Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:124–128
16:124Page 281
إِنَّمَا جُعِلَ ٱلسَّبۡتُ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحۡكُمُ بَيۡنَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخۡتَلِفُونَ ١٢٤
The sabbath was only appointed for those who differed over it. And indeed, your Lord will judge between them on the Day of Resurrection concerning that over which they used to differ.
ولَمّا دَعا - سُبْحانَهُ - فِيها إلى مَعالِي الشِّيَمِ؛ وعَدَمِ الِاعْتِراضِ؛ وخَتَمَ بِالأمْرِ بِالمِلَّةِ الحَنِيفِيَّةِ الَّتِي هي سُهُولَةُ الِانْقِيادِ لِلدَّلِيلِ؛ وعَدَمُ الكَوْنِ مَعَ الجامِدِينَ؛ اقْتِداءً بِالأبِ (p-٢٧٦)الأعْظَمِ؛ وكانَ الخِلافُ والعُسْرُ مُخالِفًا لِمِلَّتِهِ؛ فَكانَ لا يَجُرُّ إلى خَيْرٍ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ أنَّ كُلَّ حُكْمٍ حَدَثَ بَعْدَهُ لَيْسَ مِن مِلَّتِهِ؛ وكانَ اليَهُودُ يَزْعُمُونَ جَهْلًا أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ وكانَ السَّبْتُ مِن أعْظَمِ شَعائِرِهِمْ؛ أنْتَجَ ذَلِكَ قَوْلَهُ (تَعالى) - جَوابًا لِمَن قَدْ يَدَّعِي مِنَ اليَهُودِ أنَّهُ كانَ عَلى دِينِهِمْ؛ وتَحْذِيرًا مِنَ العُقُوبَةِ عَلى الِاخْتِلافِ في الحَقِّ؛ بِالتَّشْدِيدِ في الأمْرِ؛ ﴿إنَّما جُعِلَ﴾؛ أيْ: بِجَعْلِ مَن لا أمْرَ لِغَيْرِهِ؛ ﴿السَّبْتُ﴾؛ أيْ: تَحْرِيمُهُ؛ واحْتِرامُهُ؛ أوْ وبالُهُ؛ ﴿عَلى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ حِينَ أمَرَهم نَبِيُّهم بِالجُمُعَةِ؛ فَقَبِلَ ذَلِكَ بَعْضُهُمْ؛ وأرادَ السَّبْتَ آخَرُونَ؛ فَبَدَّلُوا بِالجُمُعَةِ السَّبْتَ؛ وشَدَّدَ عَلَيْهِمْ في أمْرِهِ؛ انْتِقامًا مِنهُمْ؛ بِما تُفْهِمُهُ التَّعْدِيَةُ بِـ ”عَلى“؛ فَكانَ ذَلِكَ وبالًا عَلَيْهِمْ؛ وفي ذَلِكَ تَذْكِيرٌ بِنِعْمَةِ التَّيْسِيرِ عَلَيْنا؛ قالَ البَغَوِيُّ: قالَ الكَلْبِيُّ: أمَرَهم مُوسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِالجُمُعَةِ؛ فَقالَ: ”تَفَرَّغُوا لِلَّهِ في كُلِّ سَبْعَةِ أيّامٍ يَوْمًا؛ فاعْبُدُوهُ يَوْمَ الجُمُعَةِ؛ ولا تَعْمَلُوا فِيهِ عَمَلًا لِصَنْعَتِكُمْ؛ وسِتَّةَ أيّامٍ لِصِناعَتِكُمْ“؛ فَأبَوْا إلّا شِرْذِمَةً مِنهُمْ؛ وقالُوا: (p-٢٧٧)لا نُرِيدُ إلّا اليَوْمَ الَّذِي فَرَغَ اللَّهُ فِيهِ مِنَ الخَلْقِ؛ يَوْمَ السَّبْتِ؛ فَجُعِلَ ذَلِكَ اليَوْمُ عَلَيْهِمْ؛ وشُدِّدَ عَلَيْهِمْ فِيهِ؛ ثُمَّ جاءَهم عِيسى - عَلَيْهِ السَّلامُ - بِيَوْمِ الجُمُعَةِ؛ فَقالُوا: لا نُرِيدُ أنْ يَكُونَ عِيدُهم بَعْدَ عِيدِنا؛ فَأخَذُوا الأحَدَ؛ فَأعْطى اللَّهُ الجُمُعَةَ هَذِهِ الأُمَّةَ فَقَبِلُوها؛ وبُورِكَ لَهم فِيها.
وقالَ عَبْدُ الرَّزّاقِ؛ في تَفْسِيرِهِ: أخْبَرَنِي مُعَمَّرٌ؛ أخْبَرَنِي مَن سَمِعَ مُجاهِدًا يَقُولُ - في قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّما جُعِلَ السَّبْتُ﴾ -؛ فَقالَ: رَدُّوا الجُمُعَةَ؛ وأخَذُوا السَّبْتَ مَكانَهُ؛ ورَوى الشَّيْخانِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - أنَّ النَّبِيَّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - قالَ: «”نَحْنُ الآخِرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ؛ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكِتابَ مِن قَبْلِنا؛ وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ؛ فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ؛ فاخْتَلَفُوا فِيهِ؛ فَهَدانا اللَّهُ لَهُ؛ فَهم لَنا فِيهِ تَبَعٌ؛ فاليَهُودُ غَدًا؛ والنَّصارى بَعْدَ غَدٍ“».
ولَمّا كانَ الإشْراكُ واضِحًا في أمْرِ النَّصارى؛ اسْتَغْنى بِنَفْيِهِ عَنْهُ عَنِ التَّصْرِيحِ بِأنَّهُ لَيْسَ عَلى دِينِهِمْ؛ ثُمَّ حَذَّرَ مِنَ الاخْتِلافِ؛ مُثْبِتًا أمْرَ البَعْثِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِطَواعِيَةِ أصْحابِكَ لَكَ؛ ﴿لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ (p-٢٧٨)المُخْتَلِفِينَ؛ ﴿يَوْمَ القِيامَةِ﴾؛ واجْتِماعِ جَمِيعِ الخَلائِقِ ﴿فِيما كانُوا﴾؛ أيْ: بِجِبِلّاتِهِمْ؛ ﴿فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾؛ مِن قَبُولِ الجُمُعَةِ؛ ورَدِّها؛ ومِنَ الإذْعانِ لِتَحْرِيمِ الصَّيْدِ؛ وإبائِهِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ فَيُجازى كُلُّ فَرِيقٍ مِنهم بِما يَسْتَحِقُّهُ.
16:125Page 281
ٱدۡعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِٱلۡحِكۡمَةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَنَةِۖ وَجَٰدِلۡهُم بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعۡلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِۦ وَهُوَ أَعۡلَمُ بِٱلۡمُهۡتَدِينَ ١٢٥
Invite to the way of your Lord with wisdom and good instruction, and argue with them in a way that is best. Indeed, your Lord is most knowing of who has strayed from His way, and He is most knowing of who is [rightly] guided.
ولَمّا قَدَّمَ - سُبْحانَهُ - في هَذِهِ السُّورَةِ حِكايَةَ كَثِيرٍ مِنَ اسْتِهْزائِهِمْ بِوَعْدِهِ؛ ووَعِيدِهِ؛ وتَكْذِيبِهِمْ لِرُسُلِهِ؛ عَلى أبْشَعِ وجْهٍ؛ والتَّفْتِيرِ عَنْ حُرْقَةِ الحِرْصِ عَلَيْهِمُ؛ المُفْضِي إلى شِدَّةِ التَّأسُّفِ عَلى ضَلالِهِمْ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِمّا رُبَّما أيْأسَ مِنهُمْ؛ فَأقْعَدَ عَنْ دُعائِهِمْ؛ وأتْبَعَهُ ضَرْبَ الأمْثالِ؛ ونَصْبَ الجِدالِ - عَلى تِلْكَ المَناهِجِ المُعْجِزَةِ؛ بِما يَسْبِقُ مِن ظَواهِرِها إلى الفَهْمِ عِنْدَ قَرْعِ السَّمْعِ مِنَ المَعانِي الجَلِيلَةِ؛ والمَقاصِدِ الجَمِيلَةِ - لِعامَّةِ الخَلْقِ؛ ما يَجِلُّ عَنِ الوَصْفِ؛ وإذا تَأمَّلَها الخَواصُّ وجَدُوا فِيها مِن دَقائِقِ الحَقائِقِ؛ ومَشارِعِ الرَّقائِقِ؛ ومُحْكَمِ الدَّلائِلِ؛ ومُتْقَنِ المَقاصِدِ والوَسائِلِ؛ ما يُوَضِّحُ - بِتَفاوُتِ الأفْهامِ؛ وتَبايُنِ الأفْكارِ - أنَّهُ بَحْرٌ لا ساحِلَ لَهُ؛ ولا قَرارَ؛ ولا مُنْتَهى لِما تَسْتَخْرِجُ مِنهُ الأنْظارُ؛ وخَتَمَ بِاتِّباعِ الأبِ الأعْظَمِ؛ لَمّا كانَ ذَلِكَ؛ وأمَرَ - سُبْحانَهُ - نَبِيَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - وهو السَّمِيعُ المُطِيعُ؛ أنْ يَسْتَنَّ بِآثارِهِ؛ ويَقْتَدِيَ بِإضْمارِهِ وإظْهارِهِ؛ فَسَّرَ (p-٢٧٩)لَهُ تِلْكَ المِلَّةَ الَّتِي أمَرَهُ بِاتِّباعِها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ادْعُ﴾؛ أيْ: كُلَّ مَن تُمْكِنُ دَعْوَتُهُ؛ ﴿إلى سَبِيلِ رَبِّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكَ؛ بِتَسْهِيلِ السَّبِيلِ الَّذِي تَدْعُو إلَيْهِ؛ واتِّساعِهِ؛ وهو الإسْلامُ؛ الَّذِي هو المِلَّةُ الحَنِيفِيَّةُ؛ ﴿بِالحِكْمَةِ﴾؛ وهي المُعَرِّفَةُ بِمَراتِبِ الأفْعالِ في الحُسْنِ؛ والقُبْحِ؛ والصَّلاحِ؛ والفَسادِ؛ وقِيلَ لَها ”حِكْمَةٌ“؛ لِأنَّها بِمَنزِلَةِ المانِعِ مِنَ الفَسادِ؛ وما لا يَنْبَغِي أنْ يُخْتارَ؛ فالحَكِيمُ هو العالِمُ بِما يَمْنَعُ مِنَ الفَسادِ؛ قالَهُ الرُّمّانِيُّ؛ وهي في الحَقِيقَةِ الحَقُّ الصَّرِيحُ؛ فَمَن كانَ أهْلًا لَهُ دَعا بِهِ؛ ﴿والمَوْعِظَةِ﴾؛ بِضَرْبِ الأمْثالِ؛ والوَعْدِ؛ والوَعِيدِ؛ مَعَ خَلْطِ الرَّغْبَةِ بِالرَّهْبَةِ؛ والإنْذارِ بِالبِشارَةِ؛ ﴿الحَسَنَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي يَسْهُلُ عَلى كُلِّ فَهْمٍ ظاهِرُها؛ ويَرُوقُ كُلَّ نِحْرِيرٍ ما ضَمَّنَتْهُ سَرائِرُها؛ مَعَ اللِّينِ في مَقْصُودِها؛ وتَأْدِيَتِها هَذا لِمَن لا يَحْتَمِلُ إلّا ذَلِكَ؛ ﴿وجادِلْهُمْ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ يَحْتَمِلُونَ ذَلِكَ مِنهُمْ؛ افْتِلْهم عَنْ مَذاهِبِهِمُ الباطِلَةِ إلى مَذْهَبِكَ الحَقِّ بِطَرِيقِ الحِجاجِ؛ ﴿بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾؛ مِنَ الطُّرُقِ؛ بِالتَّرَفُّقِ؛ واللِّينِ؛ والوَقارِ؛ والسَّكِينَةِ؛ ولا تُعْرِضْ عَنْهُمْ؛ (p-٢٨٠)يَأْسًا مِنهُمْ؛ ولا تُجازِهِمْ بِسَيِّئِ مَقالِهِمْ؛ وقَبِيحِ فِعالِهِمْ؛ صَفْحًا عَنْهُمْ؛ ورِفْقًا بِهِمْ؛ فَهو بَيانٌ لِأصْنافِ الدَّعْوَةِ؛ بِحَسَبِ عُقُولِ المَدْعُوِّينَ؛ لِأنَّ الأنْبِياءَ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - مَأْمُورُونَ بِأنْ يُخاطِبُوا النّاسَ عَلى قَدْرِ عُقُولِهِمْ؛ وقِيلَ: الدَّعْوَةُ إنْ كانَتْ لِتَقْرِيرِ الدِّينِ وتَثْبِيتِ الِاعْتِقادِ في قُلُوبِ أهْلِهِ - وهي مَعَ ذَلِكَ يَقِينِيَّةٌ مُطَهَّرَةٌ عَنِ احْتِمالِ نَقِيضٍ - فَهي الحِكْمَةُ؛ وهي لِطالِبِ الحَقِّ المُذْعِنِ إنْ كانَ مُسْتَعِدًّا لِلْقَبُولِ بِفِكْرِهِ الثّاقِبِ؛ وإنْ كانَتْ مُقارِنَةً لِاحْتِمالِ النَّقِيضِ مُفِيدَةً لِلظَّنِّ والإقْناعِ؛ فَهي المَوْعِظَةُ؛ وهي لِلْمُذْعِنِ الَّذِي لا اسْتِعْدادَ لَهُ؛ وإنْ كانَتْ لِإلْزامِ الجاحِدِينَ؛ وإفْحامِ المُعانِدِينَ؛ فَهي المُجادَلَةُ؛ فَإنْ كانَتْ مُرَكَّبَةً مِن مُقَدِّماتِ مُسَلَّمَةٍ عِنْدَ الجُمْهُورِ؛ أوْ عِنْدَ الخَصْمِ فَقَطْ؛ فَهي الحَسَنَةُ؛ وإنْ كانَتْ مِن مُقَدِّماتٍ كاذِبَةٍ غَيْرِ مُسَلَّمَةٍ يُرادُ تَرْوِيجُها بِالحِيَلِ الباطِلَةِ؛ والطُّرُقِ الفاسِدَةِ؛ فَهي السَّيِّئَةُ الَّتِي لا تَلِيقُ بِمُنْصِفٍ؛ ثُمَّ عَلَّلَ المُلازَمَةَ لِدُعائِهِمْ عَلى هَذا الوَجْهِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ بِالتَّخْفِيفِ عَنْكَ؛ ﴿هُوَ﴾؛ أيْ: وحْدَهُ؛ ﴿أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ مَن يُتَوَهَّمُ فِيهِ عِلْمٌ؛ ﴿بِمَن ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الضَّلالِ - وهو أعْلَمُ بِالضّالِّينَ؛ الرّاسِخِينَ في الجَوْرِ عَنِ الطَّرِيقِ - (p-٢٨١)فَلا انْفِكاكَ لَهُ عَنِ الضَّلالِ؛ وهو أعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدى لِسَبِيلِهِ؛ فَكانَ في أدْنى دَرَجاتِ الهِدايَةِ؛ ﴿وهُوَ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿أعْلَمُ بِالمُهْتَدِينَ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ هم في النِّهايَةِ مِنها؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ أوَّلًا ”مَن ضَلَّ“؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِ ثانِيًا؛ و”المُهْتَدِينَ“؛ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ضِدِّهِمْ أوَّلًا.
وأمّا أنْتَ فَلا عِلْمَ لَكَ بِشَيْءٍ مِن ذَلِكَ؛ إلّا بِإعْلامِنا؛ وقَدْ ألْزَمْناكَ البَلاغَ المُبِينَ؛ فَلا تَفْتُرْ عَنْهُ مُعْرِضًا عَنِ الحِرْصِ المُهْلِكِ؛ واليَأْسِ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ عَلَيْكَ هُداهم.
16:126Page 281
وَإِنۡ عَاقَبۡتُمۡ فَعَاقِبُواْ بِمِثۡلِ مَا عُوقِبۡتُم بِهِۦۖ وَلَئِن صَبَرۡتُمۡ لَهُوَ خَيۡرٞ لِّلصَّٰبِرِينَ ١٢٦
And if you punish [an enemy, O believers], punish with an equivalent of that with which you were harmed.1 But if you are patient - it is better for those who are patient.
ولَمّا بَيَّنَ أمْرَ الدَّعْوَةِ؛ وأوْضَحَ طُرُقَها؛ وقَدَّمَ أمْرَ الهِجْرَةِ؛ والإكْراهِ في الدِّينِ؛ والفَتْنِ فِيهِ؛ المُشِيرِ إلى ما سَبَّبَ ذَلِكَ مِنَ المِحَنِ؛ والبَلاءِ مِنَ الكُفّارِ؛ ظُلْمًا؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِالأمْرِ بِالرِّفْقِ بِهِمْ؛ عَمَّ؛ بَعْدَ ما خَصَّهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِهِ مِنَ الأمْرِ بِالرِّفْقِ؛ بِالأمْرِ لِأشْياعِهِ بِالعَدْلِ؛ والإحْسانِ؛ كَما تَقَدَّمَ؛ ولَوْ مَعَ أعْدى الأعْداءِ؛ والنَّهْيِ عَنْ مُجازاتِهِمْ إلّا عَلى وجْهِ العَدْلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وإنْ عاقَبْتُمْ﴾؛ أيْ: كانَتْ لَكم عاقِبَةٌ عَلَيْهِمْ؛ تَتَمَكَّنُونَ فِيها مِن أذاهُمْ؛ ﴿فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما﴾ (p-٢٨٢)ولَمّا كانَ الأمْرُ عامًّا في كُلِّ فِعْلٍ؛ مِنَ المُعاقَبَةِ مِن أيِّ فاعِلٍ كانَ؛ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِتَعْيِينِ الفاعِلِ غَرَضٌ؛ بَنى لِلْمَفْعُولِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾؛ وفي ذَلِكَ إشارَةٌ - عَلى ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ المُلُوكِ في كَلامِهِمْ - إلى إدالَتِهِمْ عَلَيْهِمْ؛ وإسْلامِهِمْ في يَدَيْهِمْ؛ وجَعْلِهِ بِأداةِ الشَّكِّ إقامَةً بَيْنَ الخَوْفِ؛ والرَّجاءِ.
ولَمّا أباحَ لَهم دَرَجَةَ العَدْلِ؛ رَقّاهم إلى رُتْبَةِ الإحْسانِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَئِنْ صَبَرْتُمْ﴾؛ بِالعَفْوِ عَنْهُمْ؛ ﴿لَهُوَ﴾؛ أيْ: الصَّبْرُ؛ ﴿خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ﴾؛ وأظْهَرَ في مَوْضِعِ الإضْمارِ؛ تَعْمِيمًا؛ وتَعْلِيقًا بِالوَصْفِ.
16:127Page 281
وَٱصۡبِرۡ وَمَا صَبۡرُكَ إِلَّا بِٱللَّهِۚ وَلَا تَحۡزَنۡ عَلَيۡهِمۡ وَلَا تَكُ فِي ضَيۡقٖ مِّمَّا يَمۡكُرُونَ ١٢٧
And be patient, [O Muḥammad], and your patience is not but through Allāh. And do not grieve over them and do not be in distress over what they conspire.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: فاصْبِرُوا؛ عَطَفَ عَلَيْهِ؛ إفْرادًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِالأمْرِ؛ إجْلالًا لَهُ؛ وتَسْلِيَةً فِيما كانَ سَبَبَ نُزُولِ الآيَةِ؛ مِنَ التَّمْثِيلِ بِعَمِّهِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ وتَنْوِيهًا بِعِظَمِ مَقامِ الصَّبْرِ؛ زِيادَةً في حَثِّ الأُمَّةِ؛ لِأنَّ أمْرَ الرَّئِيسِ أدْعى لِامْتِثالِ أتْباعِهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿واصْبِرْ﴾؛ ثُمَّ أتْبَعَ ذَلِكَ بِما يَحُثُّ عَلى دَوامِ الِالتِجاءِ إلَيْهِ؛ المُنْتِجِ لِلْمُراقَبَةِ؛ والفَناءِ عَنِ الأغْيارِ؛ ثُمَّ الفَناءِ عَنِ الفَناءِ؛ لِئَلّا يُتَوَهَّمَ أنَّ لِأحَدٍ فِعْلًا مُسْتَقِلًّا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وما صَبْرُكَ﴾؛ أيْ: أيُّها الرَّسُولُ (p-٢٨٣)الأعْظَمُ؛ ﴿إلا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي شَرَعَ لَكَ هَذا الشَّرْعَ الأقْوَمَ؛ وأنْتَ قائِمٌ في نَصْرِهِ؛ ولَقَدْ قابَلَ هَذا الأمْرَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بِأعْلى مَقاماتِ الصَّبْرِ؛ وذَلِكَ أنَّهم مَثَّلُوا بِقَتْلى المُسْلِمِينَ في غَزْوَةِ ”أُحُدٍ“؛ إلّا حَنْظَلَةَ الغَسِيلَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -؛ فَإنَّ أباهُ كانَ مَعَهُمْ؛ فَتَرَكُوهُ لَهُ؛ «فَلَمّا وقَفَ النَّبِيُّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - عَلى عَمِّهِ حَمْزَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - فَوَجَدَهم قَدْ جَدَعُوا أنْفَهُ؛ وقَطَعُوا أُذُنَيْهِ؛ وجَبُّوا مَذاكِيرَهُ؛ وبَقَرُوا بَطْنَهُ؛ نَظَرَ إلى شَيْءٍ لَمْ يَنْظُرْ قَطُّ إلى أوْجَعَ لِقَلْبِهِ مِنهُ؛ فَقالَ: ”رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْكَ؛ فَإنَّكَ كُنْتَ فَعّالًا لِلْخَيْرِ؛ وصُولًا لِلرَّحِمِ؛ ولَوْلا أنْ تَحْزَنَ صَفِيَّةُ لَسَرَّنِي أنْ أدَعَكَ حَتّى تُحْشَرَ مِن أجْوافٍ شَتّى؛ أما واللَّهِ؛ لَئِنْ أظْفَرَنِي اللَّهُ بِهِمْ لَأُمَثِّلَنَّ بِسَبْعِينَ مِنهُمْ“؛» وقالَ الصَّحابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -: لَنَزِيدَنَّ عَلى صَنِيعِهِمْ؛ فَلَمّا نَزَلَتِ الآيَةُ بادَرَ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - الِامْتِثالَ؛ وكانَ لا يَخْطُبُ خُطْبَةً إلّا نَهى عَنِ المُثْلَةِ؛ وأحْسَنَ يَوْمَ الفَتْحِ بِأنْ نَهى عَنْ قِتالِهِمْ؛ بَعْدَ أنْ صارُوا في قَبْضَتِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ؛ وشُرِّفَ؛ وكُرِّمَ؛ وبُجِّلَ وعُظِّمَ دائِمًا أبَدًا. (p-٢٨٤)ولَمّا كانَ - بَعْدَ تَوْطِينِ النَّفْسِ عَلى الصَّبْرِ؛ وتَفْرِيغِ القَلْبِ مِنَ الإحْنَةِ - يُرْجَعُ إلى الأسَفِ عَلى إهْلاكِهِمْ أنْفُسِهِمْ بِتَمادِيهِمْ عَلى العُتُوِّ عَلى اللَّهِ (تَعالى)؛ قالَ - سُبْحانَهُ -: ﴿ولا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: في شِدَّةِ كُفْرِهِمْ؛ فَتُبالِغْ في الحِرْصِ الباخِعِ لِلنَّفْسِ.
ولَمّا كانَ - سُبْحانَهُ - في مَقامِ التَّبْشِيرِ؛ بِالمَحَلِّ الكَبِيرِ؛ والمَوْطِنِ الخَطِيرِ؛ الَّذِي ما حازَهُ قَبْلَ نَبِيِّنا - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - بَشِيرٌ ولا نَذِيرٌ؛ وذَلِكَ هو الإسْراءُ إلى المَلَكُوتِ الأعْلى؛ والمَقامِ الأسْمى مِنَ السَّماواتِ العُلا؛ في حَضَراتِ القُدْسِ؛ ومَحالِّ الأُنْسِ؛ ووَطَّأ لِذَلِكَ في سُورَةِ النِّعَمِ؛ بِمَقاماتِ الكَرَمِ؛ إلى أنْ قارَبَ الوُصُولُ إلَيْهِ؛ أوْجَزَ في العِبارَةِ بِحَذْفِ حَرْفٍ مُسْتَغْنًى عَنْهُ؛ دَلالَةً عَلَيْهِ؛ فَقالَ: ﴿ولا تَكُ﴾؛ بِحَذْفِ النُّونِ؛ إشارَةً إلى ضِيقِ الحالَةِ عَنْ أدْنى إطالَةٍ:
؎وأبْرَحُ ما يَكُونُ الشَّوْقُ يَوْمًا ∗∗∗ إذا دَنَتِ الدِّيارُ مِنَ الدِّيارِ
وهَذا بِخِلافِ ما يَأْتِي في سُورَةِ ”النَّمْلِ“؛ إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى)؛ ﴿فِي ضَيْقٍ﴾؛ ولَوْ قَلَّ - كَما لَوَّحَ إلَيْهِ تَنْوِينُ التَّحْقِيرِ؛ بِما يُشِيرُ إلَيْهِ حَذْفُ النُّونِ؛ فَإنَّ أذى الكُفّارِ؛ الَّذِي السِّياقُ لِلتَّسْلِيَةِ عَنْهُ؛ لا يَضُرُّكَ في المَقْصُودِ الَّذِي بُعِثْتَ لِأجْلِهِ؛ وهو إظْهارُ الدِّينِ؛ وقَمْعُ المُفْسِدِينَ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ؛ ﴿مِمّا يَمْكُرُونَ﴾؛ أيْ: مِنَ اسْتِمْرارِ مَكْرِهِمْ بِكَ؛ ﴿واعْبُدْ رَبَّكَ حَتّى (p-٢٨٥)يَأْتِيَكَ اليَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩]؛ وكَأنَّكَ بِهِ؛ وقَدْ أتى؛ فاصْبِرْ؛ فَإنَّ اللَّهَ (تَعالى) مُعِزُّكَ؛ ومُظْهِرٌ دِينَكَ؛ وإنْ كَرِهُوا؛
16:128Page 281
إِنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلَّذِينَ ٱتَّقَواْ وَّٱلَّذِينَ هُم مُّحۡسِنُونَ ١٢٨
Indeed, Allāh is with those who fear Him and those who are doers of good.
ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِصِفاتِ الكَمالِ؛ بِلُطْفِهِ؛ وعَوْنِهِ؛ ﴿مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾؛ أيْ: وُجِدَ مِنهُمُ الخَوْفُ مِنَ اللَّهِ (تَعالى)؛ فَكانُوا في أوَّلِ مَنازِلِ التَّقْوى؛ وهو مَعَ المُتَّقِينَ الَّذِينَ كانُوا في النِّهايَةِ مِنها؛ فَعَدَلُوا في أفْعالِهِمْ مِنَ التَّوْحِيدِ وغَيْرِهِ؛ عَمَلًا بِأمْرِ اللَّهِ في الكِتابِ؛ الَّذِي هو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ وهو مَعَ الَّذِينَ أحْسَنُوا؛ وكانُوا في أوَّلِ دَرَجاتِ الإحْسانِ؛ ﴿والَّذِينَ هُمْ﴾؛ أيْ: بِضَمائِرِهِمْ؛ وظَواهِرِهِمْ؛ ﴿مُحْسِنُونَ﴾؛ أيْ: صارَ الإحْسانُ صِفَةً لَهم غَيْرَ مُنْفَكَّةٍ عَنْهُمْ؛ فَهم في حَضَراتِ الرَّحْمَنِ؛ وأنْتَ رَأْسُ المُتَّقِينَ المُحْسِنِينَ؛ فاللَّهُ مَعَكَ؛ ومَن كانَ اللَّهُ مَعَهُ كانَ غالِبًا؛ وصَفْقَتُهُ رابِحَةٌ؛ وحالَتُهُ صالِحَةٌ؛ وأمْرُهُ عالٍ؛ وضِدُّهُ في أسْوَإ الأحْوالِ؛ فَلا تَسْتَعْجِلُوا قَلَقًا؛ كَما اسْتَعْجَلَ الكُفّارُ اسْتِهْزاءً؛ تَخَلُّقًا في التَّأنِّي والحِلْمِ بِصِفَةِ مَن تَنَزَّهَ عَنْ نَقْصِ الِاسْتِعْجالِ؛ وتَعالى عَنِ ادِّعاءِ الأكْفاءِ والأمْثالِ؛ فَقَدْ عانَقَ آخِرُها أوَّلَها؛ ووافَقَ مَقْطَعُها مَطْلَعَها؛ وآخِرُها احْتِباكٌ: ذَكَرَ ”الَّذِينَ اتَّقَوْا“؛ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ ”الَّذِينَ أحْسَنُوا“؛ ثانِيًا؛ والمُحْسِنِينَ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حَذْفِ المُتَّقِينَ أوَّلًا؛ واللَّهُ المُوَفِّقُ لِلصَّوابِ؛ وإلَيْهِ المَرْجِعُ والمَآبُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences