Al-Biqa'iAl‑Hijr · 15:22–32

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Hijr 15:22–32

15:22Page 263

وَأَرۡسَلۡنَا ٱلرِّيَٰحَ لَوَٰقِحَ فَأَنزَلۡنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَسۡقَيۡنَٰكُمُوهُ وَمَآ أَنتُمۡ لَهُۥ بِخَٰزِنِينَ ٢٢

And We have sent the fertilizing winds1 and sent down water from the sky and given you drink from it. And you are not its retainers.

فَلَمّا تَمَّ ما أرادَ مِن آيَتَيِ السَّماءِ؛ والأرْضِ؛ وخَتَمَهُ بِشُمُولِ قُدْرَتِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ أتْبَعَهُ ما يَنْشَأُ عَنْهُما مِمّا هو بَيْنَهُما مُودَعًا في خَزائِنِ قُدْرَتِهِ؛ فَقالَ: ﴿وأرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ التَّصْرِيفِ الباهِرِ؛ ﴿الرِّياحَ﴾؛ جَمْعُ ”رِيحٌ“؛ وهي جِسْمٌ لَطِيفٌ؛ مُنْبَثٌّ في الجَوِّ؛ سَرِيعُ المَرِّ؛ ﴿لَواقِحَ﴾؛ أيْ: حَوامِلَ؛ تَحْمِلُ النَّدى؛ ثُمَّ تَمُجُّهُ في السَّحابِ الَّتِي تُنْشِئُها؛ فَهي حَوامِلُ لِلْماءِ؛ لَواحِقُ بِالجَوِّ؛ قُوَّتُهُ عَلى ذَلِكَ عالِيَةٌ حِسًّا؛ ومَعْنًى؛ و”الرِّيحُ“: هَواءٌ مُتَحَرِّكٌ؛ وحَرَكَتُهُ بَعْدَ أنْ كانَ ساكِنًا لا بُدَّ لَها مِن سَبَبٍ؛ ولَيْسَ هو نَفْسَ كَوْنِهِ هَواءً؛ ولا شَيْئًا مِن لَوازِمِ ذاتِهِ؛ وإلّا دامَتْ حَرَكَتُهُ؛ (p-٣٧)فَلَيْسَتْ إلّا بِتَحْرِيكِ الفاعِلِ الواحِدِ المُخْتارِ؛ ﴿فَأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِعَظَمَتِنا؛ بِسَبَبِ تِلْكَ السَّحائِبِ الَّتِي حَمَلَتْها الرِّياحُ؛ ﴿مِنَ السَّماءِ﴾؛ أيْ: الحَقِيقِيَّةِ؛ أوْ جِهَتِها؛ أوِ السَّحابِ؛ لِأنَّ الأسْبابَ المُتَراقِيَةَ بِسَنَدِ الشَّيْءِ تارَةً إلى القَرِيبِ مِنها؛ وتارَةً إلى البَعِيدِ؛ وأُخْرى إلى الأبْعَدِ؛ ﴿ماءً﴾؛ وهو جِسْمٌ مائِعٌ سَيّالٌ؛ بِهِ حَياةُ كُلِّ حَيَوانٍ مِن شَأْنِهِ الِاغْتِذاءُ؛ ﴿فَأسْقَيْناكُمُوهُ﴾؛ جَعَلْناهُ لَكم سَقْيًا؛ يُقالُ: ”سَقَيْتُهُ ماءً“؛ أيْ: لِيَشْرَبَهُ؛ و”أسْقَيْتُهُ“؛ أيْ: مَكَّنْتُهُ مِنهُ لِيَسْقِيَ بِهِ ماشِيَتَهُ؛ ومَن يُرِيدُ؛ ونَفى - سُبْحانَهُ - عَنْ غَيْرِهِ ما أثْبَتَهُ أوَّلًا لِنَفْسِهِ؛ فَقالَ ﴿وما أنْتُمْ لَهُ﴾؛ أيْ: ذَلِكَ الماءِ؛ ﴿بِخازِنِينَ﴾؛ و”الخَزْنُ“: وضْعُ الشَّيْءِ في مَكانٍ مُهَيَّإٍ لِلْحِفْظِ؛ فَثَبَتَ أنَّ القادِرَ عَلَيْهِ واحِدٌ مُخْتارٌ.

ومادَّةُ ”لَقَحَ“؛ بِتَقالِيبِها السِّتِّ؛ تَدُورُ عَلى اللَّحاقِ؛ وتُلْزِمُهُ القُوَّةَ؛ والعُلُوَّ؛ حِسًّا؛ أوْ مَعْنًى؛ فَـ ”اللِّقاحُ“: اسْمُ ماءِ الفَحْلِ؛ لِأنَّهُ يَلْحَقُ الأُنْثى فَتَحَمِلَهُ؛ و”قَدْ ألْقَحَ الفَحْلُ النّاقَةَ“؛ و”لَقُحَتْ لِقاحًا“: حَمَلَتْ؛ و”المَلْقُوحُ“: ما لَقَحَتْهُ مِنَ الفَحْلِ؛ أيْ: أخَذَتْهُ؛ وهي المَلاقِيحُ؛ يَعْنِي: الأجِنَّةُ؛ (p-٣٨)و”اللِّقْحَةُ“: النّاقَةُ الحَلُوبُ؛ لِأنَّها أهْلٌ لِأنْ يَلْحَقَها جائِعٌ؛ و”ألْقَحَ القَوْمُ النَّخْلَ“؛ و”لَقَّحُوها“؛ إذا ألْحَقُوها بِالفِحالَةِ؛ فَعَلَّقُوها عَلَيْها.

و”القاحِلُ“: اليابِسُ مِنَ الجُلُودِ؛ لِأنَّ أجْزاءَهُ تَلاحَقَ بَعْضُها بِبَعْضٍ؛ فَضَمُرَتْ؛ ومِنهُ ”شَيْخٌ قاحِلٌ“؛ و”اللَّحَقُ“: كُلُّ شَيْءٍ لَحِقَ شَيْئًا؛ أيْ: أدْرَكَهُ؛ و”المُلْحَقُ“: الدَّعِيُّ؛ لِأنَّهُ مُتَهَيِّئٌ لِأنَّهُ يَسْتَلْحِقُهُ كُلُّ مَن يُرِيدُهُ؛ و”المِلْحاقُ“: النّاقَةُ الَّتِي لا يَفُوتُها الإبِلُ: قالَ الزُّبَيْدِيُّ في ”مُخْتَصَرُ العَيْنِ“: وفي القُنُوتِ: ”إنَّ عَذابَكَ بِالكُفّارِ مُلْحِقٌ“؛ بِالكَسْرِ؛ أيْ: لاحِقٌ؛ لُغَةٌ.

و”الحَقْلُ“: القِراحُ الطَّيِّبُ؛ لِتَهَيُّئِها لِمَن يَلْحَقُ بِها؛ وقِيلَ: هو الزَّرْعُ إذا تَشَعَّبَ ورَقُهُ؛ وهو مِن ذَلِكَ أيْضًا؛ ومِن لُحُوقِهِ بِالحَصادِ؛ فَيَصِيرُ كالمَحْلُوقِ؛ و”الحَقِيلُ“: نَبْتٌ؛ و”الحَقِيلَةُ“: الماءُ الرَّطْبُ؛ أيْ: الأخْضَرُ مِنَ البَقْلِ؛ والشَّجَرِ؛ في الأمْعاءِ مِنهُ؛ و”الحَقِيلَةُ“: حُشافَةُ التَّمْرِ؛ لِلَحاقِ كُلِّ مَن أرْداهُ بِهِ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: الغُرْمُولُ اللِّيِّنُ؛ كَأنَّهُ مُشَبَّهٌ بِالنَّبْتِ الأخْضَرِ؛ أوْ لِإمْكانِ تَثَنِّيهِ كُلَّ وقْتٍ؛ ولُحُوقِ بَعْضِ أجْزائِهِ بِبَعْضٍ؛ و”الحَوْقَلُ“: (p-٣٩)الشَّيْخُ الضَّعِيفُ النِّكاحِ؛ كَأنَّهُ مِنهُ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: سُرْعَةُ المَشْيِ؛ و”حَقَلَ الفَرَسُ“؛ إذا وُجِعَ مِن أكْلِ التُّرابِ؛ كَأنَّهُ مَأْخُوذٌ مِن ”الحَقْلُ“؛ و”حَوْقَلَ الشَّيْخُ“: اعْتَمَدَ بِيَدَيْهِ عَلى خَصْرِهِ إذا تَمَشّى؛ كَأنَّهُ لِلَحاقِ يَدَيْهِ خَصْرَهُ.

و”الحَلْقُ“: مَساغُ الطَّعامِ والشَّرابِ؛ و”حُلُوقُ الأرْضِ“: أوْدِيَتُها؛ ومَجارِيها؛ لِلَحاقِ المِياهِ بِها؛ ولِشَبَهِها بِالحُلُوقِ؛ و”الحَلْقُ“: حَلْقُ الشَّعْرِ بِالمُوسى؛ مِنَ اللَّحاقِ؛ والقُوَّةِ؛ و”المَحالِقُ“: الأكْسِيَةُ الخَشِنَةُ الَّتِي تَحْلِقُ الشَّعْرَ مِن خُشُونَتِها؛ و”الحالِقُ“: المَشْؤُومُ؛ الَّذِي يَحْلِقُ قَوْمَهُ؛ و”الحَلْقُ“: ضَرْبٌ مِنَ النَّباتِ؛ لِوَرَقِهِ حُمُوضَةٌ؛ كَأنَّهُ لِسُرْعَةِ لَحاقِ الماشِيَةِ بِهِ؛ لِأنَّهُ كالفاكِهَةِ لَها؛ و”الحَلْقَةُ“: الخاتَمُ بِلا فَصٍّ؛ لِتَلاحُقِ أجْزائِها بَعْضِها بِبَعْضٍ؛ ومِنهُ ”حَلْقَةُ القَوْمِ“؛ و”الحَلْقَةُ“: السِّلاحُ كُلُّهُ؛ إمّا مِن هَذا لِأنَّ مِنها الدُّرُوعَ ذاتُ الحِلَقِ؛ تَسْمِيَةً لِلشَّيْءِ بِاسْمِ جُزْئِهِ؛ وإمّا مِنَ القُوَّةِ؛ والعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ؛ لِما يَلْزَمُ عَنْها؛ و”الحَلْقُ“: المالُ الكَثِيرُ؛ إمّا مِن ذَلِكَ؛ وإمّا مِن لَحاقِ صاحِبِهِ بِمُرادِهِ؛ و”الحالِقُ“: الجَبَلُ المَنِيفُ؛ لِظُهُورِهِ؛ وعُلُوِّهِ؛ ولَحاقِهِ بِالجَوِّ؛ و”الحَوْقَلَةُ“: القارُورَةُ الطَّوِيلَةُ العُنُقِ؛ و”حَلَّقَ الطّائِرُ“: ارْتَفَعَ في الهَواءِ؛ مِن هَذا؛ و”اللِّقْحَةُ“: الغُرابُ؛ و”الحالِقُ“؛ مِنَ الكَرْمِ؛ والشَّرى: ما تَعَلَّقَ مِنهُ بِالقُضْبانِ؛ فَهو ظاهِرٌ في اللَّحاقِ؛ و”حَلَقَ الضِّرْعُ“؛ إذا ارْتَفَعَ إلى البَطْنِ؛ وانْضَمَّ؛ فَهو مِنَ العُلُوِّ؛ (p-٤٠)واللَّحاقِ؛ وقِيلَ: إذا كَثُرَ لَبَنُهُ فَهو إذًا مِنَ اللَّحاقِ؛ و”تَحَلَّقَ القَمَرُ“: صارَتْ حَوْلَهُ دارَةٌ؛ و”حَلَقَ قَضِيبُ الفَرَسِ حَلْقًا“؛ إذا تَقَشَّرَ؛ كَأنَّهُ شُبِّهَ بِما حُلِقَ شَعْرُهُ؛ و”حَيٌّ لَقاحٌ“: لَمْ يُمْلَكُوا قَطُّ؛ كَأنَّهُ مِنَ القُوَّةِ؛ والعُلُوِّ المَعْنَوِيِّ؛ و”القَلَحُ“: صُفْرَةٌ تَعْلُو الأسْنانَ؛ فَهو مِنَ اللَّحاقِ؛ مَعَ العُلُوِّ؛ ويُسَمّى الجَعْلُ ”أقْلَحَ“؛ مِن هَذا.

15:23Page 263

وَإِنَّا لَنَحۡنُ نُحۡيِۦ وَنُمِيتُ وَنَحۡنُ ٱلۡوَٰرِثُونَ ٢٣

And indeed, it is We who give life and cause death, and We are the Inheritor.1

فَلَمّا تَقَرَّرَ تَفْصِيلُ الخَبَرِ عَمّا هو سَبَبٌ لِلْإحْياءِ في الجُمْلَةِ؛ فَتَهَيَّأتِ النَّفْسُ لِلِانْتِقالِ مِنهُ إلى الإحْياءِ الحَقِيقِيِّ قِياسًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ عَلى وجْهِ العَظَمَةِ؛ فَنُحْيِي بِها ما نَشاءُ مِنَ الحَيَوانِ؛ بِرُوحِ البَدَنِ؛ ومِنَ الرُّوحِ بِالمَعارِفِ؛ ومِنَ النَّباتِ بِالنُّمُوِّ؛ وإنْ كانَ أحَدُها حَقِيقَةً؛ والآخَرانِ مَجازًا؛ إلّا أنَّ الجَمْعَ بَيْنَهُما جائِزٌ؛ ﴿ونُمِيتُ﴾؛ أيْ: لَنا هَذِهِ الصِّفَةُ؛ فَنُبْرِزُ بِها مِن عَظَمَتِنا ما نَشاءُ؛ ﴿ونَحْنُ الوارِثُونَ﴾؛ أيْ: الإرْثَ التّامَّ؛ إذا ماتَ الخَلائِقُ؛ الباقُونَ بَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ؛ كَما كُنّا ولا شَيْءَ؛ لَيْسَ لِأحَدٍ فِينا تَصَرُّفٌ بِإماتَةٍ؛ ولا إحْياءٍ؛ فَثَبَتَ بِذَلِكَ الوَحْدانِيَّةُ والفِعْلُ بِالِاخْتِيارِ؛

15:24Page 263

وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَقۡدِمِينَ مِنكُمۡ وَلَقَدۡ عَلِمۡنَا ٱلۡمُسۡتَـٔۡخِرِينَ ٢٤

And We have already known the preceding [generations] among you, and We have already known the later [ones to come].

فَلَمّا ثَبَتَ بِهَذا كَمالُ قُدْرَتِهِ؛ وكانَتْ آثارُ القُدْرَةِ لا تَكُونُ مُحْكَمَةً إلّا بِالعِلْمِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ الإحاطَةِ المُعْجِزَةِ؛ ﴿المُسْتَقْدِمِينَ مِنكُمْ﴾؛ وهم مَن قَضَيْنا بِمَوْتِهِ أوَّلًا؛ فَيَكُونُ في مَوْتِهِ كَأنَّهُ يُسارِعُ إلى التَّقَدُّمِ (p-٤١)إلَيْهِ؛ وإنْ كانَ هو - وكُلٌّ مِن أهْلِهِ - مُجْتَهِدًا بِالعِلاجِ في تَأْخِيرِهِ؛ ﴿ولَقَدْ عَلِمْنا﴾؛ بِعَظَمَتِنا؛ ﴿المُسْتَأْخِرِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ نَمُدُّ في أعْمارِهِمْ؛ فَنُؤَخِّرُ مَوْتَهم حَتّى يَكُونُوا كَأنَّهم يُسابِقُونَ إلى ذَلِكَ؛ وإنْ عالَجُوا المَوْتَ بِشُرْبِ سُمٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ أوْ عالَجَهُ لَهم غَيْرُهم بِضَرْبِهِمْ بِالسَّيْفِ؛ أوْ غَيْرِهِ؛ فَعُرِفَ بِذَلِكَ قَطْعًا أنَّ الفاعِلَ واحِدٌ مُخْتارٌ؛ وكَذا كُلُّ مُتَقَدِّمٍ ومُتَأخِّرٍ؛ في وصْفٍ مِنَ الأوْصافِ غَيْرِ المَوْتِ؛ والمَعْنى عَلى الأوَّلِ: فَنَحْنُ لا نُمِيتُ أحَدًا قَبْلَ أجَلِهِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُونا بِالوَعِيدِ؛ وتَهَيَّؤُوا لِدِفاعِهِ إنْ كُنْتُمْ رِجالًا؛ فَإنَّهُ لا بُدَّ أنْ يَأْتِيَ؛ لِأنَّهُ لا يُبَدَّلُ القَوْلَ لَدَيَّ.

15:25Page 263

وَإِنَّ رَبَّكَ هُوَ يَحۡشُرُهُمۡۚ إِنَّهُۥ حَكِيمٌ عَلِيمٞ ٢٥

And indeed, your Lord will gather them; indeed, He is Wise and Knowing.

ولَمّا تَمَّ الدَّلِيلُ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ ثَبَتَ قَطْعًا إحْياءُ المَوْتى؛ لِانْتِفاءِ المانِعِ مِن جِهَةِ القُدْرَةِ؛ واقْتِضاءِ الحِكْمَةِ لَهُ مِن جِهَةِ العِلْمِ؛ لِلْعَدْلِ بَيْنَ العِبادِ بِالمُقابَلَةِ عَلى الصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُؤَكِّدًا لِإنْكارِهِمْ -: ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالِانْتِقامِ لَكَ مِمَّنْ يُعادِيكَ؛ وإقْرارِ عَيْنِكَ مِن مُخالِفِيكَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿يَحْشُرُهُمْ﴾؛ أيْ: يَجْمَعُهم إلى أرْضِ القِيامَةِ بَعْدَ إعادَتِهِمْ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ جَمْعُ الحَيَوانِ إلى (p-٤٢)مَكانٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُؤَكِّدًا لِأجْلِ اعْتِقادِهِمْ ما يَسْتَلْزِمُ الإنْكارَ -: ﴿إنَّهُ حَكِيمٌ﴾؛ أيْ: يَفْعَلُ الأشْياءَ في أتَمِّ مَواضِعِها؛ بِحَيْثُ لا يَقْدِرُ أحَدٌ عَلى نَقْضِها؛ ﴿عَلِيمٌ﴾؛ بالِغُ العِلْمِ؛ فَلا يَخْفى عَلَيْهِ شَيْءٌ؛ وهو يُرِيدُ أنْ تُرى حِكْمَتُهُ بِكَشْفِ الغِطاءِ؛ عِنْدَ تَمْيِيزِ أهْلِ السَّعادَةِ؛ والشَّقاءِ؛ و”الحِكْمَةُ“: العِلْمُ الَّذِي يَصْرِفُ عَمّا لا يَنْبَغِي؛ وأصْلُها المَنعُ.

15:26Page 263

وَلَقَدۡ خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٦

And We did certainly create man out of clay from an altered black mud.

ولَمّا جَرَتْ سُنَّتُهُ الإلَهِيَّةُ أنَّهُ يَذْكُرُ ابْتِداءَ الخَلْقِ دَلِيلًا عَلى الإعادَةِ؛ سابِقًا ولاحِقًا؛ وابْتَدَأ هُنا بِذِكْرِ الحَشْرِ؛ لِما قامَ عَلَيْهِ مِنَ الدَّلِيلِ بِإحْياءِ الأرْضِ؛ تَوَقَّعَ السّامِعُ تَفْصِيلَ ابْتِداءِ الخَلْقِ؛ الَّذِي هو أدَلُّ دَلِيلٍ عَلى البَعْثِ؛ بَعْدَ إجْمالِهِ في قَوْلِهِ: ﴿وإنّا لَنَحْنُ نُحْيِي﴾ [الحجر: ٢٣]؛ فَقالَ - مُفْتَتِحًا بِحَرْفِ التَّوَقُّعِ -: ﴿ولَقَدْ خَلَقْنا﴾؛ أيْ: بِالعَظَمَةِ الباهِرَةِ؛ ﴿الإنْسانَ﴾؛ أيْ: الآنِسَ بِنَفْسِهِ؛ النّاسِي لِغَيْرِهِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ يابِسٍ؛ لَهُ عِنْدَ النَّقْرِ صَلْصَلَةٌ؛ أيْ: صَوْتٌ شَدِيدٌ مُتَرَدِّدٌ في الهَواءِ؛ فَإنْ كانَ فِيهِ مَدٌّ مِن غَيْرِ تَرْجِيعٍ فَهو ”صَلَلٌ“؛ فالمُرادُ: شَدِيدٌ يَبَسُهُ؛ ولَكِنَّهُ غَيْرُ مَطْبُوخٍ؛ وأمّا (p-٤٣)المَطْبُوخُ فَهو فَخّارٌ: ثُمَّ بَيَّنَ أصْلَ الصَّلْصالِ؛ فَقالَ: ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ؛ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مَصْبُوبٍ مُهَيَّإٍ لِعَمَلِ ما يُرادُ مِنهُ بِالدَّلْكِ؛ والتَّحْسِينِ؛ مِنَ الذَّهابِ؛ والِاضْطِرابِ؛ والجَعْلِ عَلى طَبْعٍ وطَرِيقَةٍ مُسْتَوِيَةٍ؛ وكُلُّ ذَلِكَ عَلى غايَةِ السُّهُولَةِ؛ والطَّواعِيَةِ؛ والهَوانِ؛ فَذَكَرَ أصْلَ الإنْسانِ؛ وما وقَعَ لَهُ مِن إبْلِيسَ - الَّذِي هو أصْلُ الجِنِّ؛ كَما أنَّ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - أبُو البَشَرِ - مِنَ الكَيْدِ؛ حَتّى أخْرَجَهُ مِن دارِ الصَّفاءِ إلى دارِ الكَدَرِ؛ لِيَحْذَرَهُ العُقَلاءُ مِن بَنِي آدَمَ؛ وفي التَّنْبِيهِ بِابْتِداءِ الخَلْقِ عَلى وُصُولِ البَشَرِ إلى أصْلٍ - كانَ بِمَحْضِ القُدْرَةِ - مُخالِفٍ لَهم في التَّكْوِينِ بَيْنَ أبَوَيْنِ؛ وانْتِهاءُ الجِنِّ إلى أصْلٍ لَيْسَ خَلْقُهُ كَخَلْقِهِمْ تَنْبِيهٌ عَظِيمٌ عَلى انْتِهاءِ المَوْجُوداتِ إلى مَوْجُودٍ لا يُجانِسُهُمْ؛ بَلْ هو خالِقٌ غَيْرُ مَخْلُوقٍ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ واحِدٌ لا شَرِيكَ لَهُ؛ ولا اعْتِراضَ عَلَيْهِ؛ قادِرٌ عَلى ما يُرِيدُ - سُبْحانَهُ -؛ وفي خَلْقِهِ مِنَ الماءِ - الَّذِي هو كالأبِ - والطِّينِ - الَّذِي هو كالأُمِّ - بِمُساعَدَةِ النّارِ؛ والهَواءِ؛ مِنَ الحِكْمَةِ أنْ يَكُونَ مُلائِمًا لِما في هَذا العالَمِ؛ فَيَكُونَ بَقاؤُهُ بِذَلِكَ الَّذِي خُلِقَ مِنهُ؛ في مَأْكَلِهِ ومَشْرَبِهِ؛ ومَلْبَسِهِ؛ وسائِرِ أُمُورِهِ؛ وذَلِكَ أدَلُّ عَلى حِكْمَةِ الخالِقِ؛ وعِلْمِهِ ووَحْدانِيَّتِهِ. (p-٤٤)ومادَّةُ ”صَلَلَ“؛ تَدُورُ عَلى الصَّلْصالِ؛ الَّذِي هو الطِّينُ مُطْلَقًا؛ أوِ الطِّينُ الحُرُّ يُخْلَطُ بِالرَّمْلِ؛ أوِ الطِّينُ ما لَمْ يُجْعَلْ خَزَفًا؛ ويَتَفَرَّعُ جَمِيعُ مَعانِي المادَّةِ مِنهُ؛ لِأنَّ مِن لَوازِمِهِ في أوَّلِهِ الماءُ؛ واللِّينُ بِنَداوَتِهِ؛ وسُهُولَةِ خَلْطِهِ لِغَيْرِهِ؛ فَيَأْتِي الخَفاءُ لِأنَّهُ يُغْرَزُ فِيهِ بِغَيْرِ صَوْتٍ؛ ومِنها قَبُولُ التَّصْفِيَةِ مِنَ الغِشِّ؛ ومِنها في آخِرِهِ الصَّلابَةُ لِشِدَّةِ اليُبْسِ؛ فَيَلْزَمُ تَضامُّ الأجْزاءِ؛ وتَضايُقُها عَلى انْتِظامٍ؛ أوْ غَيْرِ انْتِظامٍ؛ والصَّوْتُ؛ وشِدَّةُ الِانْفِصالِ بِالتَّشَقُّقِ؛ ومِن لَوازِمِهِ التَّغَيُّرُ بِالنُّتْنِ؛ فَيَأْتِي الخُبْثُ والفَسادُ؛ ومِن لَوازِمِهِ شِدَّةُ الِاخْتِلاطِ؛ بِحَيْثُ إذا نَشِبَ فِيهِ شَيْءٌ عَسِرَ خَلاصُهُ؛ ومِن لَوازِمِهِ تَمَيُّزُهُ عَمّا عَداهُ؛ ومَحَلٌّ يُصْنَعُ فِيهِ؛ فَمِنَ الصَّوْتِ واليُبْسِ: صَلِيلُ الحَدِيدِ؛ والإبِلِ؛ ونَحْوُ ذَلِكَ؛ يُقالُ: ”صَلَّ الحَدِيدُ؛ واللِّجامُ“: امْتَدَّ صَوْتُهُ؛ فَإنْ تُوُهِّمَ تَرْجِيعُ الصَّوْتِ قِيلَ: ”صَلْصَلَ“؛ و”صَلَّ البَيْضُ“: سُمِعَ لَهُ طَنِينٌ عِنْدَ القِراعِ؛ و”المِسْمارُ صَلِيلًا“: ضُرِبَ فَأُكْرِهَ أنْ يَدْخُلَ في الشَّيْءِ؛ و”الإبِلُ صَلِيلًا“: يَبِسَتْ أمْعاؤُها مِنَ العَطَشِ؛ فَسُمِعَ لَها صَوْتٌ عِنْدَ الشُّرْبِ؛ (p-٤٥)ومِنَ الصَّوْتِ: ”صَلْصَلَ“: أوْعَدَ وتَهَدَّدَ؛ وقَتَلَ سَيِّدَ العَسْكَرِ؛ لِظُهُورِ الصَّيْتِ بِذَلِكَ؛ و”صَلْصَلَ الرَّعْدُ“: صَفا صَوْتُهُ؛ و”الكَلِمَةَ“: أخْرَجَها مُتَحَذْلِقًا؛ وطائِرٌ؛ أوِ الفاخِتَةُ؛ والرّاعِي الحاذِقُ؛ و”المُصَلِّلُ“؛ كَـ ”مُحَدِّثٌ“: السَّيِّدُ الكَرِيمُ الحَسِيبُ؛ والخالِصُ النَّسَبِ؛ والأسْكَفُ؛ وهو الإسْكافُ عِنْدَ العامَّةِ؛ و”تَصَلْصَلَ الغَدِيرُ“: جَفَّتْ حَمْأتُهُ؛ فَتَهَيَّأ لِأنْ يُصَوِّتَ يُبْسُهُ؛ و”الحُلِيُّ“: صَوَّتَ؛ و”حِمارٌ صُلْصُلٌ؛ وصُلاصِلٌ“؛ بِضَمِّهِما؛ و”صَلْصالٌ؛ ومُصَلْصِلٌ“: مُصَوِّتٌ؛ ومِنَ النُّتْنِ: ”صُلُولُ اللَّحْمِ والماءِ“؛ يُقالُ: ”صَلَّ اللَّحْمُ صُلُولًا“: أنْتَنَ؛ والماءُ: أجِنَ؛ و”الصِّلِّيانُ“؛ بِكَسْرَتَيْنِ؛ مُشَدَّدَةَ اللّامِ: ما تَغَيَّرَ مِنَ اللَّحْمِ؛ و”الصُّلَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الرِّيحُ المُنْتِنَةُ؛ (p-٤٦)ومِنَ اليُبْسِ: الصِّلَّةُ؛ وهي الجِلْدُ اليابِسُ؛ قَبْلَ الدِّباغِ؛ والنَّعْلُ؛ والأرْضُ؛ أوِ اليابِسَةُ؛ و”صَلَّ السِّقاءُ صَلِيلًا“: يَبِسَ؛ أوْ أرْضٌ لَمْ تُمْطَرْ بَيْنَ مَمْطُورَتَيْنِ؛ و”الصِّلُّ“؛ بِالكَسْرِ: القَرْنُ؛ وشَجَرٌ؛ والسَّيْفُ القاطِعُ؛ ومِنَ النَّداوَةِ: ”الصِّلَّةُ“؛ وهي التُّرابُ النَّدِيُّ؛ ومِنَ الماءِ أعَمُّ مِن أنْ يَكُونَ كَثِيرًا؛ أوْ قَلِيلًا؛ ”الصِّلَّةُ“؛ لِلْمَطِرَةِ الواسِعَةِ؛ والمُتَفَرِّقَةِ القَلِيلَةِ؛ و”الصُّلَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: بَقِيَّةُ الماءِ؛ وغَيْرِهِ؛ وكَذا الصَّلْصَلَةُ والصَّلْصَلُ؛ بِضَمِّهِما: بَقِيَّةُ الماءِ في الغَدِيرِ؛ وكَذا مِنَ الدُّهْنِ والزَّيْتِ؛ وأمّا التَّفَرُّقُ فَمِنَ التَّشَقُّقِ؛ و”الصِّلَةُ“: القِطْعَةُ مِنَ العُشْبِ؛ سُمِّيَتْ بِاسْمِ المَطَرِ؛ تَسْمِيَةً لِلْمُسَبِّبِ بِاسْمِ السَّبَبِ؛ ومِنَ اللِّينِ: ”الصَّلّالَةُ“؛ بِالكَسْرِ؛ لِبِطانَةِ الخُفِّ؛ أوْ ساقِها؛ و”الصُّلْصُلُ“؛ كَـ ”هُدْهُدٌ“: ناصِيَةُ الفَرَسِ؛ ويُفْتَحُ؛ أوْ بَياضٌ في شَعْرِ مَعْرِفَتِهِ؛ وما ابْيَضَّ مِن شَعْرِ ظَهْرِهِ؛ وهَذا مِنَ التَّمْيِيزِ أيْضًا؛ ومِنَ المَحَلِّ: القَدَحُ؛ أوِ الصَّغِيرُ مِنهُ؛ و”المِصْلَةُ“؛ بِالكَسْرِ: الإناءُ يُصَفّى فِيهِ الشَّرابُ؛ ومِنَ الخُبْثِ: ”الصِّلُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ لِلْحَيَّةِ مُطْلَقًا؛ أوِ الدَّقِيقَةِ الصَّفْراءِ؛ والدّاهِيَةِ؛ (p-٤٧)والسَّيْفِ القاطِعِ؛ شُبِّهَ بِذَلِكَ لِإهْلاكِهِ؛ و”إنَّهُ لَصُلُّ أصْلالٍ“: داهٍ؛ مُنْكَرٌ في الخُصُومَةِ وغَيْرِها؛ و”صَلَتْهُمُ الصّالَّةُ“: أصابَتْهُمُ الدّاهِيَةُ؛ وهَذا أيْضًا مِن شِدَّةِ الِانْتِشابِ؛ ومِنَ التَّشَقُّقِ: ”الصّالُّ“؛ وهو الماءُ يَقَعُ عَلى الأرْضِ فَتُشَقَّقُ؛ ومِنَ التَّصْفِيَةِ: ”صَلَلْنا الحَبَّ المُخْتَلِطَ بِالتُّرابِ“: صَبَبْنا فِيهِ ماءً؛ فَعَزَلْنا كُلًّا عَلى حِيالِهِ؛ و”صَلَّ الشَّرابَ صَلًّا“: صَفّاهُ؛ و”المِصْلَةُ“؛ بِالكَسْرِ: الإناءُ يُصَفّى فِيهِ؛ ومِن تَضامِّ الأجْزاءِ وتَضايُقِها؛ وقَدْ يَكُونُ مَعَ الِانْتِظامِ؛ ومِنهُ: ”تَلْصِيصُ البُنْيانِ“؛ أيْ: تَرْصِيصُهُ؛ وقَدْ لا يُشْتَرَطُ فِيهِ الِانْتِظامُ؛ ومِنهُ: ”التَصَّ“؛ بِمَعْنى: التَزَقَ؛ و”اللَّصُّ“؛ وهو تَقارُبُ المَنكِبَيْنِ؛ وتَقارُبُ الأضْراسِ؛ وتَضامُّ مَرْفِقَيِ الفَرَسِ إلى زَوْرِهِ؛ و”اللَّصّاءُ“؛ مِنَ الجِباهِ: الضَّيِّقَةُ؛ والمَرْأةُ المُلْتَزِقَةُ الفَخِذَيْنِ؛ لا فُرْجَةَ بَيْنَهُما؛ والزِّنْجِيُّ؛ ألَصُ الألْيَتَيْنِ؛ (p-٤٨)وإغْلاقُ البابِ؛ ومِن إطْلاقِهِ عَلى ما لَيْسَ مُنْتَظِمًا وإنْ لَمْ يَكُنْ تَقارُبٌ: ”اللَّصّاءُ مِنَ الغَنَمِ“؛ وهي ما أقْبَلَ أحَدُ قَرْنَيْها وأدْبَرَ الآخَرُ؛ ومِنَ الخَفاءِ الَّذِي هو مِن لَوازِمِ الطِّينِ وهو نَدِيٌّ: ”اللَّصُّ“؛ بِالفَتْحِ؛ وهو فِعْلُ الشَّيْءِ في سَتْرٍ؛ والسّارِقُ؛ ويُثَلَّثُ.

ومادَّةُ ”سَنَنَ“؛ تَدُورُ عَلى الدَّلْكِ؛ ويَلْزَمُهُ التَّحْسِينُ؛ فَمِنَ الدَّلْكِ: ”السِّنُّ“؛ بِالكَسْرِ؛ وهو الضِّرْسُ؛ والحَبَّةُ مِنَ الثُّومِ؛ تُشَبَّهُ بِهِ؛ والثَّوْرُ الوَحْشِيِّ؛ وسِنانُ الرُّمْحِ؛ ومَكانُ البَرْيِ مِنَ القَلَمِ؛ والأكْلُ الشَّدِيدُ؛ والقَرْنُ؛ وشُعْبَةُ المِنجَلِ؛ ومِقْدارُ العُمْرِ؛ لِأنَّهُ لَمّا مَرَّ عَلى صاحِبِهِ كانَ كَأنَّهُ دَلَكُهُ؛ و”المَسانُّ“؛ مِنَ الإبِلِ: الكِبارُ؛ و”سُنُّ السِّكِّينِ“؛ وغَيْرُهُ؛ فَهو مَسْنُونٌ؛ و”المِسَنُّ“؛ بِالكَسْرِ: آلَةُ السَّنِّ؛ وسَنَّنَ رُمْحَهُ إلَيْهِ: سَدَّدَهُ؛ وسَنَّ الأضْراسَ: سَوَّكَها؛ والإبِلَ: ساقَها سَرِيعًا؛ لِتَدالُكِها عِنْدَ الِازْدِحامِ؛ و”سَنَّ الأمْرَ“: بَيَّنَهُ؛ فَكَأنَّهُ هَيَّأهُ لِأنْ يُرْكَبَ فَيُدَلَّكَ بِالأفْكارِ؛ أوْ غَيْرِها؛ و”سَنَّ الطِّينَ“: عَمِلَهُ فَخّارًا؛ و”فُلانًا“: طَعَنَهُ بِالسِّنانِ؛ أوْ عَضَّهُ بِالأسْنانِ؛ و”الفَحْلُ النّاقَةَ“: كَبَّها عَلى وجْهِها؛ و”عَلَيْهِ (p-٤٩)الدِّرْعَ؛ أوِ الماءَ“: صَبَّهُ؛ و”الطَّرِيقَةَ“: سارَها؛ و”اسْتَنَّ“: اسْتاكَ؛ و”الفَرَسُ“: قَمَصَ؛ و”السَّرابُ“: اضْطَرَبَ؛ و”السِّنَّةُ“؛ بِالكَسْرِ: الفَأْسُ لَها خَلْفانِ؛ و”السُّنَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: السِّيرَةُ؛ أوِ الطَّبِيعَةُ؛ كَأنَّها عُولِجَتْ حَتّى انْقادَتْ؛ و”السُّنَّةُ“؛ مِنَ اللَّهِ: حُكْمُهُ؛ وأمْرُهُ ونَهْيُهُ؛ و”سُنُنُ الطَّرِيقِ“؛ مُثَلَّثَةً؛ وبِضَمَّتَيْنِ: نَهْجُهُ وجِهَتُهُ؛ و”جاءَتِ الرِّيحُ سَناسِنَ“: عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ؛ و”الحَمَأُ المَسْنُونُ“: المُنْتِنُ؛ لِأنَّهُ تَهَيَّأ لِأنْ يُدَلَّكَ بِالآلَةِ جِبِلًّا؛ حَتّى يَصْلُحَ لِما يُسْتَعْمَلُ فِيهِ؛ و”الفَحْلُ يُسانُّ النّاقَةَ“: يَكْدِمُها؛ ويَطْرُدُها؛ حَتّى يُنَوِّخَها لِيَسْفِدَها؛ و”السَّنِينُ“؛ كَـ ”أمِيرٌ“: ما يَسْقُطُ مِنَ الحَجَرِ إذا حَكَكْتَهُ؛ والأرْضُ الَّتِي أُكِلَ نَباتُها؛ كالمَسْنُونَةِ؛ و”السِّنْسِنُ“؛ بِالكَسْرِ: العَطَشُ؛ كَأنَّهُ سَنَّ الأمْعاءَ حَتّى أحْرَقَها؛ ورَأْسُ المَحالَةِ؛ أيْ: البَكَرَةِ العَظِيمَةِ؛ وحَرْفُ فَقارِ الظَّهْرِ؛ كالسَّنِّ والسَّنْسَنَةِ؛ ورَأْسُ عِظامِ الصَّدْرِ؛ أوْ طَرَفُ الضِّلْعِ الَّتِي في الصَّدْرِ؛ و”المُسْتَسَنُّ“: الطَّرِيقُ المَسْلُوكُ؛ و”المُسْتَنُّ“: الأسَدُ؛ و”السَّنَنُ“؛ مُحَرَّكَةً: (p-٥٠)الإبِلُ تَسْتَنُّ في عَدْوِها؛ و”السَّنِينَةُ“؛ كَـ ”سَفِينَةٌ“: الرَّمْلُ المُرْتَفِعُ المُسْتَطِيلُ عَلى وجْهِ الأرْضِ؛ وهو مِنَ المَسْنُونِ بِمَعْنى المَصْبُوبِ: و”سَنَّنِي هَذا الشَّيْءَ“: شَهّى إلَيَّ الطَّعامَ؛ كَأنَّهُ سَنَّ المَعِدَةَ حَتّى قَطَعَتْ بَعْدَ كَلالِها؛ و”تَسانَّتِ الفُحُولُ“: تَكادَمَتْ؛ و”النَّسُّ“: سُرْعَةُ الذَّهابِ؛ ويَلْزَمُهُ تَدالُكُ الأعْضاءِ؛ و”نَسِيسُ الإنْسانِ“: مَجْهُودُهُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ لا يَكُونُ إلّا بَعْدَ أشَدِّ الِاضْطِرابِ؛ و”النَّسِيسَةُ“: الحُشاشَةُ؛ وهي بَقِيَّةُ الرُّوحِ مِنَ المَرِيضِ؛ والجَرِيحِ؛ كَأنَّها صُدِمَتْ حَتّى ذَهَبَ أكْثَرُها؛ و”نَسَّ اللَّحْمُ“: ذَهَبَ بَلَلُهُ مِن شِدَّةِ الطَّبْخِ؛ لِأنَّ إحْراقَ النّارِ أعْظَمُ دَلْكٍ؛ وكَذا ”نَسَّ الحَطَبُ“؛ إذا أخْرَجَتِ النّارُ زَبَدَهُ عَلى رَأْسِهِ؛ لِقِيامِ الإحْراقِ مَقامَ الرَّضْخِ فِيما يُسْتَخْرَجُ دُهْنُهُ؛ و”نَسَّ مِنَ العَطَشِ“: جَفَّ؛ مِن ذَلِكَ؛ ومِنَ التَّحْسِينِ: ”سَنَّنَ المَنطِقَ“؛ إذا حَسَّنَهُ؛ و”سَنَّ الأمْرَ“: بَيَّنَهُ؛ و”الطِّينَ“: عَمِلَهُ فَخّارًا؛ و”المالَ“: أرْسَلَهُ في الرَّعْيِ؛ أوْ أحْسَنَ القِيامَ عَلَيْهِ؛ حَتّى (p-٥١)كَأنَّهُ صَقَلَهُ؛ و”الشَّيْءَ“: صَوَّرَهُ؛ و”السُّنَّةُ“؛ بِالضَّمِّ: الوَجْهُ؛ أوْ حَرُّهُ؛ أوْ دائِرَتُهُ؛ أوِ الصُّورَةُ؛ أوِ الجَبْهَةُ؛ و”رَجُلٌ مَسْنُونُ الوَجْهِ“: مُمَلَّسُهُ؛ حَسَنُهُ؛ سَهْلُهُ؛ أوْ في وجْهِهِ وأنْفِهِ طُولٌ؛ وكُلُّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلى الدَّلْكِ أيْضًا؛ واللَّهُ أعْلَمُ؛ وقالَ أبُو حَيّانَ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: ”المَسْنُونُ“: الرَّطْبُ؛ ومَعْناهُ: المَصْبُوبُ؛ لِأنَّهُ لا يَكُونُ مَصْبُوبًا إلّا وهو رَطْبٌ؛ وقالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: وهَذا إشارَةٌ إلى دَرَجاتِ خَلْقِ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - ومَراتِبِهِ؛ وأشارَ اللَّهُ (تَعالى) إلى ذَلِكَ في مَواضِعَ مُخْتَلِفَةٍ؛ حَسْبَما اقْتَضَتْهُ الحِكْمَةُ؛ فَقالَ في مَوْضِعٍ: ﴿خَلَقَهُ مِن تُرابٍ﴾ [آل عمران: ٥٩]؛ إشارَةً إلى المَبْدَإ الأوَّلِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢]؛ إشارَةً إلى الجَمْعِ بَيْنَ الماءِ والتُّرابِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾؛ إشارَةً إلى الطِّينِ المُتَغَيِّرِ؛ المُسْتَقِرِّ عَلى حالَةٍ مِنَ الاعْتِدالِ تَصْلُحُ لِقَبُولِ الصُّورَةِ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ إشارَةً إلى يَبَسِهِ؛ وسَماعِ صَلْصَلَةٍ مِنهُ؛ وفي آخَرَ: ﴿مِن صَلْصالٍ كالفَخّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]؛ وهو الَّذِي قَدْ أُصْلِحَ بِأثَرٍ مِنَ النّارِ؛ فَصارَ كالخَذِفِ؛ وبِهَذِهِ القُوَّةِ النّارِيَّةِ حَصَلَ في الإنْسانِ أثَرٌ مِنَ الشَّيْطَنَةِ؛ انْتَهى؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: وقَدْ تَضَمَّنَتِ الآياتُ البَيانَ عَمّا يُوجِبُهُ تَقْلِيبُ الحَيَوانِ مِن حالٍ إلى حالٍ؛ (p-٥٢)مِن جاعِلٍ قادِرٍ؛ قَلَّبَهُ مِن أصْلٍ هو أبْعَدُ شَيْءٍ مِن حالِ الحَيَوانِ؛ إلى الحَيَوانِ؛ وقالَ: إنَّ الحِكْمَةَ في جَعْلِهِ مِنَ الحَمْأةِ العِبْرَةُ في أنَّهُ قُلِبَ مِن تِلْكَ الحالِ الحَقِيرَةِ في الصِّفَةِ؛ إلى هَذِهِ الحالِ الجَلِيلَةِ.

15:27Page 263

وَٱلۡجَآنَّ خَلَقۡنَٰهُ مِن قَبۡلُ مِن نَّارِ ٱلسَّمُومِ ٢٧

And the jinn We created before from scorching fire.

ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - خَلْقَ الإنْسانِ؛ أتْبَعَهُ ذِكْرَ ما خَلَقَهُ قَبْلَهُ مِنَ الجانِّ؛ فَقالَ: ﴿والجانَّ﴾؛ أيْ: الَّذِي هو لِلْجِنِّ كَآدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِلنّاسِ: وقِيلَ: هو إبْلِيسُ؛ ﴿خَلَقْناهُ﴾؛ وعَبَّرَ عَنْ تَقْلِيلِ زَمانِ سَبْقِ خَلْقِهِ؛ وتَقْرِيبِهِ؛ بِإثْباتِ الجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلُ﴾؛ أيْ: قَبْلَ خَلْقِ الإنْسانِ؛ ﴿مِن نارِ السَّمُومِ﴾؛ أيْ: الحَرِّ الشَّدِيدِ؛ قِيلَ: هي نارٌ لا دُخانَ لَها؛ يَكُونُ مِنها الصَّواعِقُ؛ وهي بَيْنَ السَّماءِ؛ وبَيْنَ الحِجابِ؛ فَإذا أرادَ اللَّهُ (تَعالى) خَرَقَتِ الحِجابَ؛ فَهَدَّتْ إلى ما أُمِرَتْ بِهِ؛ فالهَدَّةُ الَّتِي يَسْمَعُها النّاسُ هي خَرْقُ ذَلِكَ الحِجابِ؛ وقالَ الرّازِيُّ في ”اللَّوامِعُ“: نارٌ لَطِيفَةٌ؛ تَناهَتْ في الغَلَيانِ في أُفُقِ الهَواءِ؛ وهي بِالإضافَةِ إلى النّارِ الَّتِي جَعَلَها اللَّهُ (تَعالى) مَتاعًا كالجَمَدِ إلى الماءِ؛ والحَجَرِ إلى التُّرابِ؛ انْتَهى؛ وقالَ عَبْدُ اللَّهِ: هَذِهِ السَّمُومُ جُزْءٌ مِن سَبْعِينَ جُزْءًا مِنَ السَّمُومِ (p-٥٣)الَّتِي خَلَقَ اللَّهُ مِنها الجانَّ؛ وهي مَأْخُوذَةٌ مِن دُخُولِها بِلُطْفِها في مَسامِّ البَدَنِ؛ ومِنهُ السُّمُّ القاتِلُ؛ انْتَهى.

15:28Page 263

وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ إِنِّي خَٰلِقُۢ بَشَرٗا مِّن صَلۡصَٰلٖ مِّنۡ حَمَإٖ مَّسۡنُونٖ ٢٨

And [mention, O Muḥammad], when your Lord said to the angels, "I will create a human being out of clay from an altered black mud.

ولَمّا كانَتْ نِعْمَةُ الإيجادِ كافِيَةً في إخْلاصِ العِبادَةِ لِلْمُوجِدِ؛ ثُمَّ لَمْ يَعْتَبِرْها أهْلُ الضَّلالِ؛ أشارَ (تَعالى) إلى نِعْمَةٍ هي أكْبَرُ مِنها؛ وهي التَّفْضِيلُ عَلى جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ عَلى وجْهٍ مُبَيِّنٍ لِسَبَبِ الضَّلالِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”اذْكُرْ هَذا فَإنَّهُ كافٍ في المُرادِ لِكُلِّ ذِي لُبٍّ“ -: ﴿وإذْ﴾؛ أيْ: واذْكُرْ قَوْلَ رَبِّكَ إذْ؛ ﴿قالَ رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ بِتَشْرِيفِ أبِيكَ آدَمَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - لِتَشْرِيفِكَ؛ ﴿لِلْمَلائِكَةِ﴾؛ ولَمّا كانَ مِمّا يُتَوَقَّفُ فِيهِ؛ أكَّدَهُ؛ فَقالَ: ﴿إنِّي خالِقٌ بَشَرًا﴾؛ أيْ: حَيَوانًا غَيْرَ مُلْبَسِ البَشَرَةِ بِما جَعَلَهُ عَلَيْهِ مِنَ الطَّبِيعَةِ عَلى الصُّورَةِ الإنْسانِيَّةِ؛ ﴿مِن صَلْصالٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ شَدِيدِ اليُبْسِ؛ ﴿مِن حَمَإٍ﴾؛ أيْ: طِينٍ أسْوَدَ مُنْتِنٍ؛ ﴿مَسْنُونٍ﴾؛ أيْ: مُصَوَّرٍ بِصُورَةِ الآدَمِيِّ في تَجْوِيفِهِ؛ وأعْضائِهِ؛ كَأنَّهُ مَصْبُوبٌ في قالَبٍ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: وأصْلُهُ الِاسْتِمْرارُ في جِهَةٍ مِن قَوْلِهِمْ: ”عَلى سَنَنٍ واحِدٍ“؛

15:29Page 263

فَإِذَا سَوَّيۡتُهُۥ وَنَفَخۡتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُۥ سَٰجِدِينَ ٢٩

And when I have proportioned him and breathed into him of My [created] soul,1 then fall down to him in prostration."

﴿فَإذا سَوَّيْتُهُ﴾؛ أيْ: عَدَّلْتُهُ؛ وأتْمَمْتُهُ؛ وهَيَّأْتُهُ لِنَفْخِ الرُّوحِ تَهْيِئَةً قَرِيبَةً مِنَ الفِعْلِ؛ ﴿ونَفَخْتُ فِيهِ مِن رُوحِي﴾؛ أيْ: خَلَقْتُ الحَياةَ فِيهِ؛ (p-٥٤)كَما تَعْلَقُ النّارُ بِالفَتِيلَةِ بِالنَّفْخِ؛ وهو تَمْثِيلٌ؛ وأضافَ الرُّوحَ إلَيْهِ تَشْرِيفًا؛ وهو ما يَصِيرُ بِهِ الجِسْمُ حَيًّا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ الرُّوحُ عالِمًا؛ وأشْرَفُ مِنهُ ما يَصِيرُ بِهِ العالِمُ عامِلًا خاشِعًا؛ ﴿فَقَعُوا لَهُ﴾؛ أيْ: تَعْظِيمًا؛ حالَ كَوْنِكُمْ؛ ﴿ساجِدِينَ﴾؛ أيْ: اسْجُدُوا لَهُ سُجُودَ مَن كانَ في مُبادَرَتِهِ بِهِ؛ وسُهُولَةِ انْقِيادِهِ؛ كَأنَّهُ وقَعَ مِن غَيْرِ اخْتِيارِهِ؛

15:30Page 263

فَسَجَدَ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ كُلُّهُمۡ أَجۡمَعُونَ ٣٠

So the angels prostrated - all of them entirely,

﴿فَسَجَدَ المَلائِكَةُ﴾؛ أيْ: بِسَبَبِ هَذا الأمْرِ مِن غَيْرِ تَوَقُّفٍ؛ لَمّا جاءَ الوَقْتُ الَّذِي أمَرْتُهم فِيهِ لِذَلِكَ البَشَرِ؛ وهو أبُوكم آدَمُ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ وأنْتُمْ في صُلْبِهِ ﴿كُلُّهم أجْمَعُونَ﴾

15:31Page 263

إِلَّآ إِبۡلِيسَ أَبَىٰٓ أَن يَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣١

Except Iblees;1 he refused to be with those who prostrated.

ولَمّا أبْلَغَ في تَأْكِيدِ ما أفْهَمَهُ الجَمْعُ؛ اسْتَثْنى؛ فَقالَ: ﴿إلا إبْلِيسَ﴾؛ قِيلَ: (وقِيلَ: بَلْ - لِكَوْنِهِ كانَ واحِدًا بَيْنَهُمْ؛ مُنْضافًا إلَيْهِمْ؛ عامِلًا بِأعْمالِهِمْ - كانَ مَعْمُورًا فِيهِمْ؛ فَكانَ كَأنَّهُ مِنهُمْ؛ فَصَحَّ اسْتِثْناؤُهُ لِذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما فَعَلَ؟ فَقِيلَ - اسْتِعْظامًا لِمُخالَفَتِهِ -: ﴿أبى أنْ يَكُونَ﴾؛ أيْ: لِشَكاسَةٍ في جِبِلَّتِهِ؛ ﴿مِنَ السّاجِدِينَ﴾ [الحجر: ٩٨]؛ أوْ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ: فَأبى - بِالعَطْفِ -؛ لِأنَّ الِاسْتِثْناءَ مُنْقَطِعٌ؛ فَإنَّ إبْلِيسَ مِن نارٍ؛ والمَلائِكَةَ مِن نُورٍ؛ وهم لا يَأْكُلُونَ؛ ولا يَشْرَبُونَ؛ ولا يَنْكِحُونَ؛ بِخِلافِهِ؛

15:32Page 264

قَالَ يَٰٓإِبۡلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ ٱلسَّٰجِدِينَ ٣٢

[Allāh] said, "O Iblees, what is [the matter] with you that you are not with those who prostrate?"

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما فَعَلَ بِهِ المَلِكُ؟ فَقِيلَ: لَمْ يُعاجِلْهُ بِالعُقُوبَةِ؛ بَلْ (p-٥٥)أخَّرَهُ إلى أجْلِهِ المَحْكُومِ بِهِ في الأزَلِ؛ كَما أنَّهُ لَمْ يُعاجِلْكم لِذَلِكَ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما قالُ لَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿قالَ﴾ لَهُ؛ لِيُقِيمَ الحُجَّةَ عَلَيْهِ عِنْدَ الخَلائِقِ ظاهِرًا؛ كَما قُدِّمَتْ عَلَيْهِ الحُجَّةُ في العِلْمِ باطِنًا: ﴿يا إبْلِيسُ﴾؛ اخْتارَ هَذا الِاسْمَ هُنا؛ لِأنَّ الإبْلاسَ مَعْناهُ اليَأْسُ مِن كُلِّ خَيْرٍ؛ والسُّكُونُ والِانْكِسارُ؛ والحُزْنُ والتَّحَيُّرُ؛ وانْقِطاعُ الحُجَّةِ؛ والنَّدَمُ؛ ﴿ما لَكَ﴾؛ أيُّ شَيْءٍ لَكَ مِنَ الأعْذارِ في ﴿ألا تَكُونَ﴾؛ أيْ: بِقَلْبِكَ وقالَبِكَ؛ ﴿مَعَ السّاجِدِينَ﴾؛ لِمَن أمَرْتُكَ بِالسُّجُودِ لَهُ؛ وأنْتَ تَعْلَمُ مِمّا أنا عَلَيْهِ مِنَ العَظَمَةِ والجَلالِ ما لا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ الخَلْقِ؟

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском