في الشَّرْحِ المَذْكُورِ: الواحِدُ هو الَّذِي لا يَتَجَزّى ولا يَتَثَنّى، أمّا الَّذِي لا يَتَجَزّى فَكالجَوْهَرِ الَّذِي لا يَنْقَسِمُ فَيُقالُ عَنْهُ: إنَّهُ واحِدٌ - بِمَعْنى أنَّهُ لا جُزْءَ لَهُ، وكَذَلِكَ النُّقْطَةُ لا جُزْءَ لَها، واللَّهُ تَعالى واحِدٌ بِمَعْنى أنَّهُ يَسْتَحِيلُ تَقْدِيرَ الِانْقِسامِ في ذاتِهِ، وأمّا الَّذِي لا يَتَثَنّى فَهو الَّذِي لا نَظِيرَ لَهُ كالشَّمْسِ مَثَلًا فَإنَّها - وإنْ كانَتْ قابِلَةً لِلِانْقِسامِ بِالوَهْمِ - مُتَحَيِّزَةً في ذاتِها لِأنَّها مِن قَبِيلِ الأجْسامِ فَهي لا نَظِيرَ لَها إلّا أنَّهُ يُمْكِنُ لَها نَظِيرٌ، ولَيْسَ في الوُجُودِ مَوْجُودٌ يَتَفَرَّدُ بِخُصُوصِ وُجُودِهِ تَفَرُّدًا (p-٤٠٣)لا يَتَصَوَّرُ أنْ يُشارِكَهُ فِيهِ غَيْرُهُ أصْلًا إلّا الواحِدُ المُطْلَقُ أزَلًا وأبَدًا، والعَبْدُ إنَّما يَكُونُ واحِدًا إذا لَمْ يَكُنْ لَهُ في أبْناءِ جِنْسِهِ نَظِيرٌ في خَصْلَةٍ مِن خِصالِ الخَيْرِ، وذَلِكَ بِالإضافَةِ إلى بَعْضِ الخِصالِ دُونَ الجَمِيعِ، فَلا وحْدَةَ عَلى الإطْلاقِ إلّا لِلَّهِ سُبْحانَهُ وتَعالى، وقالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الكَرِيمِ الشِّهْرَسْتانِيُّ في مُقَدِّمَةِ كِتابِ المِلَلِ والنِّحَلِ: واخْتَلَفُوا في الواحِدِ أهْوَ مِنَ العَدَمِ أمْ مَبْدَأُ العَدَدِ ولَيْسَ داخِلًا في العَدَدِ، وهَذا الِاخْتِلافُ إنَّما يَنْشَأُ مِنَ اشْتِراطِ لَفْظِ الواحِدِ أيْضًا، فالواحِدُ يُطْلَقُ بِهِ ويُرادُ بِهِ ما يَتَرَكَّبُ مِنهُ العَدَدُ، فَإنَّ الِاثْنَيْنِ لا مَعْنى لَهُ إلّا واحِدٌ تَكَرَّرَ أوَّلَ تَكْرِيرٍ وكَذا الثَّلاثَةُ والأرْبَعَةُ، ويُطْلَقُ ويُرادُ بِهِ ما يَحْصُلُ مِنهُ العَدَدُ الَّذِي هو عِلَّةٌ، ولا يَدْخُلُ في العَدَدِ الَّذِي لا يَتَرَكَّبُ مِنهُ العَدَدُ، وقَدْ يُلازِمُ الواحِدِيَّةَ جَمِيعُ الأعْدادِ لا عَلى أنَّ العَدَدَ يَتَرَكَّبُ بِها بَلْ وكُلُّ مَوْجُودٍ فَهو جِنْسُهُ أوْ نَوْعُهُ أوْ شَخْصُهُ واحِدٌ، يُقالُ: إنْسانٌ واحِدٌ، وفي العَدَدِ أنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ ولَكِنْ كانَ ذَلِكَ بِوَجْهٍ خَفِيٍّ، فَإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَيْنِ المُسْتَتِرَيْنِ الجائِزِي البُرُوزِ كانَتِ اثْنَيْنِ وعِشْرِينَ مُوازِيَةً لِسَنَةِ تِسْعٍ سَنَةَ الوُفُودِ ودُخُولِ النّاسِ في الدِّينِ أفْواجًا، وحَجَّةُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وتَطْهِيرُ المَسْجِدِ الحَرامِ مِن نَجَسِ الإشْراكِ بِالبَراءَةِ مِنَ المُشْرِكِينَ وزَجْرِهِمْ عَنْ أنْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ العامِ مُشْرِكٌ، ونَهْيُهم عَنْ قُرْبانِهِمُ المَسْجِدَ الحَرامَ لِأنَّهم نَجَسٌ، وانْتِشارُ الإخْلاصِ في أغْلَبِ بِلادِ العَرَبِ، وذَلِكَ أجْلى مِمّا مَضى مُناسِبٌ (p-٤٠٥)لِما دَلَّ عَلَيْهِ، وفِيهِ نَوْعُ خَفاءٍ عِنْدَ مَن كانَ بَقِيَ مِنَ المُشْرِكِينَ، وإذا ضَمَمْتَ إلَيْها الضَّمِيرَ الآخَرَ البارِزَ بِالفِعْلِ كانَتْ ثَلاثًا وعِشْرِينَ تُوازِي سَنَةَ حَجَّةِ الوَداعِ سَنَةَ عَشْرٍ، وهي الَّتِي تَمَّ فِيها الإخْلاصُ ولَمْ يَحُجَّ بِها مُشْرِكٌ، وأيِسَ الشَّيْطانُ فِيها أنْ يُعْبَدَ في جَزِيرَةِ العَرَبِ، و[فِي -] ذَلِكَ - لِكَوْنِ الكَلِمَةِ ضَمِيرًا - نَوْعٌ يَسِيرٌ في الخَفاءِ بِما دَلَّ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الرِّدَّةِ، وكانَ ذَلِكَ أنْسَبُ الأشْياءِ بِالكَلِمَةِ المُتَحَمِّلَةِ لِذَلِكَ الضَّمِيرِ وهي لَهُ، هَذا ما يُسِرُّهُ الله مِن أسْرارِ كَلِماتِها بِحَسَبِ الأعْدادِ، وأمّا حُرُوفُها فَمِنَ الأسْرارِ العَظِيمَةِ أنَّهُ صِفَةُ اللَّهِ، وأنَّ حُرُوفَها مَعَ البَسْمَلَةِ بِالنَّظَرِ إلَيْها مِن حَيْثُ اللَّفْظِ وكَذا مِن حَيْثُ الرَّسْمِ سِتَّةٌ وسِتُّونَ حَرْفًا، وكَذا عِدَّةُ حُرُوفِ الجَلالَةِ المَلْفُوظَةِ وكَذا المَرْسُومَةِ بِحِسابِ الجُمَلِ، فَكُلُّ ما دَعَتْ إلَيْهِ هو مَدْلُولُ هَذا الِاسْمِ الأعْظَمِ، وهَذِهِ العُدَّةُ إذا أُخِذَتْ مِن أوَّلِ مَوْلِدِ النَّبِيِّ ﷺ كانَ آخِرُها مُنْطَبِقًا عَلى سَنَةِ مَوْتِ صَدِيقِهِ الأكْبَرِ الَّذِي سَبَقَ غَيْرَهُ بِما وقَرَ في صَدْرِهِ وهو أبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعالى عَنْهُ، وذَلِكَ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا يُوازِيهِما أحَدٌ في الإخْلاصِ، وأنَّهُما وصَلا فِيهِ إلى الرُّتْبَةِ العُلْيا، وإنْ كانَ النَّبِيُّ ﷺ أعْلى الخَلْقِ فِيهِ، وفي ذَلِكَ أيْضًا دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ لا كُفُوءَ لَهُ لِأنَّهُ نَفى الإشْراكَ (p-٤٠٥)بِحَذافِيرِهِ مِن جَمِيعِ جَزِيرَةِ العَرَبِ بَعْدَ أنْ كانُوا مُطْبِقِينَ عَلَيْهِ، وأطْلَقَهم سُبْحانَهُ وتَعالى عَلى مَن يَلِيهِمْ مِن [مُلُوكِ -] الأُمَمِ حَتّى أظْهَرَ اللَّهُ بِهِمُ الدِّينَ - وقَدْ كانُوا أذَلَّ الأُمَمِ - عَلى الدِّينِ كُلِّهِ، ونَفَوْا جَبابِرَةَ المُلُوكِ صِغْرَةً بَعْدَ أنْ كانَ عِنْدَهم أنَّهُ لا غالِبَ لَهُمْ، وحُرُوفُها المَلْفُوظَةُ هي بِعَدَدِ [كَلِماتِ -] آياتِ التَّوْحِيدِ، وهي آيَةُ الكُرْسِيِّ أعْظَمُ آيَةٍ في القُرْآنِ، وذَلِكَ خَمْسُونَ حَرْفًا إلّا واحِدًا هو ألِفُ ﴿كُفُوًا﴾ الَّذِي هو مَرْسُومٌ غَيْرُ مَلْفُوظٍ، وهو الدّالُّ عَلى الضَّمِيرِ الَّذِي هو غَيْبُ الغَيْبِ، [فَهُوَ غَيْبٌ -] مِن جِهَةِ عَدَمِ اللَّفْظِ بِهِ، ووُجُودٌ وظُهُورٌ مِن جِهَةِ شاهِدِ الرَّسْمِ.ومَسْمُوعُ الِاسْمِ، كَما أنَّ الذّاتَ غَيْبٌ مَحْضٌ مِن جِهَةِ الحَقِيقَةِ يُدْرَكُ بِمُشاهَدَةِ الأفْعالِ، ومَسْمُوعِ الأسْماءِ العُوالِ - واللَّهُ الهادِي مِنَ الضَّلالِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском