Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:104–109
12:104Page 248
وَمَا تَسۡـَٔلُهُمۡ عَلَيۡهِ مِنۡ أَجۡرٍۚ إِنۡ هُوَ إِلَّا ذِكۡرٞ لِّلۡعَٰلَمِينَ ١٠٤
And you do not ask of them for it any payment. It is not except a reminder to the worlds.
(p-٢٣٧)ولَمّا ذَكَرَ تَعالى ما هم عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ، ذَكَرَ ما يَعْجَبُ [مَعَهُ] مِنهُ فَقالَ: ﴿وما﴾ أيْ هم عَلى ذَلِكَ والحالُ أنَّ مُوجِبَ إيمانِهِمْ مَوْجُودٌ، وذَلِكَ أنَّكَ - مَعَ دُعائِهِمْ إلى الطَّرِيقِ الأقْوَمِ وإيتانِكَ عَلَيْهِ بِأوْضَحِ الدَّلائِلِ ما ﴿تَسْألُهم عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الكِتابَ الَّذِي أوْحَيْناهُ إلَيْكَ، وأعْرَقَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن أجْرٍ﴾ حَتّى يَكُونَ سُؤالُكَ سَبَبًا لِأنْ يَتَّهِمُوكَ أوْ يَقُولُوا: لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ لِيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ سُؤالِنا.
ولَمّا نَفى عَنْهم سُؤالَهُمُ الأجْرَ، نَفى عَنْ هَذا الذِّكْرِ كُلَّ غَرَضٍ دُنْيَوِيٍّ فَقالَ: ﴿إنْ هُوَ﴾ أيْ هَذا الكِتابِ ﴿إلا ذِكْرٌ﴾ أيْ تَذْكِيرٌ وشَرَفٌ ﴿لِلْعالَمِينَ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: والذِّكْرُ: حُضُورُ المَعْنى لِلنَّفْسِ، والعالَمُ: جَماعَةُ الحَيَوانِ الكَثِيرَةِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَعْلَمَ، لِأنَّهُ أخَذَ مِنَ العِلْمِ، وفِيهِ مَعْنى التَّكْثِيرِ، وقَدْ يُقالُ: عالَمُ الفَلَكِ وما حَواهُ عَلى طَرِيقِ التَّبَعِ لِلْحَيَوانِ الَّذِي نَنْتَفِعُ بِهِ وهو مَجْعُولٌ لِأجْلِهِ.
12:105Page 248
وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ ١٠٥
And how many a sign within the heavens and earth do they pass over while they, therefrom, are turning away.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ العَظِيمُ أعْظَمَ الآياتِ بِما أنْبَأ فِيهِ عَنِ الأخْبارِ الماضِيَةِ والكَوائِنِ الآتِيَةِ عَلى ما هي عَلَيْهِ مُضَمَّنَةً مِنَ الحُكْمِ والأحْكامِ، في أسالِيبِ البَلاغَةِ الَّتِي لا تُرامُ، وغَيْرُ ذَلِكَ ما لا يُحْصَرُ بِنِظامٍ، كَما أشارَ إلَيْهِ أوَّلَ السُّورَةِ، كانَ رُبَّما قِيلَ: إنَّ هَذا رُبَّما لا يَعْلَمُهُ إلّا الرّاسِخُونَ (p-٢٣٨)فِي العُلُومِ الإلَهِيَّةِ، عَطَفَ عَلَيْهِ الإشارَةُ إلى أنَّ لَهُ تَعالى غَيْرَهُ مِنَ الآياتِ الَّتِي لا تَحْتاجُ لِوُضُوحِها إلى أكْثَرِ مِنَ العَقْلِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الحَصْرُ، ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِهِ، فَقالَ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ﴾ أيْ عَلامَةٍ كَبِيرَةٍ عَظِيمَةٍ دالَّةٍ عَلى وحْدانِيَّتِهِ ﴿فِي السَّماواتِ﴾ أيْ كالنَّيِّرَيْنِ وسائِرِ الكَواكِبِ والسَّحابِ وغَيْرِ ذَلِكَ ﴿والأرْضِ﴾ مِنَ الجِبالِ والشَّجَرِ والدَّوابِّ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا لا يُحْصِيهِ العَدُّ - كَما سَيَأْتِي بَيانُهُ في [سُورَةِ الرَّعْدِ] مُفَصَّلًا ﴿يَمُرُّونَ عَلَيْها﴾ مُشاهَدَةً بِالحِسِّ ظاهِرَةً غَيْرَ خَفِيَّةٍ ﴿وهم عَنْها﴾ أيْ خاصَّةً لا عَنْ مَلاذِهِمْ وشَهَواتِهِمْ بِها ﴿مُعْرِضُونَ﴾ أيْ عَنْ دَلالَتِها عَلى السَّعادَةِ مِنَ الوَحْدانِيَّةِ وما يَتْبَعُها.
12:106Page 248
وَمَا يُؤۡمِنُ أَكۡثَرُهُم بِٱللَّهِ إِلَّا وَهُم مُّشۡرِكُونَ ١٠٦
And most of them believe not in Allāh except while they associate others with Him.
ولَمّا كانَ رُبَّما قِيلَ: كَيْفَ يُوصَفُونَ بِالإعْراضِ وهم يَعْتَقِدُونَ أنَّ اللَّهَ فاعِلٌ تِلْكَ الآياتِ، بَيَّنَ أنَّ إشْراكَهم مُسْقِطٌ لِذَلِكَ، فَقالَ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهُمْ﴾ أيِ النّاسُ ﴿بِاللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لا شَيْءَ إلّا وهو داعٍ إلى الإيمانِ بِهِ، لِأنَّهُ المُخْتَصُّ بِصِفاتِ الكَمالِ ﴿إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ بِهِ مَن لا يَقْدِرُ عَلى شَيْءٍ فَضْلًا عَنْ أنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ، كانُوا يُقِرُّونَ بِأنَّ اللَّهَ خالِقُهم ورازِقُهم ويَعْبُدُونَ غَيْرَهُ، وكَذا المُنافِقُونَ يُظْهِرُونَ الإيمانَ ويُبْطِنُونَ الكُفْرانَ، وكَذا أهْلُ الكِتابَيْنِ يُؤْمِنُونَ بِكِتابِهِمْ ويُقَلِّدُونَ عُلَماءَهم (p-٢٣٩)فِي الكُفْرِ بِغَيْرِهِ، فَعَلِمَ أنَّ إذْعانَهم بِهَذا الإيمانِ غَيْرُ تابِعٍ لِدَلِيلٍ، وهو مَحْضُ تَقْلِيدٍ لِمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا، لِما سَبَقَ فِيهِ مِن عَلْمِ اللَّهِ أنَّهُ لا صَلاحِيَةَ لَهُ فَأفْسَدَهُ بِما شابَهَهُ بِهِ مِنَ الشِّرْكِ، والآيَةُ صالِحَةٌ لِإرادَةِ الشِّرْكِ الخَفِيِّ [الَّذِي] أشارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ بِقَوْلِهِ: ”الشِّرْكُ أخْفى في أُمَّتِي [مِن] دَبِيبِ النَّمْلِ“ وهو شِرْكُ الأسْبابِ الَّتِي قَدَّرَ اللَّهُ وُصُولَ ما يَصِلُ إلى العَبْدِ بِواسِطَتِها، فَقُلْ مَن يَتَخَطّى مِنَ الأسْبابِ إلى مُسَبِّبِها! قالَ الرّازِيُّ في اللَّوامِعِ: وقالَ الإمامُ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما هو شَكٌّ وشِرْكٌ فالشَّكُّ ضِيقُ الصَّدْرِ عِنْدَ النَّوائِبِ، ومِنهُ ثَوْبٌ مَشْكُوكٌ، والشِّرْكُ تَعَلُّقُ القَلْبِ بِالشَّيْءِ وإنَّما يُوَسِّعُ الصَّدْرَ نُورُ اليَقِينِ، وإنَّما يَتَخَلَّصُ مِنَ الشِّرْكِ بِنُورِ التَّوْحِيدِ، فَعِنْدَ هَذا يَتَوَلّاهُ اللَّهُ تَعالى، وقالَ الواسِطِيُّ: إلّا وهم مُشْرِكُونَ: في مُلاحَظَةِ الخَواطِرِ والحَرَكاتِ.
12:107Page 248
أَفَأَمِنُوٓاْ أَن تَأۡتِيَهُمۡ غَٰشِيَةٞ مِّنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ أَوۡ تَأۡتِيَهُمُ ٱلسَّاعَةُ بَغۡتَةٗ وَهُمۡ لَا يَشۡعُرُونَ ١٠٧
Then do they feel secure that there will not come to them an overwhelming [aspect] of the punishment of Allāh or that the Hour will not come upon them suddenly while they do not perceive?
ولَمّا أخْبَرَ اللَّهُ تَعالى عَنِ ارْتِباكِهِمْ في أشْراكِ إشْراكِهِمْ، وأنَّهم يَتَعامَوْنَ عَنِ الأدِلَّةِ في الدُّنْيا، وكانَ الأكْثَرُ المُبْهَمُ القَطْعَ بِعَدَمِ إيمانِهِمْ مِن تَوْجِيهِ الأمْرِ والنَّهْيِ والحَثِّ والزَّجْرِ إلى الجَمِيعِ وهم (p-٢٤٠)فِي غِمارِهِمْ، وكانَ بَعْضُ النّاسُ كالحِمارِ لا يَنْقادُ إلّا بِالعَذابِ، قالَ سُبْحانَهُ وتَعالى: ﴿أفَأمِنُوا﴾ إنْكارًا فِيهِ مَعْنى التَّوْبِيخِ والتَّهْدِيدِ ﴿أنْ تَأْتِيَهم غاشِيَةٌ﴾ أيْ شَيْءٌ يُغَطِّيهِمْ ويَبْرُكَ عَلَيْهِمْ ويُحِيطُ بِهِمْ ﴿مِن عَذابِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ في الدُّنْيا كَما أتى مِن ذِكْرِنا قِصَصَهم مِنَ الأُمَمِ.
ولَمّا كانَ العاقِلُ يَنْبَغِي لَهُ الحَذَرُ مِن كُلِّ مُمْكِنٍ وإنْ كانَ لا يُقَرِّبُهُ، قالَ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السّاعَةُ﴾ وأشارَ إلى أشَدِّ ما يَكُونُ مِن ذَلِكَ عَلى القُلُوبِ بِقَوْلِهِ: ﴿بَغْتَةً﴾ أيْ وهم عَنْها في غايَةِ الغَفْلَةِ بِعَدَمِ تَوَقُّعِها أصْلًا؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قالَ يَزِيدُ بْنُ مُقْسِمٍ الثَّقَفِيُّ:
ولَكِنَّهم بانُوا ولَمْ أدْرِ بَغْتَةً وأفْظَعَ شَيْءٍ حِينَ يَفْجَئُوكَ البَغْتَ
ولَمّا كانَ هَذا المَعْنى مَهُولًا، أكَّدَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ أيْ نَوْعًا مِنَ الشُّعُورِ ولَوْ أنَّهُ كالشَّعْرَةِ، إعْلامًا بِشِدَّةِ جَهْلِهِمْ في أنَّ حالَهم حالُ مَن هو في غايَةِ الأمْنِ مِمّا أقَلَّ أحْوالَهُ أنَّهُ مُمْكِنٌ، لِأنَّ الشُّعُورَ إدْراكُ الشَّيْءِ بِما يَلْطُفُ كَدِقَّةِ الشَّعْرِ، وإنَّما قُلْتُ: إنَّهُ تَأْكِيدٌ، لِأنَّهُ (p-٢٤١)مَعْنى البَغْتَةِ؛ قالَ الإمامُ أبُو بَكْرٍ الزَّبِيدِيُّ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: البَغْتَةُ: المُفاجَأةُ، وقالَ الإمامُ أبُو عَبْدِ اللَّهِ القَزّازُ في دِيوانِهِ: فاجَأْتُ الرَّجُلَ مُفاجَأةً - إذا جِئْتَهُ عَلى غَفْلَةٍ مُغافَصَةً، ثُمَّ قالَ: وفاجَأْتُهُ مُفاجَأةً - إذا لَقِيتَهُ ولَمْ يَشْعُرْ بِكَ، وفي تَرْتِيبِ المُحْكَمِ: فَجِئَهُ الأمْرُ [وفَجَأهُ] وفاجَأهُ مُفاجَأةً: هَجَمَ عَلَيْهِ مِن غَيْرِ أنْ يَشْعُرَ بِهِ، ويَلْزَمَ ذَلِكَ الإسْراعُ وهو مَدارُ هَذِهِ المادَّةِ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ أيْضًا التَّغَبَ - بِتَقْدِيمِ المُثَنّاةِ مُحَرِّكًا وهو الهَلاكُ، لِأنَّهُ أقْرَبُ شَيْءٍ إلى الإنْسانِ إذْ هو الأصْلُ في حالِ الحَدَثِ، والسَّلامَةُ فِيهِ هي العَجَبِ، والتَّغَبِ أيْضًا: الوَسَخُ والدَّرَنُ، وتَغِبَ - بِكَسْرِ الغَيْنِ: صارَ فِيهِ عَيْبٌ، ويُقالُ لِلْقَحْطِ: تِغْبَةً - بِالتَّحْرِيكِ، والتَّغْبُ - ساكِنًا: القَبِيحُ والرِّيبَةُ، وكُلُّ ذَلِكَ أسْرَعُ إلى الإنْسانِ مِن أضْدادِهِ إلّا مَن عَصَمَ اللَّهُ، وما ذاكَ إلّا لِأنَّ هَذِهِ الدّارَ مَبْنِيَّةٌ عَلَيْهِ.
12:108Page 248
قُلۡ هَٰذِهِۦ سَبِيلِيٓ أَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا۠ وَمَنِ ٱتَّبَعَنِيۖ وَسُبۡحَٰنَ ٱللَّهِ وَمَآ أَنَا۠ مِنَ ٱلۡمُشۡرِكِينَ ١٠٨
Say, "This is my way; I invite to Allāh with insight, I and those who follow me. And exalted is Allāh; and I am not of those who associate others with Him."
ولَمّا وصَفَ اللَّهُ سُبْحانَهُ لَهُ ﷺ أكْثَرَ النّاسِ بِما وصَفَ مِن سُوءِ الطَّرِيقَةِ لِلتَّقْلِيدِ الَّذِي مَنشَؤُهُ الإعْراضُ عَنِ الأدِلَّةِ المُوجِبَةِ (p-٢٤٢)لِلْعِلْمِ، أمَرَ أنْ يُذْكَرَ طَرِيقَ الخُلَّصِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ أيْ يا أعْلى الخَلْقِ وأصْفاهم وأعْظَمَهم نُصْحًا وإخْلاصًا: ﴿هَذِهِ﴾ أيِ الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ عَلى ما دَعا إلَيْهِ كِتابُ اللَّهِ وسُنَّنُهُ ﷺ ﴿سَبِيلِي﴾ القَرِيبَةُ المَأْخَذِ، الجَلِيَّةُ الأمْرِ، الجَلِيلَةُ الشَّأْنِ، الواسِعَةُ الواضِحَةُ جِدًّا، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقالَ: ﴿أدْعُو﴾ كُلُّ مَن يَصِحُّ دُعاؤُهُ ﴿إلى اللَّهِ﴾ الحائِزُ لِجَمِيعِ الكَمالِ حالَ كَوْنِي ﴿عَلى بَصِيرَةٍ﴾ أيْ حُجَّةٍ واضِحَةٍ مِن أمْرِي بِنَظَرَيِ الأدِلَّةِ القاطِعَةِ والبَراهِينِ السّاطِعَةِ وتَرْكِ التَّقْلِيدِ الدّالِّ عَلى الغَباوَةِ والجُمُودِ، لِأنَّ البَصِيرَةَ المُعَرَّفَةَ الَّتِي يَتَمَيَّزُ بِها الحَقُّ مِنَ الباطِلِ دِينًا ودُنْيا بِحَيْثُ يَكُونُ كَأنَّهُ يُبَصِّرُ المَعْنى بِالعَيْنِ.
ولَمّا كانَ المَوْضِعُ في غايَةِ الشَّرَفِ، أكَّدَ الضَّمِيرُ المُسْتَتِرُ تَعْيِينًا وتَنْبِيهًا عَلى التَّأهُّلِ لِظُهُورِ الإمامَةِ، فَقالَ: ﴿أنا ومَنِ﴾ أيْ ويَدْعُو كَذَلِكَ مَنِ ﴿اتَّبَعَنِي﴾ لا كَمَن هو عَلى عَمًى جائِرٍ عَنِ القَصْدِ، حائِرٍ في ضَلالِ التَّقْلِيدِ، فَهو لا يَزالُ في غَفْلَةٍ هَدَفًا لِلْحُتُوفِ؛ والِاتِّباعِ: طَلَبُ الثّانِي اللَّحاقَ بِالأوَّلِ لِلْمُوافَقَةِ في مَكانِهِ أوْ في أمْرِهِ الَّذِي دَعا إلَيْهِ، ومِمّا دَخَلَ تَحْتَ ”قُلْ“ عَطْفًا عَلى ”أدَعَوْ“ قَوْلُهُ: مُنَبِّهًا عَلى أنَّ شَرْطَ كُلِّ دَعْوَةٍ إلَيْهِ سُبْحانَهُ اقْتِرانُها بِتَنْزِيهِهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ - ﴿وسُبْحانَ اللَّهِ﴾ (p-٢٤٣)أيْ وأسْبَحُ الَّذِي اخْتَصَّ بِصِفاتِ الكَمالِ سُبْحانًا، أيْ أُقَدِّرُهُ حَقَّ قَدْرِهِ فَأثْبَتَ لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ ما يَلِيقُ بِجَلالِهِ، وأُنَزِّهُهُ عَمّا هو مُتَعالٍ عَنْهُ تَنْزِيهًا يَعْلَمُ هم أنَّهُ يَلِيقُ بِجَلالَةٍ ويَرْضى بِهِ، وفي تَخْصِيصِ اللَّهِ بِذَلِكَ عَقِبَ ما أثْبَتَ لَهُ ولِأتْباعِهِ تَلْوِيحٌ بِنِسْبَةِ النَّقْصِ إلَيْهِمْ تَواضُعًا، واعْتِذارًا عَمّا يَلْحَقُهم مِنَ الوَهْنِ وطَلَبًا لِلْعَفْوِ عَنْهُ ﴿وما أنا﴾ وعَدَلَ عَنْ ”مُشْرِكًا“ إلى أبْلَغَ مِنهُ فَقالَ: ﴿مِنَ المُشْرِكِينَ﴾ أيْ في عِدادِ مَن يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، لِأنِّي عَلِمْتُ بِما آتانِي مِنَ البَصِيرَةِ أنَّهُ مَنعُوتٌ بِنُعُوتِ الكَمالِ، مُنَزَّهٌ عَنْ سِماتِ النَّقْصِ، مُتَعالٍ عَنْها، وأنَّ ذَلِكَ أوَّلُ واجِبٍ لِأنَّهُ الواحِدُ الَّذِي جَلَّ عَنِ المُجانَسَةِ، القَهّارُ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ مَشِيئَتِهِ، وفُسِّرَتْ ”سُبْحانَ“ بِما تَقَدَّمَ لِأنَّ مادَّةَ ”سَبَحَ“ بِكُلِّ تَرْتِيبٍ تَدُورُ عَلى القَدَرِ والشِّدَّةِ والِاتِّساعِ؛ وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ ومِنهُ الحَسَبُ: مِقْدارُ الشَّيْءِ. وتارَةً يَقْتَصِرُ [فِيهِ] عَلى الكِفايَةِ فَيَلْزَمُهُ الحَصْرُ ومِنهُ: أحْسَبَنِي الشَّيْءَ: كَفانِي، واحْتِسابُ الأجْرِ: الِاكْتِفاءُ بِهِ، والحِسابُ: مَعْرِفَةُ المِقْدارِ، والحَسَبُ بِمَعْنى الظَّنِّ راجِعٌ إلى ذَلِكَ أيْضًا، والأحْسَبُ: الَّذِي ابْيَضَّتْ جِلْدَتُهُ مِن داءٍ وفَسَدَتْ (p-٢٤٤)شَعْرَتُهُ، بِمَعْنى أنَّ ذَلِكَ الدّاءَ كَفاهُ في الفَسادِ عَنْ كُلِّ داءٍ كَأنَّهُ ما بَقِيَ يَسَعُ مَعَهُ داءٌ، والتَّحْسِيبُ: التَّكْفِينُ بِما يَسَعُ المَيِّتَ، وهو كِفايَةٌ لَهُ لا يَحْتاجُ بَعْدَهُ إلى شَيْءٍ، ومِنهُ الحَبْسُ وهو المَنعُ مِن مُجاوَزَةِ الكِفايَةِ؛ وتَتَجاوَزُ الكِفايَةُ فَيَسْبَحُ ويَتَّسِعُ مَداهُ فَلا يَنْحَصِرُ ومِنهُ: الحَسَبُ - بِالتَّحْرِيكِ، وهو الشَّرَفُ؛ ومِنهُ السَّحْبُ وبِهِ سُمِّيَ السَّحابُ لِانْسِياحِهِ في الهَواءِ؛ ومِنهُ السَّبْحُ في الماءِ، ومَدَّ الفَرَسُ يَدَيْهِ في الجَرْيِ، والسُّبْحَةُ: صَلاةُ التَّطَوُّعِ - لِأنَّهُ لا حَدَّ لَها يَحْصُرُها، ولِأنَّها تَجاوَزَتِ الفَرْضَ، والسَّبْحُ: الفَراغُ - لِلتَّمَكُّنِ مَعَهُ مِنَ الِانْبِساطِ، والتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ - لِأنَّهُ الإبْعادُ عَنِ النَّقْصِ، قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ البَراءَةُ مِنَ الشَّيْءِ، وقالَ ابْنُ مَكْتُومٍ في الجَمْعِ بَيْنَ العُبابِ والمُحْكَمِ: وسُبْحانَ اللَّهِ مَعْناهُ تَنْزِيهًا لِلَّهِ مِنَ الصَّحابَةِ والوَلَدِ، وتَبْرِئَةً مِنَ السُّوءِ - هَذا مَعْناهُ في اللُّغَةِ وبِذَلِكَ جاءَ الأثَرُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ سِيبَوَيْهِ: زَعَمَ أبُو الخَطّابِ أنَّ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ كَقَوْلِكَ بَراءَةُ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ، [كَأنَّهُ يَقُولُ: أبْرِئْ بَراءَةَ اللَّهِ مِنَ السُّوءِ]، وزَعَمَ أنَّ مِثْلَ ذَلِكَ (p-٢٤٥)قَوْلُ الأعْشى:
؎أقُولُ لَمّا جاءَنِي فَخْرُهُ .... سُبْحانَ مَن عَلْقَمَهُ الفاخِرُ
أيْ بَراءَةً مِنهُ، وبِهَذا [اسْتَدَلَّ] عَلى أنَّ سُبْحانَ مَعْرِفَةً إذْ لَوْ كانَ نَكِرَةً لانْصَرَفَ، قالَ: وقَدْ جاءَ في الشِّعْرِ مُنَوَّنًا نَكِرَةً، قالَ أُمَيَّةُ:
؎سُبْحانَهُ ثُمَّ سُبْحانًا يَعُودُ لَهُ ∗∗∗ وقَبْلَنا سَبَحَ الجُودِيُّ والجَمْدُ
وقالَ ابْنُ جِنِّيٍّ: سُبْحانَ اسْمٌ عَلَمٌ لِمَعْنى البَراءَةِ والتَّنْزِيهِ بِمَنزِلَةِ عُثْمانَ وحِمْرانَ، اجْتَمَعَ في سُبْحانَ التَّعْرِيفُ والألِفُ والنُّونُ، وكِلاهُما عِلَّةٌ تَمْنَعُ مِنَ الصَّرْفِ - انْتَهى. وقالَ الزَّجّاجُ: جاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ «أنَّ قَوْلَهُ ”سُبْحانَ اللَّهِ“ تَبْرِئَةً لِلَّهِ مِنَ السُّوءِ»، وأهْلُ اللُّغَةِ كَذَلِكَ يَقُولُونَ مِن غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِما فِيهِ مِنَ الرِّوايَةِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: ولَكِنَّ تَفْسِيرَهُ يَجْمَعُونَ عَلَيْهِ، وقَدْ سَبَحَ الرَّجُلُ: قالَ سُبْحانَ اللَّهِ، وفي التَّنْزِيلِ ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وتَسْبِيحَهُ﴾ [النور: ٤١] وسَبَّحَ لُغَةٌ في سَبَحَ، وحَكى ثَعْلَبٌ: [سَبَّحَ] تَسْبِيحًا وسُبْحانًا، قالَ (p-٢٤٦)ابْنُ سِيدَهْ: وعِنْدِي أنا سُبْحانًا لَيْسَ مَصْدَرًا لِسَبَّحَ، إنَّما هو مَصْدَرُ سَبَّحَ، وقالَ النَّضِرُ: سُبْحانَ اللَّهِ مَعْناهُ السُّرْعَةُ إلَيْهِ والخِفَّةُ في طاعَتِهِ، وسَبُوحَةٌ - بِفَتْحِ السِّينِ: البَلَدُ الحَرامُ، وسَبّاحُ عِلْمُ الأرْضِ المَلْساءِ عِنْدَ مَعْدِنِ بَنِي سَلِيمٍ، وسَبَحاتُ وجْهِ اللَّهِ: أنْوارُهُ، والسُّبْحَةُ: الدُّعاءُ، وأيْضًا صَلاةُ التَّطَوُّعِ - انْتَهى. وكُلُّهُ راجِعٌ إلى الإبْعادِ عَنِ السُّوءِ، والسُّبْحانُ: النَّفْسُ، وكُلُّ أحَدٍ يُبَرِّئُ نَفْسَهُ ويَرْفَعُها عَنِ السُّوءِ.
12:109Page 248
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡقُرَىٰٓۗ أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۗ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ ١٠٩
And We sent not before you [as messengers] except men to whom We revealed from among the people of cities. So have they1 not traveled through the earth and observed how was the end of those before them? And the home of the Hereafter is best for those who fear Allāh; then will you not reason?
ولَمّا أوْضَحَ إبْطالُ ما تَعَنَّتُوا بِهِ مِن قَوْلِهِمْ ”لَوْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ“ أتْبَعُهُ ما يُوَضِّحُ تَعَنُّتَهم في قَوْلِهِمْ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] بِذِكْرِ المُرْسَلِينَ، وأهْلِ السَّبِيلِ المُسْتَقِيمِ، الدّاعِينَ إلى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ، فَقالَ: ﴿وما أرْسَلْنا﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ.ولَمّا كانَ الإرْسالُ لِشَرَفِهِ لا يَتَأتّى عَلى ما جَرَتْ بِهِ الحِكْمَةُ في كُلِّ زَمَنٍ كَما أنَّهُ لا يَصْلُحُ لِلرِّسالَةِ كُلُّ أحَدٍ، وكانَ السِّياقُ لِإنْكارِ التَّأْيِيدِ بِمَلَكٍ في قَوْلِهِ ﴿أوْ جاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ [هود: ١٢] كالَّذِي في النَّحْلِ، لا لِإنْكارِ رِسالَةِ البَشَرِ، أدْخَلَ الجارَّ تَنْبِيهًا عَلى ذَلِكَ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ أيْ إلى المُكَلَّفِينَ ﴿إلا رِجالا﴾ (p-٢٤٧)أيْ مِثْلُ ما أنَّكَ رَجُلٌ، لا مَلائِكَةَ ولا إناثًا - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما، والرَّجُلُ مَأْخُوذٌ مِنَ المَشْيِ عَلى الرَّجُلِ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾ أيْ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ مِثْلَ ما يُوحى إلَيْكَ ﴿مِن أهْلِ القُرى﴾ مَثَلُ ما أنَّكَ مِن أهْلِ القُرى، أيِ الأماكِنُ المَبْنِيَّةُ بِالمَدَرِ والحَجَرِ ونَحْوِهِ، لِأنَّها مُتَهَيِّئَةٌ لِلْإقامَةِ والِاجْتِماعِ وانْتِيابِ أهْلِ الفَضائِلِ، وذَلِكَ أجْدَرُ بِغَزارَةِ العَقْلِ وأصالَةِ الرَّأْيِ وحِدَّةِ الذِّهْنِ وتَوْلِيدِ المَعارِفِ مِنَ البَوادِي، ومَكَّةُ أُمُّ القُرى في ذَلِكَ لِأنَّها مَجْمَعٌ لِجَمِيعِ الخَلائِقِ لِما أمَرُوا بِهِ مِن حَجِّ البَيْتِ، وكانَ العَرَبُ كُلُّهم يَأْتُونَها؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقالَ الحَسَنُ: لَمْ يَبْعَثِ اللَّهُ نَبِيًّا مِن أهْلِ البادِيَةِ ولا مِنَ الجِنِّ ولا مِنَ النِّساءِ - انْتَهى.
وذَلِكَ لِأنَّ المُدُنَ مَواضِعُ الحِكْمَةِ، والبَوادِي مُواطِنُ لِظُهُورِ الكَلِمَةِ، ولَمّا كانَتْ مَكَّةُ أوِ القُرى مَدِينَةً، وهي مَعَ ذَلِكَ في بِلادِ البادِيَةِ، جَمَعَتِ الأمْرَيْنِ وفازَتْ بِالأثَرَيْنِ، لِأجْلِ أنَّ المُرْسَلَ إلَيْها جامِعٌ لِكُلِّ ما تَفَرَّقَ في غَيْرِهِ مِنَ المُرْسَلِينَ، وخاتَمٌ لِجَمِيعِ النَّبِيِّينَ ﷺ وعَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ.
ومادَّةُ ”قُرى“ - يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الخَمْسَةَ عَشَرَ - تَدُورُ عَلى الجَمْعِ، ويُلْزِمُهُ الإمْساكَ، ورُبَّما كانَ عَنْهُ (p-٢٤٨)الِانْتِشارُ، فالقَرْيَةُ - بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ: المُصِرُّ الجامِعُ، وأقْرى: لَزِمَ القَرْيَةَ، والقارِيُّ: ساكِنُها، والقارِّيَّةُ: الحاضِرَةُ الجامِعَةُ، وطَيْرٌ أخْضَرُ، إمّا لِلُزُومِها، وإمّا لِجَمْعِ لَوْنِهِ لِلْبَصَرِ، والقَرْيَتَيْنِ - مُثَنّى وأكْثَرُ ما يَتَلَفَّظُ بِهِ بِالياءِ: مَكَّةُ والطّائِفُ، وقَرْيَةُ النَّمْلِ: مُجْتَمَعُ تُرابِها، وقَرَيْتُ الماءَ في الحَوْضِ: جَمَعْتُهُ، والمِقْراةُ: شِبْهُ حَوْضٍ، وكُلُّ ما اجْتَمَعَ فِيهِ ماءٌ، والقَرْيُ: ماءٌ مُسْتَجْمِعٌ، والمُدَّةُ تَقَرّى في الجُرْحِ - أيْ تَجْتَمِعُ، والقَوارِي: الشُّهُودُ - لِجَمْعِهِمُ الأُمُورَ، والقَوارِي: النّاسُ الصّالِحُونَ - كَأنَّهُ مُخَفَّفٌ مِنَ المَهْمُوزِ، وقَرَيْتُ الضَّيْفَ قِرى بِالكَسْرِ والقَصْرِ، وبِالفَتْحِ والمَدِّ: أضَفْتُهُ كاقْتَرَيْتُهُ، والمِقْراةُ: الجَفْنَةُ يَقْرى فِيها الضَّيْفُ، والمَقارِي: القُدُورُ، [وقُرى البَعِيرَ وكُلَّ ما اجْتَرَّ: جَمْعُ جَرَّتِهِ في شِدْقِهِ، وقَرَتِ النّاقَةُ: ورِمَ شِدْقاها مِن وجَعِ الأسْنانِ] كَأنَّها لا تَقْدِرُ مَعَ ذَلِكَ عَلى جَمْعِ الجَرَّةِ، فَيَكُونُ مِنَ السَّلْبِ، وقَرى البِلادَ: تَتَبَّعَها يَخْرُجُ مِن أرْضٍ إلى أرْضٍ كاقْتَراها واسْتَقْرَها - لِجَمْعِهِ بَيْنَها، وقَرِيَ الماءُ كَغَنِيَ: مَسِيلُهُ مِنَ (p-٢٤٩)التِّلاعِ، أوْ مَوْقِعُهُ مِنَ الرَّبْوِ إلى الرَّوْضَةِ - لِأنَّهُ مَكانُ اجْتِماعِهِ، وقُرى الخَيْلِ: وادٍ - كَأنَّها اجْتَمَعَتْ فِيهِ، والقَرْيَةُ - كَغَنِيَّةُ: العَصا لِأنَّ الرّاعِيَ يَجْمَعُ بِها ما يَرْعاهُ. وبِها يَجْمَعُ كُلَّ ما يُرادُ جَمْعُهُ، وأعْوادٌ فِيها فَرْضٌ يَجْعَلُ فِيها رَأْسَ عَمُودِ البَيْتِ، لِأنَّهُ بِها يُقامُ فَيَجْمَعُ مَن يُرادُ، وُعُودُ الشِّراعِ الَّذِي في عَرْضِهِ مِن أعْلاهُ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ الشِّراعَ مَلْفُوفًا ومَنشُورًا، وقَرَيْتُ الصَّحِيفَةَ لُغَةً في قَرَأْتُها - إذا تَلَوْتُها فَجَمَعْتُ عِلْمَها وكَلامَها، والقارِّيَّةُ: أسْفَلُ الرُّمْحِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ زَجَّهُ، أوْ أعْلاهُ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ عالِيَتَهُ، وحَدُّ الرُّمْحِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ مُرادَ صاحِبِهِ، وكَذا حَدُّ السَّيْفِ، والقارِّيَّةُ - بِالتَّشْدِيدِ: طائِرٌ أخْضَرُ إذا رَأوْهُ اسْتَبْشَرُوا بِالمَطَرِ - كَأنَّهُ رَسُولُ الغَيْثِ أوْ مُقَدِّمَةُ السَّحابِ، جَمْعُهُ قَوارِي، كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ سَبَبُ جَمْعِ الهَمِّ لِلْمَطَرِ؛ والقِيرِ والقارِ: شَيْءٌ أسْوَدُ تُطْلى بِهِ السُّفُنُ، والإبِلُ، والحَبابُ، والزُّقاقُ، أوْ هُما الزِّفْتُ، وعَلى كُلِّ تَقْدِيرٍ هو سادَ لِلشُّقُوقِ والمَسامِّ فَكانَ الجامِعُ بَيْنَ أجْزاءِ السَّفِينَةِ وغَيْرِها، وهَذا أقْيَرُ مِن [هَذا] أشَدُّ مَرارَةً - تَشْبِيهٌ بِالقِيرِ الطَّعْمِ، والمُرُّ أيْضًا (p-٢٥٠)يُجْمَعُ الفَمُّ نَحْوَهُ بِالقَبْضِ، والقَيُّورُ - كَتَنُّورِ: الخامِلُ النَّسَبُ، شَبَّهَ بِهِ أيْضًا لِأنَّ القِيرَ لَمّا قَلَّ احْتِياجُ أكْثَرِ النّاسِ إلَيْهِ في كَثِيرٍ مِنَ الأوْقاتِ صارَ قَلِيلَ الذِّكْرِ - وهَذا مَعْنى الخُمُولِ، والقَيّارُ كَشَدّادُ: صاحِبُ القِيرِ، وبِئْرٌ لِبَنِي عِجْلٍ قُرْبَ واسِطٍ، وكَأنَّها سُمِّيَتْ لِجَمْعِها إيّاهُمْ، وقَيّارٌ اسْمُ فَرَسٍ، كَأنَّهُ لِجَوْدَتِهِ يَجْمَعُ لِصاحِبِهِ ما يُرِيدُ، والقارَّةُ: الدُّبَّةُ كَذَلِكَ، والقارَّةُ: حَيٌّ مِنَ العَرَبِ سُمُّوا لِأنَّ ابْنَ الشَّدّاخِ أرادَ أنْ يُفَرِّقَهم في كِنانَةَ فَقالَ شاعِرُهُمْ:
؎دَعَوْنا قارَّةً لا تَجْفَلُونا فَنَجْفَلَ مِثْلَ إجْفالِ الظَّلِيمِ
ذَكَرَهُ مُخْتَصَرُ العَيْنِ هُنا وغَيْرُهُ في الواوِ، واقَتارَ الحَدِيثُ اقْتِيارًا: بَحَثَ عَنْهُ - لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبٌ لِجَمْعِهِ، والقَيْرُ - كَهَيِّنُ: الأسْوارُ مِنَ الرُّماةِ الحاذِقِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ بِذَلِكَ ما يُرِيدُ؛ ورَقَيْتُ الرَّجُلَ بِالفَتْحِ رُقْيَةً: عَوَّذْتُهُ، ونَفَثْتُ في عَوْذَتِهِ - لِأنَّ الرّاقِيَ يَجْمَعُ رِيقَهُ ويَنْفُثُ، ورَقَيْتُ في الشَّيْءِ رَقْيًا - إذا صَعَدْتُ عَلَيْهِ - كَأنَّكَ جَمَعْتَ بَيْنَ دُرْجِهِ، والمُرْقاةُ بِالفَتْحِ ويَكْسِرُ: الدَّرَجَةُ، لِأنَّ العُلُوَّ مِن آثارِ الجَمْعِ، ورَقّى عَلَيْهِ كَلامًا تَرْقِيَةً: رَفَعَ، لِأنَّهُ جَمَعَهُ عَلَيْهِ، ومُرَقِّيًا الأنْفَ: حَرْفاهُ لِأنَّهُما الجامِعانِ لَهُ؛ (p-٢٥١)والرّائِقُ مِنَ الماءِ: الخالِصُ، لِأنَّهُ إذا خَلُصَ اشْتَدَّ تَلاصُقُ أجْزائِهِ لِزَوالِ ما كانَ يَتَخَلَّلُها مِنَ الغَبَرِ، وراقَ الماءَ يُرِيقُ - إذا انْصَبَّ، إمّا لِأنَّهُ اجْتَمَعَ إلى المَحَلِّ الَّذِي انْصَبَّ إلَيْهِ، أوْ يَكُونُ مِنَ السَّلْبِ كَأراقَهُ بِمَعْنى صَبَّهُ، وراقَ السَّرابَ يُرِيقُ وتُرِيقُ يَتَرَيَّقُ - إذا تَضَحْضَحَ فَوْقَ الأرْضِ أيْ تَرَدَّدَ، إمّا مِنَ السَّلْبِ، وإمّا تَشْبِيهٌ بِالمُجْتَمَعِ، والرِّيقُ: تَرَدُّدُ الماءِ عَلى وجْهِ الأرْضِ مِنَ الضِّحْضاحِ أيْ لِيَسِيرٍ ونَحْوِهِ، لِأنَّهُ لا يَتَرَدَّدُ إلّا وهو مُجْتَمِعٌ، والرِّيقُ: أوَّلُ كُلِّ شَيْءٍ وأفْضَلُهُ مِنَ الرّائِقِ بِمَعْنى الخالِصِ، ولِأنَّ الأوَّلَ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ غَيْرُهُ، والأفْضَلُ يَجْمَعُ ما يُرادُ، والرِّيقُ أيْضًا: الباطِلُ، كالرُّيُوقِ كَتَنُّورٍ - تَشْبِيهًا بِالسَّرابِ، ورِيقُ الفَمِ مَعْرُوفٌ، لِاجْتِماعِهِ، والرِّيقُ: القُوَّةُ، لِجَمْعِها المُرادُ، والرِّيقُ الرّائِقُ: الخالِصُ وكُلُّ ما أُكِلَ أوْ شُرِبَ عَلى الرِّيقِ، ومَن لَيْسَ في يَدِهِ شَيْءٌ، كَأنَّهُ خَلَصَ عَنِ العَلائِقِ فاجْتَمَعَ هَمُّهُ، ومَن هو عَلى الرِّيقِ كَرِيقِيٍّ كَكَيِّسٍ، وهو يُرِيقُ بِنَفْسِهِ: يَجُودُ بِها عِنْدَ المَوْتِ، مِن راقَ الماءَ: انْصَبَّ، والمُرِيقُ - كَمُعْظَمٍ: مَن لا يَزالُ يُعْجِبُهُ شَيْءٌ، ولَعَلَّهُ مَن راقَهُ يَرُوقُهُ - إذا أعْجَبَهُ، (p-٢٥٢)فَجَمَعَ هَمَّهُ إلَيْهِ؛ واليارِقُ: ضَرْبٌ مِنَ الأسْوِرَةِ، لِأنَّهُ يَجْمَعُ المِعْصَمَ، واليَرَقانِ - ويَسْكُنُ: الِاسْتِقامَةُ والطَّرِيقَةُ وآفَةٌ لِلزَّرْعِ. ومَرَضٌ مَعْرُوفٌ، وسَيَذْكُرُ في ”أرَقَّ“ في أوَّلِ سُورَةِ الحِجْرِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى.
ولَمّا كانَ الِاعْتِبارُ بِأحْوالِ مَن سَلَفَ لِلنَّجاةِ مِمّا حَلَّ بِهِمْ أهُمُّ المُهِمِّ، اعْتَرَضَ بِالحَثِّ عَلَيْهِ بَيْنَ الغايَةِ ومُتَعَلِّقِها، فَقالَ: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا﴾ أيْ يُوقِعُ السَّيْرَ هَؤُلاءِ المُكَذِّبُونَ ﴿فِي الأرْضِ﴾ أيْ في هَذا الجِنْسِ الصّادِقِ بِالقَلِيلِ والكَثِيرِ. ولَمّا كانَ المُرادُ سَيْرَ الِاعْتِبارِ سَبَّبَ عَنْهُ [قَوْلُهُ] ﴿فَيَنْظُرُوا﴾ أيْ عَقِبَ سَيْرِهِمْ وبِسَبَبِهِ، ونَبَّهَ عَلى [أنَّ] ذَلِكَ أمْرٌ عَظِيمٌ يَنْبَغِي الِاهْتِمامُ بِالسُّؤالِ عَنْهُ بِذِكْرِ أداةِ الِاسْتِفْهامِ فَقالَ ﴿كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ﴾ أيْ آخِرَ أمْرِ ﴿الَّذِينَ﴾ ولَمّا كانَ الَّذِينَ يُعْتَبَرُ بِحالِهِمْ - لِما حَلَّ بِهِمْ مِنَ الأُمُورِ العِظامِ - في بَعْضِ الأزْمِنَةِ الماضِيَةِ، وكانَ المُخاطَبُونَ بِهَذا القُرْآنِ لا يُمْكِنُهُمُ الإحاطَةَ بِأهْلِ الأرْضِ وإنْ كانَ في حالِ كُلٍّ مِنهم عِظَةٌ، أتى بِالجارِّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾ في الرِّضى بِأهْوائِهِمْ في تَقْلِيدِ آبائِهِمْ، وهَذا كَما تَقَدَّمَ في [سُورَةِ يُونُسَ] مِن أنَّ الآياتِ [لا تُغْنِي] عَمَّنْ خَتَمَ عَلى قَلْبِهِ، والتَّذْكِيرِ بِأحْوالِ الماضِينَ مِن هَلاكِ العاصِينَ ونَجاةِ الطّائِعِينَ، والِاعْتِراضِ بَيْنَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ ﴿قُلْ (p-٢٥٣)فانْتَظِرُوا إنِّي مَعَكم مِنَ المُنْتَظِرِينَ﴾ [يونس: ١٠٢] وهو يَدُلُّ عَلى أنَّهُ تَعالى يَغْضَبُ مِمَّنْ أعْرَضَ عَنْ تَدَبُّر آياتِهِ؛ والسَّيْرُ: المُرُورُ المُمْتَدُّ في جِهَةٍ، ومِنهُ أخْذُ السَّيْرِ، وأخْذُ السُّيُورِ مِنَ الجِلْدِ؛ والنَّظَرُ: طَلَبُ إدْراكِ المَعْنى بِالعَيْنِ أوِ القَلْبِ، وأصْلُهُ مُقابَلَةُ الشَّيْءِ بِالبَصَرِ لِإدْراكِهِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المُمْكِنِ أنْ يَدَّعِيَ مَطْمُوسُ البَصِيرَةِ أنَّهُ كانَ لَهم نَوْعٌ خَيِّرٌ، قالَ عَلى طَرِيقَةِ إرْخاءِ العِنانِ: ﴿ولَدارُ﴾ أيِ السّاعَةِ أوِ الحالَةِ ﴿الآخِرَةِ﴾ أيِ الَّتِي وقَعَ التَّنْبِيهُ عَلَيْها بِأُمُورٍ تَفُوتُ الحَصْرَ مِنها دارَ الدُّنْيا فَإنَّهُ لا تَكُونُ دُنْيا إلّا بِقُصْيا ﴿خَيْرٌ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أيْ حَمَلَهُمُ الخَوْفُ عَلى جَعْلِ الِائْتِمارِ والِانْزِجارِ وِقايَةً مِن حَياةٍ أهْوَنَ مَآلِها المَوْتُ، وإنْ فَرَضَ فِيها مِنَ المُحالِ أنَّها امْتَدَّتْ ألْفَ عامٍ، وكانَ عَيْشُها كُلُّهُ رَغَدًا مِن غَيْرِ آلامٍ.
ولَمّا كانَ تَسْلِيمُ هَذا لا يَحْتاجُ فِيهِ إلى أكْثَرَ مِنَ العَقْلِ، قالَ مُسَبِّبًا عَنْهُ [مُنْكِرًا] عَلَيْهِمْ مُبَكِّتًا لَهُمْ: ﴿أفَلا تَعْقِلُونَ﴾ أيْ فَيَتْبَعُوا الدّاعِيَ إلى هَذا السَّبِيلِ الأقْوَمِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences