Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:26–33
13:26Page 252
ٱللَّهُ يَبۡسُطُ ٱلرِّزۡقَ لِمَن يَشَآءُ وَيَقۡدِرُۚ وَفَرِحُواْ بِٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَمَا ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا فِي ٱلۡأٓخِرَةِ إِلَّا مَتَٰعٞ ٢٦
Allāh extends provision for whom He wills and restricts [it]. And they rejoice in the worldly life, while the worldly life is not, compared to the Hereafter, except [brief] enjoyment.
ولَمّا تَقَدَّمَ الحَثُّ العَظِيمُ عَلى الإنْفاقِ، وأُشِيرَ إلى أنَّهُ مِن أوْثَقِ الأسْبابِ في الوَصْلَةِ لِجَمِيعِ أوامِرِ اللَّهِ، وخَتَمَ بِأنَّ لِلْكافِرِ البُعْدُ والطَّرْدُ عَنْ كُلِّ خَيْرٍ والسُّوءُ، كانَ مَوْضِعُ أنْ يَقُولَ الكُفّارُ: ما لَنا يُوَسِّعُ عَلَيْنا مَعَ بَعْدَنا ويُضَيِّقُ عَلى المُؤْمِنِ مَعَ وصْلِهِ واتِّصالِهِ، وما [لَهُ] لا يَبْسُطُ لَهُ رِزْقُهُ لِيَتَمَكَّنَ مِن إنْفاذِ ما أمَرَ بِهِ إنْ كانَ ذَلِكَ حَقًّا؟ فَقِيلَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ﴾ ودَلَّ عَلى تَمامِ (p-٣٣٤)قُدْرَتِهِ سُبْحانَهُ وتَعالى بِقَوْلِهِ - جَلَتْ قُدْرَتُهُ -: ﴿لِمَن يَشاءُ﴾ فَيُطِيعُ في رِزْقِهِ أوْ يَعْصِي ﴿ويَقْدِرُ﴾ عَلى مَن يَشاءُ فَيَجْعَلُ رِزْقَهُ بِقَدْرِ ضَرُورَتِهِ فَيَصْبِرُ أوْ يَجْزَعُ لِحَكَمٍ دَقَّتْ عَنِ الأفْكارِ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما لِلْكافِرِ سَبَبًا في خِذْلانِهِ، وفَقْرُ المُؤْمِنِ مُوجِبًا لِعُلُوِّ شَأْنِهِ، فَلَيْسَ الغِنى مِمّا يُمْدَحُ بِهِ، ولا الفَقْرُ مِمّا يُذَمُّ [ بِهِ- ]، وإنَّما يَمْدَحُ ويَذُمُّ بِالآثارِ.
ولَمّا كانَتِ السِّعَةُ مَظِنَّةَ الفَرَحِ إلّا عِنْدَ مَن أخْلَصَهُ اللَّهُ وهم أقَلُّ مِنَ القَلِيلِ، قالَ عائِبًا لِمَنِ اطْمَأنَّ إلَيْها: ﴿وفَرِحُوا﴾ أيْ فَبَسَطَ لِهَؤُلاءِ الرِّزْقَ فَبَطَرُوا وكَفَرُوا وفَرِحُوا ﴿بِالحَياةِ الدُّنْيا﴾ أيْ بِكَمالِها؛ [والفَرَحُ: لَذَّةٌ في القَلْبِ بِنَيْلِ المُشْتَهى. ولَمّا كانَتِ الدُّنْيا مُتَلاشِيَةً في جَنْبِ الدّارِ الَّتِي خَتَمَ بِها لِلْمُتَّقِينَ، قالَ زِيادَةً في التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ]: ﴿وما الحَياةُ الدُّنْيا في الآخِرَةِ﴾ أيْ في جَنْبِها ﴿إلا مَتاعٌ﴾ [أيْ] حَقِيرَ مُتَلاشٍ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: والمَتاعُ: ما يَقَعُ بِهِ الِانْتِفاعُ في العاجِلِ، وأصْلُهُ: التَّمَتُّعُ وهو التَّلَذُّذُ بِالأمْرِ الحاضِرِ.
13:27Page 252
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦۚ قُلۡ إِنَّ ٱللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَآءُ وَيَهۡدِيٓ إِلَيۡهِ مَنۡ أَنَابَ ٢٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" Say, [O Muḥammad], "Indeed, Allāh leaves astray whom He wills and guides to Himself whoever turns back [to Him] -
ولَمّا كانَ العَقْلُ أعْظَمَ الأدِلَّةِ، وتَقَدَّمَ أنَّهُ مَقْصُورٌ عَلى المُتَذَكِّرِينَ، إشارَةً إلى أنَّ مَن عَداهم بَقَرٌ سارِحَةٌ، وعُرِفَ أنَّ ما دَعا إلَيْهِ الشَّرْعُ (p-٣٣٥)هُوَ الصَّلاحُ، وضِدُّهُ هو الفَسادُ، وكانَ العَقْلُ إنَّما هو لِمَعْرِفَةِ الصَّلاحِ فَيُتَّبَعُ، والفَسادِ فَيُجْتَنَبُ، وكانَ الطّالِبُ لِإنْزالِ آيَةٍ إلى غَيْرِ ذَلِكَ لا سِيَّما بَعْدَ آياتٍ مُتَكاثِرَةٍ ودَلالاتٍ ظاهِرَةٍ مَوْضِعًا لِأنْ يَعْجَبَ مِنهُ، قالَ عَلى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ ﴿وفَرِحُوا﴾ [الرعد: ٢٦] مُظْهِرًا لِما مِن شَأْنِهِ الإضْمارُ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي أوْجَبَ لَهُمُ التَّعَنُّتَ: ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ما دَعَتْهم إلَيْهِ عُقُولُهم مِنَ الخَيْرِ وما لِلَّهِ مِنَ الآياتِ عِنادًا ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا.
ولَمّا كانَ ما تَحَقَّقَ أنَّهُ مِن عِنْدِ المَلِكِ لا يَحْتاجُ إلى السُّؤالِ عَنِ الآتِي بِهِ، بُنِيَ لِلْمَفْعُولِ قَوْلُهُ: ﴿أُنْـزِلَ عَلَيْهِ﴾ أيْ هَذا الرَّسُولُ ﷺ ﴿آيَةٌ﴾ أيْ عَلامَةً بَيِّنَةً ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ بِالإجابَةِ لِما يَسْألُهُ لِنَهْتَدِيَ بِها فَنُؤْمِنَ بِهِ، وأمَرَهُ بِالجَوابِ عَنْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: ﴿قُلْ﴾ أيْ لِهَؤُلاءِ المُعانِدِينَ: ما أشَدَّ عِنادَكم حَيْثُ قُلْتُمْ هَذا القَوْلَ الَّذِي تَضَمَّنَ إنْكارَكم لِأنْ يَكُونَ نَزَّلَ إلَيَّ آيَةً مَعَ أنَّهُ لَمْ يُؤْتَ أحَدٌ مِنَ الآياتِ مِثْلَ ما أُوتِيَتْ، فَعَلِمَ قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ إنْزالُ الآياتِ سَبَبًا لِلْيَمانِ بَلْ أمْرُهُ إلى اللَّهِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لا أمْرَ لِأحَدٍ مَعَهُ ﴿يُضِلُّ مَن يَشاءُ﴾ إضْلالُهُ مِمَّنْ لَمْ يَنُبْ، بَلْ أعْرَضَ عَنْ دَلالَةِ العَقْلِ ونَقْضِ ما أحْكَمَهُ (p-٣٣٦)مِن مِيثاقِ المُقَدِّماتِ المُنْتِجَةِ لِلْقَطْعِ بِحَقِّيَّةِ ما دَعَتْ إلَيْهِ الرُّسُلُ لِما جُبِلَ عَلَيْهِ قَلْبُهُ مِنَ الغِلْظَةِ، فَصارَ بِحَيْثُ لا يُؤْمِنُ ولَوْ نَزَلَتْ عَلَيْهِ كُلُّ آيَةٍ، لِأنَّها كُلَّها مُتَساوِيَةُ الأقْدامِ في الدَّعْوَةِ إلى ما دَعا إلَيْهِ العَقْلُ لِمَن لَهُ عَقْلٌ، وقَدْ نَزَلَ قَبْلَ هَذا آياتٌ مُتَكاثِرَةٌ دَلالاتٌ أعْظَمُ دَلالَةً عَلى المُرادِ ﴿ويَهْدِي﴾ عِنْدَ دُعاءِ الدّاعِينَ ﴿إلَيْهِ﴾ أيْ طاعَتِهِ. بِمُجَرَّدِ دَلِيلِ العَقْلِ مِن غَيْرِ طَلَبِ آيَةٍ ﴿مَن أنابَ﴾ أيْ مَن كانَ قَلْبُهُ مَيّالًا مَعَ الأدِلَّةِ رَجّاعًا إلَيْها لِأنَّهُ شاءَ إنابَتُهُ كَأبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وغَيْرِهِ مِمَّنْ تَبِعَهُ مِنَ العَشَرَةِ المَشْهُودِ لَهم بِالجَنَّةِ وغَيْرِهِمْ،
13:28Page 252
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَتَطۡمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكۡرِ ٱللَّهِۗ أَلَا بِذِكۡرِ ٱللَّهِ تَطۡمَئِنُّ ٱلۡقُلُوبُ ٢٨
Those who have believed and whose hearts are assured by the remembrance of Allāh. Unquestionably, by the remembrance of Allāh hearts are assured."
ثُمَّ أبْدَلَ مِنهم ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ﴿وتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ﴾ أيْ تَسْكُنُ وتَسْتَأْنِسُ إلى الدَّلِيلِ بَعْدَ الِاضْطِرابِ بِالشُّكُوكِ لِإيجادِهِمُ الطُّمَأْنِينَةَ بَعْدَ صِفَةِ الإيمانِ إيجادًا مُسْتَمِرًّا دالًّا عَلى ثَباتِ إيمانِهِمْ لِتَرْكِ العِنادِ، وهَذا المُضارِعُ في هَذا التَّرْكِيبِ مِمّا لا يُرادُ بِهِ حالٌ ولا اسْتِقْبالٌ، إنَّما يُرادُ بِهِ الِاسْتِمْرارُ عَلى المَعْنى مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الأزْمِنَةِ ﴿بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ في أنَّ المَذْكُورَ مُسْتَجْمِعٌ لِصِفاتِ الكَمالِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المَشِيئَةِ أوَّلًا دالٌّ عَلى حَذْفِها ثانِيًا، وذِكْرُ الإنابَةِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ ضِدِّها أوَّلًا.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ مَوْضِعَ أنْ يَقُولَ المُعانِدُ: ومَن يَطْمَئِنُّ بِذَلِكَ؟ [قالَ]: ﴿ألا بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الجَلالُ والإكْرامُ، (p-٣٣٧)لا بِذِكْرِ غَيْرِهِ ﴿تَطْمَئِنُّ القُلُوبُ﴾ فَتَسْكُنُ عَنْ طَلَبِ غَيْرِهِ آيَةُ غَيْرِهِ، والذِّكْرُ: حُضُورُ المَعْنى لِلنَّفْسِ، وذَلِكَ إشارَةٌ إلى أنَّ مَن لَمْ يَطْمَئِنُّ بِهِ فَلَيْسَ لَهُ قَلْبٌ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ في قَلْبِهِ عَقْلٌ، بَلْ هو مِنَ الجَماداتِ، أوْ إلى أنَّ كُلَّ قَلْبٍ يَطْمَئِنُّ بِهِ، فَمَن أخْبَرَ عَنْ قَلْبِهِ بِخِلافِ ذَلِكَ فَهو كاذِبٌ مُعانِدٌ، ومَن أذْعَنَ وعَمِلَ بِمُوجِبِ الطُّمَأْنِينَةِ فَهو مُؤْمِنٌ،
13:29Page 253
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ طُوبَىٰ لَهُمۡ وَحُسۡنُ مَـَٔابٖ ٢٩
Those who have believed and done righteous deeds - a good state is theirs and a good return.
ثُمَّ أخْبَرَ عَمّا لِهَذا القَسَمِ بِقَوْلِهِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا وصْفَ الإيمانِ ﴿وعَمِلُوا﴾ أيْ تَصْدِيقًا لِدَعْواهُمُ الإيمانُ ﴿الصّالِحاتِ﴾ لِطُمَأْنِينَةِ قُلُوبِهِمْ إلى الذِّكْرِ ﴿طُوبى لَهُمْ﴾ أيْ خَيْرٌ وطِيبٌ وسُرُورٌ وقُرَّةُ عَيْنٍ ﴿وحُسْنُ مَآبٍ﴾ فَكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِحالِ القَسَمِ الآخَرِ، فَكَأنَّهُ قِيلَ: ومَن لَمْ يَطْمَئِنَّ أوِ اطْمَأنَّ قَلْبُهُ ولَمْ يُذْعِنْ بُؤْسِي لَهم وسُوءُ مَآبٍ.
13:30Page 253
كَذَٰلِكَ أَرۡسَلۡنَٰكَ فِيٓ أُمَّةٖ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهَآ أُمَمٞ لِّتَتۡلُوَاْ عَلَيۡهِمُ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ وَهُمۡ يَكۡفُرُونَ بِٱلرَّحۡمَٰنِۚ قُلۡ هُوَ رَبِّي لَآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ مَتَابِ ٣٠
Thus have We sent you to a community before which [other] communities have passed on so you might recite to them that which We revealed to you, while they disbelieve in the Most Merciful. Say, "He is my Lord; there is no deity except Him. Upon Him I rely, and to Him is my return."
ولَمّا كانَ [فِي - ] ذَلِكَ فَطْمٌ عَنْ إنْزالِ المُقْتَرَحاتِ، وكانَ إعْراضُ المُقْتَرِحِينَ قَدْ طالَ، وطالَ البَلاءُ بِهِمْ والصَّبْرُ عَلى أذاهُمْ، كانَ مَوْضِعُ أنْ يُقالَ مِن كافِرٍ أوْ مُسْلِمٍ عَيْلُ صَبْرِهِ: أوَلَسْتَ مُرْسَلًا يُسْتَجابُ لَكَ كَما كانَ يُسْتَجابُ لِلرُّسُلِ؟ فَقِيلَ: ﴿كَذَلِكَ﴾ أيْ مِثْلُ إرْسالِ الرُّسُلِ الَّذِي قَدَّمْنا الإشارَةَ إلَيْهِ في آخِرِ [سُورَةِ يُوسُفَ ] عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ في قَوْلِنا ﴿وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي (p-٣٣٨)إلَيْهِمْ﴾ [يوسف: ١٠٩] -الآيَةُ، وفي هَذِهِ السُّورَةِ في قَوْلِنا ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ﴾ [الرعد: ٧] ومِثْلُ هَذا الإرْسالِ البَدِيعِ [الأمْرُ] البَعِيدُ الشَّأْنِ، والَّذِي دَرَّبْناكَ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ مِن [أنَّ - ] المَرْجِعَ إلى اللَّهِ والكُلَّ بِيَدِهِ، فَلا قُدْرَةَ لِغَيْرِهِ عَلى هُدًى ولا ضَلالٍ، لا بِإنْزالِ الآيَةِ ولا غَيْرِهِ ﴿أرْسَلْناكَ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿فِي أُمَّةٍ﴾ وهي جَماعَةٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الحَيَوانِ تَرْجِعُ إلى مَعْنًى خاصٍّ لَها دُونَ غَيْرِها ﴿قَدْ خَلَتْ﴾
ولَمّا كانَتِ الرُّسُلُ لِمَن تَعُمُّ بِالفِعْلِ الزَّمانَ كُلَّهُ، قالَ: ﴿مِن قَبْلِها أُمَمٌ﴾ طالَ أذاهم لِأنْبِيائِهِمْ ومَن آمَنَ بِهِمْ واسْتِهْزائِهِمْ في عَدَمِ الإجابَةِ إلى المُقْتَرَحاتِ وقَوْلِ كُلِّ أُمَّةٍ لِنَبِيِّها عِنادًا بَعْدَ ما جاءَهم مِنَ الآياتِ ﴿لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ [الرعد: ٢٧] حَتّى كَأنَّهم تَواصَوْا بِهَذا القَوْلِ حَتّى فِعْلَ الرُّسُلِ وأتْباعِهِمْ- [فِي - ] إقْبالِهِمْ عَلى الدُّعاءِ وإعْراضِهِمْ عَمَّنْ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ - فِعْلُ الآئِسِ مِنَ الإنْزالِ ﴿لِتَتْلُوَ﴾ أيْ أرْسَلْناكَ فِيهِمْ لِتَتْلُوَ ﴿عَلَيْهِمُ﴾ أيْ تَقْرَأ؛ والتِّلاوَةُ: جَعْلُ الثّانِي يَلِي الأوَّلَ بِلا فَصْلٍ ﴿الَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ مِن (p-٣٣٩)ذِكْرِ اللَّهِ الَّذِي هو أعْظَمُ الآياتِ ﴿وهُمْ﴾ أيْ والحالُ أنَّهم ﴿يَكْفُرُونَ﴾ لا تُمَلُّ تِلاوَتُهُ عَلَيْهِمْ في تِلْكَ الحالِ فَإنَّ لَنا في هَذا حُكْمًا وإنْ خَفِيَتْ، وما أرْسَلْناكَ ومِن قَبْلِكَ مِنَ الرُّسُلِ إلّا لِتِلاوَةِ ما يُوحى، لا لِطَلَبِ الإجابَةِ إلى ما يَقْتَرِحُ الأُمَمُ مِنَ الآياتِ ظَنًّا أنَّها تَكُونُ سَبَبًا لِإيمانِ أحَدٍ، نَحْنُ أعْلَمُ بِهِمْ. وهَذا كُلُّهُ تَسْلِيَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وقَوْلُهُ: ﴿بِالرَّحْمَنِ﴾ إشارَةً إلى كَثْرَةِ حِلْمِهِ وطُولِ أنّاتِهِ، وتَصْوِيرٍ لِتَقْبِيحِ حالِهِمْ في مُقابَلَتِهِمُ الإحْسانَ بِالإساءَةِ والنِّعْمَةَ بِالكُفْرِ بِأوْضَحِ صُورَةٍ وهم يَدَّعُونَ أنَّهم أشْكَرُ النّاسِ لِلْإحْسانِ وأُبْعَدُهم مِنَ الكُفْرانِ. ولَمّا تَضَمَّنَ كُفْرُهم بِالرَّحْمَنِ كُفْرَهم بِالقُرْآنِ ومَن أُنْزِلَ عَلَيْهِ، وكانَ الكُفْرُ بِالمُنْعِمِ في غايَةِ القَباحَةِ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا أفْعَلُ حِينَئِذٍ أنا ومَنِ اتَّبَعَنِي؟ لا نَتَمَنّى إجابَتَهم إلى مُقْتَرَحاتِهِمْ إلّا رَجاءَ إيمانِهِمْ، وكانَ جَوابُهم عَنِ الكُفْرِ بِالمُوحى أهَمَّ، بَدَأ بِهِ فَقالَ: ﴿قُلْ﴾ عِنْدَ ذَلِكَ إيمانًا بِهِ ﴿هُوَ﴾ أيِ الرَّحْمَنِ الَّذِي كَفَرْتُمْ بِهِ ﴿رَبِّي﴾ المُرَبِّي لِي بِالإيجادِ وإدْرارِ النِّعَمِ، المُحْسِنِ إلَيَّ لا غَيْرُهُ، لا أكْفُرُ إحْسانَهُ كَما كَفَرْتُمُوهُ أنْتُمْ، بَلْ أقُولُ: إنَّهُ ﴿لا إلَهَ إلا هُوَ﴾ أنا بِهِ واثِقٌ في التَّرْبِيَةِ والنُّصْرَةِ وغَيْرِها.
(p-٣٤٠)ولَمّا كانَ تَفَرُّدُهُ بِالإلَهِيَّةِ عِلَّةً لِقِصَرِ الهِمَمِ عَلَيْهِ، قالَ: ﴿عَلَيْهِ﴾ أيْ وحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ ﴿تَوَكَّلْتُ﴾ والتَّوَكُّلُ: التَّوْثِيقُ في تَدْبِيرِ النَّفْسِ بِرَدِّهِ إلى اللَّهِ عَلى الرِّضى بِما يَفْعَلُ ﴿وإلَيْهِ﴾ أيْ لا إلى غَيْرِهِ ﴿مَتابِ﴾ أيْ مَرْجِعِي، مَعْنى بِالتَّوْبَةِ وحِسًّا بِالمَعادِ، وهَذا تَعْرِيضٌ بِهِمْ في أنَّ سَبَبَ كَفَرْتُمْ إنْكارُ يَوْمِ الدِّينِ.
13:31Page 253
وَلَوۡ أَنَّ قُرۡءَانٗا سُيِّرَتۡ بِهِ ٱلۡجِبَالُ أَوۡ قُطِّعَتۡ بِهِ ٱلۡأَرۡضُ أَوۡ كُلِّمَ بِهِ ٱلۡمَوۡتَىٰۗ بَل لِّلَّهِ ٱلۡأَمۡرُ جَمِيعًاۗ أَفَلَمۡ يَاْيۡـَٔسِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن لَّوۡ يَشَآءُ ٱللَّهُ لَهَدَى ٱلنَّاسَ جَمِيعٗاۗ وَلَا يَزَالُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ تُصِيبُهُم بِمَا صَنَعُواْ قَارِعَةٌ أَوۡ تَحُلُّ قَرِيبٗا مِّن دَارِهِمۡ حَتَّىٰ يَأۡتِيَ وَعۡدُ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُخۡلِفُ ٱلۡمِيعَادَ ٣١
And if there was any Qur’ān [i.e., recitation] by which the mountains would be removed or the earth would be broken apart or the dead would be made to speak,1 [it would be this Qur’ān], but to Allāh belongs the affair entirely. Then have those who believed not accepted that had Allāh willed, He would have guided the people, all of them? And those who disbelieve do not cease to be struck, for what they have done, by calamity - or it will descend near their home - until there comes the promise of Allāh. Indeed, Allāh does not fail in [His] promise.
ولَمّا فَرَغَ مِنَ الجَوابِ عَنِ الكُفْرِ بِالمُوحى، عُطِفَ عَلى ”هُوَ رَبِّي“ الجَوابُ عَنِ الكُفْرِ بِالوَحْيِ فَقالَ: ﴿ولَوْ﴾ إشارَةٌ إلى أنَّهُ يَعْتَقِدُ في القُرْآنِ ما هو أهْلُهُ بَعْدَ ما أخْبَرَ عَنِ اعْتِقادِهِ في الرَّحْمَنِ، أيْ وقُلْ: لَوْ ﴿أنَّ قُرْآنًا﴾ كانَتْ بِهِ الآياتُ المَحْسُوساتُ بِأنَّ ﴿سُيِّرَتْ﴾ أيْ بِأدْنى إشارَةٍ مِن مُشِيرٍ ما ﴿بِهِ الجِبالُ﴾ أيْ فَأذْهَبَتْ عَلى ثِقَلِها وصَلابَتِها عَنْ وجْهِ الأرْضِ ﴿أوْ قُطِّعَتْ﴾ أيْ كَذَلِكَ ﴿بِهِ الأرْضُ﴾ أيْ عَلى كَثافَتِها فَشَقَّقَتْ فَتَفَجَّرَتْ مِنها الأنْهارُ ﴿أوْ كُلِّمَ بِهِ المَوْتى﴾ فَسَمِعَتْ وأجابَتْ لَكانَ هَذا القُرْآنُ، لِأنَّهُ آيَةٌ لا مِثْلَ لَها، فَكَيْفَ يَطْلُبُونَ آيَةَ غَيْرِهِ! أوْ يُقالُ: إنَّ التَّقْدِيرَ: لَوْ كانَ شَيْءٌ مِن ذَلِكَ بِقُرْآنٍ غَيْرِهِ لَكانَ بِهِ - إقْرارًا لِأعْيُنِكم - إجابَةً إلى ما تُرِيدُونَ، لَكِنَّهُ لَمْ تَجْرِ عادَةٌ لِقُرْآنٍ قَبْلَهُ بِأنْ يَكُونَ بِهِ ذَلِكَ، فَلَمْ يَكُنْ بِهَذا القُرْآنِ، (p-٣٤١)لِأنَّ اللَّهَ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَها، ولَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرَ اللَّهِ أمَرَ في خَرْقِ شَيْءٍ مِنَ العاداتِ، لا لِوَلِيٍّ ولا لِنَبِيٍّ ولا غَيْرِهِما حَتّى يَفْعَلَ لِأجْلِكم [ بِشَفاعَةٍ - ] أوْ بِغَيْرِها شَيْئًا لَمْ يُرِدْهُ اللَّهُ في الأزَلِ ﴿بَلْ﴾ ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: لَوْ وُجِدَ شَيْءٌ مِن هَذا بِقُرْآنٍ يَوْمًا ما لَكانَ بِهَذا القُرْآنِ، فَكانَ حِينَئِذٍ يَصِيرُ كُلَّ مِن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا فَعَلَ ما شاءَ مِن ذَلِكَ، فَسَيَّرَ لَهُ ما شاءَ مِنَ الجِبالِ إلى ما أرادَ مِنَ الأراضِي لِما رامَ مِنَ الأغْراضِ، وقَطَعَ بِهِ ما طَلَبَ مِنَ الأرْضِ أنْهارًا وجِنانًا وغَيْرِها، وكَلَّمَ بِهِ مَنِ اشْتَهى مِنَ المَوْتى، ثُمَّ إذا فَتَحَ هَذا البابَ فَلا فَرْقَ بَيْنَ القُدْرَةِ عَلى هَذا والقُدْرَةِ عَلى غَيْرِهِ، فَيَصِيرُ مَن حَفِظَ مِنهُ شَيْئًا قادِرًا عَلى شَيْءٍ، فَبَطَلَتْ حِينَئِذٍ حِكْمَةُ اخْتِصاصِ اللَّهِ سُبْحانَهُ بِذَلِكَ مَن أرادَ مَن خَلَّصَ عِبادَهُ، وأدّى ذَلِكَ إلى أنْ يَدَّعِيَ مَن أرادَ مِنَ الفَجَرَةِ أنَّ أمْرَ ذَلِكَ بِيَدِهِ، يَفْعَلُ فِيهِ ما يَشاءُ مَتى شاءَ، فَيَصِيرُ ادِّعاءَهُ مَقْرُونًا بِالفِعْلِ شُبْهَةً في الشِّرْكِ، ولِيَعْلَمَ قَطْعًا أنَّهُ لَيْسَ في يَدِ أحَدٍ أمْرٌ، بَلْ ﴿اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ وحْدَهُ ﴿الأمْرُ﴾ وهو ما يَصِحُّ أنْ يُؤْمَرَ فِيهِ ويَنْهى ﴿جَمِيعًا﴾ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ، لا لِي ولا لِأحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ الَّذِينَ قُلْتُمْ (p-٣٤٢)إنِّي لَسْتُ أدْنى مَنزِلَةً مِنهُمْ، وأمّا الخَوارِقُ الَّتِي كانَتْ لَهم فَلَوْلا أنْ شاءَها لَما كانَتْ، فالأمْرُ إلَيْهِ وحْدَهُ، مَهْما شاءَ [ كانَ- ]، وما لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ، وكَأنَّ هَذا جَوابٌ لِما حُكِيَ في السِّيرَةِ النَّبَوِيَّةِ أنَّ الكَفّارَ تَفَتَّنُوا بِهِ؛ قالَ ابْنُ إسْحاقَ: ثُمَّ إنِ الإسْلامَ جَعَلَ يَفْشُو بِمَكَّةَ في قَبائِلِ قُرَيْشٍ في الرِّجالِ والنِّساءِ، فاجْتَمَعَ أشْرافُهم فَأرْسَلُوا إلَيْهِ ﷺ فَكَلَّمُوهُ في الكَفِّ عَنْهم وعَرَضُوا عَلَيْهِ أنْ يُمَلِّكُوهُ عَلَيْهِمْ وغَيْرَ ذَلِكَ فَأبى وقالَ: «إنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي إلَيْكم رَسُولًا، وأنْزَلَ عَلِيَّ كِتابًا، وأمَرَنِي أنْ أكُونَ لَكم بَشِيرًا ونَذِيرًا»، فَقالُوا: [ فَإنَّكَ - ] قَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ أحَدٌ مِنَ النّاسِ أضْيَقُ بَلَدًا ولا أقَلَّ ماءً ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، فَسَلْ لَنا رَبَّكَ الَّذِي بَعَثَكَ بِما بَعَثَكَ بِهِ فَلْيُسَيِّرْ عَنّا هَذِهِ الجِبالُ الَّتِي قَدْ ضُيِّقَتْ عَلَيْنا، ولِيُبْسِطْ لَنا بِلادَنا، ولِيُخْرِقْ فِيها أنْهارًا كَأنْهارِ الشّامِ والعِراقِ - زادَ البَغَوِيُّ: فَلَسْتُ كَما زَعَمْتَ بِأهْوَنِ عَلى رَبِّكَ مِن داوُدَ حَيْثُ سَخَّرَ لَهُ الجِبالَ تُسَبِّحُ مَعَهُ، أوْ سَخَّرَ لَنا الرِّيحَ فَنَرْكَبَها إلى الشّامِ لِمِيرَتِنا، ونَرْجِعُ في (p-٣٤٣)يَوْمِنا فَقَدْ سُخِّرَتِ الرِّيحُ لِسُلَيْمانَ كَما زَعَمْتَ - رَجَعَ إلى ابْنِ إسْحاقَ: ولِيَبْعَثْ لَنا مَن مَضى مِن آبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قَصِيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإنَّهُ [كانَ - ] شَيْخُ صَدَقَ، فَنَسْألُهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هو أمْ باطِلٌ! فَإنْ صَدَقُوكَ وصَنَعْتَ ما سَألْناكَ صَدَّقْناكَ وعَرَفْنا بِهِ مَنزِلَتَكَ مِنَ اللَّهِ، وأنَّهُ بَعَثَكَ إلَيْنا رَسُولًا كَما تَقَدَّمَ - زادَ البَغَوِيُّ: فَإنَّ عِيسى كانَ يُحْيِي المَوْتى، ولَسْتُ بِأهْوَنِ عَلى رَبِّكَ مِنهُ”فَكانَ سُؤالُهم هَذا مُتَضَمِّنًا لِادِّعائِهِمْ أنَّ دَعْواهُ إنْزالُ القُرْآنِ لا تَصِحُّ إلّا أنْ فَعَلَ هَذِهِ الأشْياءَ.
ولَمّا كانَ هَذا كُلُّهُ إقْناطًا مِن حُصُولِ الإيمانِ لِأحَدٍ بِما يَقْتَرِحُ، تَسَبَّبَ عَنْهُ الإنْكارُ عَلى مَن لَمْ يُفِدْ فِيهِ ذَلِكَ فَقالَ تَعالى: ﴿أفَلَمْ﴾ بِفاءِ السَّبَبِ ﴿يَيْأسِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ مِن إيمانِ مُقْتَرِحِي الآياتِ بِما يَقْتَرِحُونَ لِعِلْمِهِمْ ﴿أنَّ﴾ أيْ بِأنَّهُ ﴿لَوْ يَشاءُ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ - هِدايَةُ كُلِّ أحَدٍ مَشِيئَةً مُقْتَرِنَةً بِوُجُودِهِ ﴿لَهَدى النّاسَ﴾ وبَيَّنَ أنَّ اللّامَ لِلِاسْتِغْراقِ بِقَوْلِهِ: ﴿جَمِيعًا﴾ أيْ بِأيْسَرَ مَشِيئَةٍ، والعِلْمُ بِالشَّيْءِ يُوجِبُ اليَأْسَ مِن خِلافِهِ، (p-٣٤٤)لَكِنَّهُ لَمْ يَهْدِهِمْ جَمِيعًا فَلَمْ يَشَأْ ذَلِكَ، ولا يَكُونُ إلّا ما شاءَهُ، فَلا يَزالُ فَرِيقٌ مِنهم كافِرًا، فَقَدْ وضَّحَ أنَّ ﴿يَيْأسِ﴾ عَلى بابِها، وكَذا في البَيْتِ الَّذِي اسْتَشْهَدُوا بِهِ عَلى أنَّها بِمَعْنى“عَلِمَ" يُمْكِنُ أنْ يَكُونَ مَعْناهُ: ألَمْ تَيْأسُوا عَنْ أذايَ أوْ عَنْ قَتْلِي عِلْمًا مِنكم بِأنِّي ابْنُ فارِسِ زَهْدَمَ، فَلا يَضِيعُ لِي ثَأْرٌ، وكَذا قِراءَةُ عَلَيٍّ ومَن مَعَهُ مِنَ الصَّحابَةِ رِضْوانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - أفَلَمْ - يَتَبَيَّنِ الَّذِينَ آمَنُوا - أيْ أنَّ أهْلَ الضَّلالِ لا يُؤْمِنُونَ لِآيَةٍ مِنَ الآياتِ عِلْمًا مِنهم بِأنَّ الأمْرَ لِلَّهِ جَمِيعًا، وأنَّ إيمانَهم لَيْسَ مَوْقُوفًا عَلى غَيْرِ مَشِيئَتِهِ.
ولَمّا عَلِمَ مِن ذَلِكَ أنَّ بَعْضَهم لا يُؤْمِنُ، ضاقَتْ صُدُورُ المُؤْمِنِينَ (p-٣٤٥)لِذَلِكَ لَمّا يُعايِنُونَهُ مِن أذى الكُفّارِ فَأتْبَعَهُ ما يُسَلِّيهِمْ عاطِفًا عَلى ما قَدَّرَتْهُ مِن نَتِيجَةِ عَدَمِ المَشِيئَةِ، فَقالَ:﴿ولا يَزالُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ سَتَرُوا ضِياءَ عُقُولِهِمْ ﴿تُصِيبُهم بِما صَنَعُوا﴾ أيْ مِمّا مُرِّنُوا عَلَيْهِ مِنَ الشَّرِّ حَتّى صارَ لَهم طَبْعًا ﴿قارِعَةٌ﴾ أيْ داهِيَةٍ تُزْعِجُهم بِالنِّقْمَةِ مِن بَأْسِهِ عَلى يَدِ مَن يَشاءُ، وهو مِنَ الضَّرْبِ بِالمِقْرَعَةِ ﴿أوْ تَحُلُّ﴾ أيْ تَنْزِلُ نُزُولًا ثانِيًا تِلْكَ القارِعَةُ ﴿قَرِيبًا مِن دارِهِمْ﴾ أيْ فَتُوهِنُ أمْرَهم ﴿حَتّى يَأْتِيَ وعْدُ اللَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ بِفَتْحِ مَكَّةَ أوْ بِالنَّصْرِ عَلى جَمِيعِ الكَفَرَةِ في زَمَنِ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ فَيَنْقَطِعُ ذَلِكَ، لِأنَّهُ لا يُبْقِي عَلى الأرْضِ كافِرًا، وفي غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الأزْمانِ كَزَمَنِ فَتْحِ مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ، فَيَكُونُ المَعْنى خاصًّا بِالبَعْضِ ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ مَجامِعُ الكَمالِ ﴿لا يُخْلِفُ المِيعادَ﴾ أيِ الوَعْدِ ولا زَمانُهُ ولا مَكانُهُ؛ والوَعْدُ: عَقْدُ الخَبَرِ بِتَضَمُّنِ النَّفْعِ، والوَعِيدُ: عَقْدُهُ بِالزَّجْرِ والضُّرِّ، والإخْلافُ: نَقْضُ ما تَضَمَّنَ الخَبَرُ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ.
13:32Page 253
وَلَقَدِ ٱسۡتُهۡزِئَ بِرُسُلٖ مِّن قَبۡلِكَ فَأَمۡلَيۡتُ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ثُمَّ أَخَذۡتُهُمۡۖ فَكَيۡفَ كَانَ عِقَابِ ٣٢
And already were [other] messengers ridiculed before you, and I extended the time of those who disbelieved; then I seized them, and how [terrible] was My penalty.
ولَمّا تَمَّ الجَوابُ عَنْ كُفْرِهِمْ بِالمُوحِي وما أوْحاهُ إلَيْهِ وما اشْتَدَّ (p-٣٤٦)تَعَلُّقُهُ بِهِ، عَطَفَ عَلى ذَلِكَ تَأْسِيَةً بِالمُوحى إلَيْهِ ﷺ، لِأنَّ الحاثَّ عَلى تَمَيُّزِ الإجابَةِ إلى الآياتِ المُقْتَرَحاتِ اسْتِهْزاءُ الكُفّارِ، فَقالَ: ﴿ولَقَدِ اسْتُهْزِئَ﴾ أيْ مِن أدْنى الخَلْقِ وغَيْرِهِمْ ﴿بِرُسُلٍ﴾
ولَمّا كانَ الإرْسالُ لَمْ يَعُمَّ جَمِيعَ الأزْمانِ فَضْلًا عَنِ الِاسْتِهْزاءِ، أدْخَلَ الجارَّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾ لِعَدَمِ إتْيانِهِمْ بِالمُقْتَرَحاتِ؛ والِاسْتِهْزاءُ: طَلَبُ الهُزُوءِ، وهو الإظْهارُ خِلافُ الإضْمارِ لِلِاسْتِصْغارِ ﴿فَأمْلَيْتُ﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنِ اسْتِهْزائِهِمْ ذَلِكَ أنِّي أمْلَيْتُ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ أمْهَلْتُهم في خَفْضٍ وسِعَةٍ كالبَهِيمَةِ يُمْلى لَها، أيْ يَمُدُّ في المَرْعى، ولَمْ أجْعَلْ ذَلِكَ سَبَبًا لِإجابَتِهِمْ إلى ما اقْتَرَحُوا ولا مُعاجَلَتَهم بِالعَذابِ فِعْلُ الضَّيِّقِ الفَطِنِ ”ثُمَّ“ بَعْدَ طُولِ الإمْلاءِ ﴿أخَذْتُهُمْ﴾ أيْ أخْذِ قَهْرٍ وانْتِقامٍ ﴿فَكَيْفَ﴾ أيْ فَكانَ أخْذِي لَهم سَبَبًا لِأنْ يُسْألَ مَن كانَ يَسْتَبْطِئُ رُسُلَنا أوْ يُظَنُّ بِنا تَهاوُنًا بِهِمْ، فَيُقالُ لَهُ: كَيْفَ ﴿كانَ عِقابِ﴾ فَهو اسْتِفْهامٌ مَعْناهُ التَّعَجُّبُ مِمّا حَلَّ بِالمُكَذِّبِينَ والتَّقْرِيرِ، [و - ] في ضِمْنِهِ وعِيدٌ شَدِيدٌ.
13:33Page 253
أَفَمَنۡ هُوَ قَآئِمٌ عَلَىٰ كُلِّ نَفۡسِۭ بِمَا كَسَبَتۡۗ وَجَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ قُلۡ سَمُّوهُمۡۚ أَمۡ تُنَبِّـُٔونَهُۥ بِمَا لَا يَعۡلَمُ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَم بِظَٰهِرٖ مِّنَ ٱلۡقَوۡلِۗ بَلۡ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ مَكۡرُهُمۡ وَصُدُّواْ عَنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِنۡ هَادٖ ٣٣
Then is He who is a maintainer of every soul, [knowing] what it has earned, [like any other]? But to Allāh they have attributed partners. Say, "Name them. Or do you inform Him of that1 which He knows not upon the earth or of what is apparent [i.e., alleged] of speech?"2 Rather, their [own] plan has been made attractive to those who disbelieve, and they have been averted from the way. And whomever Allāh sends astray - there will be for him no guide.
(p-٣٤٧)فَلَمّا تَقَرَّرَ - بِما مَضى مِن قُدْرَتِهِ تَعالى عَلى الثَّوابِ والعِقابِ وخَفَّضَهُ الأرْضِينَ ورَفَعَهُ السَّماواتِ ونَصَبَهُ الدَّلالاتِ بِباهِرِ الآياتِ البَيِّناتِ - أنْ لَيْسَ لِأحَدٍ غَيْرِهِ أمْرٌ ما، وتَحَرَّرَ أنَّ كُلَّ أحَدٍ في قَبْضَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْ ذَلِكَ أنْ يُقالَ: ﴿أفَمَن هو قائِمٌ﴾ ولَمّا كانَ القِيامُ دالًّا عَلى الِاسْتِعْلاءِ أوْضَحَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى كُلِّ نَفْسٍ﴾ أيْ صالِحَةٍ وغَيْرِها ﴿بِما كَسَبَتْ﴾ - يَفْعَلُ بِها ما يَشاءُ مِنَ الإمْلاءِ والأخْذِ وغَيْرِهِما - كَمَن لَيْسَ كَذَلِكَ، مِثْلَ شُرَكائِهِمُ الَّتِي لَيْسَ لَها قِيامٌ عَلى شَيْءٍ [أصْلًا- ].
ولَمّا كانَ الجَوابُ قَطْعًا: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ، كانَ كَأنَّهُ قِيلَ اسْتِعْظامًا لِهَذا السُّؤالِ: مَنِ الَّذِي تَوَهَّمَ أنَّ لَهُ مَثَلًا؟ فَقِيلَ: الَّذِينَ كَفَرُوا [ بِهِ - ] ﴿وجَعَلُوا لِلَّهِ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ ﴿شُرَكاءَ﴾ ويَجُوزُ أنْ يُقَدِّرَ لِـ ”مِن“ خَبَرَ مَعْناهُ: لَمْ يُوَحِّدُوهُ، ويَعْطِفْ عَلَيْهِ ﴿وجَعَلُوا﴾ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ سَمُّوهُمْ﴾ بِأسْمائِهِمُ الحَقِيقِيَّةِ، فَإنَّهم إذا سَمُّوهم وعَرَفْتَ حَقائِقَهم أنَّها حِجارَةٌ أوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِمّا هو مَرْكَزُ العَجْزِ ومَحَلُّ الفَقْرِ، عَرَفَ ما هم عَلَيْهِ مِن سَخافَةِ العُقُولِ ورَكاكَةِ الآراءِ، ثُمَّ قُلْ لَهُمْ: أرْجَعْتُمْ عَنْ ذَلِكَ إلى الإقْرارِ بِأنَّهم مِن جُمْلَةِ عَبِيدِهِ ﴿أمْ تُنَبِّئُونَهُ﴾ أيْ تُخْبِرُونَهُ إخْبارًا عَظِيمًا ﴿بِما لا يَعْلَمُ﴾ وعِلْمُهُ مُحِيطٌ بِكُلِّ شَيْءٍ ﴿فِي الأرْضِ﴾ مِن كَوْنِها آلِهَةً بِبُرْهانٍ قاطِعٍ.
(p-٣٤٨)﴿أمْ بِظاهِرٍ مِنَ القَوْلِ﴾ أيْ بِحُجَّةٍ إقْناعِيَّةٍ تُقالُ بِالفَمِ، وكُلُّ ما لا يَعْلَمُهُ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ، وهَذا قَرِيبٌ مِمّا مَضى في قَوْلِهِ ﴿أمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ [الرعد: ١٦] في أنَّهُ لَوْ كانَ كَذَلِكَ كانَ شَبَهَهُ فِيها ظُهُورُ ما، وهَذِهِ الأسالِيبُ مُنادِيَةٌ عَلى الخِلْقِ بِالعَجْزِ، وصادِحَةٌ بِأنَّهُ لَيْسَ مِن كَلامِ الخَلْقِ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: لَيْسَ لَهم عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ بُرْهانٌ قاطِعٌ ولا قَوْلٌ ظاهِرٌ، بَنى عَلَيْهِ قَوْلَهُ: ﴿بَلْ زُيِّنَ﴾ أيْ وقَعَ التَّزْيِينُ بِأمْرِ [مَن - ] لا يُرَدُّ أمْرُهُ عَلى يَدِ مَن كانَ ﴿لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيْ لَهُمْ، وعَبَّرَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلى الوَصْفِ الَّذِي دَلّاهم إلى اعْتِقادِ الباطِلِ، وهو سَتْرُ ما أدّى إلَيْهِ بُرْهانُ العَقْلِ المُؤَيِّدِ بِدَلِيلِ النَّقْلِ ﴿مَكْرُهُمْ﴾ أيْ أمْرُهُمُ الَّذِي أرادُوا بِهِ ما يُرادُ بِالمَكْرِ مِن إظْهارِ شَيْءٍ وإبِطانِ غَيْرِهِ، وذَلِكَ أنَّهم أظْهَرُوا أنَّ شُرَكاءَهم آلِهَةً حَقًّا، وهم يَعْلَمُونَ بُطْلانَ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِهِمْ في الباطِنِ إلّا تَقْلِيدُ الآباءِ، وأظْهَرُوا أنَّهم يَعْبُدُونَها لِتَقَرُّبِهِمْ إلى اللَّهِ زُلْفى ولِتَشْفَعَ لَهُمْ، أوْ أنَّهم غَيَّرُوا في وجْهِ الحَقِّ بِما خَتَلُوا (p-٣٤٩)[بِهِ الضُّعَفاءَ] وتَمادى بِهِمُ الحالُ حَتّى اعْتَقَدُوهُ حَقًّا.
ومادَّةُ [مَكَرَ - ] بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ: مَكَرَ، رَكَمَ، رَمَكَ، كَرَمَ، كَمَرَ؛ تَدُورُ عَلى التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ، فالمَكْرُ: الخَدِيعَةُ، قالُوا: وهو الِاحْتِيالُ بِما لا يَظْهَرُ، فَإذا ظَهَرَ فَذَلِكَ الكَيْدُ، ويَلْزَمُ مِنهُ الِاجْتِهادُ في ضَمِّ أشْتاتِ الأمْرِ لِسَتْرِ ما يُرادُ، فَمِنَ الضَّمِّ المَكْرُ الَّذِي هو حُسْنُ خَدالَةِ السّاقِ أيِ امْتِلائِها، ويَلْزَمُ مِنهُ خَصْبُ البَدَنِ ونِعْمَتُهُ، وكانَ مِنهُ المَكْرُ - لِضَرْبٍ مِنَ النَّباتِ، والواحِدَةُ مَكْرَةٌ، سُمِّيَتْ مَكْرَةً لِارْتِوائِها، أبُو حَنِيفَةَ: المَكْرُ مِن عُشْبِ القَيْظِ، وهي عُشْبَةٌ غَبْراءُ لَيْسَ فِيها ورَقٌ، وهو يَنْبُتُ في السَّهْلِ والرَّمْلِ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالسّاقِ لِخُلُوِّهِ مِنَ الوَرَقِ أوْ لِأنَّهُ لَغَبْرَتِهِ وتَجَرُّدِهِ كالمَسْتُورِ، والمَكْرُ: طِينٌ أحْمَرُ يُشَبَّهُ بِالمَغْرَةِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِما فِيهِ مِنَ الكَدِرَةِ، والمِكَرَّةِ مِنَ البَسْرِ: الَّتِي لَيْسَتْ بِرَطْبَةٍ ولَكِنَّ فِيها لِينٌ - كَأنَّها سُمِّيَتْ بِهِ لِكَوْنِ لَوْنِها حِينَئِذٍ يَأْخُذُ في الكَدِرَةِ؛ والرُّكَمُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ فَهو مَرْكُومٌ ورُكامٌ، وتَراكُمُ الشَّيْءِ - إذا تَكاثَفَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ مَظِنَّةُ الخَفاءِ، (p-٣٥٠)والرُّكَمَةُ: الطِّينُ المَجْمُوعُ وكَذا التُّرابُ المَجْمُوعُ، وقالَ: وجَزَّ عَنْ مَرَّتِكُمُ الطَّرِيقَ - يُرِيدُ المَحَجَّةَ، لِأنَّ تُرابَها [تَلَبَّدَ فاشْتَدَّ] تَلَبُّدُهُ، والرَّمَكُ والرُّمْكَةُ - بِالضَّمِّ - مِن ألْوانِ الإبِلِ وهو أكْدَرُ مِنَ الوَرَقَةِ وهو لَوْنٌ خالَطَتْ غُبْرَتُهُ سَوادًا، فَهو أرْمَكُ - لِأنَّهُ مَظِنَّةٌ لِخَفاءٍ ما فِيهِ، ومِنهُ اشْتِقاقُ الرّامِكِ، وهو أخْلاطٌ تُخْلَطُ بِالمِسْكِ فَتُجْعَلُ سَكًّا، ورَمَكَ الرَّجُلُ بِالمَقامِ - إذا أقامَ بِهِ، لِأنَّهُ يَسْتُرُهُ بِنَفْسِهِ وأمْتِعَتِهِ ويَسْتَتِرُ هو فِيهِ، وأرْمَكَتْ غَيْرِي - إذا ألْزَمَتْهُ مَكانًا يُقِيمُ فِيهِ، والرَّمَكَةُ: الأُنْثى مِنَ البَراذِينِ - فارِسِيٌّ مُعْرِبٌ، لِأنَّها تَسْتُرُ أصالَةَ العَرَبِيِّ إذا ولَدَتْهُ، ورَمْكانٌ: مَوْضِعٌ مَعْرُوفٌ - مَعْرِفَةً، ويُقالُ: رَمَكَ الرَّجُلُ - إذا هَزَلَ وذَهَبَ ما في يَدِهِ فَسَتَرَ عَنْهُ أوْ صارَ هو مَسْتُورًا بَعْدَ أنْ كانَ بِحُسْنِ حالِهِ مَشْهُورًا، ورَمَكْتُ البازِي والصَّقْرَ تَرْمِيكًا - إذا أشَرْتُ إلَيْهِ بِالطَّيْرِ لِأنَّكَ سَلَبْتَ عَنْهُ السِّتْرَ؛ واليَرْمُوكُ: مَكانٌ بِهِ لَهَبٌ عَظِيمٌ، يَسْتُرُ ما يَكُونُ فِيهِ؛ والكِرِيمُ: ضِدُّ اللَّئِيمِ، وهو البَخِيلُ المَهِينُ النَّفْسِ، (p-٣٥١)والخَسِيسُ الآباءِ، فَإذا كانَ شَحِيحًا ولَمْ تَجْتَمِعْ [لَهُ - ] هَذِهِ الخِصالُ قِيلَ لَهُ: بَخِيلٌ، ولَمْ يَقُلْ: لَئِيمٌ، فالكَرِيمُ إذَنْ مِن سَتَرَ مَساوِئَ الأخْلاقِ بِإظْهارِ مَعالِيها، وتَكَرَّمَ - إذا تَنَزَّهَ عَنِ الدَّناءَةِ ورَفْعَ نَفْسَهُ عَنْها، وأصْلُ الكَرَمِ في اللُّغَةِ: الفَصْلُ والرِّفْعَةُ، فَإذا قالُوا: فُلانٌ كَرِيمٌ، فَإنَّما يُرِيدُونَ رَفِيعًا فاضِلًا، فَيَلْزَمُ الكَرَمُ سِتْرُ العُيُوبِ، واللَّهُ الكَرِيمُ أيِ الفاضِلُ الرَّفِيعُ - كَذا قالَ بَعْضُ أهْلِ اللُّغَةِ، وقِيلَ: الصَّفُوحُ عَنِ الذُّنُوبِ، وقِيلَ: الَّذِي لا يَمُنُّ إذا أعْطى، وإذا قالُوا: فَلانٌ أكْرَمُ قَوْمِهِ، فَإنَّما يُرِيدُونَ: أرْفَعُهم مَنزِلَةً وأفْضَلُهم قَدْرًا، وكُلُّ هَذا يَلْزَمُ [مِنهُ - ] السَّخاءُ وسَتْرُ الذُّنُوبِ، ومِن هَذا قِيلَ: فَرَسٌ كَرِيمٌ، وشَجَرَةٌ كَرِيمَةٌ - إذا كانَتْ أرْفَعَ مِن نَظائِرِها وأفْضَلَ،
﴿إنِّي أُلْقِيَ إلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل: ٢٩] أيْ رَفِيعٍ شَرِيفٍ - كَأنَّهُ أطْلَقَ هُنا عَلى ما فِيهِ مُجَرَّدُ فَضْلٍ تَشْبِيهًا بِالكَرِيمِ في جُزْءِ المَعْنى، وكارَمْتُ الرَّجُلَ: فَعَلَ كُلُّ مِنّا في حَقِّ صاحِبِهِ مُقْتَضى الكَرَمِ، والكَرْمُ: شَجَرُ العِنَبِ ولا يُسَمّى بِهِ غَيْرُهُ، والكُرُومُ: قَلائِدٌ تَتَّخِذُها النِّساءُ كالمُخانِقِ، لِدَلالَتِها عَلى قَدْرِ صاحِبَتِها، والكَرامَةُ: طَبَقٌ يُوضَعُ عَلى رَأْسِ الحُبِّ - لِأنَّهُ غِطاءُهُ، ولا يُغَطّى إلّا ما لَهُ فَضْلٌ، و[ مِنهُ - ] يَقُولُونَ: لَكَ الحُبُّ والكَرامَةُ، والكَرَمُ: القَصِيرُ مِنَ (p-٣٥٢)الرِّجالِ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِطَبَقِ الحَبِّ؛ والكَمَرَةُ - مُحَرِّكَةٌ: طَرَفُ قَضِيبِ الإنْسانِ خاصَّةً، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَتْرِها القُلْفَةُ، ورَجُلُ مَكْمُورٌ - إذا قَطَعَ الخاتِنُ كُمْرَتُهُ، وتَكامَرَ الرَّجُلانِ - إذا تَكابِرا بَأيِرِيهِما، وقالَ في القامُوسِ: وتَكامَرا: نَظَرا أيُّهُما أعْظَمُ كُمْرَةً، والكُمْرِي: الرَّطْبُ ما لَمْ يُرَطَّبْ عَلى شَجَرِهِ، بَلْ سَقَطَ بِسْرًا فَأُرَطَّبَ في الأرْضِ - كَأنَّهُ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأنَّهُ يَكُونُ أكْدَرَ مِمّا يُرَطَّبُ عَلى الشَّجَرِ، وهو أيْضًا يُشْبِهُ الكُمْرَةَ في تَكْوِينِها، والكَمْرِي عَنِ ابْنِ دُرَيْدٍ: الرَّجُلُ القَصِيرُ، كَأنَّهُ شُبِّهِ بِالرَّطْبَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: وهو اسْمُ مَكانٍ.
ولَمّا ذَكَرَ تَزْيِينَ مَكْرِهِمْ، أتْبَعُهُ الدَّلالَةَ عَلَيْهِ فَقالَ: ﴿وصُدُّوا﴾ أيْ فَلَزِمُوا ما زُيِّنَ لَهُمْ، أوْ فَمَكَرُوا بِهِ حَتّى ضَلُّوا في أنْفُسِهِمْ وصَدُّوا غَيْرَهُمُ ﴿عَنِ السَّبِيلِ﴾ الَّذِي لا يُقالُ لِغَيْرِهِ سَبِيلٌ وهو المُسْتَقِيمُ، فَإنَّ غَيْرَهُ جَوْرٌ وتِيهٌ وحَيْرَةٌ فَهو عَدَمٌ، بَلِ العَدَمُ أحْسَنُ مِنهُ، فَلَمْ يَسْلُكُوا السَّبِيلَ ولا تَرَكُوا غَيْرَهم يَسْلُكُهُ، فَضَلُّوا وأضَلُّوا، لَيْسَ ذَلِكَ بِعَجَبٍ فَإنَّ اللَّهَ أضَلَّهم ﴿ومَن يُضْلِلِ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ بِإرادَةِ ضَلالِهِ ﴿فَما لَهُ مِن هادٍ﴾
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences