Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Yusuf 12:23–31
12:23Page 238
وَرَٰوَدَتۡهُ ٱلَّتِي هُوَ فِي بَيۡتِهَا عَن نَّفۡسِهِۦ وَغَلَّقَتِ ٱلۡأَبۡوَٰبَ وَقَالَتۡ هَيۡتَ لَكَۚ قَالَ مَعَاذَ ٱللَّهِۖ إِنَّهُۥ رَبِّيٓ أَحۡسَنَ مَثۡوَايَۖ إِنَّهُۥ لَا يُفۡلِحُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٢٣
And she, in whose house he was, sought to seduce him. She closed the doors and said, "Come, you." He said, "[I seek] the refuge of Allāh. Indeed, he1 is my master, who has made good my residence. Indeed, wrongdoers will not succeed."
(p-٥٦)ولِما أخْبَرَ تَعالى أنَّ سَبَبَ [النِّعْمَةِ -] عَلَيْهِ إحْسانُهُ، أتْبَعُهُ دَلِيلُهُ فَقالَ: ﴿وراوَدَتْهُ﴾ أيْ راجَعَتْهُ الخِطابَ ودارَتْ عَلَيْهِ بِالحِيَلِ، فَهو كِنايَةٌ عَنِ المُخادَعَةِ الَّتِي هي لازِمُ مَعْنى رادَ يُرَوِدُ - إذا جاءَ وذَهَبَ ﴿الَّتِي﴾ هي مُتَمَكِّنَةٌ مِنهُ غايَةَ المُكْنَةِ بِكَوْنِهِ ﴿هُوَ في بَيْتِها﴾ وهو في عُنْفُوانِ الشَّبابِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ أيْ مُراوَدَةً لَمْ تَكُنْ لَها سَبَبٌ إلّا نَفْسِهِ، لِأنَّ المُراوَدَةَ لا يُمْكِنُ أنْ تَتَجاوَزُ نَفْسَهُ إلّا بَعْدَ مُخالَطَتِها - كَما تَقُولُ: كانَ هَذا عَنْ أمْرِهِ، وذَلِكَ بِأنْ دارَتْ عَلَيْهِ بِكُلِّ حِيلَةٍ ونَصَبَتْ لَهُ أشَراكَ الخِداعِ وأقامَتْ حِينًا تَفْتِلُ [لَهُ -] في الذُّرْوَةِ والغارِبِ، وذَلِكَ لِأنَّ مادَّةَ ”رادَ“ واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها السَّبْعَةُ: رَوَدَ، ودَوَرَ، ووَرَدَ، ”ودَيَرَ“ ورَدى، وُرِيدَ، ودَرى - تَدُورُ عَلى الدَّوَرانِ، وهو الرُّجُوعُ إلى مَوْضِعِ الِابْتِداءِ، ويَلْزَمُ مِنهُ القَصْدُ والإتْيانُ والإقْبالُ والإدْبارُ والرِّفْقُ والمُهْلَةُ وإعْمالُ الحِيلَةِ وحُسْنُ النَّظَرِ، ورُبَّما يَكُونُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَتَأْتِي مِنهُ الحَيْرَةُ فَيَلْزَمُ الفَسادَ والهَلاكَ، يُقالُ: دارَ فُلانٌ يَدُورُ - إذا مَشى عَلى هَيْئَةِ الخِلْقَةِ، والدَّهْرٌ دَوّارِيٌ - لِدَوَرانِهِ بَأهْلِهِ بِالرَّفْعِ والحَطِّ، والدُّوارُ: شِبْهُ دَوَرانٍ في الرَّأْسِ، ودارَّةُ القَمَرِ مَعْرُوفَةٌ، والدّائِرَةُ: الحَلْقَةُ والدّارُ (p-٥٧)تَجَمُّعُ العَرْصَةِ والبِناءِ - لِدَوَرانِ بِنائِها ولِلدَّوَرانِ فِيها ولِلذَّهابِ [مِنها -] والرُّجُوعِ إلَيْها، والدّارِيُ: المَلّاحُ الَّذِي يَلِي الشِّراعَ، وهو القَلْعُ - لِأنَّهُ يُدِيرُهُ عَلى عَمُودِ المَرْكِبِ، أوْ لِأنَّهُ يَلْزَمُ دارَ السَّفِينَةِ؛ والرّائِدُ: الَّذِي يَرْتادُ الكَلَأ، أيْ يَذْهَبُ ويَجِيءُ في طَلَبِهِ - لَمّا لَمْ يَكُنْ [لَهُ -] مَقْصِدٌ مِنَ الأرْضِ مُعَيَّنٌ كَأنَّهُ يَدُورُ فِيها، والَّذِي لا يَكْذِبُ أهْلَهُ، وكُلُّ طالِبِ حاجَةٍ - قالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ.
وراوَدَتِ الرَّجُلَ: أرَدَتْهُ عَلى فِعْلٍ؛ ورائِدُ الرَّحى: يَدُها، أيِ العَوْدِ الَّذِي تُدارُ بِهِ ويَقْبِضُ عَلَيْهِ الطّاحِنُ، والرِّيادُ: اخْتِلافُ الإبِلِ في المَرْعى مُقْبِلَةٌ ومُدْبِرَةٌ، ورادَتِ المَرْأةُ - إذا اخْتَلَفَتْ إلى بُيُوتِ جاراتِها، ورادَ وسادَهُ - إذا لَمْ يَسْتَقِرْ، والرَّوَدُ: الطَّلَبُ والذَّهابُ والمَجِيءُ، وامْشِ عَلى رَوَدٍ - بِالضَّمِّ، أيْ مَهْلٍ، وتَصْغِيرُهُ رُوَيْدٍ، والمِرْوَدُ: الَّذِي يُكْتَحَلُ بِهِ، لِأنَّهُ يُدارُ في العَيْنِ، وحَدِيدَةٌ تَدُورُ في اللِّجامِ، ومِحْوَرُ البَكَرَةِ مِن حَدِيدٍ، والدَّيْرُ: مَعْرُوفٌ، ويُقالُ لِرَجُلٍ إذا كانَ رَأْسَ أصْحابِهِ: هو رَأْسُ الدَّيْرِ - كَأنَّهُ مِن إرادَةِ أصْحابِهِ [بِهِ -]، وتَرَدَّيْتُ بِالرِّداءِ وارْتَدَيْتُ - كَأنَّهُ مِنَ الإدارَةِ، والرِّداءُ: السَّيْفُ - لِأنَّهُ (p-٥٨)يَتَقَلَّدُ بِهِ في مَوْضِعِ الرَّدى، والرَّدَيانِ - مُحَرَّكًا: مَشى الحِمارُ بَيْنَ آرِيِهِ ومُتَمَعِّكِهِ، ورادَيْتُ فُلانًا، مِثْلُ: راوَدَتْهُ، ورَدَّتِ الجارِيَةُ - إذا رَفَعَتْ إحْدى رِجْلَيْها وقَفَزَتْ بِواحِدَةٍ، لِأتٍ مَشْيِها حِينَئِذٍ يُشَبِهُ الدَّوْرانِ، والرِّيدُ - بِالكَسْرِ: التِّرْبُ، لِأنَّهُ يُراوِدُكَ، أيْ يَمْشِي مَعَكَ مِن أوَّلِ زَمانِكَ؛ ومِنَ الإتْيانِ: الوُرُودُ، وهو إتْيانُ المَوْرِدِ مِن ماءٍ وطَرِيقٍ، والوارَدُ: الصّائِرُ إلى الماءِ لِلِاسْتِقاءِ مِنهُ، وهو الَّذِي يَنْزِلُ إلى الماءِ لِيَتَناوَلَ مِنهُ، والوِرْدُ مَعْرُوفٌ، ونُورُ كُلِّ شَجَرَةٍ وِرْدٌ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ لِلشَّمِّ وغَيْرِهِ، ويَخْرُجُ هو مِنها فَهو وارِدٌ أيْ آتٍ، وهو أيْضًا مَعَ ذَلِكَ مُسْتَدِيرٌ، والوَرِدُ - بِالكَسْرِ: يَوْمُ الحِمى إذا أخَذَتْ صاحِبَها لِوَقْتٍ لِأنَّها تَأْتِيَهُ، وهو مِنَ الدَّوَرانِ أيْضًا لِأنَّها تَدُورُ في ذَلِكَ الوَقْتِ بِعَيْنِهِ، وهَذا كُلُّهُ يَصْلُحُ لِلْإقْبالِ، ومِنهُ: أرْنَبَةٌ وارِدَةٌ، أيْ مُقْبِلَةٌ عَلى السَّبَلَةِ، والرَّيْدُ: أنِفُ الجَبَلِ - قالَهُ ابْنُ فارِسٍ، وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: والرَّيْدُ: الحَيِّدُ النّاتِئِ مِنَ الجَبَلِ، والجَمْعُ رُيُودٌ؛ وفي القامُوسِ: الحَيِّدُ مِنَ الجَبَلِ شاخِصٌ (p-٥٩)كَأنَّهُ جَناحٌ، ويُسَمّى الشُّجاعُ الوارِدَ، لِإقْبالِهِ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ واسْتِعْلائِهِ عَلَيْهِ، والوَرِيدانِ: عِرْقانِ مُكْتَنِفا صَفْحَتَيِ العُنُقِ مِمّا يَلِي مُقَدِّمَةَ غَلِيظانِ، والوِرْدُ: النَّصِيبُ مِنَ القُرْآنِ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ بِالقِراءَةِ ويُقْبِلُ عَلَيْهِ ويُدارُ عَلَيْهِ، ودَرَيْتُ الشَّيْءَ: عَلِمْتُهُ، فَأنْتَ مُقْبِلٌ عَلَيْهِ وارِدٌ إلَيْهِ، والَّدَرِئَةُ - مَهْمُوزَةٌ: حَلْقَةٌ يَتَعَلَّمُ عَلَيْها الطَّعْنُ والرَّمْيُ، والدُّرِّيَّةُ - مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ: دابَّةٌ يَسْتَتِرُ بِها رامِي الصَّيْدِ فَيَخْتُلُهُ، فَهي مِنَ الإقْبالِ والخِداعِ، وإنْ بَنى فَلانٌ أدْوَرًا مَكانًا، أيِ اعْتَمَدُوا بِالغَزْوِ والغارَةِ، والدُّرِّيُّ: شَبِيهٌ بِمُدَرّى الثَّوْرِ وهو قَرْنُهُ، لِأنَّهُ يَقْصِدُ بِهِ الشَّيْءَ ويُقْبِلُ بِهِ عَلى مُرادِهِ فَيُصْلِحُهُ بِهِ، وما أدْرِي أيْنَ رَدّى؟ [أيْ -] أيْنَ ذَهَبَ؟ والإرْوادُ: المُهْلَةُ في الشَّيْءِ؛ وامْشِ رُوَيْدًا: عَلى مَهْلٍ، والرّادَّةُ والرَّيْدَةُ: السَّهْلَةُ مِنَ الرِّياحِ، فَكَأنَّها تَأْتِي عَلى مَهْلٍ؛ [و -] مِنَ الحَيْرَةِ والفَسادِ والهَلاكِ: رَدِيَ الرَّجُلُ - إذا هَلَكَ، وأرْداهُ اللَّهُ، (p-٦٠)وتَرَدّى في هُوَّةٍ: [تَهَوَّرَ -] فِيها، ورَدَيْتُهُ بِالحِجارَةِ: رَمَيْتُهُ، والرَّداةُ: الصَّخْرَةُ، يَكْسِرُ بِها الشَّيْءَ، والمَرادِي: المَرامِي؛ ومِن حُسْنِ النَّظَرِ: أرْدَيْتُ عَلى الخَمْسِينَ: زِدْتُ، لِأنَّهُ يَلْزَمُ حُسْنَ النَّظَرِ الزِّيادَةُ، وأرادَ الشَّيْءَ عَلى غَيْرِهِ، أيْ رَبا عَلَيْهِ، وسَيَأْتِي بَيانُ المَهْمُوزِ مِن هَذِهِ المادَّةِ في ”سَنُراوِدُ“ مِن هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى ﴿وغَلَّقَتِ﴾ أيْ تَغْلِيقًا كَثِيرًا ﴿الأبْوابَ﴾ زِيادَةٌ في المَكِنَةِ، قالُوا: وكانَتْ سَبْعَةٌ؛ والإغْلاقُ: إطْباقُ البابِ بِما يَعْسُرُ مَعَهُ فَتْحَهُ ﴿وقالَتْ هَيْتَ﴾ أيْ تَهَيَّأتْ وتَصَنَّعَتْ ﴿لَكَ﴾ خاصَّةً فَأقْبِلْ إلَيَّ وامْتَثِلْ أمْرِي؛ والمادَّةُ - عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ التّاءِ وزِيادَتِها بِجَمِيعِ تَقالِيبِها: يائِيَّةٌ وواوِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ - تَدَوُرُ عَلى [إرادَةِ -] امْتِثالِ الأمْرِ: هَيْتَ لَكَ - مُثَلَّثَةُ الآخَرِ وقَدْ يُكْسَرُ أوُّلُهُ، [أيْ -] هَلُمَّ، وهَيَّتَ تَهْيِيتًا: صاحَ ودَعاهُ، وهاتِ - بِكَسْرِ التّاءِ أعْطِنِي - قالَ في القامُوسِ، والمُهايّاةُ مُفاعَلَةٌ مِنهُ، والهِيتُ: الغامِضُ مِنَ الأرْضِ، كَأنَّهُ يَدْعُو [ذا -] الهِمَّةَ إلى الوُقُوفِ عَلى حَقِيقَتِهِ، والتِّيهِ - بِالكَسْرِ: الكِبْرِياءُ والصَّلَفُ، فالتّائِهُ داعٍ بِالقُوَّةِ إلى امْتِثالِ أمْرِهِ، والمَفازَةُ، فَإنَّها تَقْهَرُ سالِكَها، والضَّلالُ مِنَ المَفازَةِ - تَسْمِيَةٌ لِلشَّيِّ بِاسْمِ مَوْضِعِهِ، ومِنهُ: تَها - بِمَعْنى غَفَلَ، ومِنهُ: مَضى تِهْواءٌ (p-٦١)مِنَ اللَّيْلِ - بِالكَسْرِ، أيْ طائِفَةٌ، لِأنَّها مَحَلُّ الغَفْلَةِ، أوْ لِأنَّها تَدْعُو ساهِرُها إلى النَّوْمِ ونائِمُها إلى الِانْتِباهِ، هَذا عَلى تَقْدِيرِ أصالَةِ التّاءِ، وأمّا عَلى تَقْدِيرِ أنَّها زائِدَةٌ فَهاءَ بِنَفْسِهِ إلى المَعالِي: رَفَعَها، فَهو يَراهُ أهْلًا لِأنْ يَمْتَثِلُ أمْرَها، والهَوْءُ: الهِمَّةُ والأمْرُ الماضِي، والهَوْءُ أيْضًا: الظَّنُّ، ويَضُمُّ، وهُؤْتُ بِهِ: فَرِحْتُ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ [إلّا -] لِفِعْلِ ما يَشْتَهِي، فَكَأنَّهُ امْتَثَلَ أمْرَكَ، وهَوَئَ إلَيْهِ - كَفَرَحَ: هَمَّ، وهاءَ كَجاءَ: لَبّى، أيِ امْتَثَلَ الأمْرَ، وهاءَ - بِالكَسْرِ: هاتِ، وهاءَ - كَجاءَ، أيْ هاكَ، بِمَعْنى خُذْ، والهَيْئَةُ: حالَ الشَّيْءُ وكَيْفِيَّتُهُ الدّاعِيَةُ إلى تَرْكِهِ أوْ لُزُومِهِ، وتَهايَّؤُوا: تَوافَقُوا، وهاءَ إلَيْهِ: اشْتاقَ، فَكَأنَّهُ دَعاهُ إلى رُؤْيَتِهِ، وتَهَيَّأ لِلشَّيْءِ: أخَذَ لَهُ هَيْئَتَهُ، فَكَأنَّهُ صارَ قابِلًا لِلْأمْرِ، أوْ لِأنْ يَمْتَثِلُ أمْرَهُ، وهَيَّأهُ: أصْلَحَهُ، والهَيْءُ - بِالفَتْحِ والكَسْرِ: الدُّعاءُ إلى الطَّعامِ والشَّرابِ ودُعاءُ الإبِلِ لِلشُّرْبِ، وإيهِ - بِكَسْرِ الهَمْزَةِ: [كَلِمَةٌ -] اسْتَزادَهُ واسْتَنَطاقَ، وبِإسْكانِ الهاءِ: زَجْرٌ بِمَعْنى حَسْبُكَ، وهَأْهَأ: قَهْقَهَ في ضَحِكِهِ، ولا يَكُونُ ذَلِكَ إلّا بِمَنِ امْتَثَلَ مُرادَهُ.
ولَمّا قالَتْ ما قالَتْ وفَعَلَتْ ما فَعَلَتْ، مَعَ ما هي عَلَيْهِ (p-٦٢)مِنَ القُدْرَةِ في نَفْسِها ولَها عَلَيْهِ مِنَ التَّسَلُّطِ وهو عَلَيْهِ مِنَ الحُسْنِ والشَّبابِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا لَمَوْطِنٌ لا يَكادُ يَنْجُو مِنهُ أحَدٌ، فَماذا كانَ مِنهُ؟ فَقِيلَ: ”قالَ“ أيْ يُوسُفُ مُسْتَعْمِلًا لِلْحُكْمِ بِالعِلْمِ ﴿مَعاذَ﴾ أيْ أعُوذُ مِن هَذا الأمْرِ مَعاذًا ﴿اللَّهِ﴾ أيْ ألْزَمَ حِصْنُ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وهو مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا وقُدْرَةً، ومَلْجَأهُ الَّذِي يَنْبَغِي الِاعْتِصامُ بِهِ واللِجاءُ إلَيْهِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ﴾ أيِ اللَّهُ ﴿رَبِّي﴾ أيْ مُوجِدِي ومُدَبِّرِي والمُحْسِنُ إلَيَّ في كُلِّ أمْرٍ، فَأنا أرْجُو إحْسانَهُ في هَذا ﴿أحْسَنَ مَثْوايَ﴾ بِأنْ جَعْلَ لِي في قَلْبِ سَيِّدِكَ مَكانَةً عَظِيمَةً حَتّى خَوَّلَنِي في جَمِيعِ ما يَمَلِكُ وائْتَمَنَنِي عَلى كُلِّ ما لَدَيْهِ، فَإنْ خالَفْتُ أمْرَ رُبِّيَ فَخُنْتُ مَن جَعَلَنِي مَوْضِعًا لِلْأمانَةِ كُنْتُ ظالِمًا واضِعًا لِلشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ، وهَذا التَّقْدِيرُ - مَعَ كَوْنِهِ ألْيَقَ بِالصّالِحِينَ المُراقَبِينَ - أحْسَنُ، لِأنَّهُ يَسْتَلْزِمُ نُصْحَ العَزِيزِ، ولَوْ أعَدْنا الضَّمِيرَ عَلى العَزِيزِ لَمْ يَسْتَلْزِمُ التَّقْوى.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ لِسانَ حالِها يَقُولُ: وإذا كانَ ظَلِمًا كانَ ماذا؟ قالَ ما تَقْدِيرُهُ: [إنِّي -] إذَنْ لا أُفْلِحُ، وعِلَّلَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّهُ لا يُفْلِحُ﴾ أيْ لا يَظْفَرُ بِمُرادِهِ أصْلًا ﴿الظّالِمُونَ﴾ أيِ العَرِيقُونَ (p-٦٣)فِي الظُّلْمِ - وهو وضْعُ الشَّيْءِ في غَيْرِ مَوْضِعِهِ - الَّذِينَ صِرْتُ في عِدادِهِمْ عَلى تَقْدِيرِ الفِعْلِ، فَيا لَهُ مِن دَلِيلٍ عَلى إحْسانِهِ وحُكْمِهِ وعِلْمِهِ، فَإنَّهُ لَمّا رَأى المَقامَ الدَّحْضَ بادَرَ إلى الِاعْتِصامِ بِمَن بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ، ثُمَّ اسْتَحْضَرَ إحْسانَهُ إلَيْهِ المُوجِبَ لِلشُّكْرِ عَلَيْهِ المُباعِدَ عَنِ الهَفَواتِ ثُمَّ مَقامَ الظُّلْمِ وما يُوجِبُ لِصاحِبِهِ مِنَ الحُزْنِ بِعَدَمِ الفَلاحِ.
12:24Page 238
وَلَقَدۡ هَمَّتۡ بِهِۦۖ وَهَمَّ بِهَا لَوۡلَآ أَن رَّءَا بُرۡهَٰنَ رَبِّهِۦۚ كَذَٰلِكَ لِنَصۡرِفَ عَنۡهُ ٱلسُّوٓءَ وَٱلۡفَحۡشَآءَۚ إِنَّهُۥ مِنۡ عِبَادِنَا ٱلۡمُخۡلَصِينَ ٢٤
And she certainly determined [to seduce] him, and he would have inclined to her had he not seen the proof [i.e., sign] of his Lord. And thus [it was] that We should avert from him evil and immorality. Indeed, he was of Our chosen servants.
ولَمّا كانَ هَذا الفِعْلُ لا يَتِمُّ حُسْنُهُ إلّا إذا كانَ عِنْدَ غَلَبَةِ الهَوى وتَرامِي الشَّهْوَةِ كَما هو شَأْنِ الرُّجُولِيَّةِ، قالَ تَعالى رَدًّا عَلى مَن يَتَوَهَّمُ ضِدَّ ذَلِكَ: ﴿ولَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ أيْ أوْقَعَتِ الهَمَّ، وهو القَصْدُ الثّابِتُ والعَزْمُ الصّادِقُ المُتَعَلِّقُ بِمُواقَعَتِهِ، ولا مانِعَ لَها مِن دِينٍ ولا عَقْلٍ ولا عَجْزٍ فاشْتَدَّ طَلَبُها ﴿وهَمَّ بِها﴾ كَما هو شَأْنُ الفُحُولِ عِنْدَ تَوَفُّرِ الأسْبابِ ﴿لَوْلا أنْ رَأى﴾ أيْ بِعَيْنِ قَلْبِهِ ﴿بُرْهانَ رَبِّهِ﴾ الَّذِي آتاهُ إيّاهُ مِنَ الحُكْمِ والعِلْمِ، أيْ لَهَمَّ بِها، لَكِنَّهُ [لَمّا -] كانَ البُرْهانُ حاضِرًا لَدَيْهِ حُضُورَ مَن يَراهُ بِالعَيْنِ، لَمْ يُغَطِّهِ وُفُورُ شَهْوَةٍ ولا غَلَبَةُ هَوًى، فَلَمْ يَهِمُّ أصْلًا مَعَ كَوْنِهِ في غايَةِ الِاسْتِعْدادِ لِذَلِكَ لِما آتاهُ اللَّهُ مِنَ القُوَّةِ مَعَ كَوْنِهِ في سِنِّ الشَّبابِ، فَلَوْلا المُراقَبَةُ لَهَمَّ بِها التَّوَفُّرُ الدَّواعِي غَيْرَ أنَّ نُورَ الشُّهُودِ مَحاها أصْلًا، وهَذا التَّقْدِيرُ هو اللّائِقُ بِمِثْلِ مَقامِهِ مَعَ أنَّهُ هو الَّذِي تَدُلُّ (p-٦٤)عَلَيْهِ أسالِيبُ هَذِهِ الآياتِ مِن جَعْلِهِ مِنَ المُخْلِصِينَ والمُحْسِنِينَ المَصْرُوفِ عَنْهُمُ السُّوءُ، وأنَّ السِّجْنَ أحَبُّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ، مَعَ قِيامِ القاطِعِ عَلى كَذِبِ ما تَضَمَّنَهُ قَوْلُها ﴿ما جَزاءُ مَن أرادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: ٢٥] - الآيَةُ، مِن مُطْلَقِ الإرادَةِ، ومَعَ ما تُحَتِّمَ تَقْدِيرُ ما ذُكِرَ بَعْدَ ”لَوْلا“ في خُصُوصِ هَذا التَّرْكِيبِ مِن أسالِيبِ كَلامِ العَرَبِ، فَإنَّهُ يَجِبُ أنْ يَكُونَ المُقَدَّرُ بَعْدَ كُلِّ شَرْطٍ مِن مَعْنى ما دَلَّ عَلَيْهِ ما قَبْلَهُ، وهَذا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها﴾ [القصص: ١٠] أيْ لَأبْدَتْ بِهِ، وأمّا ما ورَدَ عَنِ السَّلَفِ مِمّا يُعارِضُ ذَلِكَ فَلَمْ يَصِحَّ مِنهُ شَيْءٌ عَنْ أحَدٍ مِنهم مَعَ [أنَّ -] الأقْوالَ الَّتِي رُوِيَتْ عَنْهم إذا جُمِعَتْ تَناقَضَتْ فَتَكاذَبَتْ، ولا يُساعِدُ عَلى شَيْءٍ مِنها كَلامُ العَرَبِ لِأنَّهم قَدَّرُوا جَوابَ ”لَوْلا“ المَحْذُوفَ بِما لا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِن سابِقِ الكَلامِ ولا لاحِقِهِ - نَبَّهَ عَلى ذَلِكَ الإمامُ أبُو حَيّانَ، وسَبَقَهُ إلى ذَلِكَ الإمامُ الرّازِيُّ وقالَ: إنَّ هَذا قَوْلُ المُحَقِّقِينَ مِنَ المُفَسِّرِينَ، وأشْبَعَ في إقامَةِ الدَّلائِلِ عَلى هَذا بِما يُطْرِبُ الأسْماعَ، وقَدَّمَ ما يَدُلُّ عَلى جَوابِ الشَّرْطِ لِيَكُونَ أوَّلَ ما يَقْرَعُ السَّمْعَ ما يَدُلُّ عَلى أنَّهُ كانَ في غايَةِ القُدْرَةِ عَلى الفِعْلِ، وأنَّهُ ما مَنَعَهُ مِنهُ إلّا العِلْمُ بِاللَّهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: إنَّ هَذا التَّثْبِيتَ عَظِيمٌ، فَقِيلَ إشارَةٌ إلى (p-٦٥)أنَّهُ لازِمٌ لَهُ كَما هو شَأْنُ العِصْمَةِ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ ذَلِكَ التَّثْبِيتِ نُثْبِتُهُ في كُلِّ أمْرٍ ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ أيِ الهَمُّ بِالزِّنا وغَيْرِهِ ﴿والفَحْشاءَ﴾ أيِ الزِّنا وغَيْرِهِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ فَعَلَ بِهِ هَذا؟ فَقِيلَ ﴿إنَّهُ مِن عِبادِنا﴾ أيِ الَّذِينَ عَظَّمْناهم بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿المُخْلَصِينَ﴾ أيْ هو في عِدادِ الَّذِينَ هم خِيَّرٌ صَرْفٍ، لا يُخالِطُهم غِشٌّ، ومِن ذُرِّيَّتِهِمْ أيْضًا، وهَذا مَعَ قَوْلِ إبْلِيسَ [ ﴿لأُغْوِيَنَّهم أجْمَعِينَ﴾ [ص: ٨٢] ﴿إلا عِبادَكَ مِنهُمُ المُخْلَصِينَ﴾ [ص: ٨٣] شَهادَةٌ مِن إبْلِيسَ -] أنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَرِيءٌ مِنَ الهَمِّ في هَذِهِ الواقِعَةِ؛ قالَ الإمامُ: فَمَن نَسَبَهُ إلى الهَمِّ إنْ كانَ مِن أتْباعِ دِينِ اللَّهِ فَلْيَقْبَلْ شَهادَةَ اللَّهِ، وإنْ كانَ مِن أتْباعِ إبْلِيسَ وجُنُودِهِ فَلْيَقْبَلْ شَهادَةَ إبْلِيسَ بِطَهارَتِهِ، قالَ: ولَعَلَّهم يَقُولُونَ: كُنّا تَلامِذَةَ إبْلِيسَ ثُمَّ زِدْنا عَلَيْهِ - كَما قِيلَ:
؎وكُنْتُ فَتًى مِن جُنْدِ إبْلِيسٍ فارْتَقى .... مِنَ الأمْرِ حَتّى صارَ إبْلِيسُ مِن جُنْدِيٍّ
؎فَلَوْ ماتَ قَبْلِي كُنْتُ أحْسَنَ بَعْدَهُ ∗∗∗ .... طَرايِيقُ فِسْقٍ لَيْسَ يُحْسِنُها بَعْدُ
12:25Page 238
وَٱسۡتَبَقَا ٱلۡبَابَ وَقَدَّتۡ قَمِيصَهُۥ مِن دُبُرٖ وَأَلۡفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا ٱلۡبَابِۚ قَالَتۡ مَا جَزَآءُ مَنۡ أَرَادَ بِأَهۡلِكَ سُوٓءًا إِلَّآ أَن يُسۡجَنَ أَوۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٥
And they both raced to the door, and she tore his shirt from the back, and they found her husband at the door. She said, "What is the recompense of one who intended evil for your wife but that he be imprisoned or a painful punishment?"
(p-٦٦)ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ وتَعالى مُبالَغَتَهُ في الِامْتِناعِ بِالجِدِّ في الهَرَبِ دَلِيلًا عَلى إخْلاصِهِ وأنَّهُ لَمْ يَهِمْ أصْلًا فَقالَ: ﴿واسْتَبَقا البابَ﴾ أيْ أوْجَدَ المُسابَقَةَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ مِن كُلٍّ مِنهُما، هَذا لِلْهَرَبِ مِنها، وهَذِهِ لِمَنعِهِ، فَأوْصَلَ الفِعْلَ إلى المَفْعُولِ بِدُونٍ ”إلى“، دَلِيلًا عَلى أنَّ كُلًّا مِنهُما بَذَلَ أقْصى جُهْدَهُ في السَّبْقِ، فَلَحِقَتْهُ عِنْدَ البابِ الأقْصى مَعَ أنَّهُ كانَ قَدْ سَبَقَها بِقُوَّةِ الرُّجُولِيَّةِ وقُوَّةِ الدّاعِيَةِ إلى الفِرارِ إلى اللَّهِ، ولَكِنْ عاقَّةُ إتْقانِها لِلْمَكْرِ بِكَوْنِ الأبْوابِ كانَتْ مُغْلَقَةً، فَكانَ يَشْتَغِلُ بِفَتْحِها فَتَعَلَّقَتْ بِأدْنى ما وصَلَتْ إلَيْهِ مِن قَمِيصِهِ، وهو ما كانَ مِن ورائِهِ خَوْفُ فَواتِهِ، فاشْتَدَّ تَعَلُّقُها بِهِ مَعَ إعْراضِهِ هو عَنْها وهَرَبِهِ مِنها، فَفَتَحَهُ وأرادَ الخُرُوجَ فَمَنَعَتْهُ ”و“ لَمْ تَزَلْ تُنازِعُهُ حَتّى ”قُدْت قَمِيصه“ وكانَ القَدْ ﴿مِن دُبُرٍ﴾ أيِ النّاحِيَةُ الخَلْفُ مِنهُ، وانْقَطَعَتْ مِنهُ قِطْعَةٌ فَبَقِيَتْ في يَدِها ﴿وألْفَيا﴾ أيْ وجَدا مَعَ ما بِهِما مِنَ الغُبارِ والهَيْئَةِ الَّتِي لا تَلِيقُ بِهِما ﴿سَيِّدَها﴾ أيْ زَوْجُها، ولَمْ يَقُلْ: سَيِّدُهُما، لِأنْ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لَمْ يَدْخُلْ في رِقٍّ - كَما مَضى - لِأنَّ المُسْلِمَ لا يُمَلَّكُ وهو السَّيِّدُ ”لَدَ“ أيْ عِنْدِ ذَلِكَ ﴿البابَ﴾ أيِ الخارِجِ، عَلى كَيْفِيَّةٍ غَرِيبَةٍ جِدًّا، هَكَذا يَنْبَغِي أنْ يَفْهَمَ هَذا المَقامَ لِأنَّ السَّيِّدَ لا يَقْدِرُ [عَلى -] (p-٦٧)فَتْحِهِ فَضْلًا عَنِ الوُصُولِ إلى غَيْرِهِ لِتَغْلِيقِ الجَمِيعِ.
ولِما عَلِمَ السّامِعُ أنَّهُما ألْفَياهُ وهُما عَلى هَذِهِ الحالَةِ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَما اتَّفَقَ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَتْ﴾ مُبادَرَةٌ مِن غَيْرِ حَياءٍ ولا تَلَعْثُمِ ”ما“ نافِيَةٌ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ اسْتِفْهامِيَّةً ﴿جَزاءُ مَن أرادَ﴾ أيْ مِنهُ ومَن غَيْرِهِ كائِنًا مَن كانَ، لِما لَكَ مِنَ العَظَمَةِ ﴿بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ أيْ ولَوْ أنَّهُ غَيْرُ الزِّنا ﴿إلا أنْ يُسْجَنَ﴾ أيْ يُودَعُ في السِّجْنِ إلى وقْتٍ ما، لِيَحْكُمَ فِيهِ بِما يَلِيقُ ﴿أوْ عَذابٌ ألِيمٌ﴾ أيْ دائِمٌ ثابِتٌ غَيْرَ السَّجْنِ؛ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما هو حَقُّهُ، هَذا كانَ حالُها عِنْدَ المُفاجَأةِ، وأمّا هو عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَجَرى عَلى سَجايا الكِرامِ بِأنْ سَكَتَ سِتْرًا عَلَيْها وتَنَزُّهًا عَنْ ذِكْرِ الفَحْشاءِ،
12:26Page 238
قَالَ هِيَ رَٰوَدَتۡنِي عَن نَّفۡسِيۚ وَشَهِدَ شَاهِدٞ مِّنۡ أَهۡلِهَآ إِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن قُبُلٖ فَصَدَقَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلۡكَٰذِبِينَ ٢٦
[Joseph] said, "It was she who sought to seduce me." And a witness from her family testified, "If his shirt is torn from the front, then she has told the truth, and he is of the liars.
فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا قالَ حِينَ قَذَفَتْهُ بِهَذا؟ فَقِيلَ ﴿قالَ﴾ دافِعًا عَنْ نَفْسِهِ لا هاتِكًا لَها ”هِيَ“ بِضَمِيرِ الغَيْبَةِ لِاسْتِيحائِهِ عَنْ مُواجَهَتِها بِإشارَةٍ أوْ ضَمِيرِ خِطابٍ ﴿راوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ وما قالَ ذَلِكَ إلّا حِينَ اضْطَرَّتْهُ إلَيْهِ بِنِسْبَتِهِ إلى الخِيانَةِ، وصِدْقِهِ لَعَمُرِي فِيما قالَ لا يَحْتاجُ إلى بَيانِ أكْثَرِ مِنَ الحالِ الَّذِي كانا فِيهِ، وهو (p-٦٨)أنَّهُما عِنْدَ البابِ، ولَوْ كانَ الطَّلَبُ مِنهُ لَما كانا إلّا في مَحَلِّها الَّذِي تَجْلِسُ فِيهِ، وهو صَدْرُ البَيْتِ وأشْرَفُ مَوْضِعٍ فِيهِ ﴿وشَهِدَ﴾ ولَمّا كانَ كُلُّ صالِحٍ لِلشَّهادَةِ كافِيًا، فَلَمْ تَدَعْ ضَرُورَةً إلى تَعْيِينِهِ، قالَ: ﴿شاهِدٌ﴾ أيْ عَظِيمٌ ﴿مِن أهْلِها﴾ لِأنَّ الأهْلَ أعْظَمُ في الشَّهادَةِ، رَضِيعٌ بِبَراءَتِهِ - نَقَلَهُ الرُّمّانِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ وأبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، كَما شَهِدَ لِلنَّبِيِّ ﷺ في حِجَّةِ الوَداعِ صَبِيٌّ مِن أهْلِ اليَمامَةِ يَوْمَ وُلِدَ بِأنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ، فَكانَ يُدْعى: مُبارَكُ اليَمامَةِ.
فَقالَ ذَلِكَ الشّاهِدَ ﴿إنْ كانَ﴾ أيْ حالِ المُراوَغَةِ ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ فِيما يَتَبَيَّنُ لَكم ”قَدَّ“ أيْ شَقَّ شَقًّا مُسْتَأصْلًا ﴿مِن قُبُلٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أقْبَلُ مِن جَسَدِهِ ﴿فَصَدَقَتْ﴾ ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ فِعْلِ التَّبَيُّنِ، لِأنَّ الشُّرُوطَ لا تَكُونُ مَعانِيها إلّا مُسْتَقْبَلَةً ولَوْ كانَتْ ألْفاظُها ماضِيَةً.
ولَمّا كانَ صِدْقُها لَيْسَ قاطِعًا في مَنعِ صِدْقِهِ، قالَ: ﴿وهُوَ مِنَ الكاذِبِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إقْبالُهُ - وهي تَدْفَعُهُ عَنْها أوْ تَهْرُبُ مِنهُ (p-٦٩)وهُوَ يَتْبَعُها ويَعْثُرُ في قَمِيصِهِ - ما كانَ القَدُّ مِنَ القُبُلِ
12:27Page 238
وَإِن كَانَ قَمِيصُهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ فَكَذَبَتۡ وَهُوَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٢٧
But if his shirt is torn from the back, then she has lied, and he is of the truthful."
﴿وإنْ كانَ﴾ أيْ فِيما يَظْهَرُ لَكم ﴿قَمِيصُهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ﴾ أيْ مِن جِهَةِ ما أدْبَرَ مِنهُ، وبَنى ”قُدَّ“ لِلْمَجْهُولِ لِلنِّزاعِ في القادِّ ﴿فَكَذَبَتْ﴾ ولَمّا كانَ كَذَلِكَ كَذِبُها [فِي إرادَتِهِ -] السُّوءُ لا يُعَيِّنُ صِدْقَهُ في إرادَتِها لَهُ، [قالَ -]: ﴿وهُوَ مِنَ الصّادِقِينَ﴾ لِأنَّهُ لَوْلا إدْبارُهُ عَنْها وإقْبالُها عَلَيْهِ لَما وقَعَ ذَلِكَ، فَعَرَفَ سَيِّدُها صِحَّةَ ذَلِكَ بِلا شُبْهَةٍ، لِأنَّ مَعْنى ”إنَّ“ هُنا الشَّرْطُ في جِهَةِ التَّقْرِيرِ لِلْمَعْنى الَّذِي يُوجِبُ غَيْرَهُ لا عَلى الشَّكِّ، وقَدِمَ أمارَةَ صِدْقِها لِأنَّهُ مِمّا يُحِبُّهُ سَيِّدُها، فَهو في الظّاهِرِ اهْتِمامٌ بِها، وفي الحَقِيقَةِ تَقْرِيرٌ لِكَذِبِها مَرَّتَيْنِ: الأوْلى بِاللُّزُومِ، والثّانِيَةُ بِالمُطابَقَةِ.
12:28Page 238
فَلَمَّا رَءَا قَمِيصَهُۥ قُدَّ مِن دُبُرٖ قَالَ إِنَّهُۥ مِن كَيۡدِكُنَّۖ إِنَّ كَيۡدَكُنَّ عَظِيمٞ ٢٨
So when he [i.e., her husband] saw his shirt torn from the back, he said, "Indeed, it is of your [i.e., women's] plan. Indeed, your plan is great [i.e., vehement].
ولَمّا كانَ المَعْنى: فَنَظَرَ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿فَلَمّا رَأى﴾ أيْ سَيِّدُها ﴿قَمِيصَهُ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿قُدَّ مِن دُبُرٍ قالَ﴾ لَها وقَدْ قَطَعَ بِصِدْقِهِ وكَذِبِها، مُؤَكِّدًا لِأجْلِ إنْكارِها ﴿إنَّهُ﴾ أيْ هَذا القَذْفُ لَهُ ﴿مِن كَيْدِكُنَّ﴾ مَعْشَرَ النِّساءِ؛ والكَيْدُ: طَلَبُ الإنْسانِ بِما يَكْرَهُهُ ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ والعَظِيمُ: ما يَنْقُصُ مِقْدارَ غَيْرِهِ عَنْهُ حِسًّا أوْ مَعْنًى، فاسْتَعْظَمَهُ لِأنَّهُ أدَقُّ مِن مَكْرِ الرَّجُلِ وألْطَفَ وأخْفى، لِأنَّ الشَّيْطانَ (p-٧٠)عَلَيْهِنَّ لِنُقْصِهِنَّ أقْدَرُ، وكَيْدُهُنَّ الَّذِي هو مِن كَيْدِ الشَّيْطانِ أضْعَفُ ضَعِيفٍ بِالنِّسْبَةِ إلى ما يُدَبِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ في إبْطالِهِ؛
12:29Page 238
يُوسُفُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَاۚ وَٱسۡتَغۡفِرِي لِذَنۢبِكِۖ إِنَّكِ كُنتِ مِنَ ٱلۡخَاطِـِٔينَ ٢٩
Joseph, ignore this.1 And, [my wife], ask forgiveness for your sin. Indeed, you were of the sinful."
ثُمَّ قالَ العَزِيزُ آمِرًا لَهُ عَلَيْهِ السَّلامُ مُسْقِطًا لِحَرْفِ النِّداءِ دَلالَةً عَلى أنَّ قُرْبَهُ مِن قَلْبِهِ عَلى حالِهِ: ﴿يُوسُفُ أعْرِضْ﴾ أيِ انْصَرِفْ بِكُلِّيَّتِكَ مُجاوِزًا ﴿عَنْ هَذا﴾ أيِ اجْعَلْهُ بِمَنزِلَةِ ما تَصْرِفُ وجْهَكَ عَنْهُ إلى جِهَةِ العَرْضِ بِأنْ لا تَذْكُرَهُ لِأحَدٍ ولا تَهْتَمَّ بِهِ، فَإنِّي لَمْ أتَأثَّرْ مِنكَ بِوَجْهٍ، لِأنَّ عُذْرَكَ قَدْ بانَ، وأقْبَلَ إلَيْها فَقالَ: ﴿واسْتَغْفِرِي﴾ أيِ اطْلُبِي الغُفْرانَ ﴿لِذَنْبِكِ﴾ في أنْ لا يَحْصُلَ لَكَ عُقُوبَةً مِنِّي ولا مِنَ اللَّهِ؛ واسْتَأْنَفَ بَيانُ ما أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ: ﴿إنَّكِ كُنْتِ﴾ أيْ كَوْنًا جِبِلِّيًّا ﴿مِنَ الخاطِئِينَ﴾ أيِ العَرِيقَيْنِ في الخَطَأِ بِغايَةِ القُوَّةِ، يُقالُ: خَطِئَ يُخَطَّأُ - إذا أذْنَبَ مُتَعَمِّدًا.
12:30Page 238
۞ وَقَالَ نِسۡوَةٞ فِي ٱلۡمَدِينَةِ ٱمۡرَأَتُ ٱلۡعَزِيزِ تُرَٰوِدُ فَتَىٰهَا عَن نَّفۡسِهِۦۖ قَدۡ شَغَفَهَا حُبًّاۖ إِنَّا لَنَرَىٰهَا فِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٖ ٣٠
And women in the city said, "The wife of al-ʿAzeez is seeking to seduce her slave boy; he has impassioned her with love. Indeed, we see her [to be] in clear error."
ولَمّا كانَ في هَذا مِن شَرَفِ العِفَّةِ ما يَدُلُّ عَلى كَمالِ العِصْمَةِ، وأكَّدَهُ تَعالى بِما يَدُلُّ عَلى تَسامِي حُسْنِهِ وتَعالِي جَمالِهِ ولُطْفِهِ، لِأنَّ العادَةَ جَرَتْ بِأنَّ ذَلِكَ كانَ بَعْضُهُ لِأحَدٍ كانَ مَظِنَّةً لِمَيْلِهِ، لِتَوْفِيرِ الدَّواعِي عَلى المَيْلِ إلَيْهِ، فَقالَ تَعالى: ﴿وقالَ نِسْوَةٌ﴾ أيْ جَماعَةٌ مِنَ النِّساءِ لِما شاعَ الحَدِيثُ؛ ولِما كانَتِ البَلْدَةُ كُلَّما عَظُمَتْ كانَ أهْلُها أعْقَلَ وأقْرَبَ إلى الحِكْمَةِ، قالَ: ﴿فِي المَدِينَةِ﴾ أيِ الَّتِي فِيها امْرَأةُ العَزِيزِ ساكِنَةً ﴿امْرَأتُ العَزِيزِ﴾ فَأضَفْنَها إلى زَوْجِها إرادَةَ الإشاعَةِ لِلْخَبَرِ، لِأنَّ النَّفْسَ (p-٧١)إلى سَماعِ أخْبارِ أُولى الأخْطارِ أمْيَلُ؛ والعَزِيزُ: المَنِيعُ بِقُدْرَتِهِ مِن أنْ يُضامَ، فالعِزَّةُ أخَصُّ مِن مُطْلَقِ القُدْرَةِ، وعَبَّرْنَ بِالمُضارِعِ في ﴿تُراوِدُ فَتاها﴾ أيْ عَبْدَها نازِلَةٌ مِنَ افْتِراشِ العَزِيزِ إلى افْتِراشِهِ ﴿عَنْ نَفْسِهِ﴾ إفْهامًا لِأنَّ الإصْرارَ عَلى المُراوَدَةِ صارَ لَها كالسَّجِيَّةِ؛ والفَتى: الشّابُّ، وقَيَّدَهُ الرُّمّانِيُّ بِالقَوِيِّ، قالَ: وقالَ الزَّجّاجُ: وكانُوا يُسَمَّوْنَ المَمْلُوكَ فَتًى شَيْخًا كانَ أوْ شابًّا، فَفِيهِ اشْتِراكٌ عَلى هَذا ﴿قَدْ شَغَفَها﴾ ذَلِكَ الفَتى ﴿حُبًّا﴾ أيْ مِن جِهَةِ الحُبِّ، قالَ الرُّمّانِيُّ: شَغافُ القَلْبِ غِلافُهُ، وهو جَلْدَةٌ عَلَيْهِ، يُقالُ: دَخَلَ الحُبُّ الجِلْدَ حَتّى أصابَ القَلْبَ، عَنِ السُّدِّيِّ وأبِي عُبَيْدَةَ وعَنِ الحَسَنِ أنَّهُ باطِنُ القَلْبِ، وعَنْ [ أبِي -] عَلَيٍّ: وسَطُ القَلْبِ -انْتَهى. والَّذِي قالَ في المُجْمَلِ وغَيْرِهِ أنَّهُ غِلافُ القَلْبِ، وأحْسَنُ مِن تَوْجِيهِ أبِي عُبَيْدَةَ لَهُ أنَّ حُبَّهُ صارَ شِغافًا لَها، أيْ حِجابًا، أيْ ظَرْفًا مُحِيطًا بِها، وأمّا ”شَعْفُها“ - بِالمُهْمَلَةِ فَمَعْناهُ: غَشّى شَعَفَةَ قَلْبِها، وهي رَأْسُهُ عِنْدَ مُعَلَّقِ النِّياطِ، وقالَ الرُّمّانِيُّ: أيْ ذَهَبَ بِها كُلَّ مَذْهَبٍ، مِن شَعْفِ الجِبالِ، وهي رُءُوسُها.
ولَمّا قِيلَ ذَلِكَ، كانَ كَأنَّهُ قَدْ قِيلَ: فَكانَ ماذا؟ فَقِيلَ - (p-٧٢)-وأكَّدَ لِأنَّ مَن رَآهُ عَذَرَها وقَطَعَ بِأنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ في مَحَلِّها عَمِلْنَ عَمَلَها ولَمْ يُضْلِلْنَ فَعْلَها-: ﴿إنّا لَنَراها﴾ أيْ نَعْلَمُ أمْرَها عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿فِي ضَلالٍ﴾ أيْ مُحِيطٌ بِها ﴿مُبِينٍ﴾ لِرِضاها لِنَفْسِها بَعْدَ عِزِّ السِّيادَةِ بِالسُّفُولِ عَنْ رُتْبَةِ العَبْدِ،
12:31Page 239
فَلَمَّا سَمِعَتۡ بِمَكۡرِهِنَّ أَرۡسَلَتۡ إِلَيۡهِنَّ وَأَعۡتَدَتۡ لَهُنَّ مُتَّكَـٔٗا وَءَاتَتۡ كُلَّ وَٰحِدَةٖ مِّنۡهُنَّ سِكِّينٗا وَقَالَتِ ٱخۡرُجۡ عَلَيۡهِنَّۖ فَلَمَّا رَأَيۡنَهُۥٓ أَكۡبَرۡنَهُۥ وَقَطَّعۡنَ أَيۡدِيَهُنَّ وَقُلۡنَ حَٰشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا مَلَكٞ كَرِيمٞ ٣١
So when she heard of their scheming, she sent for them and prepared for them a banquet and gave each one of them a knife and said [to Joseph], "Come out before them." And when they saw him, they greatly admired him and cut their hands1 and said, "Perfect is Allāh!2 This is not a man; this is none but a noble angel."
ودَلَّ بِالفاءِ عَلى أنَّ كَلامَهُنَّ نُقِلَ إلَيْها بِسُرْعَةٍ فَقالَ: ﴿فَلَمّا سَمِعَتْ﴾ أيِ امْرَأةُ العَزِيزِ ﴿بِمَكْرِهِنَّ﴾ وكَأنَّهُنَّ أرَدْنَ بِهَذا الكَلامِ أنْ يَتَأثَّرَ عَنْهُ ما فَعَلَتِ امْرَأةُ العَزِيزِ لِيُرِينَهُ، فَلِذَلِكَ سَمّاهُ مَكْرًا ﴿أرْسَلَتْ إلَيْهِنَّ﴾ لِتُرِيَهُنَّ ما يَعْذُرْنَها بِسَبَبِهِ فَتَسْكُنُ قالَتُهُنَّ ﴿وأعْتَدَتْ﴾ أيْ هَيَّأتْ وأحْضَرَتْ ﴿لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ أيْ ما يَتَّكِئْنَ عَلَيْهِ مِنَ الفُرَشِ اللَّيِّنَةِ والوَسائِدِ الفاخِرَةِ، فَأتَيْنَها فَأجْلَسَتْهُنَّ عَلى ما أعَدَّتْهُ لَهُنَّ ﴿وآتَتْ كُلَّ واحِدَةٍ﴾ عَلى العُمُومِ ﴿مِنهُنَّ سِكِّينًا﴾ لِيَقْطَعْنَ بِها ما يَحْتاجُ إلى القَطْعِ مِمّا يَحْضُرُ مِنَ الأطْعِمَةِ في هَذا المَجْلِسِ؛ قالَ أبُو حَيّانَ: فَقِيلَ: كانَ لَحْمًا، وكانُوا لا يَنْهَشُونَ اللَّحْمَ، إنَّما [كانُوا -] يَأْكُلُونَهُ حَزًّا بِالسَّكاكِينِ. وقالَ الرُّمّانِيُّ: لِيَقْطَعْنَ فاكِهَةً قُدِّمَتْ إلَيْهِنَّ - انْتَهى. هَذا الظّاهِرُ مِن عِلَّةِ إتْيانِهِنَّ وباطِنُهُ إقامَةُ الحُجَّةِ عَلَيْهِنَّ بِما لا يَجِدْنَ لَهُ مَدْفَعًا مِمّا يَتَأثَّرُ عَنْ ذَلِكَ ﴿وقالَتِ﴾ لِيُوسُفَ فَتاها عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ (p-٧٣)﴿اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ﴾ فامْتَثَلَ لَهُ ما أمَرَتْهُ بِهِ كَما هو دَأْبُهُ [مَعَها ] في كُلِّ ما لا مَعْصِيَةَ فِيهِ، وبادَرَ الخُرُوجَ عَلَيْهِنَّ ﴿فَلَمّا رَأيْنَهُ﴾ أيِ النِّسْوَةِ ﴿أكْبَرْنَهُ﴾ أيْ أعْظَمْنَ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ جِدًّا إعْظامًا كَرَبِّهِنَّ ﴿وقَطَّعْنَ﴾ أيْ جُرِحْنَ جِراحاتٍ كَثِيرَةٍ ﴿أيْدِيَهُنَّ﴾ وعادَ لَوْمُهُنَّ عُذْرًا، والتَّضْعِيفُ يَدُلُّ عَلى التَّكْثِيرِ، فَكَأنَّ السِّكِّينَ كانَتْ تَقَعُ عَلى يَدِ إحْداهُنَّ فَتَجْرَحُها فَتَرْفَعُها عَنْ يَدِها بِطَبْعِها، ثُمَّ يَغْلِبُها الدَّهَشُ فَتَقَعُ عَلى مَوْضِعٍ آخَرَ وهَكَذا ﴿وقُلْنَ حاشَ﴾ أيْ تَنْزِيهًا عَظِيمًا جِدًّا ”لِلَّهِ“ أيِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ الَّتِي خَلَقَ بِها مِثْلَ هَذا.
ولَمّا كانَ المُرادُ بِهَذا التَّنْزِيهِ تَعْظِيمُهُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِنَّ: ﴿ما هَذا بَشَرًا﴾ لِأنَّهُ فاقَ البَشَرَ في الحُسْنِ جِدًّا، وأعْرَضَ عَنِ الشَّهْوَةِ مِن غَيْرِ عِلَّةٍ، نَراها مانِعَةً لَهُ [لِأنَّهُ -] في غايَةِ القُوَّةِ والفُحُولِيَّةِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما هُوَ؟ فَقُلْنَ: ”إنَّ“ أيْ ما ”هَذا“ أيْ في هَذا الحُسْنِ والجَمالِ، وأعَدْنَ الإشارَةَ دَفْعًا لِإمْكانِ الغَلَطِ ﴿إلا مَلَكٌ كَرِيمٌ﴾ وذَلِكَ لَمّا رَكَّزَ في الطِّباعِ مِن نِسْبَةِ كُلِّ مَعْنًى فائِقٍ [إلى -] المَلائِكَةِ مِنَ الحُسْنِ والعِفَّةِ وغَيْرِهِما (p-٧٤)وإنْ كانُوا [غَيْرَ -] مَرْئِيَّيْنِ، كَما رَكَّزَ فِيها نِسْبَةً ضِدَّ ذَلِكَ إلى الجِنِّ والشَّياطِينِ،
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences