Al-Biqa'iIbrahim · 14:34–49

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Ibrahim 14:34–49

14:34Page 260

وَءَاتَىٰكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلۡتُمُوهُۚ وَإِن تَعُدُّواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ لَا تُحۡصُوهَآۗ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَظَلُومٞ كَفَّارٞ ٣٤

And He gave you from all you asked of Him.1 And if you should count the favor [i.e., blessings] of Allāh, you could not enumerate them. Indeed, mankind is [generally] most unjust and ungrateful.2

ثُمَّ عَمَّ [بَعْدَ] أنَّ خَصَّ فَقالَ: ﴿وآتاكُمْ﴾ .

ولَمّا كانَ الكَمالُ لا يَكُونُ إلّا في الجَنَّةِ قالَ: ﴿مِن كُلِّ ما سَألْتُمُوهُ﴾ أيْ ما أنْتُمْ مُحْتاجُونَ إلَيْهِ فَأنْتُمْ سائِلُوهُ بِالقُوَّةِ؛ ثُمَّ حَقَّقَ وجْهَ العَظْمِ بِفَرْضِ ما يُوجِبُ العَجْزَ فَقالَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا﴾ أيُّها النّاسُ كُلُّكم ﴿نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أيْ تَرُومُوا عَدَّ إنْعامِ المَلِكِ الأعْلى الَّذِي لَهُ الكَمالُ المُطْلَقُ أوْ تَأْخُذُوا في عَدِّهِ، وعَبَّرَ عَنْهُ بِالنِّعْمَةِ إرْشادًا إلى الِاسْتِدْلالِ بِالأثَرِ (p-٤٢٢)عَلى المُؤَثِّرِ ﴿لا تُحْصُوها﴾ أيْ لا تُحِيطُوا بِها ولا تَعْرِفُوا عَدَّ الحَصى المُقابَلَةِ لَها إنْ عَدَدْتُمُوها [بِها] كَما كانَتْ عادَةُ العَرَبِ، أوْ لا [تَجِدُوا] مِنَ الحَصى ما يُوفِي بِعَدَدِها، هَذا في النِّعْمَةِ الواحِدَةِ فَكَيْفَ بِما زادَ! فَهَذا شَرْحُ قَوْلِهِ أوَّلَ السُّورَةِ ﴿اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما في السَّماواتِ وما في الأرْضِ﴾ [إبراهيم: ٢] وقَدْ ظَهَرَ بِهِ أنَّهُ لا يُوجَدُ شَيْءٌ [إلّا هو مِلْكُ اللَّهِ فَضْلًا عَنْ أنْ يُوجَدَ شَيْءٌ] يُدايِنُهُ فَضْلًا عَنْ شَيْءٍ يُماثِلُهُ، فَثَبَتَ أنَّهُ لا بَيْعَ ولا خِلالَ يَوْمَ دَيْنُونَةِ العِبادِ، وتَقْرِيبِ العَجْزِ عَنِ العَدِّ لِلْإفْهامِ أنَّ السَّلامَةَ مِن كُلِّ داءٍ ذَكَرَهُ الأطِبّاءُ في كُتُبِهِمْ - عَلى كَثْرَتِها وطُولِها - نِعْمَةً عَلى العَبْدِ، وذَلِكَ مُتَعَسِّرُ الحَصْرِ، وكُلُّ ما ذَكَرُوهُ صَرِيحًا في جَنْبِ ما دَخَلَ تَحْتَ كُلِّيّاتِهِمْ تَلْوِيحًا - قَلِيلٌ، فَكَيْفَ بِما لَمْ يُطْلِعْهُمُ اللَّهُ عَلَيْهِ ولَمْ يَهْدِهِمْ بِوَجْهٍ إلَيْهِ، هَذا في الجِسْمِ، وأمّا في العَقْلِ فالسَّلامَةُ مِن كُلِّ عَقْدٍ زائِغٍ، ودِينٍ باطِلٍ [وضَلالٍ] مائِلٍ، وذَلِكَ لا يُحْصِيهِ إلّا خالِقُ الفِكْرِ وفاطِرُ الفِطْرَ سُبْحانَهُ، ما أعَزَّهُ وأعْظَمَ شَأْنِهِ! .

ولَمّا كانَ أكْثَرُ هَذِهِ السُّورَةِ في بَيانِ الكَفَرَةِ وما لَهُمْ، وبَيانِ أنَّ أكْثَرَ الخَلْقِ هالَكٌ مُعْرِضٌ عَمّا يَأْتِيهِ مِن نِعْمَةِ الهِدايَةِ عَلى أيْدِي الرُّسُلِ (p-٤٢٣)الدُّعاةُ إلى مَن لَهُ جَمِيعُ النِّعَمِ لِلْحَياةِ الطَّيِّبَةِ بِسَعادَةِ الدّارِينَ، خَتَمَ الآيَةَ بِبَيانِ ما اقْتَضى ذَلِكَ مِن صِفاتِ الإنْسانِ فَقالَ: ﴿إنَّ الإنْسانَ﴾ أيْ هَذا النَّوْعِ لِما لَهُ مِنَ الأُنْسِ بِنَفْسِهِ، والنِّسْيانِ لِما يَنْفَعُهُ ويَضُرُّهُ، والِاضْطِرابُ بِسَبَبِ ما يَغُمُّهُ ويَسُرُّهُ ﴿لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ أيْ بَلِيغِ الظُّلْمِ والكُفْرِ حَيْثُ يُهْمِلُ الشُّكْرَ، ويَتَعَدّاهُ إلى الكُفْرِ، وخَتَمَ مِثْلَ ذَلِكَ في [سُورَةِ النَّحْلِ] ب ﴿لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النحل: ١٨] لِأنَّ تِلْكَ سُورَةُ النِّعَمِ، بُدِئَتْ بِالنَّهْيِ عَنِ اسْتِعْجالِ العَذابِ، لِأنَّ الرَّحْمَةَ أسْبَقُ، ومِنَ الرَّحْمَةِ إمْهالُ النّاسِ وإمْتاعُهم بِالمَنافِعِ، فالتَّقْدِيرُ إذَنْ هُناكَ: ﴿وإنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوها إنَّ الإنْسانَ لَظَلُومٌ كَفّارٌ﴾ ولَكِنَّ رَبَّهُ لا يُعاجِلُهُ بِالعُقُوبَةِ لِأنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وأمّا هَذِهِ السُّورَةُ فَبُدِئَتْ بِأنَّ النّاسَ في الظُّلُماتِ.

14:35Page 260

وَإِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِيمُ رَبِّ ٱجۡعَلۡ هَٰذَا ٱلۡبَلَدَ ءَامِنٗا وَٱجۡنُبۡنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعۡبُدَ ٱلۡأَصۡنَامَ ٣٥

And [mention, O Muḥammad], when Abraham said, "My Lord, make this city [i.e., Makkah] secure and keep me and my sons away from worshipping idols.

ولَمّا انْقَضى المَأْمُورُ بِهِ مِنَ القَوْلِ لِكافِرِ النِّعْمَةِ وشاكِرِها وسَبَبِ ذَلِكَ والدَّلِيلِ عَلَيْهِ، وبانَ أنَّهُ خالِقُ المَوْجُوداتِ كُلِّها ورَبِّها، فَلا يَصْحُ أصْلًا أنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنها شَرِيكًا. أمَرَهُ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ أنْ يُذَكِّرَهم بِأيّامِ اللَّهِ عِنْدَ أبِيهِمْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لِلدَّلالَةِ عَلى تَبْدِيلِهِمُ النِّعْمَةَ ظُلْمًا مِنهم وكُفْرًا، في أُسْلُوبٍ دالٍّ عَلى البَعْثِ، مُشِيرًا إلى وُجُوبِ بَراءَتِهِمْ مِنَ الأصْنامِ حَيْثُ كانَ مَحَطُّ حالِهِمْ فِيها تَقْلِيدَ الآباءِ وهو (p-٤٢٤)أعْظَمُ آبائِهِمْ، وإلى ما سَنَّهُ لَهم مِن إقامَتِهِمُ الصَّلاةَ وشُكْرِهِمْ لِنِعَمِهِ بِالإنْفاقِ وغَيْرِهِ، فَقالَ ناعِيًا عَلَيْهِمْ - مَعَ المُخالَفَةِ لِصَرِيحِ العَقْلِ وقاطِعِ النَّقْلِ عُقُوقِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ، عَطْفًا عَلى ﴿قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [إبراهيم: ٣١] أوْ عَلى ﴿وإذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ﴾ [إبراهيم: ٦] ﴿وإذْ﴾ أيْ واذْكُرْ لَهم مُذَكِّرًا بِأيّامِ اللَّهِ خَبَرَ إبْراهِيمَ إذْ ﴿قالَ إبْراهِيمُ رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيَّ بِإجابَةِ دُعائِي في جَعْلِ القَفْرِ الَّذِي وضَعَتْ بِهِ ولَدِي بَلَدًا عَظِيمًا.

ولَمّا كانَ السِّياقُ لِإخْراجِ الرُّسُلِ مِن مَحالِّهِمْ، وكانَ ذَلِكَ مُفْهِمًا لِأنَّ المَحَلَّ الَّذِي يَقَعُ الإخْراجُ مِنهُ بَلَدٌ يَسْكُنُ فِيهِ، واتَّبَعَهُ سُبْحانَهُ بِأنَّ المُتَعَرِّضِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ - بِما أسْكَنَ فِيهِ مِنَ الأمْنِ بَعْدَ جَعْلِهِ لَهُ بَلَدًا - بِما أحْدَثُوا فِيهِ مِنَ الإخافَةِ لِخَيْرِ أهْلِهِ، ومِنَ الإنْذارِ لِمَن أنْعَمَ عَلَيْهِمْ بِكُلِّ ما فِيهِ مِنَ الخَيْرِ، كانَ الأنْسَبُ تَعْرِيفَهُ فَقالَ: ﴿اجْعَلْ هَذا البَلَدَ﴾ [أيِ] الَّذِي يُرِيدُونَ إخْراجَ الرَّسُولِ مِنهُ ﴿آمِنًا﴾ أيْ ذا أمْنٍ بِأمانِ أهْلِهِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ صَدَرَ مِنهُ بَعْدَ أنْ سَكَنَ النّاسُ مَكَّةَ وصارَتْ مَدِينَةً، والَّذِي في البَقَرَةِ كانَ حَيْثُ وضَعَ ابْنُهُ مَعَ أُمِّهِ وهي خالِيَةٌ عَنْ ساكِنٍ، فَدَعا أنْ يَجْعَلَها اللَّهُ بَلَدًا، وأنْ يَجْعَلَها بَعْدَ ذَلِكَ مَوْصُوفَةً (p-٤٢٥)بِالأمْنِ، وهو سُكُونُ النَّفْسِ إلى زَوالِ الضُّرِّ.

ولَمّا دَعا بِالأمْنِ مِن فَسادِ الأمْوالِ والأبْدانِ، أتْبَعَهُ بِالدُّعاءِ بِالأمْنِ [مِن] فَسادِ الأدْيانِ، فَقالَ: ﴿واجْنُبْنِي﴾ أيِ اصْرِفْنِي ﴿وبَنِيَّ﴾ أيْ لِصُلْبِي، وأسْقَطَ البَناتَ إشارَةً إلى الِاسْتِقْلالِ، وإنَّما هُنَّ تابِعاتٌ دائِمًا ﴿أنْ نَعْبُدَ﴾ أيْ عِبادَةً مُسْتَمِرَّةً تَكُونُ مُوجِبَةً لِلنّارِ ﴿الأصْنامَ﴾ أيِ اجْعَلْنا في جانِبٍ غَيْرِ جانِبِ عِبادَتِها، والصَّنَمُ: المَنحُوتُ عَلى خِلْقَةِ البَشَرِ، [وما كانَ مَنحُوتًا عَلى غَيْرِ خِلْقَةِ البَشَرِ] فَهو وثَنٌ - قالَهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ مُجاهِدٍ؛

14:36Page 260

رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضۡلَلۡنَ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلنَّاسِۖ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُۥ مِنِّيۖ وَمَنۡ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٣٦

My Lord, indeed they have led astray many among the people. So whoever follows me - then he is of me;1 and whoever disobeys me - indeed, You are [yet] Forgiving and Merciful.

ثُمَّ بَيَّنَ زِيادَةَ الِاهْتِمامِ بِأمْرِ الأصْنامِ بِإعادَةِ النِّداءِ، وأسْقَطَ الأداةَ - زِيادَةً في التَّمَلُّقِ بِكَوْنِهِ مِن أهْلِ القُرْبِ والِانْقِطاعِ إلَيْهِ سُبْحانَهُ مُعَلِّلًا لِما قَبْلَهُ - في قَوْلِهِ: ﴿رَبِّ﴾ بِإفْرادِ المُضافِ إلَيْهِ لِيَكُونَ الكَلامُ [الواحِدُ] عَلى نِظامٍ واحِدٍ ﴿إنَّهُنَّ أضْلَلْنَ﴾ إسْنادٌ مَجازِيٌّ عَلاقَتُهُ السَّبَبِيَّةُ ﴿كَثِيرًا مِنَ النّاسِ فَمَن﴾ أيْ فَتَسَبَّبَ عَنْ بُغْضِي لَهُنَّ أنْ أقُولَ: مَن ”تَبِعَنِي“ مِن جَمِيعِ النّاسِ في تَجَنُّبِها ﴿فَإنَّهُ مِنِّي﴾ أيْ مِن حِزْبِي لِكَوْنِهِ عَلى طَرِيقَتِي ودِينِي، فَأْتِنِي ما وعَدْتَنِي فِيهِ مِنَ الفَوْزِ ﴿ومَن عَصانِي﴾ فَضَلَ بِها فَقَدِ اسْتَحَقَّ النّارَ، فَإنْ عَذَّبْتَهُ فَهو عِبادُكُ، وإنْ غَفَرْتَ لَهُ فَأنْتَ لِذَلِكَ، لِأنَّ لَكَ أنْ تَفْعَلَ ما تَشاءُ ﴿فَإنَّكَ غَفُورٌ﴾ أيْ بَلِيغُ السَّتْرِ ﴿رَحِيمٌ﴾ أيْ بَلِيغُ الإكْرامِ بَعْدَ سَتْرِ الذُّنُوبِ؛ (p-٤٢٦)وأكَّدَ لِلْإعْلامِ بِزِيادَةِ رَغْبَتِهِ في العَفْوِ لِأنَّهُ لا يَنْقُصُ بِهِ شَيْءٌ مِن عِزَّتِهِ سُبْحانَهُ ولا حِكْمَتِهِ - كَما أشارَ إلَيْهِ دُعاءُ عِيسى عَلَيْهِ السَّلامُ في المائِدَةِ.

14:37Page 260

رَّبَّنَآ إِنِّيٓ أَسۡكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيۡرِ ذِي زَرۡعٍ عِندَ بَيۡتِكَ ٱلۡمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجۡعَلۡ أَفۡـِٔدَةٗ مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهۡوِيٓ إِلَيۡهِمۡ وَٱرۡزُقۡهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمۡ يَشۡكُرُونَ ٣٧

Our Lord, I have settled some of my descendants in an uncultivated valley near Your sacred House, our Lord, that they may establish prayer. So make hearts among the people incline toward them and provide for them from the fruits that they might be grateful.

ولَمّا دَعا بِدَرْءِ المَفاسِدِ النّاشِئَةِ مِن نَوْعَيِ الإنْسانِ والشَّيْطانِ بِأمْنِ البَلَدِ وإيمانِهِ ذَكَرَ السَّبَبَ الحامِلَ لَهُ عَلى تَخْصِيصِهِ بِذَلِكَ مُسْتَجْلِبًا لِلْمَصالِحِ، فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ يا رَبِّ ورَبَّ مَن قَضَيْتَ أنَّهُ يَتْبَعُنِي بِتَرْبِيَتِكَ لَنا أحْسَنَ تَرْبِيَةٍ ﴿إنِّي أسْكَنْتُ﴾ وكَأنَّ اللَّهَ سُبْحانَهُ كانَ قَدْ أخْبَرَهُ أنَّهُ يَكْثُرُ نَسْلُهُ حَتّى يَكُونُوا كالنُّجُومِ، وذَلِكَ بَعْدَ البِشارَةِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ فَقالَ: ﴿مِن ذُرِّيَّتِي﴾ وساقَهُ مُؤَكِّدًا تَنْبِيهًا عَلى أنَّهُ - لِكَوْنِهِ عَلى وجْهٍ لا يَسْمَحُ بِهِ أحَدٌ - لا يَكادُ يَصْدُقُ، ولِلْإعْلامِ بِأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ ”بِوادٍ“ هو مَكَّةُ المُشَرَّفَةُ لِكَوْنِها في فَضاءٍ مُنْخَفِضٍ بَيْنَ جِبالٍ تَجْرِي بِهِ السُّيُولُ ﴿غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾

ولَمّا نَفى عَنْهُ الرِّفْدُ الدُّنْيَوِيُّ، أثْبَتَ لَهُ الأُخْرَوِيُّ، إشارَةً إلى أنَّ الدّارَيْنِ ضَرَّتانِ لا تَجْتَمِعانِ، وكَأنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِنائِهِ البَيْتَ - كَما تَقَدَّمَتِ الإشارَةُ إلَيْهِ أيْضًا بِتَعْرِيفِ البَلَدِ، فَقالَ: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ﴾ أيِ الَّذِي حَرَّمَتِ التَّعَرُّضَ إلَيْهِ ومَنَعَتْهُ بِالهَيْبَةِ فَلَمْ يَمْلِكْهُ أحَدٌ سِواكَ، (p-٤٢٧)وجَعَلَ [لَهُ] حَرِيمَ يَأْمَنُ فِيهِ الوَحْشُ والطَّيْرُ؛ والسُّكْنى: اتِّخاذُ مَأْوًى يَسْكُنُ إلَيْهِ مَتى شاءَ، والوادِي: سَفْحُ الجَبَلِ العَظِيمِ، ومِنهُ قِيلَ لِلْأنْهارِ: أوْدِيَةٌ، لِأنَّ حافّاتِها كالجِبالِ لَها، والزَّرْعُ: نَباتٌ يَنْفَرِشُ مِن غَيْرِ ساقٍ؛ ثُمَّ بَيَّنَ غَرَضَهُ مِن إسْكانِهِمْ هُناكَ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا ﴿لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ ما أسْكَنْتُهم في هَذا الوادِي المَوْصُوفِ إلّا لِهَذا الغَرَضِ المُنافِي لِعِبادَةِ غَيْرِكَ، ولِأنَّ أوْلى النّاسِ بِإقامَتِها حاضِرُو البَيْتِ المُتَوَجِّهِ بِها إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ اشْتِغالُهم بِالعِبادَةِ وكَوْنُهم في ذَلِكَ الوادِي أمْرَيْنِ بَعِيدَيْنِ عَنْ أسْبابِ المَعاشِ، تُسُبِّبَ عَنْهُ قَوْلَهُ: ﴿فاجْعَلْ أفْئِدَةً﴾ أيْ قُلُوبًا مُحْتَرِقَةً بِالأشْواقِ ﴿مِنَ النّاسِ﴾ أيْ مِن أفْئِدَةِ الَّذِينَ هم أهْلٌ لِلِاضْطِرابِ، بِكَوْنِ احْتِراقِها بِالشَّوْقِ مانِعًا مِنَ اضْطِرابِها ﴿تَهْوِي﴾ أيْ تَقْصِدُهم فَتُسْرِعَ نَحْوَهم بِرَغْبَةٍ وشَوْقِ إسْراعِ مَن يَنْزِلُ مِن حالِقٍ؛ وزادَ المَعْنى وُضُوحًا وأكَّدَهُ بِحَرْفِ الغايَةِ الدّالِّ عَلى بُعْدٍ لِأنَّ الشَّيْءَ كُلَّما بَعُدَ مَدى (p-٤٢٨)مَرْماهُ اشْتَدَّ وقْعُهُ فَقالَ: ﴿إلَيْهِمْ﴾ [ولَمّا دَعا لَهم بِالدِّينِ، دَعا لَهم بِالرِّزْقِ المُتَضَمِّنِ لِلدُّعاءِ لِجِيرانِهِمْ فَقالَ]: ﴿وارْزُقْهُمْ﴾ أيْ عَلى يَدِ مَن يَهْوِي إلَيْهِمْ ﴿مِنَ الثَّمَراتِ﴾ أيِ الَّتِي أنْبَتَها في بِلادِهِمْ؛ وبَيْنَ العِلَّةِ الصّالِحَةِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَعَلَّهم يَشْكُرُونَ﴾ أيْ لِيَكُونَ حالُهم حالَ مَن يُرْجى شُكْرُهم لِما يَرَوْنَ مِن نِعْمِكَ الخارِقَةِ لِلْعَوائِدِ في ذَلِكَ المَوْضِعِ البَعِيدِ عَنِ الفَضْلِ لَوْلا عِنايَتُكَ [فَيَشْتَغِلُوا بِعِبادَتِكَ لِإغْنائِكَ] لَهم وإحْسانِكَ إلَيْهِمْ، وقَدْ أجابَ اللَّهُ دَعْوَتَهُ؛ فالآيَةُ لِتَذْكِيرِ قُرَيْشٍ بِهَذِهِ النِّعَمِ الجَلِيلَةِ عَلَيْهِمْ بِبَرَكَةِ أبِيهِمُ الأعْظَمِ الَّذِي نَهى عَنْ عِبادَةِ الأوْثانِ.

14:38Page 260

رَبَّنَآ إِنَّكَ تَعۡلَمُ مَا نُخۡفِي وَمَا نُعۡلِنُۗ وَمَا يَخۡفَىٰ عَلَى ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَلَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٣٨

Our Lord, indeed You know what we conceal and what we declare, and nothing is hidden from Allāh on the earth or in the heaven.

ولَمّا فَرَغَ مِنَ الدُّعاءِ بِالأهَمِّ مِنَ الإبْقاءِ عَلى الفِطْرَةِ الأُولى المُشَوِّقَةِ لِلْعَزائِمِ إلى العُكُوفِ في دارَةِ الأُنْسِ، ومِنَ الكِفايَةِ لَهُمُ المَعاشُ، المُنْتِجُ لِلشُّكْرِ بِإنْفاقِ الفَضْلِ، وتَبَيَّنَ مِن ذَلِكَ أنَّهم خالَفُوا أعْظَمَ آبائِهِمْ في جَمِيعِ ما قَصَدَهُ [لَهُمْ] مِنَ المَصالِحِ، أتْبَعُهُ ما يَحُثُّ عَلى الإخْلاصِ في ذَلِكَ وغَيْرِهِ لَهُ ولِغَيْرِهِ لِيَكُونَ أنْجَحَ لِلْمُرادِ بِضَمانِ الإسْعادِ ولا سِيَّما مَعَ تَكْرِيرِ النِّداءِ الدّالِّ عَلى مَزِيدِ التَّضَرُّعِ فَقالَ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا المالِكِ لِجَمِيعِ أُمُورِنا ﴿إنَّكَ تَعْلَمُ ما﴾ أيْ جَمِيعِ ما (p-٤٢٩)﴿نُخْفِي وما نُعْلِنُ﴾ ثُمَّ أشارَ إلى عُمُومِ عِلْمِهِ فَقالَ: ﴿وما يَخْفى عَلى اللَّهِ﴾ أيِ الَّذِي أحاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا. وبالَغَ في النَّفْيِ فَقالَ: ﴿مِن شَيْءٍ﴾ مِن ذَلِكَ ولا غَيْرِهِ ﴿فِي الأرْضِ﴾ ولَمّا كانَ في سِياقِ المُبالَغَةَ، أعادَ النّافِي تَأْكِيدًا فَقالَ: ﴿ولا في السَّماءِ﴾ أيْ فَهو غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى التَّعْرِيفِ بِالدُّعاءِ، فالدُّعاءُ إنَّما هو لِإظْهارِ العُبُودِيَّةِ، واسْمُ الجِنْسِ شامِلٌ لِما فَوْقَ الواحِدِ، ومِن فَوائِدِ التَّعْبِيرِ بِالإفْرادِ الدَّلالَةِ عَلى أنَّ [مَن] كانَ مُحِيطًا [بِكُلِّ ما في المُتَقابِلَيْنِ مِن غَيْرِ أنْ يَحْجُبَهُ أحَدُهُما عَنِ الآخَرِ، كانَ مُحِيطًا] بِغَيْرِهِما كَذَلِكَ مِن غَيْرِ فَرْقٍ.

14:39Page 260

ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِ ٱلَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى ٱلۡكِبَرِ إِسۡمَٰعِيلَ وَإِسۡحَٰقَۚ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ ٣٩

Praise to Allāh, who has granted to me in old age Ishmael and Isaac. Indeed, my Lord is the Hearer of supplication.

ولَمّا تَمَّ ما دَعا بِهِ مِنَ النَّزاهَةِ عَنْ رَجاسَةِ الشِّرْكِ وتَبَيَّنَ بِتَقْدِيمِهِ أنَّ أهَمَّ المُهِمّاتِ البَراءَةُ مِنهُ، أتْبَعُهُ الحَمْدَ عَلى ما رَزَقَ مِنَ النِّعَمِ وما تَبِعَ ذَلِكَ مِنَ الإشارَةِ إلى وُجُوبِ الشُّكْرِ فَقالَ: ﴿الحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أيِ المُسْتَجْمِعِ لِصِفاتِ الكَمالِ ﴿الَّذِي وهَبَ﴾ والهِبَةُ: هِبَةُ تَمْلِيكٍ مِن غَيْرِ عَقْدٍ، مِنّا مِنهُ ”لِي“ حالَ كَوْنِي [مُسْتَعْلِيًا] ﴿عَلى الكِبَرِ﴾ ومُتَمَكِّنًا مِنهُ عَلى يَأْسٍ مِنَ الوَلَدِ ”إسْماعِيلَ“ الَّذِي أسْكَنَتْهُ هُنا ”وإسْحاقَ“ وهَذا يَدُلُّ عَلى ما تَقَدَّمَ فَهْمِي لَهُ مِن أنَّ هَذا الدُّعاءَ كانَ بَعْدَ بِناءِ البَيْتِ (p-٤٣٠)وطُمَأْنِينَتِهِ بِإسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ، عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما أنَّ سِنَّهُ كانَ عِنْدَ وِلادَةِ إسْماعِيلَ عَلَيْهِ السَّلامُ تِسْعًا وتِسْعِينَ سَنَةً، وعِنْدَ وِلادَةِ إسْحاقَ عَلَيْهِ السَّلامُ كانَ مِائَةَ سَنَةٍ واثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً.

ولَمّا كانَ إتْيانُ الوَلَدِ [لَهُ] في سِنٍّ لا يُولَدُ فِيهِ لِمِثْلِهِ، وجَمِيعِ ما دَعا [بِهِ] مِنَ الخَوارِقِ فَوُجُودُهُ لا يَكادُ يُصَدَّقُ، أشارَ إلى ذَلِكَ بِتَأْكِيدِ قَوْلِهِ: ﴿إنَّ رَبِّي﴾ أيِ المُحْسِنِ إلَيَّ ﴿لَسَمِيعُ الدُّعاءِ﴾ أيْ مِن شَأْنِهِ إجابَةُ الدُّعاءِ عَلى الوَجْهِ الأبْلَغِ تَعْرِيضًا بِالأنْدادِ وإشارَةً إلى ما تَضَمَّنَهُ تَأسُّفُهُ عَلى العُقْمِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ في [سُورَةِ البَقَرَةِ] عَنِ التَّوْراةِ أنَّهُ لَمّا خَلُصَ ابْنُ أخِيهِ [ لُوطًا ] مِنَ الأسْرِ قالَ [لَهُ] اللَّهُ: يا إبْراهِيمُ ! أنا أُكاتِفُكَ وأُساعِدُكَ لِأنَّ ثَوابَكَ قَدْ جَزَلَ، فَقالَ إبْرَمُ: اللَّهُمَّ رَبِّي! ما الَّذِي تَنْحَلُنِي وأنا خارِجٌ مِنَ الدُّنْيا بِلا نَسْلٍ ويَرِثُنِي اليَعازِرُ غُلامِي الدِّمَشْقِيُّ؟ فَقالَ لَهُ الرَّبُّ: لا يَرِثُكَ هَذا، بَلِ ابْنُكَ (p-٤٣١)الَّذِي يَخْرُجُ مِن صُلْبِكَ فَهو يَرِثُكَ، وقالَ لَهُ: انْظُرْ إلى السَّماءِ وأحْصِ النُّجُومَ إنْ كُنْتَ تَقْدِرُ أنْ تُحْصِيَها، فَكَذَلِكَ تَكُونُ ذُرِّيَّتُكَ، فَآمَنَ إبْرَمُ بِاللَّهِ.

14:40Page 260

رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ ٤٠

My Lord, make me an establisher of prayer, and [many] from my descendants. Our Lord, and accept my supplication.

ولَمّا تَمَّ الحَمْدُ عَلى النِّعْمَةِ بَعْدَ الدُّعاءِ بِالتَّخَلِّي مِن مُنافِي السَّعادَةِ وخَتْمِهِ بِالحَمْدِ عَلى إجابَةِ الدُّعاءِ، انْتَهَزَ الفُرْصَةَ في إتْباعِهِ الدُّعاءَ بِالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ العِبادَةِ الَّتِي أخْبَرَ أنَّها قَصْدُهُ بِإسْكانِهِ مِن ذُرِّيَّتِهِ ثُمَّ إقامَتُها، إشارَةً إلى صُعُوبَتِها عَلى النَّفْسِ إلّا بِمَعُونَةِ اللَّهِ فَقالَ: ﴿رَبِّ﴾ أيْ أيُّها المُوجِدُ لِي المالِكَ لِأمْرِي ﴿اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ﴾ أيْ هَذا النَّوْعُ الدّالُّ عَلى غايَةِ الخُضُوعِ، دائِمُ الإقامَةِ لَها، وكَأنَّ اللَّهَ تَعالى أعْلَمَهُ بِأنَّهُ يَكُونُ مِن ذُرِّيَّتِهِ مَن يَكْفُرُ فَقالَ أدَبًا: ﴿ومِن ذُرِّيَّتِي﴾

ولَمّا كانَتْ أعْظَمَ الأرْكانِ بَعْدَ الإيمانِ، أفْرادَ [الضَّمِيرَ] لِلدُّعاءِ بِها مُتَمَلِّقًا لِلَّهِ تَعالى بِما عَلَيْهِ مِنَ النِّعَمِ الَّتِي لَمْ يُنْعِمْها عَلى أحَدٍ كانَ في ذَلِكَ الزَّمانِ غَيْرُهُ، كَما أشارَ إلى ذَلِكَ بِاسْمِ الرَّبِّ، [ثُمَّ زادَ] في التَّضَرُّعِ بِقَوْلِهِ: ”رَبَّنا“ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا، وجَمَعَ الضَّمِيرَ المُضافَ إلَيْهِ بِالنَّظَرِ إلى مَن تَبِعَهُ مِن ذُرِّيَّتِهِ لِأنَّ ما بَعْدَهُ كَلامٌ آخَرُ، أيْ رَبِّ ورَبَّ (p-٤٣٢)مَن وفَّقْتَهُ بِتَرْبِيَتِكَ وإحْسانِكَ لِإقامَةِ الصَّلاةِ مِن ذُرِّيَّتِي ﴿وتَقَبَّلْ دُعاءِ﴾ كُلُّهُ بِذَلِكَ وغَيْرُهُ، بِأنْ تَجْعَلَهُ مَقْبُولًا جَعَلَ مِن كَأنَّهُ راغِبٌ فِيهِ مُفَتَّنٌ بِهِ.

14:41Page 260

رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ ٤١

Our Lord, forgive me and my parents and the believers the Day the account is established."

ولَمّا كانَ الإنْسانُ ولَوِ اجْتَهَدَ كُلَّ الِاجْتِهادِ - مَحَلُّ العَجْزِ المُوجِبِ لِلتَّقْصِيرِ المُفْتَقِرِ لِلسَّتْرِ، قالَ مُشِيرًا إلى ذَلِكَ: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المالِكُ لِأُمُورِنا المُدَبِّرُ لَنا ﴿اغْفِرْ لِي﴾ ثُمَّ أشْرَكَ مَعَهُ أقْرَبَ النّاسِ إلَيْهِ وأحَقَّهم بِشُكْرِهِ فَقالَ: ﴿ولِوالِدَيَّ﴾ وقَدْ كانَ اسْتِغْفارُهُ لَهُما قَبْلَ أنْ يَعْلَمَ أنَّ أباهُ ماتَ كافِرًا، وقَدْ عَلِمَ مِنَ السِّياقِ أنَّهُ إذا كانَ وحْدَهُ أضافَ إلى ضَمِيرِهِ، وإذا تَقَدَّمَ ما يُحْسِنُ جَمْعُهُ [مَعَهُ] جَمْعٌ إنْ كانَ ما بَعْدَهُ مُسْتَقِلًّا، ثُمَّ كُلُّ مَن تَبِعَهُ في الدِّينِ مِن ذُرِّيَّتِهِ وغَيْرِهِمْ فَقالَ: ﴿ولِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أيِ العَرِيقِينَ في الوَصْفِ ﴿يَوْمَ يَقُومُ﴾ أيْ يَظْهَرُ ويَتَحَقَّقُ عَلى أعْلى وُجُوهِهِ ﴿الحِسابُ﴾

14:42Page 260

وَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ غَٰفِلًا عَمَّا يَعۡمَلُ ٱلظَّٰلِمُونَۚ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمۡ لِيَوۡمٖ تَشۡخَصُ فِيهِ ٱلۡأَبۡصَٰرُ ٤٢

And never think that Allāh is unaware of what the wrongdoers do. He only delays them [i.e., their account] for a Day when eyes will stare [in horror].

ولَمّا خَتَمَ دُعاءَهُ بِيَوْمِ الحِسابِ المُوجِبِ ذِكْرِهِ لِكُلِّ سَعادَةٍ ونِسْيانِهِ لِكُلِّ شَقاوَةٍ، ذَكَرَ بَعْضَ ما يَتَّفِقُ فِيهِ رُجُوعًا إلى ما مَضى مِن أحْوالِ يَوْمِ القِيامَةِ عَلى أحْسَنِ وجْهٍ، فَقالَ - عاطِفًا [عَلى قَوْلِهِ] ﴿قُلْ لِعِبادِيَ﴾ [إبراهيم: ٣١] وجَلَّ المَقْصِدُ تَهْدِيدُ أهِلِ الظُّلْمِ بِالإشْراكِ وغَيْرِهِ، وخاطَبَ [الرَّأْسَ] الَّذِي لا يُمْكِنُ ذَلِكَ مِنهُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قَلْبِ (p-٤٣٣)غَيْرِهِ -: ﴿ولا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ أيِ المَلِكِ الأعْظَمِ الَّذِي هو أحْكَمُ الحاكِمِينَ.

ولَمّا كانَ [اعْتِقادُ] تَرْكِ الحِسابِ يَلْزَمُ مِنهُ نِسْبَةُ الحاكِمِ إلى العَجْزِ أوِ السَّفَهِ أوِ الغَفْلَةِ، وكانَ قَدْ أثْبَتَ قُدْرَتَهُ وحِكْمَتَهُ في هَذِهِ السُّورَةِ وغَيْرِها نُزْهَةً عَنِ الغَفْلَةِ لِيَنْتَبِهَ المُنْكِرُونَ لِلْبَعْثِ مِن غَفْلَتِهِمْ فَقالَ: ”غافِلًا“ والغَفْلَةُ: ذَهابُ المَعْنى عَنِ النَّفْسِ ﴿عَمّا يَعْمَلُ الظّالِمُونَ﴾ الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فَكانُوا عَرِيقِينَ في الظُّلْمِ وإنْ كانَ مُسْتَنَدُ ظُلْمِهِمْ شُبَهًا عِلْمِيَّةً يُقِيمُونَها، فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما الَّذِي يَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقالَ: ﴿إنَّما يُؤَخِّرُهُمْ﴾ أيْ يُؤَخِّرُ حِسابَهم عَلى النَّقِيرِ والقِطْمِيرِ سَواءٌ عُذِّبُوا في الدُّنْيا أوْ لا ﴿لِيَوْمٍ تَشْخَصُ﴾ أيْ تُفَتَّحُ فَتَكُونُ بِحَيْثُ لا تَطَرُّفَ ﴿فِيهِ﴾ مِنهم ﴿الأبْصارُ﴾ أيْ حالَ كَوْنِهِمْ

14:43Page 261

مُهۡطِعِينَ مُقۡنِعِي رُءُوسِهِمۡ لَا يَرۡتَدُّ إِلَيۡهِمۡ طَرۡفُهُمۡۖ وَأَفۡـِٔدَتُهُمۡ هَوَآءٞ ٤٣

Racing ahead, their heads raised up, their glance does not come back to them,1 and their hearts are void.

﴿مُهْطِعِينَ﴾ أيْ مُسْرِعِينَ غايَةَ الإسْراعِ إلى حَيْثُ دَعَوْا [خَوْفًا] وجَزَعًا، مَعَ الإقْبالِ بِالبَصَرِ نَحْوَ الدّاعِي لا يَلْفِتُونَهُ إلى غَيْرِهِ ﴿مُقْنِعِي رُءُوسِهِمْ﴾ أيْ رافِعِيها وناصِبِيها ناظِرِينَ في ذُلٍّ وخُشُوعٍ إلى جِهَةٍ واحِدَةٍ، وهي جِهَةُ الدّاعِي، لا يَلْتَفِتُونَ يَمِينًا (p-٤٣٤)ولا شَمالًا، وهَذا كِنايَةٌ عَنْ أشَدِّ الذُّلِّ والصَّغارِ، ثُمَّ أتْبَعَهُ ما يُؤَكِّدُهُ فَقالَ مُصَرِّحًا بِمَعْنى الشُّخُوصِ: ﴿لا يَرْتَدُّ إلَيْهِمْ﴾ ولَمّا كانُوا في هَيْئَةِ الأعْيُنِ في الطَّرَفِ والسُّكُونِ قَرِيبًا مِنَ السَّواءِ، وحَّدَ فَقالَ: ﴿طَرْفُهُمْ﴾ بَلْ أعْيُنُهم شاخِصَةٌ دائِمَةُ الفَتْحِ لا تَطْرُفُ كالمُحْتَضَرِ لِما بِأصْحابِها مِنَ الهَوْلِ ﴿وأفْئِدَتُهُمْ﴾ جَمْعُ فُؤادٍ، وهو العُضْوُ الَّذِي مِن شَأْنِهِ أنْ يَحْمى بِالغَضَبِ؛ قالَ في القامُوسِ: والتَّفَؤُّدُ: التَّحَرُّقُ والتَّوَقُّدُ، ومِنهُ الفُؤادُ لِلْقَلْبِ مُذَكَّرٌ، جَمْعُهُ أفْئِدَةٌ.

﴿هَواءٌ﴾ أيْ عَدَمٌ فارِغَةٌ لا شَيْءَ فِيها مِنَ الجُرْأةِ والأنَفَةِ الَّتِي يُظْهِرُونَها الآنَ كَما قالَ حَسّانُ بْنُ ثابِتٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:

؎ألا أبْلِغْ أبا سُفْيانَ عَنِّي ∗∗∗ فَأنْتَ مُجَوَّفٌ نَخْبٌ هَواءُ

والهَواءُ: الخَلاءُ الَّذِي لَمْ تَشْغَلْهُ الأجْرامُ، والنَّخْبُ: الجَبانُ، وكَذا الهَواءُ - قالَهُ في القامُوسِ. فَأنْذِرْهم [أهْوالَ] ذَلِكَ اليَوْمِ فَإنَّهُ لا يَبْقى مَعَهم فِيهِ شَيْءٌ مِمّا هم فِيهِ مِنَ الإباءِ والِاسْتِكْبارِ

14:44Page 261

وَأَنذِرِ ٱلنَّاسَ يَوۡمَ يَأۡتِيهِمُ ٱلۡعَذَابُ فَيَقُولُ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رَبَّنَآ أَخِّرۡنَآ إِلَىٰٓ أَجَلٖ قَرِيبٖ نُّجِبۡ دَعۡوَتَكَ وَنَتَّبِعِ ٱلرُّسُلَۗ أَوَلَمۡ تَكُونُوٓاْ أَقۡسَمۡتُم مِّن قَبۡلُ مَا لَكُم مِّن زَوَالٖ ٤٤

And, [O Muḥammad], warn the people of a Day when the punishment will come to them and those who did wrong will say, "Our Lord, delay us for a short term; we will answer Your call and follow the messengers." [But it will be said], "Had you not sworn, before, that for you there would be no cessation?1

﴿وأنْذِرِ﴾ أيْ يا مُحَمَّدُ ﴿النّاسَ﴾ جَمِيعًا، ما يَحِلُّ بِهِمْ ﴿يَوْمَ يَأْتِيهِمُ العَذابُ﴾ ويَنْكَشِفُ (p-٤٣٥)عَنْهُمُ الغِطاءُ بِالمَوْتِ أوِ البَعْثِ.

ولَمّا كانُوا [عِنْدَ] إتْيانِ العَذابِ قَبْلَ المَوْتِ لا يَنْكَسِرُونَ بِالكُلِّيَّةِ، بَيَّنَ أنَّهم إذْ ذاكَ عَلى غَيْرِ هَذا، فَقالَ عاطِفًا عَلى ”يَأْتِيهِمْ“: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ أوْجَدُوا هَذا الوَصْفَ ولَوْ عَلى أدْنى الوُجُوهِ [مِنهُمْ] ومَن غَيْرِهِمْ بِسَبَبِ إتْيانِهِ مِن غَيْرِ تَمَهُّلٍ، وقَدْ زالَ عَنْهم ما يَفْتَخِرُونَ بِهِ مِنَ الأنَفَةِ والحَمِيَّةِ والشَّمّاخَةِ والكِبْرِ لِما رَأوْا مِنَ الأهْوالِ الَّتِي لا قِبَلَ لَهم بِها ولا صَبْرَ عَلَيْها: ﴿رَبَّنا﴾ أيْ أيُّها المُحْسِنُ إلَيْنا بِالخُلُقِ والرِّزْقِ والتَّرْبِيَةِ ”أخِّرْنا“ أيْ أمْهِلْنا ﴿إلى أجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فَإنَّكَ إنْ تُؤَخِّرْنا إلَيْهِ ﴿نُجِبْ دَعْوَتَكَ﴾ أيِ اسْتِدْراكًا لِما فَرَّطْنا فِيهِ؛ والإجابَةُ: القَطْعُ عَلى مُوافَقَةِ الدّاعِي بِالإرادَةِ ﴿ونَتَّبِعِ﴾ أيْ بِغايَةِ الرَّغْبَةِ ﴿الرُّسُلَ﴾ فَيُقالُ لَهُمْ: إنَّ أجَلَ اللَّهِ إذا جاءَ لا يُؤَخَّرُ، أوَلَمْ تَكُونُوا تَقُولُونَ: إنَّ عُرى صَبْرِكم لا تَنْحَلُّ، وحَدَّ عَزائِمِكم لا يَفِلُّ؟ ﴿أوَلَمْ تَكُونُوا﴾ أيْ كَوْنًا أنْتُمْ فِيهِ في غايَةِ المُكْنَةِ ﴿أقْسَمْتُمْ﴾ أيْ جَهْلًا وسَفَهًا أوْ أشَرًا وبَطَرًا.

ولَمّا لَمْ يَكُنْ وقْتُ إقْسامِهِمْ مُسْتَغْرِقًا لِلزَّمانِ قالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾ (p-٤٣٦)وبَيَّنَ الجَوابَ المُقْسَمَ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ - حاكِيًا مَعْنى قَوْلِهِمْ لا لَفْظَهُ - لِيَكُونَ صَرِيحًا في المُرادِ مِن غَيْرِ احْتِمالٍ لِتَعَنُّتٍ لَوْ قِيلَ: ما لَنا؟: ﴿ما لَكُمْ﴾ وأكَّدَ النَّفْيَ فَقالَ: ﴿مِن زَوالٍ﴾ عَمًّا أنْتُمْ عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرانِ وعَدَمِ الإذْعانِ لِلْإيمانِ، أوْ مِن هَذِهِ الدّارِ إلى الدّارِ الآخِرَةِ، أوْ مِن مَنازِلِكُمُ الَّتِي أنْتُمْ بِها، كِنايَةً عَنْ ثَباتِ الأمْرِ وعَدَمِ المُبالاةِ بِالمُخالِفِ كائِنًا مَن كانَ

14:45Page 261

وَسَكَنتُمۡ فِي مَسَٰكِنِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَتَبَيَّنَ لَكُمۡ كَيۡفَ فَعَلۡنَا بِهِمۡ وَضَرَبۡنَا لَكُمُ ٱلۡأَمۡثَالَ ٤٥

And you lived among the dwellings of those who wronged themselves, and it had become clear to you how We dealt with them. And We presented for you [many] examples."

”و“ الحالُ أنَّكم ﴿وسَكَنْتُمْ﴾ [أيْ] في الدُّنْيا ﴿فِي مَساكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أيْ بِوَضْعِ الأشْياءِ في غَيْرِ مَواضِعِها كَما فَعَلْتُمْ أنْتُمْ ﴿أنْفُسَهُمْ﴾ فَأحِلُّوا قَوْمَهم مِثْلَكم دارَ البُورِ ”وتَبَيَّنَ“ أيْ غايَةَ البَيانِ ”لَكُمْ“ بِالخَبَرِ والمُشاهَدَةِ.

ولَمّا كانَ [حالُ] أحَدِهِمْ في غايَةِ العَجَبِ، نَبَّهَ بِالِاسْتِفْهامِ عَلى أنَّهُ أهْلٌ لِأنْ يَسْألَ عَنْهُ فَقالَ: ﴿كَيْفَ فَعَلْنا﴾ أيْ عَلى عَظَمَتِنا ”بِهِمْ“ حِينَ انْتَقَمْنا مِنهم [فَلَمْ] تَعْتَبِرُوا بِأحْوالِهِمْ ﴿وضَرَبْنا﴾ [أيْ] عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ ﴿لَكُمُ الأمْثالَ﴾ المُبِينَةِ أنَّ سُنَّةَ اللَّهِ جَرَتْ - ولَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا - أنَّ الظّالِمِينَ كَما جَمَعَهُمُ [اسْمُ] الظُّلْمِ يَجْمَعُهم مِيسَمُ الهَلاكِ، فَجَمَعْنا لَكم بَيْنَ طَرِيقَيِ الِاعْتِبارِ: السَّمْعُ والبَصَرُ، ثُمَّ لَمْ تَنْتَفِعُوا بِشَيْءٍ مِنهُما

14:46Page 261

وَقَدۡ مَكَرُواْ مَكۡرَهُمۡ وَعِندَ ٱللَّهِ مَكۡرُهُمۡ وَإِن كَانَ مَكۡرُهُمۡ لِتَزُولَ مِنۡهُ ٱلۡجِبَالُ ٤٦

And they had planned their plan, but with Allāh is [recorded] their plan, even if their plan had been [sufficient] to do away with the mountains.1

”و“ الحالُ أنَّهُ بانَ لَكم أنَّهم حِينَ (p-٤٣٧)فَعَلْنا بِهِمْ ما فَعَلْنا ﴿وقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ﴾ أيِ الشَّدِيدِ العَظِيمِ الَّذِي اسْتَفْرَغُوا فِيهِ جُهْدَهم بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ لَهم مَكْرٌ غَيْرُهُ في تَأْيِيدِ الكُفْرِ وإبْطالِ الحَقِّ؛ والمَكْرُ: الفَتْلُ إلى الضَّرَرِ عَلى وجْهِ الحِيلَةِ ”و“ الحالُ أنَّهُ ”عِنْدَ اللَّهِ“ أيِ المُحِيطِ عِلْمًا وقُدْرَةً ﴿مَكْرَهُمْ﴾ هو وحْدَهُ بِهِ عالِمٌ مِن جَمِيعِ وُجُوهِهِ وإنَّ دَقَّ، وعَلى إبْطالِهِ قادِرٌ وإنْ جَلَّ ﴿وإنْ كانَ مَكْرُهُمْ﴾ مِنَ القُوَّةِ والضَّخامَةِ ”لِتَزُولَ“ أيْ لِأجْلِ أنْ تَزُولَ ﴿مِنهُ الجِبالُ﴾ والتَّقْدِيرُ عَلى قِراءَةِ فَتْحِ اللّامِ الأُولى ورَفْعِ الثّانِيَةِ: وإنْ كانَ بِحَيْثُ إنَّهُ تَزُولُ مِنهُ الجِبالُ، والمَعْنَيانِ مُتَقارِبانِ، وقِيلَ: ”إنَّ“ نافِيَةً، واللّامُ لِتَأْكِيدِ النَّفْيِ؛ والجِبالُ: الآياتُ والشَّرائِعُ، بَلْ هي أثْبَتُ.

14:47Page 261

فَلَا تَحۡسَبَنَّ ٱللَّهَ مُخۡلِفَ وَعۡدِهِۦ رُسُلَهُۥٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٞ ذُو ٱنتِقَامٖ ٤٧

So never think that Allāh will fail in His promise to His messengers. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Owner of Retribution.1

ولِما تَقَرَّرَ ذَلِكَ مِن عِلْمِهِ سُبْحانَهُ وقُدْرَتِهِ، تَسَبَّبَ عَنْهُ أنْ يُقالَ -وهُوَ كَما تَقَدَّمَ في أنَّ المُرادَ الأُمَّةُ لِبُلُوغِ [الأمْرِ] مِنهم كُلَّ مَبْلَغٍ، خُوطِبَ بِهِ الرَّأْسُ لِيَكُونَ أوْقَعَ في قُلُوبِهِمْ: ﴿فَلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ﴾ (p-٤٣٨)أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ، فَإنَّ مَن ظَنَّ ذَلِكَ كانَ ناقِصَ العَقْلِ ﴿مُخْلِفَ وعْدِهِ رُسُلَهُ﴾ في أنَّهُ يُعِزُّ أوْلِياءَهُ ويُذِلُّ أعْداءَهُ ويُهْلِكُهم بِظُلْمِهِمْ، ويُسْكِنُ أوْلِياءَهُ الأرْضَ مِن بَعْدِهِمْ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِأنَّ كَثْرَةَ المُخالِفِينَ وقُوَّتَهم عَلى تَمادِي الأيّامِ تَعَرَّضَ السّامِعَ لِلْإنْكارِ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيْ ذا الجَلالِ والإكْرامِ ”عَزِيزٌ“ أيْ يَقْدِرُ ولا يُقْدَرُ عَلَيْهِ ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ مِمَّنْ يُخالِفُ أمْرَهُ.

14:48Page 261

يَوۡمَ تُبَدَّلُ ٱلۡأَرۡضُ غَيۡرَ ٱلۡأَرۡضِ وَٱلسَّمَٰوَٰتُۖ وَبَرَزُواْ لِلَّهِ ٱلۡوَٰحِدِ ٱلۡقَهَّارِ ٤٨

[It will be] on the Day the earth will be replaced by another earth, and the heavens [as well], and they [i.e., all creatures] will come out before Allāh, the One, the Prevailing,

ولَمّا تَقَرَّرَتْ عَظَمَةُ ذَلِكَ اليَوْمِ الَّذِي تَشْخَصُ فِيهِ الأبْصارُ، وكانَ أعْظَمَ يَوْمٍ [يَظْهَرُ] فِيهِ الِانْتِقامُ، بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ﴾ أيْ تَبْدِيلًا غَرِيبًا عَظِيمًا ”الأرْضُ“ أيْ هَذا الجِنْسُ ﴿غَيْرَ الأرْضِ﴾ [أيِ] الَّتِي تَعْرِفُونَها ﴿والسَّماواتُ﴾ بَعْدَ انْتِشارِ كَواكِبِها وانْفِطارِها وغَيْرِ ذَلِكَ مِن شُئُونِها؛ والتَّبْدِيلُ: تَغْيِيرُ الشَّيْءِ أوْ صِفَتُهُ إلى بَدَلٍ ﴿وبَرَزُوا﴾ أيِ الظّالِمُونَ الَّذِينَ كانُوا يَقُولُونَ: إنَّهم لا يُعْرَضُونَ عَلى اللَّهِ لِلْحِسابِ؛ والبُرُوزُ: ظُهُورُ الشَّخْصِ مِمّا كانَ مُلْتَبَسًا بِهِ ”لِلَّهِ“ أيِ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ ﴿الواحِدِ﴾ الَّذِي لا شَرِيكَ لَهُ ﴿القَهّارِ﴾ الَّذِي لا يُدافِعُهُ شَيْءٌ عَنْ مُرادِهِ، فَصارُوا بِذَلِكَ البُرُوزِ بِحَيْثُ لا يَشُكُّونَ أنَّهُ لا يَخْفى مِنهم خافِيَةٌ، وأمّا المُؤْمِنُونَ فَلَمْ يَزالُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ: (p-٤٣٩)رَوى مُسْلِمٌ والتِّرْمِذِيُّ عَنْ عائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْها قالَتْ: «سَألْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ عَنْ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الأرْضُ﴾ الآيَةُ قُلْتُ: يا رَسُولَ اللَّهِ فَأيْنَ يَكُونُ لِلنّاسِ يَوْمَئِذٍ؟ قالَ: عَلى الصِّراطِ».

14:49Page 261

وَتَرَى ٱلۡمُجۡرِمِينَ يَوۡمَئِذٖ مُّقَرَّنِينَ فِي ٱلۡأَصۡفَادِ ٤٩

And you will see the criminals that Day bound together in irons,

ولَمّا ذَكَرَ بُرُوزَهم [لَهُ] ذَكَرَ حالَهم في ذَلِكَ البُرُوزِ فَقالَ: ﴿وتَرى المُجْرِمِينَ﴾ [أيْ] وتَراهُمْ، ولَكِنَّهُ [أظْهَرَ] لِتَعَدُّدِ صِفاتِهِمُ الَّتِي أوْجَبَتْ لَهُمُ الخِزْيَ؛ والإجْرامَ: قَطْعُ ما يَجُوزُ مِنَ العَمَلِ بِفِعْلِ ما لا يَجُوزُ ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أيْ إذْ كانَتْ هَذِهِ الأُمُورُ العِظامُ ﴿مُقَرَّنِينَ﴾ أيْ مَجْمُوعًا كُلٌّ مِنهم إلى نَظِيرِهِ، أوْ مَجْمُوعَةٌ أيْدِيهِمْ إلى أعْناقِهِمْ جَمْعًا فِيهِ شِدَّةٌ وضِيقٌ ﴿فِي الأصْفادِ﴾ أيِ القُيُودِ، والمُرادُ هُنا الأغْلالُ، أيِ السَّلاسِلُ الَّتِي تَجْمَعُ الأيْدِي [فِيها] إلى الأعْناقِ ويَقْرَنُونَ فِيها مَعَ أشْكالِهِمْ؛

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском