Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:13–16
13:13Page 250
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣
And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.
﴿ويُسَبِّحُ الرَّعْدُ﴾ أيْ يُنَزِّهُ عَنْ صِفاتِ النَّقْصِ تَنْزِيهًا مُلْتَبِسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾ أيْ بِوَصْفِهِ بِصِفاتِ الكَمالِ، ويُرْوى عَنِ النَّبِيِّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنَّ الرَّعْدَ مَلَكٌ [ وإنْ لَمْ يَصِحَّ أنَّهُ مَلَكٌ فَتَسْبِيحُهُ دَلالَتُهُ عَلى أنَّ مُوجِدَهُ سُبْحانَهُ مُنَزَّهٌ عَنِ النَّقْصِ مُحِيطٌ - ] أوْصافَ الكَمالِ ﴿والمَلائِكَةُ﴾ أيْ تُسَبِّحُ ﴿مِن خِيفَتِهِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: (p-٢٩٥)والخِيفَةُ مُضَمَّنَةٌ بِالحالِ، كَقَوْلِكَ: هَذِهِ رُكْبَةٌ، أيْ حالٌ مِنَ الرُّكُوبِ حَسَنَةٌ، وكَذَلِكَ هَذِهِ خِيفَةٌ شَدِيدَةٌ، والخَوْفُ مَصْدَرٌ غَيْرُ مُضَمَّنٍ بِالحالِ.
﴿ويُرْسِلُ الصَّواعِقَ﴾ المُحْرِقَةَ مِن تِلْكَ السَّحائِبِ المَشْحُونَةِ بِالمِياهِ المُغْرِقَةِ؛ والصّاعِقَةِ - قالَ الرّازِّيُّ: نارٌ لَطِيفَةٌ تَسْقُطُ مِنَ السَّماءِ بِحالٍ هائِلَةٍ.
﴿فَيُصِيبُ بِها﴾ أيِ الصَّواعِقِ ﴿مَن يَشاءُ﴾ كَما أصابَ بِها أرْبَدُ بْنُ رَبِيعَةَ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم مَعَ ذَلِكَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِن إحاطَةِ عِلْمِهِ وكَمالِ قُدْرَتِهِ ﴿يُجادِلُونَ﴾ والجِدالُ: فَتْلُ الخَصْمِ عَنْ مَذْهَبِهِ بِطَرِيقِ الحُجّاجِ ﴿فِي اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِما يُؤَدِّي إلى الشَّكِّ [فِي] قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ. ولَمّا كانَ لا يُغْنِي مَن قَصَدَهُ بِالعَذابِ شَيْءٌ قالَ: ﴿وهُوَ شَدِيدُ المِحالِ﴾ لِأنَّ المُحالَ - كَكِتابِ: الكَيْدُ ورُومُ الأمْرِ بِالحِيَلِ والتَّدْبِيرِ والمَكْرِ والقُدْرَةِ والجِدالِ والعَذابِ والعِقابِ والعَداوَةِ والمُعاداةِ والقُوَّةِ والشِّدَّةِ والهَلاكِ والإهْلاكِ، يَأْتِي أعْداءَهُ بِما يُرِيدُ مِن إنْزالِ [العَذابِ] بِهِمْ مِن حَيْثُ لا يَحْتَسِبُونَ، وكُلُّها صالِحٌ [هُنا] حَقِيقَةً أوْ مَجازًا، وقالَ الرُّمّانِيُّ: والمُحالُ: الأخْذُ بِالعِقابِ مِن قَوْلِهِمْ: ما حِلْتُ فُلانًا - إذا فَتَلْتَهُ إلى هَلْكِهِ انْتَهى.
(p-٢٩٦)ومادَّةُ ”مَحَلَ“ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها تَدُورُ عَلى صَرْفِ الشَّيْءِ عَنْ وجْهِهِ وعادَتِهِ وما تَقْتَضِيهِ جِبِلَّتُهُ، وذَلِكَ يَسْتَلْزِمُ القُدْرَةَ والقُوَّةَ والشِّدَّةَ، فالحامِلُ يُمْسِكُ المَحْمُولَ بِقُوَّتِهِ عَنْ أنْ يَهْوِيَ إلى جِهَةِ السُّفْلِ، والحَمْلَةُ: الكُرَةُ في الحَرْبِ، ويَلْزَمُ الحَمْلُ المَشَقَّةَ، ومِنهُ تَحَمَّلَ الشَّيْءُ وحُمِلَ عَنْهُ أيْ حُلْمٍ فَهو حَمُولٌ: ذُو [حِلْمٍ]، والحَمِيلُ - كَأمِيرٍ: الدَّعِيُّ والغَرِيبُ - كَأنَّهُما مَحْمُولانِ لِحاجَتِهِما إلى ذَلِكَ، والكَفِيلُ، لِأنَّهُ حامِلٌ لِكُلِّ مَكْفُولٍ واحْتَمَلَ لَوْنَهُ - لِلْمَفْعُولِ: غَضِبَ وامْتَقَعَ - كَأنَّ الغَضَبَ صَرَفَهُ عَمّا كانَ مِن عادَتِهِ، والمَحْمَلُ - كَمُحْسِنٍ: المَرْأةُ [يَنْزِلُ] لَبَنُها مِن غَيْرِ حَبَلٍ، لِأنَّ ذَلِكَ شَيْءٌ عَلى غَيْرِ وجْهِهِ، والحَمْلُ - مُحَرِّكَةٌ: الخَرُوفُ - لِسُهُولَةِ حَمْلِهِ، والحَلِيمُ: مَن يَحْبِسُ غَيْظَهُ بِقُوَّةِ حِلْمِهِ - أيْ عَقْلِهِ - عَنْ أنْ يَسْتَخِفَّهُ الغَضَبُ، والحِلْمُ - بِالكَسْرِ: الأناةُ والعَقْلُ، والحُلْمُ - بِالضَّمِّ وبِضَمَّتَيْنِ: الرُّؤْيا، لِأنَّها صَرْفُ النَّفْسِ عَمّا هي عَلَيْهِ، وهو مِن شَأْنِها مِنَ الغَفْلَةِ، ومِنهُ الحُلْمُ - بِالضَّمِّ - والِاحْتِلامُ لِلْجِماعِ في النَّوْمِ، والِاسْمُ الحُلْمُ - كَعُنُقٍ، وذَلِكَ يَكُونُ غالِبًا عِنْدَ فَراغِ البالِ عَنِ الهُمُومِ، وإلَيْهِ يَرْجِعُ حُلْمُ المالِ (p-٢٩٧)-بِالضَّمِّ: سَمْنُ، والصَّبِيُّ وغَيْرُهُ: أقْبَلَ شَحْمُهُ، أوْ هو مِنَ الحَلَمَةِ - مُحَرِّكَةُ: اللُّحْمَةِ النّاتِئَةِ وسَطَ الثَّدْيِ كالثُّؤْلُولِ - لِصَرْفِها لَوْنَ الثَّدْيِ وهَيْئَتَهُ عَمّا كانَ عَلَيْهِ، وشَجَرُ السَّعْدانِ - لِأنَّهُ مَرْعى جَيِّدٌ يَسِمْنَ، والصَّغِيرَةُ مِنَ القِرْدانِ أوِ الضَّخْمَةِ - لِشَبَهِها بِحَلَمَةِ الثَّدْيِ ودُودٍ يَقَعُ في الجِلْدِ قَبْلَ الدَّبْغِ فَيَأْكُلُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ يُغَيِّرُهُ عَنْ هَيْئَتِهِ، والحالُومِ: ضَرْبٌ مِنَ الأقَطِ، لِأنَّهُ لِحَرّاقَتِهِ يُغَيِّرُ اللِّسانَ، ودَمُ حُلامٍ: هَدَرَ، لِأنَّهُ خَرَجَ عَمّا عَلَيْهِ عادَةُ الدِّماءِ؛ والمِلْحُ يَصْرِفُ المَمْلُوحَ عَنِ الفَسادِ، وأمّا الماءُ المِلْحُ فَمُشَبَّهٌ [بِهِ] فى الطَّعْمِ، وكَذا المِلْحُ - مُحَرَّكًا - لِلَوْنٍ كالبَياضِ يُخالِطُهُ سَوادٌ، والمَلْحاءُ: شَجَرَةٌ سَقَطَ ورَقُها، شُبِّهَتْ بِأرْضِ المِلْحِ في عَدَمِ الإنْباتِ. ولَمّا عُرِفَ المِلْحُ بِالصَّلاحِ شُبِّهَ بِهِ العِلْمُ فَسُمِّيَ مِلْحًا، وكَذا الرِّضاعُ والحُسْنُ والشَّحْمُ والسَّمْنُ والحُرْمَةُ والذِّمامُ وخَفَقانُ الطّائِرِ بِجَناحَيْهِ يَصْلُحُ بِذَلِكَ طَيَرانُهُ ويَتَمَلَّحُ بِهِ اسْتِرْواحًا إلَيْهِ، ومَلَّحَ الشّاةَ: سَمَّطَها، والمَلّاحُ - كَكِتابِ: الرِّيحُ تَجْرِي ”بِها“ السَّفِينَةُ، وهي أيْضًا تَصْرِفُها عَمّا يَقْتَضِيهِ حالُها مِن عَدَمِ السَّيْرِ، ومُعالَجَةِ حَياءِ النّاقَةِ مِنهُ، ومِلْحُهُ عَلى رُكْبَتِهِ - أيْ لا وفاءَ لَهُ، (p-٢٩٨)لِأنَّ المِلْحَ لا يَثْبُتُ هُناكَ، أوْ هو سَمِينٌ أوْ حَدِيدٌ في غَضَبِهِ، بِمَعْنى أنَّهُ لا صَلاحَ لَهُ، ومَلَحَهُ: اغْتابَهُ، شُبِّهَ بِمَن يَتَطَعَّمُ المِلْحَ لِيَعْدِلَ مِزاجَهُ، وكَذا المَلّاحُ - كَكِتابٍ، وهو هُبُوبُ الجَنُوبِ عَقِبَ الشَّمالِ، وكَذا المِلاحِيُّ - كَفَرابِيِّ وقَدْ يُشَدَّدُ، وهو عِنَبٌ أبْيَضٌ طَوِيلٌ، ونَوْعٌ مِنَ التِّينِ، ومِنَ الأراكِ ما فِيهِ بَياضٌ وحُمْرَةٌ، والمُلَحُ - بِضَمِّ المِيمِ وفَتْحِ اللّامِ مِنَ الأحادِيثِ، وامْتَلَحَ: خَلَطَ كَذِبًا بِحَقٍّ، والمِلْحُ - مُحَرِّكَةُ: ورَمٌ في عُرْقُوبِ الفَرَسِ، صَرَفَهُ عَنْ هَيْئَتِهِ المُعْتادَةِ، والمِلاحُ كَكِتابِ: سِنانُ الرُّمْحِ، لِتَهْيِئَتِهِ لَهُ بَعْدَ الوُقُوفِ لِلنُّفُوذِ، والسُّتْرَةُ، لِصَرْفِها البَصَرَ عَنِ النُّفُوذِ إلى ما وراءَها، وبَرْدُ الأرْضِ حِينَ يَنْزِلُ الغَيْثُ، لِأنَّهُ يَصْرِفُ حالَها الَّتِي كانَتْ عَلَيْها إلى أُخْرى، والمُلْحَةُ - بِالضَّمِّ: المَهابَةُ، لِصَرْفِها المُجْتَرِئِ عَنْ قَصْدِهِ ولِأنَّ سَبَبَها صَرَفَ النَّفْسَ عَنْ هَواها، والمَلْحاءُ: الكَثِيبَةُ العَظِيمَةُ، ومِنهُ البَرَكَةُ، لِمَنعِها الماشِيَ عَنْ حالِهِ في المَشْيِ، ومِنهُ المَلْحَةُ - بِالفَتْحِ - لِلُجَّةِ البَحْرِ، ومِلْحانُ: الكانُونُ الثّانِي لِصَرْفِهِ بِقُوَّةِ بِرَدِّهِ الزَّمانَ عَمّا كانَ عَلَيْهِ والنّاسَ عَمّا كانُوا عَلَيْهِ، والمَلْحاءَ: لَحْمٌ في الصُّلْبِ مِنَ الكاهِلِ إلى العَجْزِ، لِمَنعِهِ مِن رُؤْيَةِ عِظامِ الصُّلْبِ ورُؤُوسِ الأضْلاعِ؛ والمَحَلُّ صَرْفُ ما في الزَّمانِ عَنْ عادَتِهِ (p-٢٩٩)بِعَدَمِ المَطَرِ والإنْباتِ ورَفاهَةِ العَيْشِ، وكَذا المَحَلُّ لِلْكَيْدِ والمَكْرِ والغُبارِ والشِّدَّةِ والمَحالِّ، لِما تَقَدَّمَ مِن تَفْسِيرِهِ، ومِنهُ ماحَلَهُ: قاواهُ، والمُتَماحِلُ: الطَّوِيلُ المُضْطَرِبُ الخُلُقَ، لِخُرُوجِهِ عَنِ العادَةِ، وتَمَحَّلَ لَهُ: احْتالَ، والمُمَحَّلُ - كَمُعَظَّمٍ - مِنَ اللَّبَنِ: الآخِذُ طَعْمَ حُمُوضَةٍ، والمَحالَةُ: البَكَرَةُ العَظِيمَةُ - لِصَرْفِها بِفَتْلِها الشَّيْءَ عَنْ وجْهِهِ، والفِقْرَةُ مِن فَقَرَ البَعِيرُ - لِمُشابَهَتِها والخَشَبَةُ الَّتِي يَسْتَقِرُّ عَلَيْها الطَّيّانُونَ - لِحَمْلِها إيّاهم ومَنعِها لَهم مِنَ السُّقُوطِ، والمَحَلُّ - كَكَتِفَ: مَن طُرِدَ حَتّى أعْيا، لِأنَّهُ [صُرِفَ عَمّا كانَ مَن عادَتِهِ، ورَأيْتَهُ مُتَماحِّلًا: مُتَغَيِّرَ اللَّوْنِ؛ واللَّمْحُ: صَرْفُ البَصَرِ عَمّا] كانَ عَلَيْهِ، ولَمْحُ البَرْقِ: لَمَعَ [بَعْدَ] كُمُونِهِ؛ واللَّحْمُ مِن لُحْمَةِ الثَّوْبِ - بِالضَّمِّ، كَأنَّهُ سَدَّ ما حَصَلَ بِالهُزالِ مِن فَرَجٍ، ومِنهُ: لَحَمَ كُلَّ شَيْءٍ: لَبَّهُ؛ ولَحَمَ الأمْرَ - كَمَنَعَ: أحْكَمَهُ، والصّائِغُ الفِضَّةُ: لِأُمِّها، وكَذا كُلُّ صَدْعٍ، ولَحْمُ - كَعِلْمٌ: نَشَبَ في المَكانِ، كَأنَّهُ وقَعَ فِيما يُشْبِهُ [اللَّحْمَ] فالتَصَقَ بِهِ فَأدْخَلَهُ وشَغَلَهُ، وهَذا لَحِيمِ هَذا، أيْ وفْقِهِ وشَكْلِهِ - وهو يَرْجِعُ إلى لُحْمَةِ الثَّوْبِ، واسْتَلْحَمَ الطَّرِيقَ: تَبِعَهُ (p-٣٠٠)أوْ تَبِعَ أوْسَعَهُ - كَأنَّهُ جَعَلَ نَفْسَهُ مِثْلَ لُحْمَةِ السُّدى، واسْتَلْحَمَ الطَّرِيقَ: [ اتَّسَعَ- ]، كَأنَّهُ طَلَبَ ما يَلْحِمَهُ أيْ يَسُدُّهُ، وحَبْلٍ مُلاحَمٍ - بِفَتْحِ الحاءِ: شَدِيدِ الفَتْلِ، لِأنَّهُ سَدَّتْ فَرْجَهُ كَما تَسُدُّ اللُّحْمَةُ فَرْجَ الثَّوْبِ، ونَبِيُّ المَلْحَمَةِ - مِنَ القِتالِ، لِأنَّهُ ضَرَبَ اللَّحْمَ بِالسَّيْفِ، ومِنَ التَّأْلِيفِ كَما يَكُونُ عَنْ لُحْمَةِ الثَّوْبِ، لِأنَّ غايَةَ قِتالِهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ [أعْظَمَ] خَيْرٍ وأُلِفَةُ، والتَحَمَ الجَرْحُ لِلْبُرْءِ: التَأمَ - مِن ذَلِكَ ومِنَ اللَّحْمِ أيْضًا لِأنَّهُ بِهِ التَأمَ - واللَّهُ أعْلَمُ.
13:14Page 251
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
ولَمّا بَيَّنَ تَعالى تَصْدِيقًا لِقَوْلِهِ ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْها وهم عَنْها مُعْرِضُونَ﴾ [يوسف: ١٠٥] ما لَهُ مِنَ الآياتِ [ التّابِعَةِ - ] لِصِفاتِ الكَمالِ الَّتِي مِنها التَّنَزُّهُ عَمّا لا يَلِيقُ بِالجَلالِ وأنَّهُ شَدِيدُ المِحالِ، شَرَعَ يُبَيِّنُ ضَلالَهم في اشْتِراكِهِمُ المُشارِ إلَيْهِ في قَوْلِهِ: ﴿وما يُؤْمِنُ أكْثَرُهم بِاللَّهِ إلا وهم مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] [ بِما - ] هو عِلَّةٌ لِخَتْمِ ما قَبْلَها مِن أنَّهُ لا كُفُؤَ لَهُ، (p-٣٠١)فَقالَ: ﴿لَهُ﴾ أيِ اللَّهُ سُبْحانَهُ ﴿دَعْوَةُ الحَقِّ﴾ إنْ دَعاهُ أحَدٌ سَمِعَهُ فَأجابَهُ - إنْ شاءَ - بِما يَشاءُ، وإنْ دَعا هو أحَدًا دَعْوَةَ أمْرٍ، بَيْنَ الصَّوابِ بِما يَكْشِفُ الِارْتِيابَ، أوْ دَعْوَةَ حُكْمٍ لَبّى صاغِرًا وأجابَ ﴿والَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ أيْ يَدْعُو الكافِرُونَ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ﴾ أيِ اللَّهِ ﴿لا يَسْتَجِيبُونَ﴾ أيْ لا يُوجِدُونَ الإجابَةَ ”لَهُمْ“ أيِ الكافِرِينَ ﴿بِشَيْءٍ﴾ والِاسْتِجابَةُ: مُتابَعَةُ الدّاعِي فِيما دَعا إلَيْهِ بِمُوافَقَةِ إرادَتِهِ ﴿إلا كَباسِطِ﴾ أيْ إلّا إجابَةً كَإجابَةِ الماءِ لِباسِطِ ﴿كَفَّيْهِ﴾ تَثْنِيَةُ كَفٍّ، وهو مَوْضِعُ القَبْضِ بِاليَدِ، وأصْلُهُ مِن كَفِّهِ - إذا جَمَعَ أطْرافَهُ ﴿إلى الماءِ لِيَبْلُغَ﴾ أيِ الماءُ ”فاهُ“ دُونَ أنْ يَصِلَ كَفّاهُ إلى الماءِ- بِما يَدُلُّ عَلَيْهِ التَّعْدِيَةُ بِـ ”إلى“، فَما الماءُ بِمُجِيبٍ دُعاءَهُ في بُلُوغٍ فِيهِ ﴿وما هُوَ﴾ أيِ الماءِ ﴿بِبالِغِهِ﴾ أيْ فِيهِ، فَلِلْكافِرِينَ ”بِذَلِكَ دَعْوَةُ الباطِلِ كَما أنَّ الماءَ جَمادٌ لا يُحِسُّ بِدَعْوَةِ هَذا فَلا يُجِيبُهُ، فَأصْنامُهم كَذَلِكَ.
ولَمّا كانَ دُعاءَهُمْ“ مُنْحَصِرًا في الباطِلِ، قالَ في مَوْضِعٍ ”وما دُعاؤُهُمْ“ مُظْهِرًا تَعْمِيمًا وتَعْلِيقًا لِلْحُكْمِ بِالوَصْفِ: ﴿وما دُعاءُ الكافِرِينَ﴾ (p-٣٠٢)أيِ السّاتِرِينَ لِما دَلَّتْ عَلَيْهِ أنْوارُ عُقُولِهِمْ بِمَعْبُوداتِهِمْ أوْ غَيْرِها ﴿إلا في ضَلالٍ﴾ لِأنَّهُ لا يَجِدُ لَهم نَفْعًا، أمّا مَعْبُوداتِهم فَلا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، وأمّا اللَّهُ فَلا يُجِيبُهم لِتَضْيِيعِهِمُ الأساسَ.
13:15Page 251
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
ولَمّا كانَتْ دَعْوَةُ الأمْرِ واضِحَةَ السُّبُلِ جَلِيَّةَ المَناهِجِ في جَمِيعِ كُتُبِهِ، وكُلُّها إلى النّاظِرَيْنِ وبَيَّنَ دَعْوَةَ الحُكْمِ بِقَوْلِهِ: ﴿ولِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْلى ﴿يَسْجُدُ﴾ أيْ يَخْضَعُ ويَنْقادُ ويَتَذَلَّلُ كَما بَيَّنَ عِنْدِ قَوْلِهِ ﴿ولا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ [هود: ١١٨] ﴿إلا مَن رَحِمَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١١٩] ﴿مَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لِجَمِيعِ أحْكامِهِ النّافِذَةِ وأقْضِيَتِهِ الجارِيَةِ ”طَوْعًا“ والطَّوْعُ: الِانْقِيادُ لِلْأمْرِ الَّذِي يُدْعى إلَيْهِ مِن قِبَلِ النَّفْسِ ﴿وكَرْهًا﴾ قالَ الرّازِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والكافِرُ في حُكْمِ السّاجِدِ وإنَّ أباهُ لِما بِهِ مِنَ الحاجَةِ الدّاعِيَةِ إلى الخُضُوعِ، واعْلَمْ أنَّ سُجُودَ كُلِّ صِنْفٍ هو تَذَلُّلُهُ وتَسَخُّرُهُ وانْقِيادُهُ لِما أُرِيدُ لَهُ، فَكُلُّ مَوْجُودٍ جَمادٌ وحَيَوانٌ عاقِلٌ وغَيْرُ عاقِلٍ ورُوحانِيٌّ وغَيْرُ رُوحانِيٍّ مُسَخَّرٍ لِأمْرِ مَن لَهُ الخَلْقُ والأمْرُ؛ وقالَ الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينَ النَّوَوِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في شَرْحِ المُهَذَّبِ: أصْلُهُ - أيِ السُّجُودُ - الخُضُوعُ والتَّذَلُّلُ، وكُلُّ مَن تَذَلَّلَ وخَضَعَ فَقَدْ سَجَدَ، وسُجُودُ كُلِّ مُواتٍ في القُرْآنِ طاعَتُهُ لِما سُخِّرَ لَهُ - هَذا أصْلُهُ في اللُّغَةِ، ثُمَّ قِيلَ لِمَن وضَعَ جَبْهَتَهُ في الأرْضِ: سَجَدَ، لِأنَّهُ غايَةُ الخُضُوعِ.
(p-٣٠٣)ولَمّا كانَتِ الظِّلالُ مُسَخَّرَةً لِما أرادَ سُبْحانَهُ، لا قُدْرَةَ لِأحَدٍ عَلى تَغْيِيرِ ذَلِكَ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وظِلالُهُمْ﴾ أيْ أيْضًا تَسْجُدُ [ لَهُ - ] بِامْتِدادِها عَلى الأرْضِ، تَقْصُرُ تارَةً بِارْتِفاعِ الشَّمْسِ وتَطُولُ [أُخْرى - ] بِانْحِطاطِها، لا يَقْدِرُونَ عَلى مَنعِ ظِلالِهِمْ مِن ذَلِكَ حَيْثُ يَكُونُ لَهم ظِلالٌ، وذَلِكَ ﴿بِالغُدُوِّ﴾ جَمْعُ غَداةَ، وهي البَكَرَةُ: أوَّلُ النَّهارِ ﴿والآصالِ﴾ جَمْعُ أصِيلٍ، دائِمًا في جَمِيعِ البِلادِ، وفي وسَطِ النَّهارِ في بَعْضِ البِلادِ؛ والظِّلُّ: سِتْرُ الشَّخْصِ ما بِإزائِهِ، والفَيْءُ: الَّذِي يَرْجِعُ بَعْدَ ذَهابِ ضَوْئِهِ، والأصِيلُ: العَشِيُّ ما بَيْنَ العَصْرِ إلى المَغْرِبِ - كَأنَّهُ أصَّلَ اللَّيْلَ الَّذِي يَنْشَأُ مِنهُ.
ومادَّةُ ”صِلا“ - واوِيَّةٌ ويائِيَّةٌ مَهْمُوزَةٌ وغَيْرُ مَهْمُوزَةٍ بِتَراكِيبِها الأحَدَ عَشَرَ، وهِيَ: صَلَوَ، صَوَلَ، [لَصَوَ]، لَوَصَ، وصَلَ، صَلِيَ، صَيَلَ، لَصَيَ، لَيَصَ، أصَلَ، صَألَ - تَدُورُ عَلى الوَصالَةِ، فالصَّلاةُ وصْلَةٌ بَيْنَ العَبْدِ ورَبِّهِ سَواءٌ كانَتْ دُعاءً أوِ اسْتِغْفارًا أوْ رَحْمَةً أوْ حُسْنَ الثَّناءِ مِنَ اللَّهِ (p-٣٠٤)عَلى رَسُولِهِ، أوْ ذاتِ الأرْكانِ، وصَلَواتُ اليَهُودِ لِمُتَعَبَّداتِهِمْ مِن ذَلِكَ في الأصْلِ، والصَّلا: وسَطَ الظَّهْرِ مِنّا، أوْ مِن كُلِّ ذِي أرْبَعٍ، أوْ ما انْحَدَرَ مِنَ الوِرْكَيْنِ، [أوِ] الفُرْجَةِ بَيْنَ الجاعِرَةِ والذَّنَبِ - يَجُوزُ أنْ يَكُونَ [مِن ذَلِكَ، لِأنَّهُ يُقَرِّبُ مِن غَيْرِهِ مِنَ الأعْضاءِ إذا انْثَنى الحَيَوانُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ] شُبِّهَ بِالعُودِ المُعْوَجِّ الَّذِي يَقُومُ بِإصْلائِهِ النّارَ، وأصَلَتِ النّاقَةُ وصَلِيَتْ - إذا اسْتَرْخى صَلْواها لِقُرْبِ نِتاجِها، والمُصَلِّي مِن خَيْلِ الحَلْبَةِ: الَّذِي يَجِيءُ عَلى إثْرِ السّابِقِ، فَإنَّهُ يُواصِلُهُ، وصَلى الحِمارُ أُتُنَهُ: طَرَدَها وقَحَمَها الطَّرِيقَ - فَكَأنَّهُ بِذَلِكَ قَوَّمَها بَعْدَ أنْ كانَتْ مُعْوَجَّةً، أوْ أرادَ مُواصَلَتَها؛ صالَ الرَّجُلُ صَوْلَةً - إذا سَطا واسْتَطالَ، لِأنَّ ذَلِكَ مُواصَلَةٌ عَلى وجْهِ القَهْرِ والغَلَبَةِ، [و] كَذا صالَ الفَحْلُ عَلى الإبِلِ - إذا قاتَلَها، والعِيرُ - إذا حَمَلَ عَلى العانَةِ فَشَلَّها، وصالَ عَلى كَذا: وثَبَ، وصاوَلَهُ: واثَبَهُ، والتَّصْوِيلُ: إخْراجُكَ الشَّيْءَ بِالماءِ، لِأنَّ ذَلِكَ سَبَبُ الخُلُوصِ، وإذا خَلَصَ الشَّيْءُ تَواصَلَتْ أجْزاؤُهُ، لِأنَّ ذَلِكَ (p-٣٠٥)المَخْرَجَ كانَ حائِلًا بَيْنَها، والتَّصْوِيلُ - أيْضًا: كَنَسَ نُواحِي البَيْدَرِ، لِأنَّهُ سَبَبٌ لِتَواصُلِ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، ومِن ذَلِكَ المُصُولِ - كَمِنبَرٍ: شَيْءٌ يُنْقَعُ فِيهِ الحَنْظَلُ لِتَذْهَبَ مَرارَتُهُ، وبَهاءُ: المِكْنَسَةُ، والصِّيلَةُ - بِالكَسْرِ: عُقْدَةُ العَذَبَةِ - لِتَواصِلَ مَحَلَّ العَقْدِ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ وبِهِ يَتَماسَكُ اتِّصالُ بَعْضِ العِمامَةِ بِبَعْضٍ، والجَرادُ يَصُولُ في مَشْواهُ، مِنَ التَّصْوِيلِ، أيْ يُساطُ، بِمَعْنى يُخْلَطُ بِالتَّقْلِيبِ فَيَتَواصَلُ مِنهُ ما كانَ مُتَفَرِّقًا، وصالَ يَصِيلُ - لُغَةً في يَصُولُ، وصِيلَ لَهُ - كَذا بِالكَسْرِ: قَيَضَ وأُتِيحَ، لِأنَّهُ صارَ مُقارِنًا لَهُ، ولَصَوْتُ الرَّجُلَ عِبْتُهُ وقَذَفْتُهُ - لِأنَّكَ وصَلْتَ بِهِ العَيْبَ، وفُلانٌ لا يَلْصُو إلى رِيبَةٍ، أيْ لا يَنْضَمُّ إلَيْها ولا يَنْضافُ؛ واللَّوْصُ: اللَّمْحُ مِن خَلَلِ بابٍ ونَحْوِهِ كالمُلاوَصَةِ - كَأنَّهُ وصْلَةٌ بِالنَّظَرِ مِن مَوْضِعٍ غَيْرِ مَعْهُودٍ، أوْ لِأنَّهُ سَبَبُ الوَصْلَةِ إلى ما يُرادُ، ولاوَصَ: نَظَرَ كَأنَّهُ يَخْتَلُّ لِيَرُومَ أمْرًا، والشَّجَرَةُ: أرادَ أنْ يَقْطَعَها بِالفَأْسِ، (p-٣٠٦)فَلاوَصَ في نَظَرِهِ يَمْنَةً ويَسْرَةً كَيْفَ يَأْتِيها وكَيْفَ يَضْرِبُها - لِأنَّ حاصِلَ ذَلِكَ المُواصَلَةُ عَلى وجْهِ الشِّدَّةِ كَما تَقَدَّمَ في صالَ عَلَيْهِ، وتَلَوَّصَ: تَلَوّى وتَقَلَّبَ، ومِنهُ أُلِيصَ - أيْ أرْعَشَ، وألاصَهُ عَلى الشَّيْءِ: أدارَهُ [عَلَيْهِ] وأرادَهُ مِنهُ - كَأنَّهُ طَلَبَ مِنهُ مُواصَلَتَهُ، واللَّواصُ - كَسَحابٍ: الفالُوذُ كالمُلَوَّصِ كَمُعَظَّمٍ، والعَسَلُ الصّافِي - لِأنَّهُ أهْلٌ لِلْمُواصَلَةِ، ولَوَصَ: أكَلَ، واللَّوْصُ: وجَعُ الأُذُنِ والنَّحْرِ، واللَّوْصَةُ؛ وجَعُ الظَّهْرِ - كَأنَّهُ لِشِدَّتِهِ لا مُواصِلَ لِلْبَدَنِ سِواهُ، ولاصَ: حادَ - أيْ سَلَبَ الوَصْلَةَ؛ والوَصْلَةُ - الَّتِي هي مَدارُ المادَّةِ وكَأنَّها الحَقِيقَةُ الَّتِي تَشَعَّبَتْ [مِنها] فُرُوعُها - هي الضَّمُّ وهي التِئامُ الشَّيْءِ بِالشَّيْءِ، وكُلُّ ما اتَّصَلَ بِشَيْءٍ [فالَّذِي] بَيْنَهُما وصْلَةٌ، وضِدُّها الفُرْقَةُ، والوَصْلُ: ضِدُّ القَطْعِ، والأوْصالُ: المَفاصِلُ ومُجْتَمَعُ العِظامِ، لِأنَّها مَوْضِعُ اتِّصالِ العَظْمِ بِالآخِرِ، والوَصْلانِ - بِالكَسْرِ والضَّمِّ: طَبَقا الظَّهْرِ، ويُقالُ: هُما العَجْزُ والفَخْذُ، والوَصِيلَةُ: الشّاةُ تَلِدُ ذَكَرًا ثُمَّ تَلِدُ أُنْثى، فَتَصِلُ أخاها، وفِيها خِلافٌ كَثِيرٌ [كُلُّهُ] يَدُورُ عَلى الوَصْلَةِ، ووَصَلَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ: (p-٣٠٧)لِأُمِّهِ، ووَصَلَ الشَّيْءَ وإلى الشَّيْءِ: بَلَّغَهُ وانْتَهى إلَيْهِ، وأوْصَلَهُ واتَّصَلَ: لَمْ يَنْقَطِعْ، ووَصَلَهُ وواصَلَهُ - كِلاهُما يَكُونُ في عَفافِ الحُبِّ ودِعارَتِهِ، والوَصائِلُ جَمْعُ وصِيلَةٍ - لِثِيابٍ حُمْرٍ مُخَطَّطَةٍ يَمَنِيِّةٍ يَتَّخِذُها النّاسُ دُرُوعًا يَشُقُّ مِن جانِبَيْها، كَأنَّهُ لِأنَّها تُوصَلُ بِغَيْرِها أوْ يُقْطَعُ بَعْضُها ثُمَّ يُوصَلُ بِها لِتَصِيرَ دُرُوعًا، والوَصِيلَةُ: العِمارَةُ والخَصْبُ والرُّفْقَةُ والسَّيْفُ - لِأنَّ ذَلِكَ أهْلٌ لِأنْ يُوَصَلَ، والوَصِيلَةُ: كُبَّةُ الغَزْلِ لِشِدَّةِ التِباسِ بَعْضِها بِبَعْضٍ، والأرْضُ الواسِعَةُ - لِأنَّ اتِّصالَها لَمْ يَحُلْ بَيْنَهُ جِبالٌ، ولَيْلَةَ الوَصْلِ: آخِرُ لَيالِي الشَّهْرِ، لِأنَّها تَصِلُ بَيْنَ الشَّهْرَيْنِ، وحَرْفُ الوَصْلِ: الَّذِي بَعْدَ الرَّوِيِّ - لِأنَّهُ وصَلَ حَرَكَةَ حَرْفِ الرَّوِيِّ، ووَصِيلُكَ: مَن يَدْخُلُ ويَخْرُجُ مَعَكَ، وتَصِلُ: بِئْرٌ بِبِلادٍ هُذَيْلٍ، واتَّصَلَ الرَّجُلُ - إذا انْتَسَبَ، لِأنَّهُ وصَلَ نَفْسَهُ بِمَنِ انْتَسَبَ إلَيْهِمْ، والمَوْصُولُ: دابَّةٌ كالدُّبُرِ تَلْسَعُ النّاسَ، كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ؛ وصَلَيْتُ اللَّحْمَ: شَوَيْتُهُ - لِأنَّكَ وصَلْتَهُ بِالنّارِ، وصَلَيْتَهُ: ألْقَيْتَهُ في النّارِ لِلْإحْراقِ، والصِّلاءِ كَكِساءِ: (p-٣٠٨)الشِّواءِ أوِ النّارِ كالصَّلى فِيهِما، وكَأنَّ مِنهُ: صَلى عَصاهُ عَلى النّارِ،[أيْ] أحْماها لِيُقَوِّمَها - لِأنَّ كُلًّا مِنهُما وصَلَهُ بِالنّارِ لِلْإصْلاحِ، وأصْلَيْتُهُ النّارَ: أدْخَلْتُهُ إيّاها وأثْوَيْتُهُ فِيها، وصَلى يَدَهُ بِالنّارِ: سَخَّنَها - لِأنَّهُ وصَلَها بِها، وصَلِيَ النّارَ - كَرَضِيَ: قاسى حَرَّها، وصَلَيْتُ فُلانًا: دِرايَتُهُ وخاتَلْتُهُ وخَدَعْتُهُ - كُلُّ ذَلِكَ لِإرادَةِ مُواصَلَتِهِ لِأمْرٍ، والصِّلايَةُ - ويَهْمِزُ: الجَبْهَةُ، لِكَثْرَةِ مُباشَرَتِها الأرْضَ في الصَّلاةِ، ومِدَقُّ الطِّيبِ - لِمُواصَلَةِ الدَّقِّ، وصَلَيْتُ لِلصَّيْدِ تَصْلِيَةً - إذا نَصَبْتَ لَهُ شَرَكًا لِيَقَعَ فِيهِ فَتَصِلَ إلَيْهِ، ومِنهُ الحَدِيثُ ”[إنَّ] لِلشَّيْطانِ مَصالِيَ وفُخُوخًا“ جَمَعَ مِصْلاةٍ وفَخٍّ، والصِّلْيانُ - بِكَسْرٍ ثُمَّ تَشْدِيدٍ - قالَ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ: نَبْتٌ مَعْرُوفٌ، وقالَ القَزّازُ: وهو شَجَرٌ لَهُ جَعْثَنٌ ضَخْمٌ، رُبَّما جَرَّدَ وسَطَهُ ونَبَتَ ما حَوْلَهُ، وهو مِن أفْضَلِ المَراعِي وهو خُبْزُ الإبِلِ، وقِيلَ: إنَّ الخَيْلَ تَأْكُلُهُ ولَوْنُهُ أصْهَبُ - انْتَهى.
فَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِكَثْرَةِ مُواصَلَةِ الإبِلِ [لَهُ]؛ ولِصِيتُ الرَّجُلَ (p-٣٠٩)كَرَمِيتُ ورَضِيتُ - إذا عِبْتُهُ وقَذَفْتُهُ بِالفُجُورِ، وقالَ القَزّازُ: وقِيلَ: هو أنْ يُضِيفَهُ إلى رَبِيَّةٍ، ولَصِيَ إلَيْهِ: انْضَمَّ إلَيْهِ لِرِيبَةٍ؛ ولاصَ يَلِيصُ: حادَ، ولُصْتُهُ أُلِيصُهُ وألَصْتُهُ - إذا أزْعَجْتُهُ أوْ حَرَّكْتُهُ لِتَنْتَزِعَهُ - كَأنَّهُ مِنَ السَّلْبِ، وألَصْتُهُ عَنْ كَذا - إذا راوَدْتُهُ عَنْهُ، يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ سَلْبًا وأنْ يَكُونَ إيجابًا؛ والأصْلُ: أسْفَلُ كُلِّ شَيْءٍ - لِأنَّ جَمِيعَ الأشْياءِ واصَلَهُ إلَيْهِ، وأصَّلَ - كَكَرَمَ: صارَ ذا أصْلٍ أوْ ثَبَتَ أوْ رَسَخَ كَتَأصَّلَ، والرَّأْيُ: جادَ - كُلُّ ذَلِكَ تَشْبِيهٌ بِالأصْلِ، والأصِيلُ: مَن لَهُ أصْلٌ، والعاقِبُ الثّابِتُ الرَّأْيِ، وقَدْ أصَلَ - كَكَرَمَ، والأصِيلُ: العَشِيُّ - لِأنَّهُ وصْلَةُ ما بَيْنَ النَّهارِ واللَّيْلِ، أوْ لِأنَّهُ لَمّا آذَنْ بِتَصَرُّمِ النَّهارِ كانَ كَأنَّهُ اجْتَثَّهُ مِن أصْلِهِ، ومِنهُ الأصِيلُ - لِلْهَلاكِ والمَوْتِ كالأصِيلَةِ فِيهِما، ولَقِيتُهم مُؤَصِّلًا أيْ بِالأصِيلِ، وأخَذَهُ بَأصْلَتِهِ - مُحَرَّكًا، وأصِيلَتُهُ أيْ كُلَّهُ بِأصْلِهِ، وأصِيلَتُكَ: جَمِيعُ مالِكَ أوْ نَخْلَتِكَ، والأصْلُ كَكَتِفِ: (p-٣١٠)المُسْتَأْصِلِ، وأصْلُهُ عِلْمًا: قَتَلَهُ - كَأنَّهُ أدامَ مُواصَلَتَهُ حَتّى أتْقَنَهُ، والأصَلَةُ - مُحَرِّكَةٌ: حَيَّةٌ قَصِيرَةٌ تُساوِرُ الإنْسانَ - قالَهُ في مُخْتَصَرِ العَيْنِ، وفي القامُوسِ: حَيَّةٌ صَغِيرَةٌ أوْ عَظِيمَةٌ تَهْلَكُ بِنَفْخِها، فَإنْ نَظَرَتْ إلى المُساوَرَةِ فَهو مِنَ المُواصَلَةِ - كَما تَقَدَّمَ في صالَ عَلَيْهِ، وإنْ نَظَرَتْ إلى الهَلاكِ فَهو مِنَ الِاسْتِئْصالِ، وأصْلُ الماءِ - كَفَرَحَ: أسِنَ مِن حَمْأةٍ، واللَّحْمُ: تَغَيَّرَ، يَجُوزُ أنْ يَكُونَ مِنَ الوَصْلَةِ أيْ لِشِدَّةِ مُواصَلَةِ الحَمْأةِ لِلْماءِ والهَواءِ لِلَّحْمِ، وأنْ يَكُونَ مِنَ الأصِيلِ أيِ الهَلاكِ بِجُمْلَتِهِ وأصْلِهِ، وأنْ يَكُونَ مِن سَلْبِ المُواصَلَةِ؛ وصَؤُلَ البَعِيرُ - كَكَرَمَ صَآلَةً: واثَبَ النّاسَ أوْ [صارَ] يَقْتُلُ النّاسَ ويَعْدُو عَلَيْهِمْ، وصَئِيلُ الفَرَسِ: صَهِيلُهُ - لِمُواصَلَةِ نَغَماتِهِ، هَذا وقَدْ مَضى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى في [سُورَةِ هُودٍ] عَلَيْهِ السَّلامُ ﴿أصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ﴾ [هود: ٨٧] إشارَةً إلى هَذا - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى أعْلَمُ.
13:16Page 251
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
فَلَمّا تَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ سُبْحانَهُ المُدَبِّرُ لِلسَّماواتِ والأرْضِ القاهِرُ لِمَن (p-٣١١)فِيهِما، وتَبَيَّنَ قَطْعًا أنَّهُ المُخْتَصُّ بِرُبُوبِيَّتِهِما فَأمْرُهُ تَعالى أنْ يُوَجِّهَ السُّؤالَ نَحْوَهم عَنْ ذَلِكَ - رَدًّا عَلى عَبَدَةِ الأصْنامِ وغَيْرِهِمْ مِنَ المُلْحِدِينَ - بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ بَعْدَ أنْ أقَمْتَ هَذِهِ الأدِلَّةَ القاطِعَةَ، مُقَرِّرًا لَهم ﴿مَن رَبُّ﴾ أيْ مُوجِدٍ ومُدَبِّرٍ ﴿السَّماواتِ والأرْضِ﴾ أيْ وكُلُّ ما فِيهِما.
ولَمّا مَضى في غَيْرِ [آيَةٍ] أنَّهم مُعْتَرِفُونَ بِرُبُوبِيَّتِهِ مُقِرُّونَ بِخَلْقِهِ ورِزْقِهِ ثُمَّ لَمَّ يَزَعْهم ذَلِكَ عَنِ الإشْراكِ، جَعَلُوا هُنا كَأنَّهم مُنْكِرُونَ لِذَلِكَ عِنادًا، فَلَمْ يَنْتَظِرْ جَوابَهم بَلْ أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم بِما يُجِيبُونَ بِهِ، إشارَةً إلى أنَّهم لا يَتَحاشَوْنَ مِنَ التَّناقُضِ في اتِّباعِ الهَوى ولا تَصُونُهم عُقُولُهُمُ الجَلِيلَةُ وآراؤُهُمُ الأصْلِيَّةُ - بِزَعْمِهِمْ - عَنِ التَّساقُطِ في مُهاوِي الرَّدى، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ، فَثَبَتَ حِينَئِذٍ أنْ لا ولِيَّ إلّا هُوَ، فَتَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ تُوَجُّهُ الإنْكارِ عَلَيْهِمْ في اعْتِمادِ غَيْرِهِ، فَأمَرَهُ بِالإنْكارِ في قَوْلِهِ: ﴿قُلْ أفاتَّخَذْتُمْ﴾ أيْ فَتَسَبَّبْتُمْ عَنِ انْفِرادِهِ بِرُبُوبِيَّتِكم أنْ أوْجَدْتُمُ الأخْذَ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ، فَتَسَبَّبْتُمُ الإشْراكَ عَمّا يَجِبُ أنْ يَكُونَ سَبَبَ التَّوْحِيدِ، وبَيْنَ سُفُولِ رُتْبَتِهِمْ (p-٣١٢)بِقَوْلِهِ: ﴿مِن دُونِهِ أوْلِياءَ﴾ لا يُساوُونَكم في التَّسَبُّبِ في الضُّرِّ والنَّفْعِ، بَلْ ﴿لا يَمْلِكُونَ لأنْفُسِهِمْ﴾ فَكَيْفَ بِغَيْرِهِمْ ”نَفْعًا“ ونَكَّرَهُ لِيَعُمَّ، وقَدَّمَهُ لِأنَّ السِّياقَ لِطَلَبِهِمْ مِنهُمْ، والإنْسانُ إنَّما يَطْلُبُ ما يَنْفَعُهُ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّهُ [لا قُدْرَةَ] لِأحَدٍ عَلى أنْ يُؤَثِّرَ في [آخِرِهِ] أثَرًا لا يَقْدِرُ عَلى مِثْلِهِ في نَفْسِهِ قالَ: ﴿ولا ضَرًّا﴾ فَثَبَتَ أنَّ مَن سَوّاهم بِاللَّهِ أضَلَّ الضّالِّينَ، لِأنَّهُ يَلْزُمُهُ أنْ يُسَوِّيَ بَيْنَ المُتَضادّاتِ، فَكانَ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي﴾ والِاسْتِواءُ: اسْتِمْرارُ الشَّيْءِ في جِهَةٍ واحِدَةٍ ﴿الأعْمى﴾ في عَيْنِهِ أوْ في قَلْبِهِ ﴿والبَصِيرُ﴾ كَذَلِكَ ﴿أمْ هَلْ تَسْتَوِي﴾ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ ﴿الظُّلُماتُ والنُّورُ﴾ هَلْ أدَّتْهم عُقُولُهم إلى أنْ سَوَّوْا بَيْنَ هَذِهِ المُتَضادّاتِ الشَّدِيدَةِ الظُّهُورِ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ حَتّى سَوَّوْا مَن يَخْلُقُ بِمَن لا يَخْلُقُ، فَجَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا كَذَلِكَ لِغَباوَةٍ أوْ عِنادٍ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ [ الَّذِي - ] لَهُ مَجامِعُ العَظَمَةِ (p-٣١٣)﴿شُرَكاءَ﴾ ثُمَّ بَيَّنَ ما يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ بِهِ الشَّرِكَةَ، فَقالَ واصِفًا لَهُمْ: ﴿خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ قَوْلَهُ: ﴿فَتَشابَهَ﴾ والتَّشابُهُ: التَّشاكُلُ بِما يَلْتَبِسُ حَتّى لا يَفْصِلَ فِيهِ بَيْنَ [أحَدٍ] الشَّيْئَيْنِ والآخِرُ ﴿الخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ فَكانَ ذَلِكَ الخُلُقُ الَّذِي خَلَقَهُ الشُّرَكاءُ سَبَبُ عُرُوضِ شُبْهَةٍ لَهُمْ، وساقَ ذَلِكَ في أُسْلُوبِ الغَيْبَةِ إعْلامًا بِأنَّهم أهْلُ لِلْإعْراضِ عَنْهُمْ، لِكَوْنِهِمْ في عِدادِ البَهائِمِ لِقَوْلِهِمْ ما لا يَعْقِلُ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا يَأْتِي قَرِيبًا في قَوْلِهِ: ﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ [الرعد: ٣٣] أيْ بِشُبْهَةٍ يَكُونُ فِيها نَوْعُ ظُهُورٍ لِبَعْضِ الأذْهانِ.
ولَمّا كانَ مِنَ المَعْلُومِ قَطْعًا أنَّ جَوابَهم أنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ لِلَّهِ. ولَمْ يَمْنَعْهم ذَلِكَ مِن تَألُّهِ سِواهُ، أمَرَهُ أنْ يُجِيبَهم مُعْرِضًا عَنْ جَوابِهِمْ فَقالَ ﴿قُلِ اللَّهُ﴾ أيِ المَلِكُ الأعْلى ﴿خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ إشارَةً إلى أنَّهم في أحْوالِهِمْ كالمُنْكِرِ لِذَلِكَ عِنادًا أوْ خَرْقًا لِسِياجِ الحَياءِ وهَتْكًا لِجِلْبابِ الصِّيانَةِ، وإذْ قَدْ ثَبَتَ أنَّهُ المُنْفَرِدُ بِالخَلْقِ وجَبَ أنْ يُفْرِدَ بِالتَّألُّهِ فَقالَ: ﴿وهُوَ الواحِدُ﴾ الَّذِي لا يُجانِسُهُ شَيْءٌ، وكُلُّ ما (p-٣١٤)سِواهُ لا يَخْلُو عَنْ مُجانِسٍ يُماثِلُهُ، وأيْنَ رُتْبَةُ مَن يُماثِلُ مِن رُتْبَةِ مَن لا مِثْلَ لَهُ ﴿القَهّارُ﴾ الَّذِي كَلُّ شَيْءٍ تَحْتَ قَهْرِهِ بِأنْفُسِهِمْ وظِلالِهِمْ، وهو القادِرُ بِما لا يُمْكِنُ أنْ يَغْلِبَهُ غالِبٌ وهو لِكُلِّ شَيْءٍ غالِبٌ، وهَذا إشارَةٌ - كَما مَضى في مِثْلِهِ غَيْرَ مَرَّةٍ في سُورَةِ [ يُوسُفَ ] وغَيْرِها - إلى بُرْهانِ التَّمانُعِ، فَإنَّ أرْبابَهم مُتَعَدِّدُونَ، فَلَوْ كانَتْ لَهم حَياةٌ وكانُوا مُتَصَرِّفِينَ في المُلْكِ لَأمْكَنَ بَيْنَهم تَمانُعٌ وكانَ [كُلٌّ] مِنهم مُعْرِضًا لِأنْ يَكُونَ مَقْهُورًا، فَكَيْفَ وهم جَمادٌ! فَثَبَتَ قَطْعًا أنَّهُ لا شَيْءَ [مِنهُمْ] يَصْلُحُ لِلْإلَهِيَّةِ عَلى تَقْدِيرٍ مِنَ التَّقادِيرِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والواحِدُ عَلى وجْهَيْنِ: شَيْءٌ] لا يَنْقَسِمُ أصْلًا، وشَيْءٌ لا يَنْقَسِمُ في مَعْنى كالدُّنْيا.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences