Al-Biqa'iYusuf · 12:53–60

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Yusuf 12:53–60

12:53Page 242

۞ وَمَآ أُبَرِّئُ نَفۡسِيٓۚ إِنَّ ٱلنَّفۡسَ لَأَمَّارَةُۢ بِٱلسُّوٓءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّيٓۚ إِنَّ رَبِّي غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٣

And I do not acquit myself. Indeed, the soul is a persistent enjoiner of evil, except those upon which my Lord has mercy. Indeed, my Lord is Forgiving and Merciful."1

(p-١٢٩)ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما جَرَّ إلى الإعْجابِ، قالَ: ﴿وما أُبَرِّئُ﴾ أيْ تَبْرِئَةً عَظِيمَةً ﴿نَفْسِي﴾ عَنْ مُطْلَقِ الزَّلَلِ وإنْ غَلَبَهُ التَّوْفِيقُ والعِصْمَةُ، أيْ لَمْ أقْصِدْ بِالبَراءَةِ عَمّا تَقَدَّمَ مُجَرَّدَ التَّزْكِيَةِ لِلنَّفْسِ، وعَلَّلَ عَدَمَ التَّبْرِئَةِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِما لِأكْثَرِ النّاسِ مِنَ الإنْكارِ، أوْ لِأنَّ اتِّباعَهم لِأهْوِيَتِهِمْ فِعْلُ مَن يُنْكِرُ فِعْلَ الأمّارَةِ -: ﴿إنَّ النَّفْسَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ ﴿لأمّارَةٌ﴾ أيْ شَدِيدَةُ الأمْرِ ﴿بِالسُّوءِ﴾ أيْ هَذا الجِنْسُ دائِمًا لِطَبْعِها عَلى ذَلِكَ في كُلِّ وقْتٍ ﴿إلا ما﴾ أيْ وقْتَ أنْ ﴿رَحِمَ رَبِّي﴾ بِكَفِّها عَنِ الأمْرِ بِهِ أوْ بِسَتْرِهِ بِكَفِّها عَنْ فِعْلِهِ بَعْدَ إطْلاقِها عَلى الأمْرِ بِهِ، أوْ إلّا ما رَحِمَهُ رَبِّي مِنَ النُّفُوسِ فَلا يَأْمُرُ بِسُوءٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مُؤَكِّدًا دَفْعًا لِظَنِّ مَن يَظُنُّ أنَّهُ لا تَوْبَةَ لَهُ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنُ إلَيَّ ﴿غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ لِلذُّنُوبِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ لِمَن يُرِيدُ.

12:54Page 242

وَقَالَ ٱلۡمَلِكُ ٱئۡتُونِي بِهِۦٓ أَسۡتَخۡلِصۡهُ لِنَفۡسِيۖ فَلَمَّا كَلَّمَهُۥ قَالَ إِنَّكَ ٱلۡيَوۡمَ لَدَيۡنَا مَكِينٌ أَمِينٞ ٥٤

And the king said, "Bring him to me; I will appoint him exclusively for myself." And when he spoke to him, he said, "Indeed, you are today established [in position] and trusted."

ولَمّا أتَمَّ ما قَدَّمَهُ مِمّا هو الأهَمُّ - مِن نَزاهَةِ الصَّدِيقِ، وعَلِمَ المَلِكُ بِبَراءَتِهِ وما يُتْبِعُها - عَلى ما كانَ قَلْبُهُ مِن أمْرِ المَلِكِ بِإحْضارِهِ إلَيْهِ، أتْبَعُهُ إيّاهُ عاطِفًا لَهُ عَلى ما كانَ في نَسَقِهِ مِن قَوْلِهِ ﴿قالَ ما خَطْبُكُنَّ﴾ [يوسف: ٥١] فَقالَ: ﴿وقالَ المَلِكُ﴾ صَرَّحَ بِهِ ولَمْ يَسْتَغْنِ بِضَمِيرِهِ كَراهِيَةَ الإلْباسِ لِما تَخَلَّلَ بَيْنَهُ وبَيْنَ جَوابِ امْرَأةِ العَزِيزِ مِن كَلامِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، ولَوْ كانَ الكُلُّ مِن كَلامِها لاسْتَغْنى بِالضَّمِيرِ ولَمْ يَحْتَجْ إلى (p-١٣٠)إبْرازِهِ ﴿ائْتُونِي بِهِ أسْتَخْلِصْهُ﴾ أيْ أطْلُبُ وأُوجِدُ خُلُوصَهُ ﴿لِنَفْسِي﴾ أيْ فَلا يَكُونُ لِي فِيهِ شَرِيكٌ، قَطْعًا لِطَمَعِ العَزِيزِ عَنْهُ، ودَفْعًا لِتَوَهُّمِ أنَّهُ يَرُدُّهُ إلَيْهِ، ولَعَلَّ هَذا [هُوَ] مُرادُ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بِالتَّلَبُّثِ في السِّجْنِ إلى انْكِشافِ الحالِ، خَوْفًا مِن أنْ يَرْجِعَ إلى العَزِيزِ فَتَعُودُ المَرْأةُ إلى حالِها الأُولى فَيَزْدادُ البَلاءُ.

ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فَرَجَعَ رَسُولُ المَلِكِ إلَيْهِ فَأخْبَرَهُ أنَّ المَلِكَ سَألَ النِّسْوَةَ [فَقُلْنَ] ما مَضى، وأمَرَ بِإحْضارِهِ لِيَسْتَخْلِصَهُ لِنَفْسِهِ، فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ما تَقَدَّمَ مِن تِلْكَ الحِكَمِ البالِغَةِ، وأجابَ أمْرَ المَلِكِ فَأتى إلَيْهِ بَعْدَ أنْ دَعا لِأهْلِ السِّجْنِ فَقالَ: اللَّهُمَّ! عَطَفَ عَلَيْهِمْ قُلُوبَ الأخْيارِ [ولا تَعُمُّ عَلَيْهِمُ الأخْبارُ]، وكَتَبَ عَلى بابِ السِّجْنِ: هَذِهِ مَنازِلُ البَلْوى، وقُبُورُ الأحْياءِ، وبُيُوتُ الأحْزانِ، وتَجْرِبَةُ الأصْدِقاءِ، وشَماتَةُ الأعْداءِ. ثُمَّ اغْتَسَلَ وتَنَظَّفَ ولَبِسَ ثِيابًا جُدُدًا وقَصَدَ إلَيْهِ، عَطَفَ عَلَيْهِ بِالفاءِ - دَلِيلًا عَلى إسْراعِهِ في ذَلِكَ - قَوْلُهُ: ﴿فَلَمّا كَلَّمَهُ﴾ وشاهَدَ المَلِكُ فِيهِ ما شاهَدَ مِن جَلالِ النُّبُوَّةِ وجَمِيلِ الوِزارَةِ وخِلالِ السِّيادَةِ ومَخايِلِ السَّعادَةِ ﴿قالَ﴾ مُؤَكِّدًا (p-١٣١)تَمْكِينًا لِقَوْلِهِ دَفْعًا لِمَن يَظُنُّ أنَّهُ بَعْدَ السِّجْنِ وما قارَبَهُ لا يَرْفَعُهُ هَذِهِ الرِّفْعَةَ: ﴿إنَّكَ اليَوْمَ﴾ وعَبَّرَ بِما هو لِشِدَّةِ الغَرابَةِ تَمْكِينًا لِلْكَلامِ أيْضًا فَقالَ: ﴿لَدَيْنا مَكِينٌ﴾ أيْ شَدِيدُ المُكْنَةِ، مِنَ المَكانَةِ، وهي حالَةٌ يَتَمَكَّنُ بِها صاحِبُها مِن مُرادِهِ ﴿أمِينٌ﴾ مِنَ الأمانَةِ، وهي حالٌ يُؤْمَنُ مَعَها نَقْضُ العَهْدِ، وذَلِكَ أنَّهُ قِيلَ: إنَّ المَلِكَ كانَ يَتَكَلَّمُ بِسَبْعِينَ لِسانًا [فَكَلَّمَهُ بِها، فَعَرَّفَها كُلَّها، ثُمَّ دَعا لِلْمَلِكِ بِالعِبْرانِيِّ، فَلَمْ يَعْرِفْهُ المَلِكُ فَقالَ لَهُ: ما هَذا اللِّسانُ؟ قالَ: لِسانُ ] آبائِي، فَعَظُمَ عِنْدَهُ جِدًّا،

12:55Page 242

قَالَ ٱجۡعَلۡنِي عَلَىٰ خَزَآئِنِ ٱلۡأَرۡضِۖ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٞ ٥٥

[Joseph] said, "Appoint me over the storehouses of the land. Indeed, I will be a knowing guardian."

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ الصِّدِّيقُ ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ ما يَجِبُ عَلَيْهِ مِنَ السَّعْيِ في صَلاحِ الدِّينِ والدُّنْيا ”اجْعَلْنِي“ قَيِّمًا ﴿عَلى خَزائِنِ الأرْضِ﴾ أيْ أرْضُ مِصْرَ الَّتِي هي لِكَثْرَةِ خَيْرِها كَأنَّها الأرْضُ؛ ثُمَّ عَلَّلَهُ بِما هو مَقْصُودُ المُلُوكِ الَّذِي لا يَكادُونَ يَقِفُونَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿إنِّي حَفِيظٌ﴾ أيْ قادِرٌ عَلى ضَبْطِ ما إلَيَّ أمِينٌ فِيهِ ﴿عَلِيمٌ﴾ أيْ بالِغُ العِلْمِ بِوُجُوهِ صَلاحِهِ واسْتِنْمائِهِ فَأخْبَرَ بِما جَمَعَ اللَّهُ [لَهُ] مِن أداتَيِ الحِفْظِ والفَهْمِ، مَعَ (p-١٣٢)ما يَلْزَمُ الحِفْظَ مِنَ القُوَّةِ والأمانَةِ، لِنَجاةِ العِبادِ مِمّا يَسْتَقْبِلُهم مِنَ السُّوءِ، فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِرَدِّهِمْ عَنِ الدِّينِ الباطِلِ إلى الدِّينِ الحَقِّ.

12:56Page 242

وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي ٱلۡأَرۡضِ يَتَبَوَّأُ مِنۡهَا حَيۡثُ يَشَآءُۚ نُصِيبُ بِرَحۡمَتِنَا مَن نَّشَآءُۖ وَلَا نُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٦

And thus We established Joseph in the land to settle therein wherever he willed. We touch with Our mercy whom We will, and We do not allow to be lost the reward of those who do good.

ولَمّا سَألَ ما تَقَدَّمَ، قالَ مُعَلِّمًا بِأنَّهُ أُجِيبَ بِتَسْخِيرِ اللَّهِ لَهُ: ﴿وكَذَلِكَ﴾ أيْ ومِثْلُ ما مَكَّنّا لِيُوسُفَ في قَلْبِ المَلِكِ مِنَ المَوَدَّةِ والِاعْتِقادِ الصّالِحِ وفي قُلُوبِ جَمِيعِ النّاسِ، ومِثْلُ ما سَألَ مِنَ التَّمْكِينِ ”مَكَّنّا“ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لِيُوسُفَ في الأرْضِ﴾ أيْ مُطْلَقًا لا سِيَّما أرْضُ مِصْرَ بِتَوْلِيَةِ مَلِكِها إيّاهُ عَلَيْها ﴿يَتَبَوَّأُ﴾ أيْ يَتَّخِذُ مَنزِلًا يَرْجِعُ إلَيْهِ، مِن باءَ - إذا رَجَعَ ﴿مِنها حَيْثُ يَشاءُ﴾ بِإنْجاحِ جَمِيعِ مَقاصِدِهِ، لِدُخُولِها كُلِّها تَحْتَ سُلْطانِهِ. لِتَبْقى أنْفُسُ أهْلِ المَمْلَكَةِ وما ولّاها عَلى يَدِهِ، فَيَجُوزُ الأجْرُ وجَمِيلُ الذِّكْرِ مَعَ [ما] يَزِيدُ بِهِ مِن عُلُوِّ الشَّأْنِ وفَخامَةِ القَدْرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: لِمَ كانَ هَذا؟ فَقالَ: لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما أنَّ لَنا الأمْرَ كُلَّهُ ”نُصِيبُ“ عَلى وجْهِ الِاخْتِصاصِ ﴿بِرَحْمَتِنا﴾ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿مَن نَشاءُ﴾ مِن مُسْتَحِقٌّ فِيما تَرَوْنَ وغَيْرَهُ، لا نَسْألُ عَمّا نَفْعَلُ، وقَدْ شِئْنا إصابَةَ يُوسُفَ بِهَذا، والثّانِي أنَّهُ مُحْسِنٌ يَعْبُدُ اللَّهَ فانِيًا عَنْ جَمِيعِ الأغْيارِ ”و“ نَحْنُ ”لا نُضَيِّعُ“ (p-١٣٣)بِوَجْهٍ ﴿أجْرَ المُحْسِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في تِلْكَ الصِّفَةِ وإنْ كانَ لَنا أنْ نَفْعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ؛ رَوى أبُو القاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الحَكَمِ في أوَّلِ فُتُوحِ مِصْرَ مِن طَرِيقِ الكَلْبِيِّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما قالَ: فَأتاهُ الرَّسُولُ فَقالَ: ألْقِ عَنْكَ ثِيابَ السِّجْنِ، والبَسْ ثِيابًا جُدُدًا، وهو يَوْمَئِذٍ ابْنُ ثَلاثِينَ سَنَةً، فَلَمّا أتاهُ رَأى غُلامًا حَدَثًا فَقالَ: أيَعْلَمُ هَذا رُؤْيايَ ولا يَعْلَمُها السَّحَرَةُ والكَهَنَةُ! وأقْعَدَهُ قُدّامَهُ ثُمَّ قالَ: قالَ عُثْمانُ - يَعْنِي ابْنُ صالِحٍ - وغَيْرُهُ في حَدِيثِهِما: فَلَمّا اسْتَنْطَقَهُ وسايَلَهُ عَظُمَ في عَيْنِهِ، وجَلَّ أمْرُهُ في قَلْبِهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ خاتِمَهُ ووَلّاهُ ما خَلْفَ بابِهِ - ورَجَعَ إلى ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: وضُرِبَ بِالطَّبْلِ بِمِصْرَ أنَّ يُوسُفَ خَلِيفَةَ المَلِكِ؛ وعَنْ عِكْرِمَةَ أنَّ فِرْعَوْنَ قالَ لِيُوسُفَ: قَدْ سَلَّطَتُكَ عَلى مِصْرَ غَيْرَ أنِّي أُرِيدُ أنْ أجْعَلَ كُرْسِيَّ أطْوَلَ مِن كُرْسِيِّكَ بِأرْبَعِ أصابِعَ! قالَ يُوسُفُ: نَعَمْ.

12:57Page 242

وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٥٧

And the reward of the Hereafter is better for those who believed and were fearing Allāh.

ولَمّا كانَ هَذا مِمّا يَسْتَعْظِمُهُ النّاسُ في الدُّنْيا، وكانَ عِزُّها لا يُعَدُّ في الحَقِيقَةِ إلّا إنْ كانَ مَوْصُولًا بِنَعِيمِ الآخِرَةِ، نَبَّهَ عَلى ما لَهُ في الآخِرَةِ مِمّا لا يُعَدُّ هَذا في جَنْبِهِ شَيْئًا، فَقالَ مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِ الكَفَرَةِ بِذَلِكَ: ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ ولَمّا كانَ سِياقُ الأحْكامِ عَلى وجْهٍ عامٍّ لِتَعْلِيقِها بِأوْصافٍ يَكُونُ السِّياقُ مَرْغُوبًا فِيها أوْ مُرْهِبًا مِنها أحْسَنَ وأبْلَغَ، (p-١٣٤)قالَ: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿وكانُوا﴾ أيْ بِجِبِلّاتِهِمْ ﴿يَتَّقُونَ﴾ أيْ يُوجِدُونَ الخَوْفَ مِنَ اللَّهِ واتِّخاذِ الوَقاياتِ مِنهُ إيجادًا مُسْتَمِرًّا، وهو مِن أجْلِهِمْ حَظًّا وأعْلاهم كَعْبًا - كَما تَقَدَّمَ بَيانُهُ مِمّا يَدُلُّ عَلى كَمالِ إيمانِهِ وتَقْواهُ.

ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ مِن هَذِهِ صِفاتُهُ يَقُومُ بِما ولِيَهُ أتَمَّ قِيامٍ ويَنْظُرُ فِيهِ أحْسَنَ نَظَرٍ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَجَعَلَهُ المَلِكَ عَلى خَزائِنِ الأرْضِ فَدَبَّرَها بِما أمَرَهُ اللَّهُ بِهِ وعَلَّمَهُ حَتّى صَلَحَ الأمْرُ وجاءَ الخَيْرُ وذَهَبَ الشَّرُّ، وإنَّما طَوى هَذا لِلدَّلالَةِ عَلَيْهِ بِلَوازِمِهِ مِن قِصَّةِ إخْوَتِهِ الَّتِي هي المَقْصُودَةُ بِالذّاتِ - كَما سَيَأْتِي، وقَدْ فُهِمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ أنَّ الغالِبَ عَلى طَبْعِ مِصْرَ الرَّداءَةُ: بِغَضِّ الغَرِيبِ، واسْتِذْلالِ الضَّعِيفِ، والخُضُوعِ لِلْقَوِيِّ، فَإنَّهم أساؤُوا إلَيْهِ بِالسَّجْنِ بَعْدَ تَحَقُّقِ البَراءَةِ، ثُمَّ عَفا عَنْهم وأحْسَنَ إلَيْهِمْ بِما اسْتَبْقى [بِهِ] مُهَجَهُمْ، ثُمَّ أعْتَقَهم بَعْدَ أنِ اسْتَرَقَّهُمْ، ورَدَّ إلَيْهِمْ أمْوالَهم بَعْدَ أنِ اسْتَأْصَلَها بِما عِنْدَهُ مِنَ الغِلالِ، فَجَزُّوهُ عَلى ذَلِكَ بِأنِ اسْتَعْبَدُوا أوْلادَهُ وأوْلادَ إخْوَتِهِ بَعْدَهُ وسامُوهم سُوءَ العَذابِ، وأدُلُّ دَلِيلٍ عَلى أنَّ هَذا طَبْعُ البَلَدِ أنَّ بَنِي إسْرائِيلَ لَمّا خَرَجُوا مَعَ مُوسى عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ وخَلَّصَهم مِن جَمِيعِ ذَلِكَ الذُّلِّ وشَرَّفَهم بِما شَرَّفَهُمُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الآياتِ العِظامِ والكِتابِ المُبِينِ، كانُوا كُلٌّ قَلِيلٌ (p-١٣٥)يَنْكُثُونَ مُجْتَرِئِينَ عَلى ما لا يُطاقُ الِاجْتِراءُ عَلَيْهِ، وإذا أمَرَهم عَنِ اللَّهِ بِأمْرٍ جَنَّبُوا عَنْهُ - كَما مَضى ذَلِكَ عَنِ التَّوْراةِ في [الأعْرافِ والبَقَرَةِ] وغَيْرِهِما، فَعاقَبَهُمُ اللَّهُ بِالتِّيهِ، وكانَ يُسَمِّيهِمُ الجِيلَ المُعْوَجَّ - لِما عَلِمَ مِن سُوءِ طِباعِهِمْ، حَتّى ماتَ كُلُّ مَن نَشَأ بِأرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ صارَ أوْلادُهم يَمْتَثِلُونَ الأوامِرَ حَتّى مَلَكُوا ما وعَدَ اللَّهُ بِهِ [آباءَهُمْ] مِنَ البِلادِ، وقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ في زَبُورِ داوُدَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في غَيْرِ مَوْضِعٍ، مِنها في المَزْمُورِ الرّابِعِ والتِّسْعِينَ: هَلُمُّوا نَسْجُدُ ونَرْكَعُ ونَخْضَعُ أمامَ الرَّبِّ خالِقِنا، لِأنَّهُ إلَهُنا ونَحْنُ شُعَبُ رَعِيَّتِهِ، وضَأْنُ ماشِيَتِهِ، اليَوْمَ إذا سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلا تَقْسُو قُلُوبُكم وتَسْخَطُوهُ كَمَثَلِ السُّخْطِ يَوْمَ التَّجْرِبَةِ في البَرِّيَّةِ حَيْثُ جَرَّبَنِي آباؤُكُمْ، فَأحْصَوْا أعْمالِي ونَظَّرُوها، أرْبَعِينَ سَنَةً مَقَتَ ذَلِكَ الجِيلَ وقُلْتُ: هو شَعْبٌ في كُلِّ حِينٍ يَطْغَوْنَ بِقُلُوبِهِمْ، فَلَمْ يَعْتَدُّوا لِسَلْبِي كَما أقْسَمْتُ بِرِجْزِي أنَّهم لا يَدْخُلُونَ راحَتِي. آباؤُنا بِمِصْرَ لَمْ يَفْهَمُوا عَجائِبَكَ، ولَمْ يَذْكُرُوا كَثْرَةَ رَحْمَتِكَ حِينَ أغْضَوْكَ وهم صاعِدُونَ مِنَ البَحْرِ الأحْمَرِ، فَنَجَّيْتَهم بِاسْمِكَ لِتُظْهِرَ عَجائِبَكَ، زَجَرَ البَحْرُ الأحْمَرُ فَجَفَّ، أجازَهم في اللُّجَجِ كَأنَّهم في البَرِّ، خَلَّصَهم مِن أيْدِي الأعْداءِ، وأنْقَذَهم مِن أيْدِي (p-١٣٦)المُبْغِضِينَ، وأُطْلِقَ الماءُ عَلى مُبْغَضِيهِمْ فَلَمْ يَبْقَ مِنهم واحِدٌ، فَآمَنُوا بِكَلامِهِ، ومَجَّدُوا بِسُبْحَتِهِ. ثُمَّ أسْرَعُوا فَنَسُوا أعْمالَهُ، ولَمْ يَنْتَظِرُوا إرادَتَهُ، اشْتَهَوْا شَهْوَةً في البَرِّيَّةِ، جَرَّبُوا اللَّهَ حَيْثُ لا ماءَ، فَأعْطاهم سُؤْلَهُمْ، وأرْسَلَ شِبَعًا لِنُفُوسِهِمْ، أغْضَبُوا مُوسى في المُعَسْكَرِ وهارُونَ قِدِّيسَ الرَّبِّ، انْفَتَحَتِ الأرْضُ، وابْتَلَعَتْ داثانَ، وانْطَبَقَتْ عَلى جَماعَةِ بِيرُونَ، واشْتَعَلَتِ النّارُ في مَحافِلِهِمْ، وأحْرَقَ اللَّهِيبُ الخَطَأةَ، صَنَعُوا عَجَلًا في حُورِيبَ، وسَجَدُوا لِلْمَنحُوتِ، وبَدَّلُوا مَجْدَهم بِشِبْهِ عِجْلٍ يَأْكُلُ عُشْبًا، ونَسُوا اللَّهَ الَّذِي نَجّاهُمْ، وصَنَعَ العَظائِمَ بِمِصْرَ والعَجائِبَ في أرْضِ حامٍ، والمَهُولاتِ في البَحْرِ الأحْمَرِ، قالَ: إنَّهُ يُهْلِكُهم لَوْلا مُوسى صَفِيَّهُ قامَ بَيْنَ يَدَيْهِ لِيَصْرِفَ سُخْطَهُ، لِئَلّا يَسْتَأْصِلَهُمْ، ورَذَلُوا الأرْضَ الشَّهِيهَ، ولَمْ يُؤْمِنُوا بِكَلِمَتِهِ، وتَقَمْقَمُوا في مَضارِبِهِمْ، ولَمْ يَسْمَعُوا قَوْلَ الرَّبِّ، فَرَفَعَ يَدَهُ عَلَيْهِمْ لِيُهْلِكَهم في البَرِّيَّةِ، ويُفَرِّقَ ذُرِّيَّتَهم في الأُمَمِ، ويُبِدِّدَهم في (p-١٣٧)البُلْدانِ، لِأنَّهم قَرَّبُوا لِباعِلَ فاغُورَ، وأكَلُوا ضَحايا مَيْتَةٍ، وأسْخَطُوهُ بِأعْمالِهِمْ، وكَثُرَ المَوْتُ فِيهِمْ بَغْتَةً، فَقامَ فِنْحاسُ واسْتَغْفَرَ لَهُمْ، فارْتَفَعَ المَوْتُ عَنْهُمْ، فَحَسْبُ ذَلِكَ بَرًّا لِجِيلٍ بَعْدَ جِيلٍ إلى الأبَدِ، ثُمَّ أسْخَطُوهُ عَلى ماءِ الخِصامِ، وتَألَّمَ مُوسى لِأجْلِهِمْ، وأغْضَبُوا رُوحَهُ، وخالَفُوا كَلامَ شَفَتَيْهِ، ولَمْ يَسْتَأْصِلُوا الأُمَمَ الَّذِينَ أمَرَهُمُ الرَّبُّ، واخْتَلَطُوا بِالشُّعُوبِ وتَعَلَّمُوا [أعْمالَهُمْ]، فَكانَتْ عِشْرَةً لَهُمْ، ذَبَحُوا بَنِيهِمْ وبَناتِهِمْ لِلشَّياطِينِ، وضَحُّوا لِأصْنامِ كَنْعانَ، ودَنَّسُوا الأرْضَ بِالدِّماءِ، وتَنَجَّسُوا بِأعْمالِهِمْ، وزَنَوْا بِأفْعالِهِمْ، فاشْتَدَّ غَضَبُ الرَّبِّ عَلى شَعْبِهِ، ورَذَلَ مِيراثُهُ، فَأسْلَمَهم في أيْدِي الشُّعُوبِ، وسَلَّطَ عَلَيْهِمْ شَناتِهِمْ، واسْتَعْبَدَهم أعْداؤُهم وخَضَعُوا تَحْتَ أيْدِيهِمْ، مِرارًا كَثِيرَةً بِجاهِمَ، وهم يَسْخَطُونَهُ بِأفْكارِهِمْ، وذَلُّوا بِسَيِّئاتِهِمُ - انْتَهى؛ عَلى أنَّكَ إذا تَأمَّلْتَ وجَدْتَ أنَّ اللَّهَ تَعالى يُعْلِي كَعْبَ الغَرِيبِ الَّذِي يَسْتَذِلُّونَهُ ويَحِلُّ سَعْدَهُ ويُؤَثِّلُ مَجْدَهُ - كَما فَعَلَ بِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ بَعْدَ السِّجْنِ وبِبَنِي إسْرائِيلَ بَعْدَ الِاسْتِعْبادِ، (p-١٣٨)وهُوَ نِعْمَ المَوْلى ونِعْمَ النَّصِيرُ! فَلْيَحْذَرِ السّاكِنُ بِها مِن أنْ يَغْلِبَ عَلَيْهِ طَبْعُها فَيَتَّصِفَ بِكُلِّ ذَلِكَ مِن قِلَّةِ الغَيْرَةِ وبُغْضِ الغَرِيبِ، والجُرْأةِ في الباطِلِ اسْتِصْناعًا ومُداهَنَةً، والجُبْنُ في الحَقِّ، وكَمالُ الذُّلِّ لِلْجَبّارِينَ، [والمَجْمَجَةِ] في الكَلامِ، بِأنْ لا يَزالُ يَتَعَهَّدُ نَفْسَهُ بِأوامِرِ اللَّهِ ويَحْمِلُها عَلى طاعَتِهِ، واتِّباعِ رَسُولِهِ ومَحَبَّتِهِ، والنَّظَرِ في سِيرَتِهِ وسِيَرِ أتْباعِهِ، والتَّعَشُّقِ لِذَلِكَ كُلِّهِ، حَتّى يَصِيرَ لَهُ طَبْعًا يَسْلَخُهُ مِن طَبْعِ البَلَدِ، كَما فَعَلَ عُبّادُها، وأهْلُ الوَرَعِ مِنها وزُهّادُها - أعاذَنا اللَّهُ مِن شُرُورِ أنْفُسِنا وسَيِّئاتِ أعْمالِنا، و[نَسْألُهُ] أنْ يَخْتِمَ لَنا بِالصّالِحاتِ، وأنْ يَجْعَلَنا مِنَ الَّذِينَ لا خَوْفَ عَلَيْهِمْ أبَدًا.

ذَكَرَ ما مَضى بَعْدَما تَقَدَّمَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ مِنَ التَّوْراةِ: قالَ: فَلَمّا كانَ بَعْدَ سَنَتَيْنِ رَأى فِرْعَوْنُ رُؤْيا كَأنَّهُ واقِفٌ عَلى شاطِئِ البَحْرِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ صَعِدْنَ مِن بَحْرِ النِّيلِ حَسَناتِ المُنَظِّرِ سَمِيناتِ اللُّحُومِ، يَرْعَيْنَ في المَرَجِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ صَعِدْنَ خَلْفَهُنَّ مِنَ النِّيلِ قَبِيحاتِ المَنظَرِ وحَشِيّاتٍ مَهْزُولاتِ اللُّحُومِ، فَوَقَفْنَ إلى جانِبِ البَقَراتِ السِّمانِ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، فابْتَلَعَ البَقَراتِ القَبِيحاتِ الحَسَناتِ المَنظَرِ السَّمِيناتِ، (p-١٣٩)فَهَبَّ فِرْعَوْنُ مِن سَنَتِهِ، ورَقَدَ أيْضًا فَرَأى ثانِي مَرَّةٍ كَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ طَلَعْنَ في قَصَبَةٍ واحِدَةٍ مُمْتَلِئَةٍ سِمانًا، وكَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَهْزُولاتٍ ضَرَبَهُنَّ رِيحُ السَّمُومِ - وفي نُسْخَةٍ: القَبُولُ - نَبَتْنَ بَعْدَهُنَّ، فَبَلَغَ السُّنْبُلُ المَهْزُولُ السَّبْعَ سُنْبُلاتٍ المُمْتَلِئاتِ، فاسْتَيْقَظَ فِرْعَوْنُ فَآذَتْهُ رُؤْياهُ، فَلَمّا كانَ بِالغَداةِ كَرُبَتْ نَفْسُ فِرْعَوْنَ، فَأرْسَلَ فَدَعا جَمِيعَ السَّحَرَةِ وكُلَّ حُكَماءِ مِصْرَ، فَقَصَّ عَلَيْهِمْ رُؤْياهُ، فَلَمْ يُوجَدْ إنْسانٌ يُفَسِّرُها لِفِرْعَوْنَ.

فَتَكَلَّمَ رَئِيسُ أصْحابِ الشَّرابِ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ وقالَ: إنِّي ذَكَرْتُ يَوْمِي هَذا ذَنْبِي عِنْدَ غَضَبِ فِرْعَوْنَ عَلى عَبْدِهِ، فَقَذَفَنِي في مَحْبِسِ صاحِبِ الشُّرْطَةِ، فَحُبِسْتُ أنا ورَئِيسُ الخَبّازِينَ - وفي نُسْخَةٍ: الطَّبّاخِينَ - فَرَأيْنا جَمِيعًا رُؤْيا في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، رَأى كُلُّ امْرِئٍ مِنّا كَتَفْسِيرِ رُؤْياهُ، وكانَ مَعَنا هُناكَ [فِي الحَبْسِ] فَتًى عِبْرانِيٌّ عِنْدَ صاحِبِ الشُّرْطَةِ فَقَصَصْنا عَلَيْهِ فَفَسَّرَ أحْلامَنا، وعَبَّرَ لِكُلٍّ مِنّا عَلى قَدْرِ رُؤْياهُ، وكُلُّ الَّذِي فَسَّرَ لَنا كَذَلِكَ أصابَنا، أمّا أنا فَرَدَّنِي المَلِكُ إلى مَوْضِعِي، وأمّا ذَلِكَ فَأمَرَ بِصَلْبِهِ.

(p-١٤٠)فَأرْسَلَ فِرْعَوْنُ فَدَعا يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَأحْضَرُوهُ مِنَ السِّجْنِ، فَحَلَقَ شَعْرَهُ وغَيَّرَ ثِيابَهُ، ودَخَلَ فَوَقَفَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي رَأيْتُ رُؤْيا ولَيْسَ لِي مَن يُفَسِّرُها، وقَدْ بَلَغَنِي عَنْكَ أنَّكَ تَسْمَعُ الرُّؤْيا فَتُفَسِّرُها بِأحْسَنِ تَأْوِيلٍ! فَأجابَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ فَقالَ لِفِرْعَوْنَ: ألَعَلَّكَ تَخالُ أنِّي أُجِيبُ فِرْعَوْنَ بِسَلامٍ عَنْ غَيْرِ أمْرِ اللَّهِ تَعالى.

فَقالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ: إنِّي رَأيْتُ في الرُّؤْيا كَأنِّي واقِفٌ عَلى شاطِئِ النَّهْرِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ طَلَعْنَ مِنَ النَّهْرِ حَسَناتِ المَنظَرِ سَمِيناتِ اللَّحْمِ، يَرْعَيْنَ في المَرَجِ، وكَأنَّ سَبْعَ بَقَراتٍ طَلَعْنَ مِنَ النَّهْرِ بَعْدَهُنَّ سَمِجاتٍ قَبِيحاتِ المَنظَرِ مَهْزُولاتِ اللَّحْمِ جِدًّا، لَمْ أرَ عَلى هُزالِها في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فابْتَلَعَتِ البَقَراتُ المَهْزُولاتُ الضَّعِيفاتُ القَبِيحاتُ أُولَئِكَ [السَّبْعَ] بَقَراتٍ السِّمانِ، فَدَخَلْنَ أجْوافَهُنَّ، فَلَمْ يَتَبَيَّنْ دُخُولُهُنَّ، وكَأنَّ مَنظَرَهُنَّ قَبِيحًا كالَّذِي كانَ مِن قَبْلُ، فانْتَبَهَتْ فاضْطَجَعَتْ فَرَأيْتُ [أيْضًا] (p-١٤١)فِي الرُّؤْيا كَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ حَسَناتٍ في قَصَبَةٍ واحِدَةٍ مُمْتَلِئَةٍ سِمانًا حِسانًا، وكَأنَّ سَبْعَ سُنْبُلاتٍ مَهْزُولاتٍ ضَرَبَهُنَّ رِيحُ السَّمُومِ نَبَتْنَ خَلْفَهُنَّ، فابْتَلَعَ السُّنْبُلُ [المَهْزُولُ] الضَّعِيفُ السَّبْعَ سُنْبُلاتٍ المُمْتَلِئاتِ الحِسانَ، فَقَصَصْتُ ذَلِكَ عَلى السَّحَرَةِ، فَلَمْ أجِدْ مَن يُبَيِّنُ.

فَقالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ لِفِرْعَوْنَ: الرُّؤْيا يا فِرْعَوْنُ واحِدَةٌ، أطْلَعَ اللَّهُ فِرْعَوْنَ عَلى ما هو مُزِيعٌ أنْ يَفْعَلَهُ، السَّبْعُ بَقَراتٍ الحِسانُ والسَّبْعُ سُنْبُلاتٍ الحِسانُ هي سَبْعُ سِنِينَ: خَيْرٌ، الرُّؤْيا واحِدَةٌ، والسَّبْعُ بَقَراتٍ الضَّعِيفاتِ المَهْزُولاتِ اللّاتِي صَعَدا بَعْدَهُنَّ والسَّبْعُ سُنْبُلاتٍ [المَهْزُولاتِ] اللّاتِي ضَرَبَها رِيحُ السَّمُومِ تَكُونُ سَبْعَ سِنِينَ: جُوعٌ، وهَذا القَوْلُ الَّذِي قُلْتُ لِفِرْعَوْنَ. إنَّ اللَّهَ أظْهَرَ ما هو مُزْمِعٌ عَتِيدٌ أنْ يَفْعَلَهُ، وها هَذِهِ سَبْعُ سِنِينَ يَأْتِي الشِّبَعُ والخِصْبُ العَظِيمُ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ، ويَأْتِي بَعْدَها سَبْعُ سِنِينَ أُخَرُ يَكُونُ فِيها الجُوعُ، ويَنْسى جَمِيعَ الشِّبَعِ، والخِصْبُ الَّذِي كانَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فَيُبِيدُ أهْلَ الأرْضِ مِنَ الجُوعِ مِن أجْلِ الغَمِّ الَّذِي يَأْتِي مِن بَعْدُ لِكَثْرَتِهِ وشِدَّتِهِ، وإنَّما أُعِيدَتِ الرُّؤْيا لِفِرْعَوْنَ ثانِي مَرَّةً، لِأنَّ الأمْرَ مُعَدٌّ بَيْنَ يَدَيِ الرَّبِّ، واللَّهُ مُعَجِّلٌ فِعْلَهُ.

(p-١٤٢)والآنَ فَلْيَنْظُرْ فِرْعَوْنُ رَجُلًا حَكِيمًا فَهِمًا. فَيُوَلِّيهِ أرْضَ مِصْرَ، فَيُقاسِمُ أهْلَ مِصْرَ عَلى الخَمْسِ في السَّبْعِ السِّنِينَ، فَيَجْمَعُوا جَمِيعَ أفْقالِ هَذِهِ السِّنِينَ الخِصْبَةِ الآتِيَةِ، ويُخَزِّنُوا الأفْقالَ تَحْتَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، ويَحْفَظُ القَمْحَ في القُرى، ولْيَكُنُ الفَقْلُ مُعَدًّا مَحْفُوظًا لِأهْلِ مِصْرَ لِسَبْعِ سِنِي الجُوعِ المُزْمَعِ أنْ يَكُونَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، ولا يُبِيدُ أهْلَ الأرْضِ بِالجُوعِ.

فَحَسُنَ هَذا القَوْلُ عِنْدَ فِرْعَوْنَ وعِنْدَ عَبِيدِهِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِقُوّادِهِ: هَلْ يُوجَدُ مِثْلُ هَذا الرَّجُلِ الَّذِي رُوحُ اللَّهِ حالٌّ فِيهِ؟ ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إذا أطْلَعَكَ اللَّهُ عَلى هَذا كُلِّهِ، لَيْسَ أحَدٌ فَهِمًا مِثْلُكَ، أنْتَ المُسَلَّطُ عَلى بَيْتِي، وعَنْ أمْرِكَ وقَوْلِي فِيكَ يَقْبَلُ جَمِيعَ الشَّعْبِ، وإنَّما أنا أعْظَمُ مِنكَ بِالمِنبَرِ فَقَطْ، وقالَ فِرْعَوْنُ ليُوسُفَ: انْظُرْ فَقَدْ ولَّيْتُكَ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ، وخَلَعَ فِرْعَوْنُ خاتَمَهُ (p-١٤٣)مِن خِنْصَرِهِ، فَوَضَعَهُ في خِنْصَرِ يُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، وألْبَسَهُ ثِيابَ كِتّانٍ، وطَوَّقَهُ بِطَوْقٍ مِن ذَهَبٍ، وحَمَلَهُ عَلى بَعْضِ مَراكِبِهِ، ونادى بَيْنَ يَدَيْهِ: هَذا أبٌ ومُسَلَّطٌ، وسُلْطانُهُ عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، ثُمَّ قالَ فِرْعَوْنُ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: إنِّي قَدْ أمَرْتُ أنْ لا يَكُونُ أحَدٌ يُشِيرُ بِيَدَيْهِ أوْ يَخْطُو بِقَدَمَيْهِ دُونَ أمْرِكَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ.

ودَعا فِرْعَوْنُ اسْمَ يُوسُفَ: مُوَضِّحَ الخَفايا، وزَوَّجَهُ بِأسِنَّةَ - وفي نُسْخَةٍ: بِأسَناتَ - بِنْتِ قُوطِفِيرَعَ إمامِ إسْكَنْدَرِيَّةَ - وفي نُسْخَةٍ: حُبِرَ وانَ - فَخَرَجَ يُوسُفُ عَلَيْهِ السَّلامُ والِيًا عَلى جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، وكانَ قَدْ أتى عَلى يُوسُفَ ثَلاثُونَ سَنَةً إذْ وقَفَ بَيْنَ يَدَيْ فِرْعَوْنَ، فَطافَ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ.

وأغَلَّتِ الأرْضُ في جَمِيعِ السَّبْعِ سِنِي الخِصْبِ، مَلَأ الخَزائِنَ وجَمَعَ الأقْفالَ في القُرى، جَمَعَ قَمْحِ حُقُولِ كُلِّ قَرْيَةٍ وما أحاطَ بِها فَخَزَنَةٌ فِيها، [وخَزَّنَ] يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الأقْفالِ (p-١٤٤)مِثْلُ كَثِيبٍ - وفي نُسْخَةٍ: رَمْلُ البَحْرِ - كَثِيرًا جِدًّا حَتّى أعْيى إحْصاءَ ذَلِكَ فَصارَ غَيْرَ مُحْصًى.

فَوُلِدَ لِيُوسُفَ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ابْنانِ قَبْلَ دُخُولِ سَنَةِ الجُوعِ، وُلِدَتْ لَهُ أسِنَةُ - وفي نُسْخَةٍ: أسَناتُ – بِنْتُ قُوطِيفِرِعَ حِبْرَ وانَ - وفي نُسْخَةٍ: إمامُ إسْكَنْدَرِيَّةَ - فَدَعا يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ اسْمَ ابْنِهِ بَكْرَ مَنشا، لِأنَّهُ قالَ: إنَّ اللَّهَ أنْسانِي جَمِيعُ تَعَبِي - وفي نُسْخَةٍ: شَقائِي - وما كانَ مِنهُ في بَيْتِ أبِي، وسَمّى الآخَرُ أفْراثِيمَ، وقالَ: لِأنَّ اللَّهَ كَثَّرَنِي في أرْضِ تَعَبُّدِي، فَنَفِدَتْ سُنُو الشِّبَعِ الَّذِي كانَ في أرْضِ مِصْرَ، وبَدَأتْ سُنُو الجُوعِ لِيَأْتِيَ كَما قالَ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ، فَكانَ الجُوعُ في [جَمِيعِ] أرْضِ مِصْرَ، ولَمْ يُوجَدِ الخُبْزُ في جَمِيعِ أرْضِ مِصْرَ، فَجاعَ جَمِيعُ أهْلِ مِصْرَ، فَضَجَّ الشَّعْبُ عَلى فِرْعَوْنَ مِن [أجْلِ] الخُبْزِ، فَقالَ فِرْعَوْنُ لِجَمِيعِ المِصْرِيِّينَ: انْطَلَقُوا إلى يُوسُفَ (p-١٤٥)عَلَيْهِ السَّلامُ فافْعَلُوا جَمِيعَ ما يَأْمُرُكم بِهِ.

12:58Page 242

وَجَآءَ إِخۡوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُواْ عَلَيۡهِ فَعَرَفَهُمۡ وَهُمۡ لَهُۥ مُنكِرُونَ ٥٨

And the brothers of Joseph came [seeking food], and they entered upon him; and he recognized them, but he was to them unknown.1

ولَمّا كانَ المَعْنى - كَما تَقَدَّمَ: فَجَعَلَ إلَيْهِ خَزائِنَ الأرْضِ، فَجاءَتِ السُّنُونُ المُخَصِّبَةُ، فَدَبَّرَها بِما عَلَّمَهُ اللَّهُ، ثُمَّ جاءَتِ السُّنُونُ المُجْدِبَةُ فَأجْدَبَتْ جَمِيعَ أرْضِ مِصْرَ وما والاها مِن بِلادِ الشّامِ وغَيْرِها، فَأخْرَجَ ما كانَ ادَّخَرَهُ مِن غِلالٍ سَبْعِ سِنِينَ بِالتَّدْرِيجِ أوَّلًا فَأوَّلًا - كَما حَدَّ لَهُ ”العَلِيم الحَكِيم“ فَتَسامَعَ بِهِ النّاسُ فَجاءُوا لِلِامْتِيارِ مِنهُ مِن كُلِّ أوْبٍ ﴿وجاءَ إخْوَةُ يُوسُفَ﴾ العَشْرَةُ لِذَلِكَ، وحَلِفَ أبُوهم بِنْيامِينُ أخا يُوسُفَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِأُمِّهِ عِنْدَهُ، ودَلَّ عَلى تَسْهِيلِهِ إذْنَهم بِالفاءِ [فَقالَ]: ﴿فَدَخَلُوا عَلَيْهِ﴾ أيْ لِأنَّهُ كانَ يُباشِرُ الأُمُورَ بِنَفْسِهِ كَما هو فِعْلُ الكُفاةِ الحُزْمَةِ، لا يَثِقُ فِيهِ بِغَيْرِهِ ﴿فَعَرَفَهُمْ﴾ لِأنَّهُ كانَ مُرْتِقَبًا لِحُضُورِهِمْ لِعِلْمِهِ بِجَدْبِ بِلادِهِمْ وعَقْدِ هِمَّتِهِ بِهِمْ. مَعَ كَوْنِهِ يَعْرِفُ هَيْئاتِهِمْ في لِباسِهِمْ [وغَيْرِهِ]، ولَمْ يَتَغَيَّرْ [عَلَيْهِ] كَبِيرٌ مِن حالِهِمْ.

لِمُفارَقَتِهِ إيّاهم رِجالًا ﴿وهم لَهُ مُنْكِرُونَ﴾ ثابِتُ إنْكارِهِمْ عَرِيقٌ فِيهِمْ وصْفُهم بِهِ، لِعَدَمِ خُطُورِهِ بِبالِهِمْ لِطُولِ العَهْدِ، مَعَ ما تَغَيَّرَ عَلَيْهِمْ مِن هَيْئَتِهِ بِالسِّنِّ وانْضافَ إلَيْهِ مِنَ الحَشَمِ والخَدَمِ واللِّباسِ وهَيْئَةِ البَلَدِ وهَيْبَةِ المَلِكِ (p-١٤٦)وعِزِّ السُّلْطانِ، وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا يُنْكِرُ مَعَهُ المَعْرُوفَ، ويَسْتَوْحِشُ لِأجْلِهِ مِنَ المَأْلُوفِ، وفْقَ ما قالَ تَعالى ﴿لَتُنَبِّئَنَّهم بِأمْرِهِمْ هَذا وهم لا يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف: ١٥]

والدُّخُولُ: الِانْتِقالُ إلى مُحِيطٍ، والمَعْرِفَةُ: تُبَيِّنُ الشَّيْءَ بِالقَلْبِ بِما لَوْ شُوهِدَ لَفَرَّقَ بَيْنَهُ وبَيْنَ غَيْرِهِ مِمّا لَيْسَ عَلى خاصِّ صِفَتِهِ.

12:59Page 242

وَلَمَّا جَهَّزَهُم بِجَهَازِهِمۡ قَالَ ٱئۡتُونِي بِأَخٖ لَّكُم مِّنۡ أَبِيكُمۡۚ أَلَا تَرَوۡنَ أَنِّيٓ أُوفِي ٱلۡكَيۡلَ وَأَنَا۠ خَيۡرُ ٱلۡمُنزِلِينَ ٥٩

And when he had furnished them with their supplies, he said, "Bring me a brother of yours from your father.1 Do you not see that I give full measure and that I am the best of accommodators?

ولَمّا كانَ المَعْنى في قُوَّةِ أنْ يُقالَ: فَطَلَبُوا مِنهُ المِيرَةَ فَباعَهم بَعْدَ أنِ اسْتَخْبَرَهم عَنْ أمْرِهِمْ، وقالَ لَهُمْ: لَعَلَّكم جَواسِيسُ؟ وسَألَهم عَنْ جَمِيعِ حالِهِمْ. فَأخْبَرُوهُ بِأبِيهِمْ وأخِيهِمْ مِنهُ، لِيَعْلَمَ صَلاحَهم ولا يَظُنَّ أنَّهم جَواسِيسُ، عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿ولَمّا جَهَّزَهُمْ﴾ أيْ يُوسُفُ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ ﴿بِجَهازِهِمْ﴾ الَّذِي جاءُوا لَهُ وقَدْ أحْسَنَ إلَيْهِمْ؛ والجِهازُ: فاخِرُ المَتاعِ الَّذِي يُحْمَلُ مِن بَلَدٍ إلى بَلَدٍ ”قالَ“ أيْ لَهم ﴿ائْتُونِي﴾ أيُّها العِصابَةُ ﴿بِأخٍ لَكُمْ﴾ كائِنٌ ﴿مِن أبِيكُمْ﴾ يَأْتِي بِرِسالَةٍ مِن أبِيكُمُ الرَّجُلُ الصّالِحُ حَتّى أُصَدِّقَكُمْ، أوْ أنَّهم طَلَبُوا مِنهُ لِأخِيهِمْ حَمْلًا، فَأظْهَرَ أنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُمْ، وطَلَبَ إحْضارَهُ لِيُعْطِيَهُ، فَإنَّهُ كانَ يُوَزِّعُ الطَّعامَ عَلى قَدْرِ الكِفايَةِ؛ ثُمَّ رَغَّبَهم بِإطْماعِهِمْ في مِثْلِ ما فَعَلَ بِهِمْ مِنَ الإحْسانِ، وكانَ قَدْ أحْسَنَ نُزُلَهُمْ، فَقالَ مُقَرِّرًا لَهم [بِما رَأوْا مِنهُ]: (p-١٤٧)﴿ألا تَرَوْنَ﴾ أيْ تَعْلَمُونَ عِلْمًا هو كالرُّؤْيَةِ ﴿أنِّي أُوفِي الكَيْلَ﴾ أيْ أُتِمُّهُ دائِمًا عَلى ما يُوجِبُهُ الحَقُّ ﴿وأنا خَيْرُ المُنْـزِلِينَ﴾ أضَعُ الشَّيْءَ في أُولى مَنازِلِهِ.

12:60Page 242

فَإِن لَّمۡ تَأۡتُونِي بِهِۦ فَلَا كَيۡلَ لَكُمۡ عِندِي وَلَا تَقۡرَبُونِ ٦٠

But if you do not bring him to me, no measure will there be [hereafter] for you from me, nor will you approach me."

ولَمّا رَغَّبَهُمْ، رَهِبَهم فَقالَ: ﴿فَإنْ لَمْ تَأْتُونِي بِهِ﴾ أيْ بِأخِيكم أوَّلَ قَدْمَةٍ تُقَدِّمُونَها ﴿فَلا كَيْلَ لَكُمْ﴾ وعَرَّفَهم أنَّهُ لا يَمْنَعُهم مِن غَيْرِهِ فَقالَ: ﴿عِنْدِي ولا تَقْرَبُونِ﴾ ومَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَخْطُرْ بِبالِهِمْ أنَّهُ يُوسُفُ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском