Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
Al-Hijr 15:9–21
15:9Page 262
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا ٱلذِّكۡرَ وَإِنَّا لَهُۥ لَحَٰفِظُونَ ٩
Indeed, it is We who sent down the message [i.e., the Qur’ān], and indeed, We will be its guardian.
وأجابَ - سُبْحانَهُ - عَنِ الأوَّلِ بِقَوْلِهِ - مُؤَكِّدًا لِتَكْذِيبِهِمْ -: ﴿إنّا نَحْنُ﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ (p-٢١)لا غَيْرُنا مِن جِنٍّ؛ ولا إنْسٍ؛ ﴿نَـزَّلْنا﴾؛ أيْ: بِالتَّدْرِيجِ؛ عَلى لِسانِ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: المَوْعِظَةَ؛ والشَّرَفَ؛ ﴿وإنّا لَهُ﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ وإنْ رَغِمَتْ أُنُوفُ الحاسِدِينَ؛ ﴿لَحافِظُونَ﴾؛ أيْ: دائِمًا؛ بِقُدْرَتِنا؛ وعِلْمِنا؛ لِما في سُورَةِ ”هُودٍ“؛ مِن أنَّ ذَلِكَ لازِمٌ لِلْحِفْظِ؛ فانْتَفى حِينَئِذٍ جَوازُ أنْ يُنَزَّلَ عَلى مَجْنُونٍ؛ مُخَلِّطٍ؛ لا سِيَّما وهو عَلى هَذِهِ الأسالِيبِ البَدِيعَةِ؛ والمَناهِجِ الرَّفِيعَةِ؛ فَكَأنَّ المَعْنى: أرْسَلْناكَ بِهِ حالَ كَوْنِكَ بَشَرًا؛ لا مَلَكًا؛ قَوِيًّا سَوِيًّا؛ يَعْلَمُونَ أنَّكَ أكْمَلُهم عَقْلًا؛ وأعْلاهم هِمَّةً؛ وأيْقَنُهم فِكْرًا؛ وأتْقَنُهم أمْرًا وأوْثَقُهم رَأْيًا؛ وأصْلَبُهم عَزِيمَةً؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ والفِتَنِ؛ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: أرْسَلَ إلَيَّ أبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَقْتَلَ أهْلِ اليَمامَةِ؛ وعِنْدَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّ عُمَرَ أتانِي فَقالَ: إنَّ القَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ يَوْمَ اليَمامَةِ بِالنّاسِ - وفي رِوايَةٍ: بِقُرّاءِ القُرْآنِ - وإنِّي أخْشى أنْ يَسْتَحِرَّ القَتْلُ بِالقُرّاءِ في المَواطِنِ؛ فَيَذْهَبَ كَثِيرٌ مِنَ القُرْآنِ؛ إلّا أنْ (p-٢٢)تَجْمَعُوهُ؛ وإنِّي لَأرى أنْ تَجْمَعَ القُرْآنَ؛ قالَ أبُو بَكْرٍ: فَقُلْتُ لِعُمَرَ: كَيْفَ أفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ عُمَرُ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُراجِعُنِي فِيهِ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ لِذَلِكَ صَدْرِي؛ ورَأيْتُ الَّذِي رَأى عُمَرُ؛ قالَ زَيْدُ بْنُ ثابِتٍ: وعُمَرُ جالِسٌ عِنْدَهُ لا يَتَكَلَّمُ؛ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: إنَّكَ رَجُلٌ شابٌّ؛ عاقِلٌ؛ ولا نَتَّهِمُكَ؛ كُنْتَ تَكْتُبُ الوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَتَتَبَّعِ القُرْآنَ فاجْمَعْهُ؛ فَواللَّهِ لَوْ كَلَّفَنِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الجِبالِ؛ ما كانَ أثْقَلَ عَلَيَّ مِمّا أمَرَنِي بِهِ مِن جَمْعِ القُرْآنِ؛ قُلْتُ: كَيْفَ تَفْعَلانِ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؟ فَقالَ أبُو بَكْرٍ: هو واللَّهِ خَيْرٌ؛ فَلَمْ أزَلْ أُراجِعُهُ حَتّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لِلَّذِي شَرَحَ اللَّهُ لَهُ صَدْرَ أبِي بَكْرٍ؛ وعُمَرَ؛ فَقُمْتُ فَتَتَبَّعْتُ القُرْآنَ أجْمَعُهُ مِنَ الرِّقاعِ؛ والأكْتافِ؛ والعَسْبِ؛ وصُدُورِ الرِّجالِ؛ حَتّى وجَدْتُ مِن سُورَةِ ”التَّوْبَةِ“ آيَتَيْنِ مَعَ خُزَيْمَةَ - أوْ أبِي خُزَيْمَةَ - الأنْصارِيِّ؛ لَمْ أجِدْهُما -؛ أيْ: مَكْتُوبَتَيْنِ - عِنْدَ أحَدٍ غَيْرِهِ؛ ﴿لَقَدْ جاءَكم رَسُولٌ مِن أنْفُسِكُمْ﴾ [التوبة: ١٢٨]؛ إلى آخِرِها؛ (p-٢٣)وكانَتِ الصُّحُفُ الَّتِي جُمِعَ فِيها القُرْآنُ عِنْدَ أبِي بَكْرٍ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ (تَعالى)؛ ثُمَّ عِنْدَ عُمَرَ حَتّى تَوَفّاهُ اللَّهُ؛ ثُمَّ حَفْصَةَ بِنْتِ عُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم.
وساقَ هَذا الأثَرَ أيْضًا في فَضائِلِ القُرْآنِ؛ ورُوِيَ بَعْدَهُ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ حُذَيْفَةَ بْنَ اليَمانِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَدِمَ عَلى عُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وكانَ يُغازِي أهْلَ الشّامِ في فَتْحِ أرْمِينِيَّةَ؛ وآذَرْبِيجانَ؛ مَعَ أهْلِ العِراقِ؛ فَأفْزَعَ حُذَيْفَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - اخْتِلافُهم في القِراءَةِ؛ فَقالَ حُذَيْفَةُ لِعُثْمانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يا أمِيرَ المُؤْمِنِينَ؛ أدْرِكْ هَذِهِ الأُمَّةَ قَبْلَ أنْ يَخْتَلِفُوا في الكِتابِ اخْتِلافَ اليَهُودِ والنَّصارى؛ فَأرْسَلَ عُثْمانُ إلى حَفْصَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما - أنْ أرْسِلِي إلَيْنا بِالصُّحُفِ نَنْسَخْها في المَصاحِفِ؛ ثُمَّ نَرُدَّها إلَيْكِ؛ فَأرْسَلَتْ بِها حَفْصَةُ إلى عُثْمانَ؛ فَأمَرَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ؛ وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ؛ وسَعِيدَ بْنَ العاصِ؛ وعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الحارِثِ بْنِ هِشامٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ فَنَسَخُوها في المَصاحِفِ؛ وقالَ عُثْمانُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لِلرَّهْطِ القُرَشِيِّينَ الثَّلاثَةِ: إذا اخْتَلَفْتُمْ أنْتُمْ وزَيْدُ بْنُ ثابِتٍ في شَيْءٍ مِنَ القُرْآنِ فاكْتُبُوهُ بِلِسانِ قُرَيْشٍ؛ فَإنَّما نَزَلَ بِلِسانِهِمْ؛ فَفَعَلُوا؛ حَتّى إذا (p-٢٤)نَسَخُوا الصُّحُفَ في المَصاحِفِ؛ رَدَّ عُثْمانُ الصُّحُفَ إلى حَفْصَةَ؛ وأرْسَلَ إلى كُلِّ أُفُقٍ بِمُصْحَفٍ مِمّا نَسَخُوا؛ وأمَرَ بِما سِواهُ مِنَ القُرْآنِ في كُلِّ صَحِيفَةٍ؛ أوْ مُصْحَفٍ؛ أنْ يُحْرَقَ؛ ولَهُ عَنْ خارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ أنَّهُ سَمِعَ زَيْدَ بْنَ ثابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: لَمّا نَسَخْنا الصُّحُفَ في المَصاحِفِ فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ ”الأحْزابِ“؛ كُنْتُ كَثِيرًا أسْمَعُ الرَّسُولَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - يَقْرَأُها؛ لَمْ أجِدْها مَعَ أحَدٍ؛ إلّا مَعَ خُزَيْمَةَ الأنْصارِيِّ - وفي رِوايَةٍ: فالتَمَسْناها؛ فَوَجَدْناها مَعَ خُزَيْمَةَ - الَّذِي جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ شَهادَتَهُ شَهادَةَ رَجُلَيْنِ؛ ﴿مِنَ المُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٢٣]؛ فَألْحَقْناها في سُورَتِها في المُصْحَفِ؛ وفي الأثَرِ الأوَّلِ دَلالَةٌ عَلى أنَّهُ كانَ - لَمّا أمَرَهُ الصِّدِّيقُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - لا يَكْتُبُ شَيْئًا إلّا إذا وجَدَ ما كانَ قَدْ كُتِبَ مِنهُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وأمْرِهِ؛ وقابَلَهُ مَعَ ذَلِكَ عَلى المَحْفُوظِ في صُدُورِ الرِّجالِ؛ وفي الأخِيرِ دَلِيلٌ مِن قَوْلِهِ: نَسَخْنا المُصْحَفَ في المَصاحِفِ؛ إلى آخِرِهِ؛ أنَّهُ أعادَ التَّتَبُّعَ كَما فَعَلَ أوَّلًا؛ لِيَصِحَّ (p-٢٥)قَوْلُهُ: فُقِدَتْ آيَةٌ مِن سُورَةِ ”الأحْزابِ“.
لِأنَّ افْتِقادَها فَرْعُ العِلْمِ بِها؛ ومِن أبْعَدِ البَعِيدِ أنْ يَكُونَ سَمِعَ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كَثِيرًا يَقْرَأُها؛ ولا يَحْفَظُها؛ ولا سِيَّما وهو مَذْكُورٌ فِيمَن جَمَعَ القُرْآنَ في حَياةِ النَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - كَما رَواهُ البُخارِيُّ مِن غَيْرِ وجْهٍ عَنْ أنَسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ والظّاهِرُ مِن مِثْلِ هَذا التَّتَبُّعِ الَّذِي لا يُجَوِّزُ لِمَن مارَسَ أمْثالَ هَذِهِ الهِمَمِ أنْ يَفْهَمَ غَيْرُهُ أنْ يَكُونَ لا يَنْقُلُ آيَةً إلّا إذا وجَدَ مِن حُفّاظِها عَلى حَسَبِ ما هي مَكْتُوبَةٌ عَدَدَ التَّواتُرِ؛ واللَّهُ أعْلَمُ.
15:10Page 262
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ فِي شِيَعِ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٠
And We had certainly sent [messengers] before you, [O Muḥammad], among the sects of the former peoples.
ولَمّا كانَ هَذا الكَلامُ الَّذِي قالُوهُ عَلَيْهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - شاقًّا؛ ولَهُ غائِظًا مُوجِعًا؛ قالَ (تَعالى) - تَسْلِيَةً لَهُ؛ عَلى وجْهٍ رادٍّ عَلَيْهِمْ -: ﴿ولَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ والجَلالِ؛ والهَيْبَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ غَيْرَ عامٍّ لِلزَّمانِ كُلِّهِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ أيْ: كَثِيرًا مِنَ الرُّسُلِ؛ ﴿فِي شِيَعِ﴾؛ أيْ: فِرَقٍ؛ سُمُّوا شِيَعًا لِمُتابَعَةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا في الأحْوالِ الَّتِي يَجْتَمِعُونَ عَلَيْها في الزَّمَنِ الواحِدِ؛ مِن مَمْلَكَةٍ (p-٢٦)أوْ عِمارَةٍ أوْ دِيانَةٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنَ الأُمُورِ الجارِيَةِ في العادَةِ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾؛ كُلِّهِمْ؛ فَما أرْسَلْنا إلّا رِجالًا مِن أهْلِ القُرى؛ مِثْلَكَ؛ يُوحى إلَيْهِمْ؛ ولَمْ نُرْسِلْ مَعَ أحَدٍ مِنهم مَلائِكَةً تَراها أُمَمُهُمْ؛ بَلْ جَعَلْنا مُكاشَفَةَ المَلائِكَةِ أمْرًا خاصًّا بِالرُّسُلِ؛ فَكَذَّبُوا رُسُلَهُمْ؛
15:11Page 262
وَمَا يَأۡتِيهِم مِّن رَّسُولٍ إِلَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ١١
And no messenger would come to them except that they ridiculed him.
﴿وما يَأْتِيهِمْ﴾؛ عَبَّرَ بِالمُضارِعِ تَصْوِيرًا لِلْحالِ؛ إيذانًا بِما يُوجِبُ مِنَ الغَضَبِ؛ فَإنَّ ”ما“ تَجْعَلُ المُضارِعَ حالًا؛ والماضِيَ قَرِيبًا مِنهُ؛ وأكَّدَ النَّفْيَ؛ فَقالَ: ﴿مِن رَسُولٍ﴾؛ أيْ: عَلى أيِّ وجْهٍ كانَ؛ ﴿إلا كانُوا بِهِ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً وطَبْعًا؛ ﴿يَسْتَهْزِئُونَ﴾؛ مُكَرِّرِينَ لِذَلِكَ دائِمًا؛ فَكَأنَّهم تَواصَوْا بِمِثْلِ هَذا؛ ولَمْ يَنْقُصْ هَذا مِن عَظَمَتِنا شَيْئًا؛ فَلا تَبْتَئِسْ بِما يَفْعَلُونَ بِكَ؛ و”الِاسْتِهْزاءُ“؛ في الأصْلِ: طَلَبُ الهُزُؤِ؛ والمُرادُ بِهِ هُنا - واللَّهُ أعْلَمُ - الهُزْءُ؛ وهو إظْهارُ ما يُقْصَدُ بِهِ العَيْبُ؛ عَلى إيهامِ المَدْحِ؛ كاللَّعِبِ؛ والسُّخْرِيَةِ؛ ولَعَلَّهُ عَبَّرَ عَنْهُ بِالسِّينِ المُفْهِمَةِ لِلطَّلَبِ؛ إشارَةً إلى أنَّ رَغْبَتَهم فِيهِ لا تَنْقَضِي؛ كَما هو شَأْنُ الطّالِبِ لِلشَّيْءِ؛ مَعَ أنَّهم لا يَقَعُونَ عَلى مُرادِهِمْ في حَقِّ أهْلِ اللَّهِ أصْلًا؛ لِأنَّهم لا يَفْعَلُونَ مِن ذَلِكَ فِعْلًا إلّا كانَ ظاهِرَ البُعْدِ عَمّا يُرِيدُونَ؛ لِظُهُورِ ما يَدْعُو إلَيْهِ حِزْبُ اللَّهِ؛ وثَباتُهُ؛ فَكانُوا لِذَلِكَ كَطالِبِ (p-٢٧)ما لَمْ يَقَعْ؛ وإنَّما كانَ النّاسُ إلى ما يُوجِبُهُ الجَهْلُ مِنَ الاسْتِهْزاءِ ونَحْوِهِ أسْرَعُ مِنهم إلى ما يُوجِبُهُ العِلْمُ مِنَ الأخْذِ بِالحَزْمِ؛ والنَّظَرِ في العَواقِبِ؛ لِما في ذَلِكَ مِن تَعَجُّلِ الرّاحَةِ؛ واللَّذَّةِ؛ وإسْقاطِ الكُلْفَةِ بِإلْزامِ النَّفْسِ الِانْتِقالَ مِن حالٍ إلى حالٍ - قالَهُ الرُّمّانِيُّ.
15:12Page 262
كَذَٰلِكَ نَسۡلُكُهُۥ فِي قُلُوبِ ٱلۡمُجۡرِمِينَ ١٢
Thus do We insert it [i.e., denial] into the hearts of the criminals.
ولَمّا كانَتْ قُلُوبُ أهْلِ الضَّلالِ مَوْصُوفَةً بِالضِّيقِ؛ والحَرَجِ؛ كانَ الدّاخِلُ إلَيْها لا يَدْخُلُ إلّا بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلِذَلِكَ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: أهَذا خاصٌّ بِهَؤُلاءِ؟ فَقِيلَ: لا؛ بَلْ - ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلُ هَذا السَّلْكِ العَجِيبِ الشَّأْنِ؛ وعَبَّرَ بِالمُضارِعِ الدّالِّ مَعَ التَّجَدُّدِ عَلى الِاسْتِمْرارِ؛ لِاقْتِضاءِ المَقامِ لَهُ؛ كَما تَقَدَّمَ في أوَّلِها؛ فَقالَ: ﴿نَسْلُكُهُ﴾؛ أيْ: الذِّكْرَ؛ ﴿فِي قُلُوبِ المُجْرِمِينَ﴾؛ أيْ: العَرِيقِينَ في الإجْرامِ في كُلِّ زَمَنٍ؛ كَما يُسْلَكُ الخَيْطُ والرُّمْحُ ونَحْوُهُ؛ فِيما يُنْظَمُ فِيهِ؛ مِن مَخِيطٍ وغَيْرِهِ؛ بِغايَةِ العُسْرِ؛ فَلا يَتَّسِعُ لَهُ المَحَلُّ؛ فَلا يَنْفَعُ؛ حالَ كَوْنِهِمْ؛
15:13Page 262
لَا يُؤۡمِنُونَ بِهِۦ وَقَدۡ خَلَتۡ سُنَّةُ ٱلۡأَوَّلِينَ ١٣
They will not believe in it, while there has already occurred the precedent of the former peoples.
﴿لا يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾؛ لِشَيْءٍ مِنَ الأشْياءِ؛ لِأنَّ صُدُورَهم لا تَنْشَرِحُ لَهُ؛ كَما رَأيْتَ سُنَّتَنا بِذَلِكَ في قَوْمِكَ؛ ﴿وقَدْ خَلَتْ﴾؛ أيْ: مَضَتْ مِن قَبْلِ هَذا؛ ﴿سُنَّةُ﴾؛ أيْ: طَرِيقَةُ؛ ﴿الأوَّلِينَ﴾ (p-٢٨)بِذَلِكَ؛ ونَحْنُ قادِرُونَ عَلى فِعْلِ ما نُرِيدُ مِن تِلْكَ السُّنَّةِ بِهَذِهِ الأُمَّةِ؛ مِن إهْلاكٍ؛ وتَيْسِيرِ إيمانٍ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَهو ناظِرٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿وقُرْآنٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: ١]؛ والغَرَضُ بَيانُ أنَّهُ (تَعالى) يُعْمِي بَعْضَ الأبْصارِ عَنِ الجَلْيِ؛ ويُبَصِّرُ بَعْضَها بِالخَفِيِّ؛ إظْهارًا لِلْقُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ بِإنْفاذِ الأمْرِ عَلى خِلافِ القِياسِ.
15:14Page 262
وَلَوۡ فَتَحۡنَا عَلَيۡهِم بَابٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَظَلُّواْ فِيهِ يَعۡرُجُونَ ١٤
And [even] if We opened to them a gate from the heaven and they continued therein to ascend,
ولَمّا أخْبَرَهُ بِهَذِهِ الأسْرارِ؛ مُنْبِئَةً عَنْ أحْوالِهِمْ؛ وكانَتِ النَّفْسُ أشَدَّ شَيْءٍ طَلَبًا لِقَطْعِ حُجَّةِ المُتَعَنِّتِ بِإجابَةِ سُؤْلِهِ؛ قالَ (تَعالى) - مُخْبِرًا بِتَحْقِيقِ ما خَتَمَ بِهِ مِن أنَّهم لا يُؤْمِنُونَ لِلْخَوارِقِ؛ ولَوْ رَأوْا أعْجَبَ مِنَ الإتْيانِ بِالمَلائِكَةِ -: ﴿ولَوْ فَتَحْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: عَلى مَن قالَ: لَوْ ما تَأْتِينا بِالمَلائِكَةِ؛ ﴿بابًا﴾؛ يُناسِبُ عَظَمَتَنا؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ وأشارَ إلى أنَّ ذَلِكَ حالُهم - ولَوْ كانُوا في أجْلى الأوْقاتَ؛ وهو النَّهارُ - بِقَوْلِهِ: ﴿فَظَلُّوا﴾؛ أيْ: الكُفّارُ؛ ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ البابِ العالِي؛ ﴿يَعْرُجُونَ﴾؛ أيْ: يَصْعَدُونَ ماشِينَ في الصُّعُودِ؛ مِشْيَةَ الفَرَحِ؛
15:15Page 262
لَقَالُوٓاْ إِنَّمَا سُكِّرَتۡ أَبۡصَٰرُنَا بَلۡ نَحۡنُ قَوۡمٞ مَّسۡحُورُونَ ١٥
They would say, "Our eyes have only been dazzled. Rather, we are a people affected by magic."
﴿لَقالُوا﴾ عِنادًا؛ وإبْعادًا عَنِ الإيمانِ: ﴿إنَّما سُكِّرَتْ﴾؛ أيْ: سُدَّتْ؛ وغُشِيَتْ؛ ﴿أبْصارُنا﴾؛ أيْ: حَتّى ظَنَنّا ما لَيْسَ بِواقِعٍ واقِعًا؛ ﴿بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ﴾؛ أيْ: وإنْ كانَ لَنا غايَةُ القُوَّةِ عَلى ما نُرِيدُ مُحاوَلَتَهُ؛ ﴿مَسْحُورُونَ﴾؛ أيْ: ثابِتٌ (p-٢٩)وُقُوعُ السِّحْرِ عَلَيْنا؛ حَتّى صِرْنا نَرى الأشْياءَ عَلى خِلافِ ما هي عَلَيْهِ؛ ونُثْبِتُ ما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛ و”السَّكْرُ“: السَّدُّ؛ بِإدْخالِ اللَّطِيفِ في المَسامِّ؛ فَيَمْنَعُ الشَّيْءَ كَمالَ ما كانَ عَلَيْهِ؛ ومِنهُ السُّكْرُ بِالشَّرابِ؛ و”السِّحْرُ“: حِيلَةٌ خَفِيَّةٌ؛ تُوهِمُ مَعْنى المُعْجِزَةِ مِن غَيْرِ حَقِيقَةٍ.
15:16Page 263
وَلَقَدۡ جَعَلۡنَا فِي ٱلسَّمَآءِ بُرُوجٗا وَزَيَّنَّٰهَا لِلنَّٰظِرِينَ ١٦
And We have placed within the heaven great stars and have beautified it for the observers.
ولَمّا كانَ ذِكْرُ هَذِهِ الآيَةِ السَّماوِيَّةِ عَلى سَبِيلِ الفَرْضِ في الجَوابِ عَنْ إنْكارِهِمُ النُّبُوَّةَ؛ دَلِيلًا عَلى مُرُودِهِمْ عَلى الكُفْرِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ ثُبُوتَ النُّبُوَّةِ مُتَرَتِّبٌ عَلى ثُبُوتِ الوَحْدانِيَّةِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ الفَهِمُ الإخْبارَ عَمّا لَهُ (تَعالى) مِنَ الآياتِ المُحَقَّقَةِ الوُجُودِ؛ المُشاهَدَةِ؛ الدّالَّةِ عَلى قُدْرَتِهِ؛ فَأتْبَعَها بِذَلِكَ اسْتِدْلالًا عَلى وحْدانِيَّتِهِ؛ بِما لَهُ مِنَ المَصْنُوعاتِ؛ شَرْحًا لِقَوْلِهِ: ﴿ولِيَعْلَمُوا أنَّما هو إلَهٌ واحِدٌ﴾ [إبراهيم: ٥٢]؛ ودَلِيلًا عَلى عَدَمِ إيمانِهِمْ بِالخَوارِقِ؛ وابْتَدَأ بِالسَّماوِيّاتِ؛ لِظُهُورِها لِكُلِّ أحَدٍ؛ وشَرَفِها؛ وظُهُورِ أنَّها مِنَ الخَوارِقِ بِعَدَمِ مُلابَسَتِها؛ والوُصُولِ إلَيْها؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ الَّتِي لا يَقْدِرُ عَلَيْها سِوانا؛ مِمّا هو مُغْنٍ عَنْ فَتْحِ بابٍ ونَحْوِهِ؛ ﴿فِي السَّماءِ بُرُوجًا﴾؛ أيْ: مَنازِلَ لِلْقَمَرِ؛ جَمْعُ ”بُرْجٌ“؛ وهو في الأصْلِ القَصْرُ العالِي؛ أوَّلُها الحَمَلُ؛ وآخِرُها الحُوتُ؛ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها لِلْكَواكِبِ السَّيّارَةِ كالمَنازِلِ لِسُكّانِها؛ وهي (p-٣٠)مُخْتَلِفَةُ الطَّبائِعِ؛ فَسَيْرُ الشَّمْسِ والقَمَرِ بِكُلٍّ مِنها يُؤَثِّرُ ما لا يُوَثِّرُهُ الآخَرُ؛ فاخْتِلافُها في ذَلِكَ - مَعَ أنَّ نِسْبَتَها إلى السَّماءِ واحِدَةٌ - دَلِيلٌ عَلى الفاعِلِ المُخْتارِ الواحِدِ؛ والعَرَبُ أعْرَفُ النّاسِ بِها؛ وبِاخْتِلافِها؛ ومادَّةُ ”بَرَجَ“؛ بِكُلِّ تَقْلِيبٍ؛ تَدُورُ عَلى الظُّهُورِ المَلْزُومِ لِلْعُلُوِّ؛ المَلْزُومِ لِلْقُوَّةِ؛ وقَدْ يُفَرِّطُ فَيَلْزَمُهُ الضَّعْفُ؛ فَمِن مُطْلَقِ الظُّهُورِ: ”بُرُوجُ السَّماءِ“؛ قالَ القَزّازُ: سُمِّيَتْ بُرُوجًا لِأنَّها بُيُوتُ الكَواكِبِ؛ فَكَأنَّها بِمَنزِلَةِ الحُصُونِ لَها؛ وقِيلَ: سُمِّيَتْ لِارْتِفاعِها؛ وكُلُّ حِصْنٍ مُرْتَفِعٍ فَهو بُرْجٌ؛ و”البَرَجُ“؛ أيْ: مُحَرَّكًا: سَعَةُ بَياضِ العَيْنِ؛ وصَفاءُ سَوادِها؛ وقِيلَ: ”البَرَجُ“؛ في العَيْنِ؛ هو أنْ يَكُونَ البَياضُ مُحْدِقًا بِالسَّوادِ؛ يَظْهَرُ في نَظَرِ الإنْسانِ؛ فَلا يَغِيبُ مِن سَوادِ العَيْنِ شَيْءٌ؛ و”تَبَرَّجَتِ المَرْأةُ“: أبْدَتْ مَحاسِنَها؛ و”الجِرْبِياءُ“: الشَّمالُ؛ لِعُلُوِّها؛ و”الجَرِيبُ“: الوادِي؛ لِظُهُورِهِ؛ و”الجَرِيبُ“: مِكْيالُ أرْبَعَةِ أقْفِزَةٍ؛ و”جَرِيبُ الأرْضِ“؛ مَعْرُوفٌ؛ وهو ساحَةٌ مُرَبَّعَةٌ؛ كُلُّ جانِبٍ مِنها سِتُّونَ ذِراعًا؛ ومِنهُ ”الجِرابُ“؛ لِوِعاءٍ مِن جُلُودٍ؛ و”الجَوْرَبُ“؛ لِلِفافَةِ الرِّجْلِ؛ لِأنَّهُما ظاهِرانِ بِالنِّسْبَةِ إلى ما فِيهِما؛ وكَذا ”الجُرُبّانُ“؛ لِغِلافِ السَّيْفِ؛ و”جِرابُ البِئْرِ“: جَوْفُها؛ و”الأرْجابُ“: الأمْعاءُ؛ شَبَهًا (p-٣١)بِالجِرابِ؛ و”البارِجَةُ“: سَفِينَةٌ مِن سُفُنِ البَحْرِ تُتَّخَذُ لِلْقِتالِ؛ و”البُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في البَطْنِ؛ و”العُجْرَةُ“: كُلُّ عُقْدَةٍ في الجَسَدِ؛ و”البُجْرَةُ“: السُّرَّةُ النّاتِئَةُ؛ وسُرَّةُ البَعِيرِ؛ عَظُمَتْ؛ أوْ لا؛ و”البُجْرُ“؛ و”البُجْرِيُّ“: الأمْرُ العَظِيمُ؛ و”جاءَ فُلانٌ بِالبُجارَةِ“؛ وهي الدّاهِيَةُ؛ وفِيهِ ما جَمَعَ إلى الظُّهُورِ القُوَّةَ؛ ومِن ذَلِكَ ”رَجَبٌ“: اسْمُ شَهْرٍ؛ و”رَجِبْتُ الرَّجُلَ“: عَظَّمْتُهُ؛ و”الرُّجْبَةُ“؛ مِن وصْفِ الأدْوِيَةِ؛ و”الرَّجْبُ“: الحَياءُ؛ والعَفْوُ؛ و”الرَّجْبُ“: الهَيْبَةُ؛ و”المُجَرِّبُ“: الَّذِي بُلِيَ بِالشَّدائِدِ؛ و”رَجَبْتُ النَّخْلَ تَرْجِيبًا“: بَنَيْتُ مِن جانِبِها بِناءً لِئَلّا يَسْقُطَ؛ و”الجَبْرُ“: خِلافَ الكَسْرِ؛ والمَلِكُ؛ لِوُجُودِ الجَبْرِ بِهِ؛ لِقُوَّتِهِ؛ و”جَبَرْتُ العَظْمَ“؛ و”الجَبارَةُ“: ما يُوضَعُ عَلى الكَسْرِ لِيَنْجَبِرَ؛ و”جَبَرْتُ الرَّجُلَ“: أحْسَنْتُ إلَيْهِ؛ و”أجْبَرْتُهُ“: ضَمَمْتُهُ إلى ما يُرِيدُ؛ و”أجْبَرْتُهُ عَلى كَذا“: قَهَرْتُهُ عَلَيْهِ؛ أيْ: أزَلْتُ جَبْرَهُ؛ و”الجَرَبَّةُ“: العانَةُ مِنَ الحَمِيرِ؛ وهي أيْضًا الأقْوِياءُ مِنَ النّاسِ؛ و”الجَبّارُ مِنَ النَّخْلِ“: الطَّوِيلُ الفَتِيُّ؛ و”الجَبّارُ“: اسْمٌ مِن أسْماءِ اللَّهِ (تَعالى)؛ و”الجَبّارُ“: كُلُّ عاتٍ؛ وكُلُّ ما فاتَ اليَدَ؛ والعَظِيمُ القَوِيُّ الطَّوِيلُ؛ والمُتَكَبِّرُ الَّذِي لا يَرى لِأحَدٍ عَلَيْهِ حَقًّا؛ و”المُتَجَبِّرُ“: الأسَدُ؛ و”جُبارٌ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا: يَوْمُ الثُّلاثاءِ؛ لِأنَّ اللَّهَ (تَعالى) خَلَقَ المَكْرُوهَ فِيهِ؛ (p-٣٢)كَما في الصَّحِيحِ؛ ومِنَ الضَّعْفِ: ”الجُبارُ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا؛ وهو الهَدْرُ مِنَ الدِّماءِ؛ والحُرُوبِ؛ وغَيْرِها؛ وقَدْ يَكُونُ مِن جَبْرِ الكَسْرِ؛ لِأنَّهُ جُبِرَ بِهِ المُهْدَرُ عَنْهُ؛ وقَوِيَ بِهِ؛ وأُحْسِنَ إلَيْهِ؛ وكُلُّ ما أفْسَدَ؛ وأهْلَكَ؛ فَهو جَبّارٌ - كَأنَّهُ شُبِّهَ بِالجَبِيرَةِ الَّتِي تُفْسِدُ لِإصْلاحِ الكَسْرِ؛ و”الجَبْرُ“: العَبْدُ؛ لِضَعْفِهِ؛ واحْتِياجِهِ إلى التَّقْوِيَةِ؛ ومِنَ الضَّعْفِ أيْضًا ”الجَرِبُ“؛ بِالنِّسْبَةِ إلى مَن يَحِلُّ بِهِ؛ وهو مِنَ القُوَّةِ بِالنِّسْبَةِ إلى نَفْسِهِ؛ ومِنَ الظُّهُورِ والِانْتِشارِ أيْضًا؛ و”الجَرْباءُ“: السَّماءُ؛ تَشْبِيهًا بِالأجْرَبِ؛ و”أرْضٌ جَرْباءُ“: مَقْحُوطَةٌ؛ و”التَّرَبُّجُ“: التَّجَبُّرُ؛ و”الرَّوْبَجُ“: دِرْهَمٌ صَغِيرٌ؛ قالَ الزُّبَيْدِيُّ: وهو دَخِيلٌ؛ ومادَّةُ ”جَبَرَ“؛ مِنها بِخُصُوصِ تَرْتِيبِها؛ تَدُورُ عَلى النَّفْعِ؛ وتارَةً تَنْظُرُ إلى ما يَلْزَمُهُ مِن عَدَمِ الضُّرِّ؛ مِثْلَ ”الجُبارُ“؛ بِالضَّمِّ مُخَفَّفًا؛ لِما هُدِرَ؛ وتارَةً تَنْظُرُ إلى ما يَلْزَمُ النَّفْعَ مِنَ التَّكَبُّرِ؛ والقَهْرِ.
ولَمّا ذَكَرَ البُرُوجَ؛ وصَفَ - سُبْحانَهُ - السَّماءَ؛ المُشْتَمِلَةَ عَلَيْها؛ فَقالَ: ﴿وزَيَّنّاها﴾؛ أيْ: السَّماءَ؛ لِأنَّها المُحَدَّثُ عَنْها بِالكَواكِبِ؛ ﴿لِلنّاظِرِينَ﴾؛ أيْ: لِكُلِّ مَن لَهُ أُهْبَةُ النَّظَرِ في دَلائِلِ الوَحْدانِيَّةِ؛ لا عائِقَ لَهُ عَنْ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ إلّا عَدَمُ صَرْفِهِ النَّظَرَ إلَيْهِ بِالبَصَرِ؛ أوْ بِالبَصِيرَةِ؛
15:17Page 263
وَحَفِظۡنَٰهَا مِن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ رَّجِيمٍ ١٧
And We have protected it from every devil expelled [from the mercy of Allāh]
﴿وحَفِظْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْطانٍ﴾؛ أيْ: بَعِيدٍ مِنَ الخَيْرِ؛ مُحْتَرِقٍ؛ ﴿رَجِيمٍ﴾ (p-٣٣)مُسْتَحِقٍّ لِلرَّجْمِ - وهو رَمْيُ الشَّيْءِ بِالِاعْتِمادِ؛ مِن غَيْرِ آلَةٍ مُهَيَّأةٍ لِلْإصابَةِ؛ كالقَوْسِ؛ فَإنَّها لِلرَّمْيِ؛ لا لِلرَّجْمِ - ومُسْتَحِقٍّ لِلشَّتْمِ؛ لِأنَّهُ قَوّالٌ بِالظَّنِّ؛ وما لا حَقِيقَةَ لَهُ؛
15:18Page 263
إِلَّا مَنِ ٱسۡتَرَقَ ٱلسَّمۡعَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ مُّبِينٞ ١٨
Except one who steals a hearing and is pursued by a clear burning flame.
﴿إلا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾؛ مِنهُمْ؛ فَإنّا لَمْ نُرِدْ تَمامَ الحِفْظِ مِنهُ؛ ﴿فَأتْبَعَهُ﴾؛ أيْ: تَبِعَهُ تَبَعَ مَن هو حاثٌّ لِنَفْسِهِ؛ سائِقٌ لَها؛ ﴿شِهابٌ﴾؛ وهو عَمُودٌ مِن نُورٍ؛ يَمْتَدُّ بِشِدَّةِ ضِيائِهِ؛ كالنّارِ؛ ﴿مُبِينٌ﴾؛ يَراهُ مَن فِيهِ أهْلِيَّةُ الرُّؤْيَةِ حِينَ يُرْجَمُ بِهِ؛ رَوى البُخارِيُّ؛ في التَّفْسِيرِ؛ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”إذا قُضِيَ الأمْرُ في السَّماءِ؛ ضَرَبَتِ المَلائِكَةُ بِأجْنِحَتِها خُضْعانًا لِقَوْلِهِ؛ كَأنَّهُ سِلْسِلَةٌ عَلى صَفْوانٍ؛ يَنْفُذُهم ذَلِكَ؛ فَإذا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ قالُوا: ماذا قالَ رَبُّكُمْ؟ قالُوا لِلَّذِي قالَ: الحَقَّ؛ وهو العَلِيُّ الكَبِيرُ؛ فَيَسْمَعُها مُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ ومُسْتَرِقُو السَّمْعِ؛ هَكَذا واحِدٌ فَوْقَ آخَرَ - ووَصَفَ سُفْيانُ بِيَدِهِ؛ فَفَرَّجَ بَيْنَ أصابِعِهِ اليُمْنى؛ نَصَبَها بَعْضَها فَوْقَ بَعْضٍ - فَرُبَّما أدْرَكَ الشِّهابُ المُسْتَمِعَ قَبْلَ أنْ يَرْمِيَ بِها إلى صاحِبِهِ؛ فَيُحْرِقَهُ؛ ورُبَّما لَمْ يُدْرِكْهُ حَتّى يَرْمِيَ بِها (p-٣٤)إلى الَّذِي يَلِيهِ؛ إلى الَّذِي هو أسْفَلَ مِنهُ؛ حَتّى يُلْقُوها إلى الأرْضِ - ورُبَّما قالَ سُفْيانُ: حَتّى يَنْتَهِيَ إلى الأرْضِ -؛ فَتُلْقى عَلى فَمِ السّاحِرِ؛ فَيَكْذِبُ مَعَها مِائَةَ كَذْبَةٍ؛ فَيَصْدُقُ؛ فَيَقُولُونَ: ألَمْ يُخْبِرْنا يَوْمَ كَذا وكَذا يَكُونُ كَذا وكَذا؛ فَوَجَدْناهُ حَقًّا؟ لِلْكَلِمَةِ الَّتِي سُمِعَتْ مِنَ السَّماءِ“».
قالَ المُفَسِّرُونَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: كانَتِ الشَّياطِينُ لا تُحْجَبُ عَنِ السَّماواتِ؛ فَيُلْقُونَ ما يَسْمَعُونَ مِنها إلى الكَهَنَةِ؛ فَلَمّا وُلِدَ عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - مُنِعُوا مِن ثَلاثِ سَماواتٍ؛ فَلَمّا وُلِدَ مُحَمَّدٌ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - مُنِعُوا مِنَ السَّماواتِ كُلِّها؛ هَكَذا رَأيْتُ ”وُلِدَ“؛ ولَعَلَّهُ ”بُعِثَ“؛ فَإنَّ في الصَّحِيحِ أنَّ الَّذِي مَنَعَهم نُزُولُ القُرْآنِ.
15:19Page 263
وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيۡءٖ مَّوۡزُونٖ ١٩
And the earth - We have spread it and cast therein firmly set mountains and caused to grow therein [something] of every well-balanced thing.
ولَمّا ذَكَرَ آيَةَ السَّماءِ؛ ثَنّى بِآيَةِ الأرْضِ؛ فَقالَ: ﴿والأرْضَ مَدَدْناها﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ في الأبْعادِ الثَّلاثَةِ: الطُّولِ؛ والعَرْضِ؛ والعُمْقِ؛ عَلى الماءِ؛ ﴿وألْقَيْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ ﴿فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ جِبالًا؛ ﴿رَواسِيَ﴾؛ أيْ: ثَوابِتَ؛ لِئَلّا تَمِيلَ بِأهْلِها؛ ولِتَكُونَ لَهم عَلاماتٍ؛ ثُمَّ نَبَّهَ عَلى إحْياءِ المَوْتى بِما أنْعَمَ بِهِ في الأرْضِ؛ بِقِياسٍ جَلِيٍّ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿وأنْبَتْنا فِيها﴾؛ أيْ: الأرْضِ؛ ولا سِيَّما الجِبالَ؛ بِقُوَّتِنا الباهِرَةِ؛ ﴿مِن كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ﴾ (p-٣٥)أيْ: مُقَدَّرٍ عَلى مُقْتَضى الحِكْمَةِ؛ مِنَ المَعادِنِ والنَّباتِ؛
15:20Page 263
وَجَعَلۡنَا لَكُمۡ فِيهَا مَعَٰيِشَ وَمَن لَّسۡتُمۡ لَهُۥ بِرَٰزِقِينَ ٢٠
And We have made for you therein means of living and [for] those for whom you are not providers.1
﴿وجَعَلْنا لَكُمْ﴾؛ أيْ: إنْعامًا مِنّا عَلَيْكُمْ؛ ﴿فِيها مَعايِشَ﴾؛ وهي بِياءٍ صَرِيحَةٍ؛ مِن غَيْرِ مَدٍّ؛ جَمْعُ ”مَعِيشَةٌ“؛ وهي ما يَحْصُلُ بِهِ العَيْشُ مِنَ المَطاعِمِ؛ والمَلابِسِ؛ والمَعادِنِ؛ وغَيْرِها؛ ﴿ومَن لَسْتُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها الأقْوِياءُ الرُّؤَساءُ؛ ﴿لَهُ بِرازِقِينَ﴾؛ مِثْلُكم في ذَلِكَ؛ جَعَلْنا لَهُ فِيها مَعايِشَ؛ مِنَ العِيالِ؛ والخَدَمِ؛ وسائِرِ الحَيَواناتِ الَّتِي تَنْتَفِعُونَ بِها؛ وإنْ ظَنَنْتُمْ أنَّكم تَرْزُقُونَهُمْ؛ فَإنَّ ذَلِكَ باطِلٌ لِأنَّكم لا تَقْدِرُونَ عَلى رِزْقِ أنْفُسِكُمْ؛ فَكَيْفَ بِغَيْرِكُمْ؟! فَلَمّا ظَهَرَ كالشَّمْسِ كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وأنَّهُ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ بَيَّنَ أنَّهُ - كَما كانَتْ هَذِهِ الأشْياءُ عِنْدَهُ بِحِسابٍ؛ قَدَّرَهُ عَلى حِكْمَةٍ دَبَّرَها - كانَ غَيْرُها كَذَلِكَ؛ فَذَلِكَ هو المانِعُ مِن مُعاجَلَتِهِمْ بِما يَهْزَؤُونَ بِهِ مِنَ العَذابِ؛ فَقالَ:
15:21Page 263
وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا عِندَنَا خَزَآئِنُهُۥ وَمَا نُنَزِّلُهُۥٓ إِلَّا بِقَدَرٖ مَّعۡلُومٖ ٢١
And there is not a thing but that with Us are its depositories, and We do not send it down except according to a known [i.e., specified] measure.
﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وما؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِمّا ذُكِرَ؛ وغَيْرِهِ مِنَ الأشْياءِ المُمْكِنَةِ؛ وهي لا نِهايَةَ لَها؛ ﴿إلا عِنْدَنا﴾؛ أيْ: لِما لَنا مِنَ القُدْرَةِ الغالِبَةِ؛ ﴿خَزائِنُهُ﴾؛ أيْ: كَما هو مُقَرَّرٌ عِنْدَكُمْ؛ لا تُنازَعُونَ فِيهِ؛ قالَ في الكَشّافِ: ذِكْرُ الخَزائِنِ تَمْثِيلٌ؛ ﴿وما نُنَـزِّلُهُ﴾؛ أيْ: مُطْلَقَ ذَلِكَ الشَّيْءِ؛ لا بِقَيْدِ (p-٣٦)عَدَمِ التَّناهِي؛ فَإنَّ كُلَّ ما يُبْرَزُ إلى الوُجُودِ مُتَناهٍ؛ فَهو اسْتِخْدامُ ﴿إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾؛ عَلى حَسَبِ التَّدْرِيجِ؛ كَما تَرَوْنَهُ؛ وعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ (تَعالى) عَنْهُ -: لَيْسَ عامٌ بِأمْطَرَ مِن عامٍ؛ ولَكِنَّ اللَّهَ يُقَسِّمُهُ؛ ويُقَدِّرُهُ في الأرْضِ كَيْفَ يَشاءُ؛ عامًا هَهُنا؛ وعامًا هَهُنا؛ ورُبَّما كانَ في البَحْرِ؛ فَهَذا دَلِيلٌ قَطْعِيٌّ عَلى أنَّ الفاعِلَ المُخَصِّصَ لَهُ بِوَقْتٍ دُونَ وقْتٍ؛ وأرْضٍ دُونَ أُخْرى؛ فاعِلٌ واحِدٌ مُخْتارٌ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences