Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Ibrahim 14:50–52
14:50Page 261
سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٖ وَتَغۡشَىٰ وُجُوهَهُمُ ٱلنَّارُ ٥٠
Their garments of liquid pitch and their faces covered by the Fire
ثُمَّ بَيَّنَ لِباسَهم بِقَوْلِهِ: ﴿سَرابِيلُهُمْ﴾ أيْ قُمُصُهُمُ السّابِغَةُ ﴿مِن قَطِرانٍ﴾ وهو ما يَهْنَأُ بِهِ الإبِلُ، ومِن شَأْنِهِ أنَّهُ سَرَعَ فِيهِ (p-٤٤٠)اشْتِعالُ النّارِ، وهو أسْوَدُ اللَّوْنِ مُنْتِنُ الرِّيحِ.
ولَمّا كانَ هَذا اللِّباسُ مَعَ نَتْنِهِ وفَظاعَتِهِ شَدِيدَ الِانْفِعالِ بِالنّارِ، بَيَّنَ أنَّهُ يُسَلِّطُها عَلَيْهِمْ فَقالَ: ﴿وتَغْشى﴾ ولَمّا كانَ الوَجْهُ أشْرَفَ ما في الحَيَوانِ، فَإهانَتُهُ إهانَةٌ عَظِيمَةٌ لِصاحِبِهِ، ذَكَرَهُ وقَدَّمَهُ تَعْجِيلًا لِإفْهامِ الإهانَةِ فَقالَ: ﴿وُجُوهَهُمُ النّارُ﴾ أيْ تَعْلُوها بِاشْتِعالِها، فَعُلِمَ أنَّهُ يَلْزَمُ مِن غَشَيانِها لَها اضْطِرامُها فِيما ضَمَّخَ بِالقَطْرانِ مِن بابِ الأُولى؛
14:51Page 261
لِيَجۡزِيَ ٱللَّهُ كُلَّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٥١
So that Allāh will recompense every soul for what it earned. Indeed, Allāh is swift in account.
ثُمَّ بَيَّنَ عِلَّةَ هَذِهِ الأفْعالِ في ذَلِكَ اليَوْمِ، فَقالَ مُعَبِّرًا بِالجَزاءِ والكَسْبِ الَّذِي [هُوَ] مَحَطُّ التَّكْلِيفِ وظَنُّ النَّفْعِ، لِاقْتِضاءِ سِياقِ القَهْرِ لَهُما: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الكَمالُ كُلُّهُ ﴿كُلَّ نَفْسٍ﴾ طائِعَةً أوْ عاصِيَةً. ولَمّا عَظُمَ الأمْرُ بِإسْنادِ الجَزاءِ إلى الِاسْمِ الأعْظَمِ الجامِعِ لِجَمِيعِ صِفاتِ الكَمالِ، اقْتَضى ذَلِكَ أنْ يَكُونَ نَفْسُ الكَسْبِ هو الجَزاءَ، لِأنَّ ذَلِكَ أبْدَعُ وأدَقُّ في الصُّنْعِ وأبْرَعُ بِأنْ يُصَوِّرَ بِما يَحِقُّ مِنَ الصُّوَرِ المَلِيحَةِ عِنْدَ إرادَةِ الثَّوابِ، والقَبِيحَةِ عِنْدَ إرادَةِ العِقابِ، فَلِذَلِكَ أسْقَطَ الباءَ - الَّتِي (p-٤٤١)سَتُذْكَرُ في ”حم المُؤْمِنُ“ وقالَ: ﴿ما كَسَبَتْ﴾ والجَزاءُ: مُقابَلَةُ العَمَلِ بِما يَقْتَضِيهِ مِن خَيْرٍ أوْ شَرٍّ؛ والكَسْبُ: فِعْلُ ما يُسْتَجْلَبُ بِهِ نَفْعٌ أوْ يُسْتَدْفَعُ بِهِ ضُرٌّ، ومِن جَزاءِ المُؤْمِنِ عُقُوبَةُ مَن عاداهُ في اللَّهِ.
ولَمّا كانَ حِسابُ كُلِّ نَفْسٍ جَدِيرًا بِأنْ يَسْتَعْظِمَ، قالَ: ﴿إنَّ اللَّهَ﴾ أيِ الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ المُطْلَقَةُ ﴿سَرِيعُ الحِسابِ﴾ أيْ لا يَشْغَلُهُ حِسابُ نَفْسٍ عَنْ حِسابِ أُخْرى ولا شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ.
14:52Page 261
هَٰذَا بَلَٰغٞ لِّلنَّاسِ وَلِيُنذَرُواْ بِهِۦ وَلِيَعۡلَمُوٓاْ أَنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ وَلِيَذَّكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٥٢
This [Qur’ān] is notification for the people that they may be warned thereby and that they may know that He is but one God and that those of understanding will be reminded.
ولَمّا اشْتَمَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ عَلى ما قَرَعَ سَمِعَكَ مِن هَذِهِ المَواعِظِ والأمْثالِ والحِكَمِ الَّتِي أبْكَمَتِ البُلَغاءَ، وأخْرَسَتِ الفُصَحاءَ، وبَهَرَتِ العُقُولَ، تَرْجَمَها سُبْحانَهُ بِما يَصْلُحُ عُنْوانًا لِجَمِيعِ القُرْآنِ فَقالَ: ﴿هَذا﴾ أيِ الكِتابِ الَّذِي يَخْرُجُ النّاسُ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ ﴿بَلاغٌ﴾ أيْ كافٍ غايَةَ الكِفايَةِ في الإيصالِ ﴿لِلنّاسِ﴾ لِيَصِلُوا بِهِ إلى اللَّهِ بِما يَتَحَلَّوْنَ بِهِ مِنَ المَزايا في سُلُوكِ صِراطِهِ القَوِيمِ، فَإنَّ مادَّةَ ”بَلَغَ“ بِأيِّ تَرْتِيبٍ كانَ - تَدُورُ عَلى الوُصُولِ، وتارَةً تَلْزَمُها القُوَّةُ وتارَةً الإعْياءُ النّاشِئُ عَنِ الضَّعْفِ: (p-٤٤٢)بَلَغَ المَكانُ بُلُوغًا: وصَلَ إلَيْهِ؛ وبَلَغَ الرَّجُلُ - كَعَنِيَ: جَهِدَ، والبَلِيغُ: الفَصِيحُ يَبْلُغُ بِعِبارَتِهِ كُنْهَ ضَمِيرِهِ، والبَلاغُ - كَسَحابِ: الكِفايَةُ، لِأنَّها تُوصَلُ إلى القَصْدِ، وبالَغَ مُبالَغَةً - إذا اجْتَهَدَ ولَمْ يُقَصِّرْ، وتَبَلَّغَتْ بِهِ العِلَّةُ: اشْتَدَّتْ.
والغَلْباءُ: الحَدِيقَةُ المُتَكاثِفَةُ، ومِنَ القَبائِلِ: العَزِيزَةِ المُمْتَنِعَةِ، والأغْلَبُ: الأسَدُ.
ولَغَبَ: أعْيا - لِاجْتِهادِهِ في البُلُوغِ، واللَّغَبِ: ما بَيْنَ الثَّنايا مِنَ اللَّحْمِ، واللَّغَبُ - كَكَتِفَ: الكَلامُ الفاسِدُ - يَرْجِعُ إلى الإعْياءِ، وكَذا الضَّعِيفُ الأحْمَقُ، والسَّهْمُ الَّذِي لَمْ يُحْسِنْ بِرَيِّهِ كاللُّغابِ - بِالضَّمِّ، والتَّغَلُّبُ: طُولُ الطَّرْدِ.
والبَغْلُ مِن أشَدِّ الحَيَوانِ وأبْلَغِها لِلْقَصْدِ، وبَغَلَ تَبْغِيلًا: بَلَدَ وأعْيا، والإبِلُ: مَشَتْ بَيْنَ الهَمْلَجَةِ والعُنُقِ.
ولَمّا كانَ مُتَعَلِّقُ البَلاغِ الَّذِي قُدْرَتُهُ بِالوُصُولِ يَتَضَمَّنُ البِشارَةَ، عَطَفَ عَلَيْهِ النِّذارَةَ بانِيًا لِلْمَفْعُولِ، لِأنَّ النّافِعَ مُطْلَقُ النِّذارَةِ، وكُلُّ أحَدٍ مُتَأهِّلٌ (p-٤٤٣)لِأنْ يَكُونَ واعِظًا بِهِ مَقْبُولًا، لِأنَّ مِن سَمِعَهُ فَكَأنَّما سَمِعَهُ مِنَ اللَّهِ لِتَمَيُّزِهِ بِإعْجازِهِ عَنْ كُلِّ كَلامٍ، فَقالَ: ﴿ولِيُنْذَرُوا﴾ أيْ مِن أيْ مُنْذِرٍ كانَ فَيَقُومُ عَلَيْهِمُ الحُجَّةَ ﴿بِهِ﴾ فَيَحْذَرُوا عِقابَ اللَّهِ فَيَتَخَلَّوْا عَنِ الدَّنايا.
ولَمّا أشارَ إلى جَمِيعِ الفُرُوعِ فِعْلًا وتَرْكًا، مَعَ إشارَتِهِ إلى أصْلِ التَّوْحِيدِ لِأنَّهُ أوَّلُ الوُصُولِ، صَرَّحَ بِهِ عَلى حِدَّتِهِ لِجَلالَتِهِ في قَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هُوَ﴾ أيِ الإلَهُ ﴿إلَهٌ واحِدٌ﴾ فَيَكُونُ هَمُّهم واحِدًا.
ولَمّا تَمَّتِ الإشارَةُ إلى الدِّينِ أصْلًا وفَرْعًا، نَبَّهَ عَلى المَواعِظِ والأمْثالِ بِتَذَكُّرِ ما لَهُ مِنَ الآياتِ والمَصْنُوعاتِ، والبَطْشِ بِمَن خالَفَهُ مِنَ الأُمَمِ، وأشارَ إلى أنَّ أدِلَّةَ الوَحْدانِيَّةِ والحَشْرِ لا تَحْتاجُ إلى كَبِيرِ تَذَكُّرٍ، لِأنَّها في غايَةِ الوُضُوحِ ولا سِيَّما بَعْدَ تَنْبِيهِ الرُّسُلِ، فَأدْغَمَ تاءَ التَّفَعُّلِ، فَقالَ: ﴿ولِيَذَّكَّرَ﴾ أيْ مِنهم ﴿أُولُو الألْبابِ﴾ أيِ الصّافِيَةِ، والعُقُولِ الوافِيَةِ، فَيَفْتَحُوا عُيُونَ بَصائِرِهِمْ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ لا وُصُولَ لَهم مَعَ الغَفْلَةِ فَيَلْزَمُوا المُراقَبَةَ فَلا يَزالُوا في رِياضِ المُقارَبَةِ. ويَعْلَمُوا - بِما رَكَزَ في طَبائِعِهِمْ وجَرى مِن عَوائِدِهِمْ - أنَّ أقَلَّ حُكّامِهِمْ لا يَرْضى بِأنْ يَدَعَ رَعِيَّتَهُ يَتَهارَجُونَ (p-٤٤٤)لا يُنْصَفُ بَيْنَهم ولا يُجْزى أحَدًا مِنهم بِما كَسَبَ، فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنهُ انْسِلاخًا مِن رُتْبَةِ الحُكْمِ الَّتِي هي خاصَّتُهُ، فَكَيْفَ يَدَّعُونَ ذَلِكَ في أحْكَمِ الحاكِمِينَ، فَقَدْ تَكَفَّلَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وجازَتِها [بِجَمِيعِ عِلْمِ الشَّرِيعَةِ أُصُولًا وفُرُوعًا، وعَلِمَ الحَقِيقَةَ نِهاياتٍ وشُرُوعًا، عَلى سَبِيلِ الإجْمالِ -] وقَدِ انْطَبَقَ آخِرُ السُّورَةِ عَلى أوَّلِها، لِأنَّ هَذا عَيْنُ الخُرُوجِ مِنَ الظُّلُماتِ إلى النُّورِ بِهَذا الكِتابِ الحامِلِ عَلى كُلِّ صَوابٍ - واللَّهُ سُبْحانَهُ وتَعالى المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ وحُسْنِ المَآبِ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences