Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ar-Ra'd 13:4–12
13:4Page 249
وَفِي ٱلۡأَرۡضِ قِطَعٞ مُّتَجَٰوِرَٰتٞ وَجَنَّٰتٞ مِّنۡ أَعۡنَٰبٖ وَزَرۡعٞ وَنَخِيلٞ صِنۡوَانٞ وَغَيۡرُ صِنۡوَانٖ يُسۡقَىٰ بِمَآءٖ وَٰحِدٖ وَنُفَضِّلُ بَعۡضَهَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فِي ٱلۡأُكُلِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٤
And within the land are neighboring plots and gardens of grapevines and crops and palm trees, [growing] several from a root or otherwise,1 watered with one water; but We make some of them exceed others in [quality of] fruit. Indeed in that are signs for a people who reason.
ولَمّا كانَ الدَّلِيلُ - مَعَ وُضُوحِهِ - فِيهِ بَعْضُ غُمُوضٍ، شَرَعَ تَعالى في شَيْءٍ مِن تَفْصِيلِ ما في الأرْضِ مِنَ الآياتِ الَّتِي هي أبْيَنُ مِن ذَلِكَ دَلِيلًا ظاهِرًا جِدًّا عَلى إبْطالِ قَوْلِ الفَلاسِفَةِ، فَقالَ: ﴿وفِي الأرْضِ﴾ أيِ الَّتِي أنْتُمْ سُكّانُها، تُشاهِدُونَ ما فِيها مُشاهَدَةً لا تَقْبَلُ الشَّكَّ ﴿قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ فَهي مُتَّحِدَةُ البُقْعَةِ مُخْتَلِفَةُ الطَّبْعِ، طَيِّبَةٌ إلى سَبْخَةٍ، وكَرِيمَةٌ إلى زَهِيدَةٍ، وصُلْبَةٌ إلى رَخْوَةٍ، وصالِحَةٌ لِلزَّرْعِ لا لِلشَّجَرِ وعَكْسِها، ومَعَ انْتِظامِ الكُلِّ في الأرْضِيَّةِ ﴿وجَنّاتٌ﴾ جَمْعُ جَنَّةٍ، وهي البُسْتانُ الَّذِي تَجْنِهِ الأشْجارُ ﴿مِن أعْنابٍ﴾ وكَأنَّهُ قَدَّمَها لِأنَّ أصْنافَها - الشّاهِدَةَ بِأنَّ صانِعَها إنَّما هو الفَعّالُ لِما يُرِيدُ - لا تَكادُ تُحْصَرُ حَتّى أنَّهُ في الأصْلِ الواحِدِ يَحْصُلُ تَنَوُّعُ الثَّمَرَةِ ولِذَلِكَ جَمَعَها.
ولَمّا كانَ تَفاوُتُ ما أصْلُهُ الحُبُّ أعْجَبُ، قالَ: ﴿وزَرْعٌ﴾ أيْ (p-٢٧٩)مُنْفَرِدًا - في قِراءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ وأبِي عَمْرٍو وحَفْصٍ عَنْ عاصِمٍ بِالرَّفْعِ، وفي خَلَلِ الجَنّاتِ - في قِراءَةِ الباقِينَ بِالجَرِّ.
ولَمّا كانَ ما جَمَعَهُ أصْلٌ واحِدٌ ظاهِرٌ أغْرَبُ أخَّرَ قَوْلَهُ: ﴿ونَخِيلٌ صِنْوانٌ﴾ فُرُوعٌ مُتَفَرِّقَةٌ عَلى أصْلٍ واحِدٍ ﴿وغَيْرُ صِنْوانٍ﴾ بِاعْتِبارِ افْتِراقِ مَنابِتِها وأُصُولِها؛ قالَ أبُو حَيّانَ: والصِّنْوُ: الفَرْعُ يَجْمَعُهُ وآخَرُ أصْلٌ واحِدٌ، وأصْلُهُ المَثَلُ، ومِنهُ قِيلَ لِلْعَمِّ: صِنْوٌ وقالَ الرُّمّانِيُّ: والصِّنْوانُ: المُتَلاصِقُ، يُقالُ: هو ابْنُ أخِيهِ [صِنْوُ أبِيهِ] أيْ لَصِيقُ أبِيهِ في وِلادَتِهِ، وهو جَمْعُ صِنْوٍ، وقِيلَ: الصِّنْوانُ: النَّخْلاتُ الَّتِي أصْلُها واحِدٌ - عَنِ البَراءِ بْنِ عازِبٍ وابْنِ عَبّاسٍ ومُجاهِدٍ وقَتادَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ؛ وقالَ الحَسَنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: الصِّنْوانُ: النَّخْلَتانِ أصْلُهُما واحِدٌ - انْتَهى.
وهُوَ تَرْكِيبٌ لا فَرْقَ بَيْنَ مُثْنّاهُ وجَمْعُهُ إلّا بِكَسْرِ النُّونِ مِن غَيْرِ تَنْوِينٍ وإعْرابُها مَعَ التَّنْوِينِ، وسَيَأْتِي في يس إنْ شاءَ اللَّهُ تَعالى سِرُّ تَسْمِيَةِ الكَرْمِ بِالعِنَبِ.
ولَمّا كانَ الماءُ بِمَنزِلَةِ الأبِ والأرْضُ بِمَنزِلَةِ الأُمِّ، وكانَ الِاخْتِلافُ مَعَ اتِّحادِ الأبِ والأُمِّ أعْجَبُ وأدَلُّ عَلى الإسْنادِ إلى المُوجِدِ المُسَبِّبِ، لا إلى شَيْءٍ مِنَ الأسْبابِ، قالَ: ﴿تُسْقى﴾ [الغاشية: ٥] أيْ أرْضِها الواحِدَةِ كُلِّها (p-٢٨٠)﴿بِماءٍ واحِدٍ﴾ فَتَخْرُجُ أغْصانُها وثَمَراتُها في وقْتٍ مَعْلُومٍ لا يَتَأخَّرُ عَنْهُ ولا يَتَقَدَّمُ بَعْدَ أنْ يَتَصَعَّدَ الماءُ فِيها عُلُوًّا ضِدَّ ما في طَبْعِهِ مِنَ التَّسَفُّلِ، ثُمَّ يَتَفَرَّقُ في كُلٍّ مِنَ الوَرَقِ والأغْصانِ والثِّمارِ بِقِسْطِهِ مِمّا فِيهِ صَلاحُهُ ﴿ونُفَضِّلُ﴾ أيْ بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ المُقْتَضِيَةِ لِلطّاعَةِ ﴿بَعْضَها﴾ أيْ بَعْضُ تِلْكَ الجَنّاتِ وبَعْضُ أشْجارِها ﴿عَلى بَعْضٍ﴾ ولَمّا كانَ التَّفْضِيلُ عَلى أنْحاءَ مُخْتَلِفَةٍ، بَيْنَ المُرادِ بِقَوْلِهِ: ﴿فِي الأُكُلِ﴾ أيِ الثَّمَرِ المَأْكُولِ، ويُخالِفُ في المَطْعُومِ مَعَ اتِّحادِ الأرْضِ وبَعْضِ الأُصُولِ، وخُصَّ الأكْلُ لِأنَّهُ أغْلَبُ وُجُوهِ الِانْتِفاعِ، وهو مُنَبِّهٌ عَلى اخْتِلافِ غَيْرِهِ مِنَ اللِّيفِ والسَّعَفِ واللَّوْنِ لِلْمَأْكُولِ والطَّعْمِ والطَّبْعِ والشَّكْلِ والرّائِحَةِ والمَنفَعَةِ وغَيْرِها مَعَ أنَّ نِسْبَةَ الطَّبائِعِ والِاتِّصالاتِ الفَلَكِيَّةَ إلى جَمِيعِ الثِّمارِ عَلى حَدٍّ سَواءٍ لا سِيَّما إذا رَأيْتَ العُنْقُودَ الواحِدَ جَمِيعُ حَبّاتِهِ حُلْوَةٌ نَضِيجَةً كَبِيرَةً إلّا واحِدَةً فَإنَّها حامِضَةٌ صَغِيرَةٌ يابِسَةٌ.
ولَمّا كانَ المُرادُ في هَذا السِّياقِ - كَما تَقَدَّمَ - تَفْصِيلُ ما نَبَّهَ عَلى كَثْرَتِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿وكَأيِّنْ مِن آيَةٍ في السَّماواتِ والأرْضِ﴾ [يوسف: ١٠٥] الآيَةُ، قالَ: ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾ أيِ الأمْرُ العَظِيمُ الَّذِي تَقَدَّمَ ﴿لآياتٍ﴾ بِصِيغَةِ الجَمْعِ فَإنَّها بِالنَّظَرِ إلى تَفْصِيلِها بِالعَطْفِ جَمْعٌ وإنْ كانَتْ بِالنَّظَرِ إلى الماءِ مُفْرَدَةً، وهَذا بِخِلافِ (p-٢٨١)ما يَأْتِي في النَّحْلِ لِأنَّ المُحَدِّثَ عَنْهُ هُناكَ الماءُ، وهُنا ما يَنْشَأُ عَنْهُ، فَلَمّا اخْتَلَفَ المُحَدِّثُ عَنْهُ كانَ الحَدِيثُ بِحَسَبِهِ، فالمَعْنى: دَلالاتٌ واضِحاتٌ عَلى أنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِعْلٌ واحِدٌ مُخْتارٌ عَلِيمٌ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ مِنَ ابْتِداءِ الخَلْقِ ثُمَّ تَنْوِيعُهُ بَعْدَ إبْداعِهِ، فَهو قادِرٌ عَلى إعادَتِهِ بِطَرِيقِ الأوْلى.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ المُفَصَّلَةُ أظْهَرُ مِن تِلْكَ المُجْمَلَةِ، فَكانَتْ مِنَ الوُضُوحِ بِحالٍ لا يَحْتاجُ ناظِرُهُ في الِاعْتِبارِ بِهِ إلى غَيْرِ العَقْلِ، قالَ: ﴿لِقَوْمٍ﴾ أيْ ذَوِي قُوَّةٍ عَلى ما يُحاوِلُونَهُ ﴿يَعْقِلُونَ﴾ فَإنَّهُ لا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ في وجْهِ هَذِهِ الدَّلالَةِ إلّا بِأنْ [يُقالَ] هَذِهِ الحَوادِثُ السُّفْلِيَّةُ حَدَثَتْ بِغَيْرِ مُحْدِثٍ، فَيُقالُ لِلْقائِلِ: وأنْتَ لا عَقْلَ لَكَ، لِأنَّ العِلْمَ بِافْتِقارِ الحادِثِ إلى المُحْدِثِ ضَرُورَةً، فَعَدَمُ العِلْمِ بِالضَّرُورِيِّ يَسْتَلْزِمُ [عَدَمَ] العَقْلِ.
13:5Page 249
۞ وَإِن تَعۡجَبۡ فَعَجَبٞ قَوۡلُهُمۡ أَءِذَا كُنَّا تُرَٰبًا أَءِنَّا لَفِي خَلۡقٖ جَدِيدٍۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٥
And if you are astonished,1 [O Muḥammad] - then astonishing is their saying, "When we are dust, will we indeed be [brought] into a new creation?" Those are the ones who have disbelieved in their Lord, and those will have shackles2 upon their necks, and those are the companions of the Fire; they will abide therein eternally.
ولَمّا ثَبَتَ قِطَعًا بِما أقامَ مِنَ الدَّلِيلِ عَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ بِما أوْدَعَهُ مِنَ الغَرائِبِ في مَلَكُوتِهِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِواهُ أنَّ هَذا إنَّما هو فِعْلٌ واحِدٌ قَهّارٌ مُخْتارٌ يُوجِدُ المَعْدُومَ ويُفاوِتُ بَيْنَ ما تَقْتَضِي الطَّبائِعُ اتِّحادَهُ، كانَ إنْكارُ شَيْءٍ مِن قُدْرَتِهِ عَجَبًا، فَقالَ عَطْفًا عَلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ [الرعد: ١] مُشِيرًا إلى أنَّهم يَقُولُونَ: إنَّ الوَعْدَ بِالبَعْثِ سِحْرٌ لا حَقِيقَةَ لَهُ ﴿وإنْ تَعْجَبْ﴾ أيْ يَوْمًا مِنَ الأيّامِ أوْ ساعَةً مِنَ الدَّهْرِ فاعْجَبْ مِن (p-٢٨٢)إنْكارِهِمُ البَعْثَ ﴿فَعَجَبٌ﴾ عَظِيمٌ لا تَتَناهى دَرَجاتُهُ في العِظَمِ ﴿قَوْلُهُمْ﴾ بَعْدَ ما رَأوْا مِنَ الآياتِ الباهِرَةِ والدَّلالاتِ النّاطِقَةِ بِعَظِيمِ القُدْرَةِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُنْكِرِينَ: ﴿أإذا كُنّا تُرابًا﴾ واخْتَلَطَ التُّرابُ الَّذِي تُحَوِّلْنا إلَيْهِ بِالتُّرابِ الأصْلِيِّ فَصارَ لا يَتَمَيَّزُ، ثُمَّ كَرَّرُوا التَّعَجُّبَ والإنْكارَ بِالِاسْتِفْهامِ ثانِيًا فَقالُوا: ﴿أإنّا لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ هَذا قَوْلُهم بَعْدَ أنْ فَصَّلْنا مِنَ الآياتِ ما يُوجِبُ أنَّهم بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُوقِنُونَ، وهَذا الِاسْتِفْهامُ الثّانِي مُفَسِّرٌ لِما نُصِبَ الأوَّلُ بِما فِيهِ مِن مَعْنًى ”أنْبَعَثَ“، والعَجَبُ: تَغَيُّرُ النَّفْسِ بِما خَفِيَ سَبَبُهُ عَنِ العادَةِ، والجَدِيدُ: المُهَيّا بِالقَطْعِ إلى التَّكْوِينِ قَبْلَ التَّصْرِيفِ في الأعْمالِ، وأصْلُ الصِّفَةِ القَطْعُ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ قِيلَ: لا خَيْرَ فِيمَن لا يَتَعَجَّبُ مِنَ العَجَبِ، وأرْذَلُ مِنهُ مَن يَتَعَجَّبُ مِن غَيْرِ عَجَبٍ - انْتَهى، يَعْنِي: فالكُفّارُ تَعَجَّبُوا مِن غَيْرِ عَجَبٍ: ومَن تَعَجَّبَهم فَقَدْ تَعَجَّبَ مِنَ العَجَبِ.
ولَمّا كانَ هَذا إنْكارُ المَحْسُوسِ مِنَ القُدْرَةِ، اسْتَحَقُّوا ما يَسْتَحِقُّ مَن يَطْعَنُ في مَلِكِ المُلْكِ، فَقالَ: ﴿أُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ جَمَعُوا أنْواعًا مِنَ البُعْدِ مَعَ كُلِّ خَيْرٍ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ أيْ غَطُّوا كُلَّ ما يَجِبُ (p-٢٨٣)إظْهارُهُ بِسَبَبِ الِاسْتِهانَةِ بِالَّذِي بَدَأ خَلْقَهم ثُمَّ رَبّاهم بِأنْواعِ اللُّطْفِ، فَإذا أنْكَرُوا مَعادَهم فَقَدْ أنْكَرُوا مَبْدَأهم ﴿وأُولَئِكَ﴾ [أيِ] البُعَداءُ البَغْضاءُ ﴿الأغْلالُ﴾ أيِ الحَدائِدِ الَّتِي تَجْمَعُ أيْدِي الأسْرى إلى أعْناقِهِمْ، ويُقالُ لَها: جَوامِعُ، وتارَةً تَكُونُ في الأعْناقِ فَقَطْ يُعَذَّبُ بِها النّاسُ؛ ولَمّا كانَ طَرَفا العُنُقِ غَلِيظَيْنِ، فَلا تَكُونُ إحاطَةُ الجامِعَةِ مِنها إذا كانَتْ ضَيِّقَةً إلّا بِالوَسَطِ، جَعَلَ الأعْناقَ ظُرُوفًا بِاعْتِبارِ أنَّها عَلى بَعْضٍ مِنها، وذَلِكَ كِنايَةٌ عَنْ ضِيقِها، فَقالَ: ﴿فِي أعْناقِهِمْ﴾ أيْ بِكُفْرِهِمْ وإنْ لَمْ تَكُنِ الأغْلالُ مُشاهَدَةً الآنَ، فَهي لِقُدْرَةِ المُهَدَّدِ بِها عَلى الفِعْلِ كَأنَّها مَوْجُودَةٌ، وهم مُنْقادُونَ لِما قَدَرَ عَلَيْهِمْ مِن أسْبابِها كَما يُقادُ المَغْلُولُ بِها إلى ما يُرِيدُ قائِدُهُ، والغِلُّ: طَوْقٌ تُقَيَّدُ بِهِ اليَدُ في العُنُقِ، وأصْلُهُ: انْغَلَّ في الشَّيْءِ - إذا انْتَشَبَ فِيهِ، وغَلَّ المالُ - إذا خانَ بِانْتِشابِهِ في [المالِ] الحَرامِ ﴿وأُولَئِكَ﴾ أيِ الَّذِينَ لا خَسارَةَ أعْظَمُ مِن خَسارَتِهِمْ ﴿أصْحابُ النّارِ﴾ ولَمّا كانَتِ الصُّحْبَةُ تَقْتَضِي المُلازَمَةَ، صَرَّحَ بِها فَقالَ: ”هُمْ“ أيْ خاصَّةً ﴿فِيها﴾ أيْ مُتَمَحِّضَةً لا يَخْلِطُها نَعِيمٌ ﴿خالِدُونَ﴾ أيْ ثابِتٌ خُلُودُهم دائِمًا.
13:6Page 250
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦
They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.
ولَمّا تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الآيَةُ إثْباتَ القُدْرَةِ التّامَّةِ مَعَ ما سَبَقَ (p-٢٨٤)مِن أدِلَّتِها المَحْسُوسَةِ المُشاهَدَةِ، كانَ أيْضًا مِنَ العَجَبِ العَجِيبِ والنَّبَأِ الغَرِيبِ اسْتِهْزاءُهم بِها، فَقالَ مُعَجِّبًا مِنهُمْ: ﴿ويَسْتَعْجِلُونَكَ﴾ أيِ اسْتِهْزاءً وتَكْذِيبًا؛ والِاسْتِعْجالُ: طَلَبُ التَّعْجِيلِ، وهو تَقْدِيمُ الشَّيْءِ قَبْلَ وقْتِهِ الَّذِي يُقَدَّرُ لَهُ ﴿بِالسَّيِّئَةِ﴾ مِنَ العَذابِ المُتَوَعَّدِ بِهِ مِن عَذابِ الدُّنْيا وعَذابِ الآخِرَةِ جُرْأةٌ مِنهم تُشِيرُ إلى أنَّهم لا يُبالُونَ بِشَيْءٍ مِنهُ ولا يُوهِنُ قَوْلَهم شَيْءٌ ﴿قَبْلَ الحَسَنَةِ﴾ مِنَ الخَيْرِ الَّذِي تُبَشِّرُهم بِهِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”قَدْ خَلَتْ“ ولَمّا كانَ المُحَدَّثُ عَنْهُ إنَّما كانَ في بَعْضِ الزَّمانِ، أُدْخِلَ الجارُّ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِهِمُ المَثُلاتُ﴾ جَمْعُ مَثُلَةٍ بِفَتْحِ المِيمِ وضَمِّ المُثَلَّثَةِ [كَصَدَقَةٍ وصَدَقاتٍ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِما بَيْنَ العِقابِ والمُعاقَبِ عَلَيْهِ مِنَ المُماثَلَةِ]، وهي العُقُوباتُ الَّتِي تَزْجُرُ عَنْ مِثْلِ ما وقَعَتْ لِأجْلِهِ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ اتَّصَلَتْ بِهِمْ أخْبارُهُمْ، وخاطَبَتْهم بِعَظِيمِ ما اتَّفَقَ لَهم آثارُهم ودِيارُهُمْ، وما يُؤَخِّرُهُمُ اللَّهُ إلّا لِاسْتِيفاءِ آجالِهِمُ الَّتِي ضَرَبَها لَهم مَعَ قُدْرَتِهِ التّامَّةِ عَلَيْهِمْ.
ولَمّا كانُوا رُبَّما قالُوا: ما نَرى إلّا تَهْدِيدًا لا يَتَحَقَّقُ شَيْءٌ مِنهُ: قالَ مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ واعْتِقادِهِمْ أنَّ المَسارَ والمَضارَّ إنَّما هي عادَةُ الدَّهْرِ، عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإنَّ رَبَّكَ حَلِيمٌ لا يَخافُ الفَوْتَ فَلا يَسْتَعْجِلُ في الأخْذِ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْكَ بِجَعْلِكَ نَبِيَّ الرَّحْمَةِ ﴿لَذُو مَغْفِرَةٍ﴾ (p-٢٨٥)أيْ عَظِيمَةٍ ثابِتَةٍ ﴿لِلنّاسِ﴾ حالَ كَوْنِهِمْ ظالِمِينَ مُتَمَكِّنِينَ في الظُّلْمِ مُسْتَقِلِّينَ ﴿عَلى ظُلْمِهِمْ﴾ وهو إيقاعُهُمُ الأشْياءَ في غَيْرِ مَواضِعِها، فَلا يُؤاخِذُهم بِجَمِيعِ ما كَسَبُوا [ ﴿ولَوْ يُؤاخِذُ اللَّهُ النّاسَ بِما كَسَبُوا ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] فَلِذَلِكَ يُقِيمُ النّاسُ دَهْرًا طَوِيلًا يَكْفُرُونَ ولا يُعاقَبُونَ حِلْمًا مِنهُ سُبْحانَهُ، والآيَةُ مُقَيَّدَةٌ بِآيَةِ النِّساءِ ﴿ويَغْفِرُ ما دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشاءُ﴾ [النساء: ٤٨] وإنْ لَمْ يَكُنْ تَوْبَةً، فَإنَّ التّائِبَ لَيْسَ عَلى ظُلْمِهِ.
ولَمّا كانَ يُمْهِلُ سُبْحانَهُ ولا يُهْمِلُ [و] ذَكَرَ إمْهالَهُ، ذَكَرَ أخْذَهُ مُؤَكِّدًا لِمِثْلِ ما مَضى فَقالَ: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾ أيِ المُوجِدَ لَكَ المُدَبِّرَ لِأمْرِكَ بِغايَةِ الإحْسانِ ﴿لَشَدِيدُ العِقابِ﴾ لِلْكَفّارِ ولِمَن شاءَ مِن غَيْرِهِمْ، فَلِذَلِكَ يَأْخُذُ أخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ إذا جاءَ الأجَلُ الَّذِي قَدَّرَهُ.
13:7Page 250
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.
ولَمّا بَيَّنَ سُبْحانَهُ أنَّهم غَطُّوا آياتِ رَبِّهِمُ المُتَفَضِّلِ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الآياتِ وغَيْرِها، عَجِبَ مِنهم عَجَبًا آخَرَ في طَلَبِهِمْ إنْزالَ الآياتِ مَعَ كَوْنِها مُتَساوِيَةَ الأقْدامِ في الدَّلالَةِ عَلى الصّانِعِ وما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ، فَلَمّا كَفَرُوا بِما أتاهم كانُوا جَدِيرِينَ بِالكُفْرِ بِما يَأْتِيهِمْ فَقالَ: ﴿ويَقُولُ﴾ أيْ عَلى سَبِيلِ الِاسْتِمْرارِ ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ اسْتِهْزاءً بِالقُدْرَةِ ﴿لَوْلا﴾ أيْ هَلّا ولِمَ لا ﴿أُنْـزِلَ﴾ أيْ بِإنْزالِ أيِّ كائِنٍ كانَ ﴿عَلَيْهِ آيَةٌ﴾ (p-٢٨٦)جاحِدِينَ عِنادًا لِما أتاهُ مِنَ الآياتِ ﴿مِن رَبِّهِ﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيْهِ تَصْدِيقًا لَهُ.
ولَمّا كانَ النَّبِيُّ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ راغِبًا في إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ لِشِدَّةِ التِفاتِهِ إلى أيْمانِهِمْ، كانَ كَأنَّهُ سَألَ في ذَلِكَ لِتَحْصُلَ لَهُمُ النَّجاةُ، فَأُجِيبَ بِقَوْلِهِ تَعالى - مُقَدِّمًا ما السِّياقُ أوْلى بِهِ لِأنَّهُ لِبَيانِ أنَّ الأكْثَرَ لا يُؤْمِنُ -: ﴿إنَّما أنْتَ مُنْذِرٌ﴾ أيْ نَبِيٌّ مُنْذِرٌ هادٍ لَهم تَهْدِيهِمْ بِبَيانِ ما أنْزَلَهُ عَلَيْكَ مِمّا يُوقِعُ في الهَلاكِ أوْ يُوصِلُ إلى النَّجاةِ، سائِرٌ فِيهِمْ عَلى حَسَبِ ما أحَدَّهُ لَكَ، وأصْلُ الإنْذارِ الإعْلامُ بِمَوْضِعِ المَخافَةِ [لِيُتَّقى]، لا أنَّكَ مُثْبِتٌ لِلْإيمانِ في الصُّدُورِ ﴿ولِكُلِّ قَوْمٍ﴾ مِمَّنْ أرْسَلَنا إلَيْهِمْ نَبِيٌّ ﴿هادٍ﴾ أيْ داعٍ يَهْدِيهِمْ إلى مَراشِدِهِمْ ومُنْذِرٌ يُنْذِرُهم مِن مَغاوِيهِمْ، أيْ يُبَيِّنُ لَهم ما أرْسَلْنا بِهِ مِنَ النِّذارَةِ والبِشارَةِ، وأعْطى كُلَّ مُنْذِرٍ وهادٍ آياتٍ تَلِيقُ بِهِ وبِقَوْمِهِ عَلى مِثْلِها يُؤْمِنُ البَشَرُ، فَيَهْدِي اللَّهُ مَن يَعْلَمُ فِيهِ قابِلِيَّةَ الهُدى بِما نَصَبَ مِنَ الآياتِ المُشاهَداتِ، فَلا يَحْتاجُ إلى شَيْءٍ مِنَ المُقْتَرَحاتِ، ويَضِلُّ مَن يَعْلَمُ [فِيهِ] دَواعِي الضَّلالِ ولَوْ جاءَتْهُ كُلُّ آيَةٍ، لِأنَّهُ الَّذِي جَبَلَهم عَلى طَبائِعِ الخَيْرِ والشَّرِّ (p-٢٨٧)﴿ألا يَعْلَمُ مَن خَلَقَ وهو اللَّطِيفُ الخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤] فَهو كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وإنْ مِن أُمَّةٍ إلا خَلا فِيها نَذِيرٌ﴾ [فاطر: ٢٤] وكَقَوْلِهِ في هَذِهِ السُّورَةِ ﴿ويَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا أُنْـزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ قُلْ إنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَن أنابَ﴾ [الرعد: ٢٧] والآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذِكْرُ المُنْذِرِ أوَّلًا يَدُلُّ عَلى حَذْفِهِ ثانِيًا، وذِكْرُ الهادِ ثانِيًا دالٌّ عَلى حَذْفِ مِثْلِهِ أوَّلًا.
13:8Page 250
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.
ولَمّا كانَ ما مَضى مُتَرَتِّبًا عَلى العِلْمِ والقُدْرَةِ ولا سِيَّما خَتَمَ هَذِهِ الآيَةَ بِهادٍ، وكانَ إنْكارُهُمُ البَعْثَ إنْكارًا لِلنَّشْأةِ الأُولى، وكانَ سُبْحانَهُ وتَعالى يَعْلَمُ أنَّ إجابَتَهم إلى ما اقْتَرَحُوا غَيْرَ نافِعٍ لَهُمْ، لِأنَّهم مُتَعَنِّتُونَ لا مُسْتَرْشِدُونَ، شَرَعَ سُبْحانَهُ - بَعْدَ الإعْراضِ عَنْ إجابَةِ مُقْتَرَحاتِهِمْ - يُقَرِّرُ مِن أفْعالِهِ المَحْسُوسَةِ لَهُمُ المُقْتَضِيَةِ لِاتِّصافِهِ مِنَ العِلْمِ والقُدْرَةِ بِما هو كالإعادَةِ سَواءٌ إشارَةً مِنهُ تَعالى إلى [أنَّ] إنْكارَ البَعْثِ [إنْ] كانَ لِاسْتِحالَةِ الإعادَةِ فَهي مِثْلُ البَداءَةِ، وإنْ كانَ لِاسْتِحالَةِ تَمْيِيزِ التُّرابِ الَّذِي كانَ مِنهُ الحَيَوانُ - بَعْدَ اخْتِلاطِهِ بِغَيْرِهِ وتُفَرِّقِ أجْزائِهِ - فَتَمْيِيزُ الماءِ الَّذِي يَكُونُ مِنهُ الوَلَدُ مِنَ الماءِ الَّذِي لا يَصْلُحُ لِذَلِكَ أعْجَبُ، لِأنَّ الماءَ أشَدُّ اخْتِلاطًا وأخْفى امْتِزاجًا، ومَعَ ذَلِكَ فَهو يَعْلَمُهُ فَقالَ: ﴿اللَّهُ﴾ أيِ المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ [عِلْمًا] وقُدْرَةً ﴿يَعْلَمُ﴾ أيْ عِلْمًا قَدِيمًا في الأزَلِ بِما سَيُوجَدُ وعِلْمًا يَتَجَدَّدُ تَعَلُّقُهُ بِحَسَبِ حُدُوثِ الحادِثاتِ (p-٢٨٨)عَلى الِاسْتِمْرارِ ﴿ما تَحْمِلُ﴾ أيِ الَّذِي تَحْمِلُهُ في رَحِمِها ﴿كُلُّ أُنْثى﴾ أيِ الماءِ الَّذِي يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونُ حَمْلًا ﴿وما تَغِيضُ﴾ أيْ تَنْقُصُ ﴿الأرْحامُ﴾ مِنَ الماءِ فَتُنَشِّفُهُ فَيَضْمَحِلُّ لِعَدَمِ صَلاحِيَتِهِ لِأنْ يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ، وأصْلُ الغَيْضِ - كَما قالَ الرُّمّانِيُّ: ذَهابُ المائِعِ في العُمْقِ الغامِضِ، وفِعْلُهُ مُتَعَدٍّ لازِمٌ ﴿وما تَزْدادُ﴾ أيِ الأرْحامِ مِنَ الماءِ عَلى الماءِ الَّذِي قَدَّرَ تَعالى كَوْنَهُ حَمْلًا فَيَكُونُ تَوْأمًا فَأكْثَرَ في جِماعٍ آخَرَ بَعْدَ حَمْلِ الأوَّلِ كَما صَرَّحَ بِإمْكانِ ذَلِكَ ابْنُ سِينا وغَيْرُهُ مِنَ الأطِبّاءِ، ووُلِدَتْ في زَمانِنا أتانٌ حِمارًا وبَغْلًا، [وذَلِكَ لِأنَّ] الزِّيادَةَ ضَمُّ شَيْءٍ إلى المِقْدارِ وكَثْرَتُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ فَيُقَدِّرُ ذَلِكَ، ولا يُمْكِنُ أحَدًا زِيادَتُهُ ولا نُقْصانُهُ، وذَلِكَ كُلُّهُ يَسْتَلْزِمُ الحِكْمَةَ فَلِذا خَتَمَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وكُلُّ شَيْءٍ﴾ أيْ مِن هَذا وغَيْرِهِ مِنَ الآياتِ المُقْتَرِحاتِ وغَيْرِها ﴿عِنْدَهُ﴾ أيْ في قُدْرَتِهِ وعِلْمِهِ ﴿بِمِقْدارٍ﴾ في كَيْفِيَّتِهِ وكَمِّيَّتِهِ لا يَتَجاوَزُهُ ولا تُقَصِّرُ عَنْهُ، لِأنَّهُ عالِمٌ بِكَيْفِيَّةِ كُلِّ شَيْءٍ وكَمِّيَّتِهِ عَلى الوَجْهِ المُفَصَّلِ المُبِينِ، فامْتَنَعَ وُقُوعُ اللَّبْسِ في تِلْكَ المَعْلُوماتِ وهو [قادِرٌ] عَلى ما يُرِيدُ مِنها، فالآيَةُ بَيانٌ لِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ﴾ [الرعد: ٥] مِن حَيْثُ بَيَّنَ [فِيها] تَرْبِيَتَهُ لَهم عَلى الوَجْهِ الَّذِي هم لَهُ مُشاهِدُونَ وبِهِ مُعْتَرِفُونَ.
13:9Page 250
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
ولَمّا كانَ هَذا عَيْبًا وكانَ عِلْمُهُ مُسْتَلْزَمًا لِعِلْمِ الشَّهادَةِ، وكانَ (p-٢٨٩)لِلتَّصْرِيحِ مَزِيَّةٌ لا تُخْفى، صَرَّحَ بِهِ عَلى وجْهٍ كُلِّيٍّ يَعُمُّ تِلْكَ الجُزَيْئاتِ وغَيْرِها فَقالَ: ﴿عالِمُ الغَيْبِ﴾ وهو ما غابَ عَنْ كُلِّ مَخْلُوقٍ ﴿والشَّهادَةِ﴾ قالَ الرُّمّانِيُّ: الغَيْبُ: كَوْنُ الشَّيْءِ بِحَيْثُ يَخْفى عَنِ الحِسِّ، والشَّهادَةِ: كَوْنُهُ بِحَيْثُ يَظْهَرُ لَهُ.
ولَمّا كانَ العِلْمُ والحِكْمَةُ لا يَتِمّانِ إلّا بِكَمالِ القُدْرَةِ والعَظَمَةِ قالَ: ﴿الكَبِيرُ﴾ [أيِ] الَّذِي يَتَضاءَلُ عِنْدَهُ كُلُّ ما فِيهِ صِفاتٌ تَقْتَضِي الكِبَرَ، قالَ الإمامُ أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ: والكِبْرُ: ظُهُورُ التَّفاوُتِ في ظاهِرِ وباهِرِ القَدْرِ الَّذِي لا يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ، ولِذَلِكَ كانَ فِطْرَةً لِلْخَلْقِ أنَّ اللَّهَ أكْبَرُ، ولَمّا كانَ لا ظاهِرَ قَدْرٍ لِلْخَلْقِ لِما عَلَيْهِمْ مِن بادِي الضَّرُورِيّاتِ والحاجاتِ المُعْلَنَةِ بِصَغِيرٍ بِالقَدْرِ، ومَن حاوَلَ مِنهم أنْ يَكْبُرَ بِسَطْوَةٍ أوْ تَسَلُّطٍ وفَسادٍ زادَ صِغارُ قَدْرِهِ بِما اكْتَسَبَ في أعْيُنِ أرْبابِ البَصائِرِ في الدُّنْيا، ويَبْدُو ذَلِكَ مِنهُ لِعُيُونِ جَمِيعِ الخَلْقِ في الأُخْرى «يُحْشَرُ المُتَكَبِّرُونَ يَوْمَ القِيامَةِ كَأمْثالِ الذَّرِّ يَطَؤُهُمُ النّاسُ بِأقْدامِهِمْ» فَلِذَلِكَ اخْتِصاصُ مَعْنى أنَّهُ لا كَبِيرَ إلّا اللَّهُ - انْتَهى.
﴿المُتَعالِ﴾ [أيِ] الَّذِي لا يَدْنُو - مِن أوْجِ عُلُوِّهِ في ذاتٍ أوْ صِفَةٍ أوْ فِعْلٍ - عالٍ، وأخْرَجَهُ مَخْرَجُ التَّفاعُلِ لِيَكُونَ أدَلَّ عَلى المَعْنى وأبْلَغَ فِيهِ؛ وقالَ (p-٢٩٠)أبُو الحَسَنِ الحَرّالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ: والتَّعالِي: فَوَّتَ التَّناوُلَ والمَنالَ بِحُكْمٍ أوْ حُجَّةٍ، وأشْعَرَ التَّفاعُلَ بِما يَجْرِي مِن تَوَهُّمِ المُحْتَجِّينَ في أمْرِهِ بِأوْهامِ حُجَجٍ داحِضَةٍ ﴿حُجَّتُهم داحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ١٦] فَهو تَعالى يَأْذَنُ في الِاحْتِجاجِ والجِدالِ ثُمَّ يَتَعالى بِما لَهُ مِنَ الحُجَّةِ البالِغَةِ [ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الحُجَّةُ البالِغَةُ﴾ [الأنعام: ١٤٩] ] فَهو المُتَعالِي عِلْمًا وحُكْمًا وحُجَّةً، وحَقِيقَةُ المُتَعالِي الَّذِي لا يَتَعالى إلّا هو - انْتَهى. والحاصِلُ أنَّهُ لَمّا وصَفَ نَفْسَهُ مِمّا تَقَدَّمَ، أشارَ إلى [أنَّ] ذَلِكَ عَلى ما تَحْتَمِلُهُ [العُقُولُ] وأنَّ الحَقَّ في وصْفِهِ الكِبَرُ المُطْلَقُ والتَّعالِي المُطْلَقُ، لِأنَّ العُقُولَ لا تَحْتَمِلُ أكْثَرَ مِن ذَلِكَ.
13:10Page 250
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.
ولَمّا كانَتِ العادَةُ قاضِيَةً بِتَفاوُتِ العِلْمِ بِالنِّسْبَةِ إلى السِّرِّ والجَهْرِ، والقُدْرَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى المُتَحَفِّظِ بِالحَرَسِ وغَيْرِهِ، أتْبَعَ ذَلِكَ سُبْحانَهُ بِما نُفِيَ هَذا الِاحْتِمالُ عَنْهُ عَلى وجْهِ الشَّرْحِ والبَيانِ لِاسْتِواءِ الغَيْبِ والشَّهادَةِ بِالنِّسْبَةِ إلى عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿سَواءٌ مِنكُمْ﴾ أيْ في عِلْمِهِ ﴿مَن أسَرَّ القَوْلَ﴾ أيْ أخْفى مَعْناهُ في نَفْسِهِ ﴿ومَن جَهَرَ بِهِ﴾ وفي عِلْمِهِ (p-٢٩١)”و“ قُدْرَتِهِ ”مَن هو مُسْتَخِفّ“ أيْ مُوجِدُ الخَفاءَ وطالِبٌ لَهُ أشَدَّ طَلَبٍ ﴿بِاللَّيْلِ﴾ في أخْفى الأوْقاتِ فَسارِبٌ أوْ كامِنٌ فِيهِ، يَظُنُّ أنَّ ذَلِكَ الِاسْتِخْفاءَ يُغْنِيهِ مِنَ القُدْرَةِ ”و“ مَن هو ”سارِب“ أيْ ذاهِبٌ عَلى وجْهِهِ الأرْضَ ومُتَوَجِّهٌ جارٍ في تَوَجُّهِهِ إلى قَصْدِهِ بِسُرْعَةٍ ﴿بِالنَّهارِ﴾ مُتَجاهِرٌ بِسُرُوبِهِ فِيهِ، فالآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: ذَكَرَ ﴿مُسْتَخْفٍ﴾ أوَّلًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ ثانِيًا، وذَكَرَ ”سارِب“ ثانِيًا دالٌّ عَلى ضِدِّهِ أوْ مِثْلِهِ أوَّلًا
13:11Page 250
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١
For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
﴿لَهُ﴾ أيْ لِذَلِكَ المُسْتَخْفِي أوِ السّارِبِ - كَما قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ﴿مُعَقِّباتٌ﴾ أيْ أعْوانٌ وأنْصارٌ يَتَناوَبُونَ في أمْرِهِ بِأنْ يُخْلِفَ [ كُلُّ - ] واحِدٍ مِنهم صاحِبَهُ ويَكُونُ بَدَلًا مِنهُ.
ولَمّا كانَ حِفْظُ جِهَتِيِ القُدّامِ والخَلْفِ يَسْتَلْزِمُ حِفْظَ اليَمِينِ والشَّمالِ وكانَ مَلَأُ كُلٍّ مِنَ الجِهَتَيْنِ مِنَ الحَفَظَةِ عَلى المَخْلُوقِ مُتَعَذِّرًا، قالَ آتِيًا بِالجارِّ: ﴿مِن بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ أيْ مِن قُدّامِهِ ﴿ومِن خَلْفِهِ﴾ واسْتَأْنَفَ بَيانَ فائِدَةِ المُعَقِّباتِ فَقالَ: ﴿يَحْفَظُونَهُ﴾ أيْ في زَعْمِهِ مَن كُلِّ شَيْءٍ يَخْشاهُ ﴿مِن أمْرِ اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ.
(p-٢٩٢)ولَمّا دَلَّ هَذا عَلى غايَةَ القُدْرَةِ، وجَرَتْ عادَةُ المُتَمَكِّنِينَ مِن مُلُوكِ الأرْضِ بِالتَّعَدِّي عَلى جِيرانِهِمْ واسْتِلابِ مَمالِكِهِمْ والعَسْفِ في شَأْنِهِمْ، زِيادَةٌ في المُكْنَةِ وتَوَسُّعًا في المُلْكِ، ولا سِيَّما إذا كانَ ذَلِكَ الجارُّ ظانًّا مَعَ ضَعْفِهِ وعَجْزِهِ أنْ يَحْفَظَهُ مانِعٌ مِن أخْذِهِ، أخْبَرَ تَعالى مِن كَأنَّهُ سَألَ عَنْ ذَلِكَ [ أنَّهُ - ] غَيَّرَ هَذا لِغِناهُ عَنْهُ، فَقالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ والكَمالُ كُلُّهُ ﴿لا يُغَيِّرُ ما بِقَوْمٍ﴾ أيْ خَيْرًا كانَ أوْ شَرًّا ﴿حَتّى يُغَيِّرُوا ما﴾ أيِ الَّذِي ﴿بِأنْفُسِهِمْ﴾ مِمّا كانُوا يُزَيِّنُونَها بِهِ مِنَ التَّحَلِّي بِالأعْمالِ الصّالِحَةِ والتَّخَلِّي مِن أخْلاقِ المُفْسِدِينَ، فَإذا غَيَّرُوا ذَلِكَ غُيِّرَ [ ما - ] بِهِمْ إذا أرادَ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ.
ولَمّا كانَ مُلُوكُ الدُّنْيا لا يَتَمَكَّنُونَ غالِبًا مِن جَمِيعِ مُراداتِهِمْ لِكَثْرَةِ المُعارِضِينَ مِنَ الأمْثالِ الصّالِحِينَ لِلْمُلْكِ، قالَ تَعالى عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: فَإذا غَيَّرُوا ما بِأنْفُسِهِمْ أنْزَلَ بِهِمُ السُّوءَ: ﴿وإذا أرادَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿بِقَوْمٍ﴾ أيْ وإنْ كانُوا في غايَةِ القُوَّةِ ﴿سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ﴾ مِن أحَدٍ سِواهُ، وقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذِهِ الآيَةِ في الأنْفالِ مَزِيدُ بَيانٍ.
(p-٢٩٣)ولَمّا كانَ كُلَّ أحَدٌ دُونَهُ في الرُّتْبَةِ لا إمْكانَ لَهُ أنْ يَقُومَ مَقامَهُ بِوَجْهٍ، قالَ: ﴿وما لَهُمْ﴾ وبَيَّنَ سُفُولَ الرُّتَبِ كُلِّها عَنْ رُتْبَتِهِ فَقالَ: ”مِن دُون“ وأعْرَقَ في النَّفْيِ [ فَقالَ- ]: ﴿مِن﴾ ولَمّا كانَ السِّياقُ ظاهِرًا في أنَّهُ لا مَنفَذَ لَهم مِمّا أرادَهُ، أتى بِصِيغَةِ فاعِلٍ مَنقُوصٍ إشارَةً إلى نَفْيِ أدْنى وُجُوهِ الوِلايَةِ فَكَيْفَ بِما فَوْقَها فَقالَ: ﴿والٍ﴾ أيْ [ مِن - ] مَلْجَأٍ يُعِيذُهُمْ، بِأنَّ الفِعْلَ مَعَهم مِنَ الإنْجاءِ والنُّصْرَةِ ما يَفْعَلُ القَرِيبُ مَعَ ولِيِّهِ الأقْرَبِ إلَيْهِ،
13:12Page 250
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِأمْرٍ هو أدِلَّةُ ما قَبْلَهُ جامِعٌ لِلْعِلْمِ والقُدْرَةِ وهو ألْطَفُ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ، مُعْلِمٌ بِجَلِيلِ القُدْرَةِ في أنَّهُ إذا أرادَ سُوءًا فَلا مَرَدَّ لَهُ، ودَقِيقُ الحِكْمَةِ لِأنَّهُ مَظْهَرٌ واحِدٌ تُرْجى مِنهُ النِّعْمَةُ وتُخْشى مِنهُ النِّقْمَةُ فَقالَ: ﴿هُوَ﴾ أيْ وحْدَهُ ﴿الَّذِي يُرِيكُمُ﴾ [ أيْ - ] عَلى سَبِيلِ التَّجْدِيدِ دائِمًا ﴿البَرْقَ﴾ وهو لَمَعَ كَعَمُودِ النّارِ ﴿خَوْفًا﴾ أيْ لِأجْلِ إرادَةِ الخَوْفِ مِن قُدْرَتِهِ عَلى جَعْلِهِ صَواعِقَ مُهْلِكَةً، والخَوْفُ: انْزِعاجُ النَّفْسِ بِتَوَهُّمِ وُقُوعِ الضُّرِّ.
ولَمّا لَمْ يَكُنْ لَهُمُ السَّبَبُ في إنْزالِ المَطَرِ، لَمْ يُعَبِّرْ بِالرَّجاءِ وقالَ: (p-٢٩٤)﴿وطَمَعًا﴾ أيْ ولِأجْلِ إرادَةِ طَمَعِكم في رَحْمَتِهِ بِأنْ يَكُونَ غَيْثًا نافِعًا، ولا بُدَّ مِن هَذا التَّقْدِيرِ لِيَكُونا فِعْلَ فاعِلِ الفِعْلِ المُعَلَّلِ، ويَجُوزَ أنْ يَكُونَ المَعْنى: يُرِيكم ذَلِكَ إخافَةً وإطْماعًا فَتَخافُونَ خَوْفًا وتَطْمَعُونَ طَمَعًا، فَتَكُونُ الآيَةُ مِنَ الِاحْتِباكِ: فِعْلُ الإراءَةِ دالٌّ عَلى الإخافَةِ والإطْماعِ، والخَوْفِ [ والطَّمَعِ - ] دالّانِ عَلى ”تَخافُونَ وتَطْمَعُونَ“ ويَجُوزُ أنْ يَكُونا حالَيْنِ مِن ضَمِيرِ المُخاطَبِينَ أيْ ذَوِي خَوْفٍ وطَمَعٍ ﴿ويُنْشِئُ﴾ والإنْشاءُ: فِعْلُ الشَّيْءِ مِن غَيْرِ سَبَبٍ مُوَلَّدٍ ﴿السَّحابَ﴾ وهو غَيْمٌ يَنْسَحِبُ في السَّماءِ، وهو اسْمُ جِنْسٍ جَمْعِيٍّ، واحِدُهُ سَحابَةٌ ﴿الثِّقالَ﴾ بِأنْهارِ الماءِ مَحْمُولَةً في الهَواءِ عَلى مَتْنِ الرِّيحِ؛ والثِّقْلُ: الِاعْتِمادُ عَلى جِهَةِ الثِّقْلِ بِكَثافَةِ الأجْزاءِ
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences