Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:35–46
16:35Page 271
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
ولَمّا تَمَّ ما هو عَجَبٌ مِن مَقالِهِمْ؛ ومَآلِهِمْ؛ في سُوءِ أحْوالِهِمْ؛ وخَتَمَ بِتَهْدِيدِهِمْ؛ عَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ”وإذا قِيلَ لَهم ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ“؛ مُوجِبًا آخَرَ لِلتَّهْدِيدِ؛ مُعَجِّبًا مِن حالِهِمْ فِيهِ؛ فَقالَ: ﴿وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا﴾؛ أيْ: الرّاسِخُ مِنهم في هَذا الوَصْفِ؛ والتّابِعُ لَهُ؛ عَلى سَبِيلِ الِاعْتِراضِ عَلى مَن يَدْعُوهم إلى التَّوْحِيدِ؛ مِن نَبِيٍّ؛ وغَيْرِهِ؛ مُحْتَجِّينَ بِالقَدَرِ؛ عِنادًا مِنهُمْ؛ ومُعْتَرِضِينَ عَلى مَن لا يُسْألُ عَمّا يَفْعَلُ؛ بِأنَّهُ - لِقُدْرَتِهِ عَلى كُلِّ شَيْءٍ - (p-١٥٤)غَيْرُ مُحْتاجٍ إلى بَعْثِ الرُّسُلِ؛ فَإرْسالُهم عَبَثٌ - تَعالى اللَّهُ الحَكِيمُ عَنْ قَوْلِهِمْ؛ فَهو قَوْلُ مَن يَطْلُبُ العِلَّةَ في أحْكامِهِ (تَعالى)؛ وفي أفْعالِهِ -؛ وهو قَوْلٌ باطِلٌ؛ لِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - الفَعّالُ لِما يُرِيدُ؛ سَواءٌ أطَلَعَ العِبادَ عَلى حِكْمَتِهِ؛ أمْ لا: ﴿لَوْ شاءَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المَلِكُ الأعْظَمُ المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ عَدَمَ عِبادَتِنا لِغَيْرِهِ؛ ﴿ما عَبَدْنا﴾؛ ولَمّا كانَتِ الرُّتَبُ كُلُّها مُتَقاصِرَةً عَنْ رُتْبَتِهِ؛ وكانَتْ مُتَفاوِتَةً؛ وكانَ ما يَعْبُدُونَهُ مِنَ الأصْنامِ في أدْناها رُتْبَةً؛ أدْخَلُوا الجارَّ؛ فَقالُوا: ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ وأعْرَقُوا في النَّفْيِ؛ فَقالُوا: ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: مِنَ الأشْياءِ؛ ﴿نَحْنُ ولا آباؤُنا﴾؛ مِن قَبْلِنا؛ ولَمّا ذَكَرُوا الأصْلَ؛ أتْبَعُوهُ الفَرْعَ فَقالُوا: ﴿ولا حَرَّمْنا﴾؛ أيْ: عَلى أنْفُسِنا؛ ﴿مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: دُونَ أمْرِهِ؛ ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ لِأنَّ ما يَشاءُ لا يَتَخَلَّفُ؛ عَلى زَعْمِكُمْ؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَشَإ العَدَمَ؛ فَقَدْ شاءَ وُجُودَ ما نَحْنُ عَلَيْهِ؛ فَنَحْنُ نَتَّبِعُ ما شاءَهُ؛ لا نَتَغَيَّرُ عَنْهُ؛ لِأنَّهُ لا يَشاءُ إلّا ما هو حَقٌّ؛ وضَلَّ عَنِ الأشْقِياءِ - بِكَلِمَتِهِمْ هَذِهِ؛ الحَقِّ الَّتِي أرادُوا بِها الباطِلَ - أنَّ مَدارَ السَّعادَةِ؛ والشَّقاوَةِ؛ إنَّما هو مُوافَقَةُ الأمْرِ؛ لا مُوافَقَةُ الإرادَةِ؛ فَما كانَ مِنَ الفِعْلِ؛ والكَفِّ؛ عَلى وفْقِ الأمْرِ؛ سُعِدَ فاعِلُهُ؛ وما خالَفَهُ قامَتْ بِهِ الحُجَّةُ عَلى فاعِلِهِ؛ عَلى (p-١٥٥)ما جَرَتْ بِهِ عَوائِدُ النّاسِ؛ فَشُقِيَ.
فَلَمّا انْتَهَكَ سِتْرُ هَذِهِ المَقالَةِ المُمَوَّهَةِ؛ وكانَ كَأنَّهُ قِيلَ - اسْتِبْعادًا لَها -: هَلْ قالَها غَيْرُهُمْ؟ فَقِيلَ: نَعَمْ؛ ﴿كَذَلِكَ﴾؛ أيْ: مِثْلَ هَذا البَعِيدِ مِنَ السَّدادِ؛ والقَوْلِ الخارِجِ عَنِ الهِدايَةِ؛ والرَّشادِ؛ وهو الِاعْتِراضُ عَلى رَبِّهِمْ في إرْسالِ الرُّسُلِ؛ مانِعِينَ لِجَوازِ الإرْسالِ بِهَذِهِ الشُّبْهَةِ الضَّعِيفَةِ؛ فَإنَّهُ (تَعالى) يُرِيدُ إظْهارَ ثَمَرَةِ المُلْكِ بِالحُكْمِ؛ عَلى ما يَتَعارَفُهُ العِبادُ؛ مِن إقامَةِ الحُجَّةِ بِالأفْعالِ الِاخْتِيارِيَّةِ؛ وإنْ كانَتْ بِقَضائِهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مَسْتُورٌ عَنِ العِبادِ؛ ﴿فَعَلَ﴾؛ أيْ: كَذَّبَ بِدَلِيلِ الإنْعامِ؛ ﴿الَّذِينَ﴾؛ ودَلَّ عَلى عَدَمِ الِاسْتِغْراقِ لِلزَّمانِ بِقَوْلِهِ: ﴿مِن قَبْلِهِمْ﴾؛ وكانَ تَكْذِيبًا؛ لِأنَّ قَوْلَهُمُ اقْتَضى أنْ يَكُونَ ما هم عَلَيْهِ مِمّا يَرْضاهُ اللَّهُ؛ والرُّسُلُ يَقُولُونَ: لا يَرْضاهُ؛ ولا يَرْضى إلّا ما أُخْبِرُوا بِأنَّ صاحِبَهُ مُثابٌ عَلَيْهِ؛ أوْ غَيْرُ مُعاقَبٍ؛ فَكانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلْإنْكارِ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿فَهَلْ﴾؛ أيْ: فَما؛ ﴿عَلى الرُّسُلِ﴾؛ أيْ: الَّذِينَ لا رُسُلَ في الحَقِيقَةِ غَيْرُهُمْ؛ وهُمُ الَّذِينَ أرْسَلَهُمُ اللَّهُ لِدُعاءِ العِبادِ؛ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ؛ ولَمّا كانَ الِاسْتِفْهامُ (p-١٥٦)بِمَعْنى النَّفْيِ - كَما تَقَدَّمَ -؛ إلّا أنَّهُ صُوِّرَ بِصُورَتِهِ؛ لِيَكُونَ كَدَعْوى الشَّيْءِ بِدَلِيلِها؛ فَقالَ: ﴿إلا البَلاغُ المُبِينُ﴾؛ وقَدْ بَلَّغُوكُمْ؛ وأوْضَحُوا لَكُمْ؛ فَصارَ وبالُ العِصْيانِ خاصًّا بِكم.
16:36Page 271
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
ولَمّا كانَ جَمْعُ الرُّسُلِ مُفْهِمًا لِتَوْزِيعِهِمْ عَلى الأُمَمِ؛ كانَ مَوْضِعَ تَوَقُّعِ التَّصْرِيحِ بِذَلِكَ؛ فَقالَ - دافِعًا لِكَرْبِ هَذا الِاسْتِشْرافِ؛ نافِيًا لِطُرُوقِ احْتِمالٍ؛ دالًّا عَلى أنَّ هَذا القَوْلَ السّابِقَ مُنْصَبٌّ إنْكارُهُ بِالذّاتِ إلى اعْتِراضِهِمْ عَلى الإرْسالِ؛ ومُسَلِّيًا لِنَبِيِّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ وحاثًّا لَهم عَلى الِاعْتِبارِ؛ عَطْفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”فَلَقَدْ بَعَثْناكَ في أُمَّتِكَ هَذِهِ؛ لِأنْ يَعْبُدُوا اللَّهَ وحْدَهُ؛ ويَجْتَنِبُوا الطّاغُوتَ؛ فَمِنهم مَن هَدَيْنا؛ ومِنهم مَن حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ؛ فَكانَ - مِن غَيْرِ شَكٍّ - بَعْضُهم مُرْضِيًا لِلَّهِ؛ وبَعْضُهم مُغْضِبًا لَهُ؛ فَإنَّهُ لا يَكُونُ حُكْمُ المُتَنافِيَيْنِ واحِدًا أبَدًا“ -: ﴿ولَقَدْ﴾؛ أيْ: واللَّهِ؛ لَقَدْ ﴿بَعَثْنا﴾؛ أيْ: عَلى ما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ الَّتِي مَنِ اعْتَرَضَ عَلَيْها أُخِذَ؛ ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ﴾؛ مِنَ الأُمَمِ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ؛ ﴿رَسُولا﴾؛ فَما بَقِيَ في الأرْضِ أحَدٌ لَمْ تَبْلُغْهُ الدَّعْوَةُ؛ ولِأجْلِ أنَّ (p-١٥٧)الرُّسُلَ قَدْ تَكُونُ مِن غَيْرِ المُرْسَلِ إلَيْهِمْ؛ كَلُوطٍ؛ وشُعَيْبٍ - عَلَيْهِما السَّلامُ -؛ في أصْحابِ الأيْكَةِ؛ وسُلَيْمانَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - في غَيْرِ بَنِي إسْرائِيلَ؛ مِن سائِرِ مَن وصَلَ إلَيْهِ حُكْمُهُ مِن أهْلِ الأرْضِ؛ لَمْ يُقَيِّدْ بِـ ”مِنهُمْ“؛ ولَمّا كانَ البَعْثُ مُتَضَمِّنًا مَعْنى القَوْلِ؛ كانَ المَعْنى: فَذَهَبُوا إلَيْهِمْ قائِلِينَ: ﴿أنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْلى؛ وحْدَهُ؛ ﴿واجْتَنِبُوا﴾؛ أيْ: بِكُلِّ جُهْدِكُمْ؛ ﴿الطّاغُوتَ﴾؛ كَما أمَرَكم رَسُولُنا؛ ﴿فَمِنهُمْ﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ إرْسالِ الرُّسُلِ أنْ كانَتِ الأُمَمُ قِسْمَيْنِ: مِنهم ﴿مَن هَدى اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ لِلْحَقِّ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الهِدايَةُ؛ فَأبْصَرَ الحَقَّ؛ وعَمِلَ بِهِ بِاتِّباعِ الدُّعاةِ الهُداةِ؛ فِيما أمَرُوا بِهِ عَنِ اللَّهِ؛ فَحَقَّتْ لَهُ الجَنَّةُ؛ ﴿ومِنهم مَن حَقَّتْ﴾؛ أيْ: ثَبَتَتْ غايَةَ الثَّباتِ؛ ﴿عَلَيْهِ الضَّلالَةُ﴾؛ بِأنْ أضَلَّهُ اللَّهُ؛ فَنابَذَ الأمْرَ؛ فَلَمْ يَعْمَلْ بِهِ؛ وعَمِلَ بِمُقْتَضى الإرادَةِ؛ فَإنَّ الأمْرَ قَدْ لا يَكُونُ ما تَعَلَّقَ بِهِ؛ والإرادَةَ لا بُدَّ أنْ يَكُونَ ما تَعَلَّقَتْ بِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ مُوافِقُها عامِلًا بِالضَّلالَةِ؛ فَحَقَّ عَلَيْهِ عَذابُها؛ فَحَقَّتْ لَهُ النّارُ؛ فَهَلَكَ؛ لِأنَّهُ لَمْ تَبْقَ لَهُ حُجَّةٌ يَدْفَعُ بِها عَنْ نَفْسِهِ؛ فَلَوْ كانَ كُلُّ ما شاءَهُ (p-١٥٨)حَقًّا كانَ الفَرِيقانِ مُحِقَّيْنِ؛ فَلَمْ يُعَذَّبْ أحَدُهُما؛ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنِ الأمْرُ كَذَلِكَ؛ بَلْ عَذَّبَ العاصِيَ؛ ونَجّى الطّائِعَ في كُلِّ أُمَّةٍ؛ عَلى حَسَبِ ما قالَ الرُّسُلُ؛ وهَذا هو مَعْنى رِضا اللَّهِ؛ إطْلاقًا لِاسْمِ المَلْزُومِ عَلى اللّازِمِ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ قَطْعًا عَلى صِدْقِ الرُّسُلِ؛ وكَذِبِ مُخالِفِيهِمْ؛ فالآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذَكَرَ فِعْلَ الهِدايَةِ أوَّلًا؛ دَلِيلًا عَلى فِعْلِ الضَّلالِ ثانِيًا؛ وحُقُوقَ الضَّلالَةِ ثانِيًا؛ دَلِيلًا عَلى حُقُوقِ الهِدايَةِ أوَّلًا.
ثُمَّ التَفَتَ إلى مُخاطَبَتِهِمْ؛ إشارَةً إلى أنَّهُ لَمْ يَبْقَ؛ بَعْدَ هَذا الدَّلِيلِ القَطْعِيِّ؛ في نَظَرِ البَصِيرَةِ؛ إلّا الدَّلِيلُ المَحْسُوسُ لِلْبَصَرِ؛ فَقالَ: ﴿فَسِيرُوا﴾؛ أيْ: فَإنْ كُنْتُمْ أيُّها المُخاطَبُونَ في شَكٍّ مِن إخْبارِ الرُّسُلِ؛ فَسِيرُوا ﴿فِي الأرْضِ﴾؛ أيْ: جِنْسِها؛ ﴿فانْظُرُوا﴾؛ أيْ: إذا سِرْتُمْ؛ ومَرَرْتُمْ بِدِيارِ المُكَذِّبِينَ؛ وآثارِهِمْ؛ وعَبَّرَ هُنا بِالفاءِ المُشِيرَةِ إلى التَّعَقُّبِ؛ دُونَ تَراخٍ؛ لِأنَّ المَقامَ لِلِاسْتِدْلالِ المُنْقِذِ مِنَ الضَّلالِ؛ الَّذِي تَجِبُ المُبادَرَةُ إلى الإقْلاعِ عَنْهُ؛ بِخِلافِ ”ثُمَّ انْظُرُوا“؛ في ”الأنْعامِ“؛ لِما تَقَدَّمَ؛ وأشارَ بِالِاسْتِفْهامِ إلى أنَّ أحْوالَهم مِمّا يَجِبُ أنْ يُسْألَ عَنْهُ؛ لِلِاتِّعاظِ بِهِ؛ فَقالَ: ﴿كَيْفَ كانَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا قُدْرَةَ عَلى الخَلاصِ مِنهُ؛ ﴿عاقِبَةُ﴾؛ أيْ (p-١٥٩)آخِرُ أمْرِ ﴿المُكَذِّبِينَ﴾؛ أيْ: مِن عادٍ؛ ومَن بَعْدَهُمُ؛ الَّذِينَ تَلَقَّيْتُمْ أخْبارَهم عَمَّنْ قَلَّدْتُمُوهم في الكُفْرِ مِن أسْلافِكُمْ؛ فَإنَّهم كَذَّبُوا الرُّسُلَ فِيما أمَرْتُهم بِإبْلاغِهِ؛ مُخالَفَةً لِأمْرِي؛ وعَمَلًا بِمَشِيئَتِي؛ فَأوْقَعْتُ بِهِمْ؛ لِأنَّهم خالَفُوا أمْرِي بِاخْتِيارِهِمْ؛ مَعَ جَهْلِهِمْ بِإرادَتِي؛ فَقامَتْ عَلَيْهِمُ الحُجَّةُ؛ عَلى ما يَتَعارَفُهُ النّاسُ بَيْنَهم.
16:37Page 271
إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧
[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.
ولَمّا كانَ المُحَقَّقُ أنَّهُ لَيْسَ بَعْدَ الإيصالِ في الِاسْتِدْلالِ إلى الأمْرِ المَحْسُوسِ؛ إلّا العِنادُ؛ أعْرَضَ عَنْهُمْ؛ مُلْتَفِتًا إلى الرَّؤُوفِ بِهِمُ؛ الشَّفِيقِ عَلَيْهِمْ؛ فَقالَ - مُسَلِّيًا لَهُ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -: ﴿إنْ تَحْرِصْ عَلى هُداهُمْ﴾؛ فَتَطْلُبْهُ بِغايَةِ جِدِّكَ؛ واجْتِهادِكَ؛ ﴿فَإنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: المَلِكَ الأعْظَمَ؛ ﴿لا يَهْدِي﴾؛ أيْ: هُوَ؛ بِخَلْقِ الهِدايَةِ في القَلْبِ - هَذا عَلى قِراءَةِ الكُوفِيِّينَ؛ بِفَتْحِ الياءِ؛ وكَسْرِ الدّالِ -؛ و”مِن هادٍ ما؛ بِوَجْهٍ مِنَ الوُجُوهِ“؛ عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ؛ بِالبِناءِ لِلْمَفْعُولِ؛ ﴿مَن يُضِلُّ﴾؛ أيْ: مَن يَحْكُمُ بِضَلالِهِ؛ وهو الَّذِي أضَلَّهُمْ؛ فَلا يُمْكِنُ غَيْرَهُ أنْ يَهْدِيَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا غالِبَ لِأمْرِهِ؛ وقُرِئَ شاذًّا بِفَتْحِ الياءِ؛ مِن ”ضَلَّ“؛ بِمَعْنى نَسِيَ؛؛ أيْ: فَلا تُمْكِنُ هِدايَةُ مَن نَسِيَهُ؛ أيْ (p-١٦٠)تَرَكَهُ مِنَ الهِدايَةِ؛ تَرْكَ المَنسِيِّ؛ فَإنَّهُ لَيْسَ في يَدِ غَيْرِهِ شَيْءٌ؛ ونَقَلَ الصَّغانِيُّ في ”مَجْمَعُ البَحْرَيْنِ“؛ أنَّهُ يُقالُ: ”ضَلَّ فَلانٌ البَعِيرَ“؛ أيْ: أضَلَّهُ؛ و”الضَّلالُ“؛ عِنْدَ العَرَبِ: سُلُوكُ غَيْرِ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فالمَعْنى أنَّهُ كانَ سَبَبًا لِسُلُوكِ البَعِيرِ غَيْرَ المَقْصُودِ؛ فَمَعْنى الآيَةِ: لا يَهْدِي مَن يُضِلُّهُ اللَّهُ؛ - بِفَتْحِ الياءِ -؛ أيْ: يَكُونُ سَبَبًا لِسُلُوكِهِ غَيْرَ سَبِيلِ القَصْدِ؛ فَلا تَحْزَنْ؛ ولا يَضِقْ صَدْرُكَ مِن عَدَمِ تَأثُّرِهِمْ بِنُصْحِكَ؛ وإخْلاصِكَ في الدُّعاءِ؛ ولا يَقَعْ في فِكْرِكَ أنَّ في دُعائِكَ نَقْصًا؛ إنَّما النَّقْصُ في مَرائِيهِمُ العَمْياءِ؛ ولَيْسَ عَلَيْكَ إلّا البَلاغُ؛ وقَوْلُهُ (تَعالى): ﴿وما لَهُمْ﴾؛ - أيْ: هَؤُلاءِ؛ الَّذِينَ أضَلَّهُمُ اللَّهُ؛ وجَمِيعِ مَن يُضِلُّهُ؛ ﴿مِن ناصِرِينَ﴾؛ أيْ: يَنْصُرُونَهم عِنْدَ مُجازاتِهِمْ عَلى الضَّلالِ؛ لِيُنْقِذُوهم مِمّا لَحِقَهم عَلَيْهِ مِنَ الوَبالِ؛ كَما فُعِلَ بِالمُكَذِّبِينَ مِن قَبْلِهِمْ - عَطْفٌ عَلى نَتِيجَةِ ما قَبْلَهُ؛ وهُوَ: فَلا هادِيَ لَهُمْ؛ ما أرادَ اللَّهُ ضَلالَهُمْ؛ وتَبْكِيتٌ لَهُمْ؛ وتَقْرِيعٌ؛ وحَثٌّ؛ وتَهْيِيجٌ عَلى أنْ يَقُومُوا بِأنْفُسِهِمْ؛ ويَسْتَعِينُوا بِمَن شاؤُوا عَلى نَصْبِ دَلِيلِ ما يَدَّعُونَهُ مِن أنَّهم أتْبَعُ النّاسِ لِلْحَقِّ؛ إمّا بِأنْ يُبَرْهِنُوا عَلى صِحَّةِ مُعْتَقَدِهِمْ؛ أوْ يُعِينُوهم عَلى الرُّجُوعِ عَنْهُ عِنْدَ العَجْزِ عَنْ ذَلِكَ؛ أوْ يَكُفُّوا عَنْهُمُ العَذابَ إذا حاقَ بِهِمْ.
16:38Page 271
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨
And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.
(p-١٦١)ولَمّا كانَ مِن حَقِّهِمْ - بَعْدَ قِيامِ الأدِلَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ؛ وشُمُولِ عِلْمِهِ؛ وبُلُوغِ حِكْمَتِهِ في إبْداعِ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ؛ مِمّا نَعْلَمُ؛ وما لا نَعْلَمُ؛ عَلى أبْدَعِ تَرْتِيبٍ؛ وأحْسَنِ نِظامٍ - تَصْدِيقُ الهُداةِ في إعْلامِهِمْ بِأنَّهُ - سُبْحانَهُ - يُعِيدُهم لِلْبَعْثِ؛ وأنَّهم لَمْ يَفْعَلُوا؛ ولا طَرَقُوا لِذَلِكَ احْتِمالًا؛ بَلْ حَلَفُوا عَلى نَفْيِهِ مِن غَيْرِ شُبْهَةٍ عَرَضَتْ لَهُمْ؛ ولا إخْبارٍ عَنْ عِلْمٍ وصَلَ إلَيْهِمْ؛ فِعْلَ الجِلْفِ الجافِي الغَبِيِّ العاسِيِّ؛ أتْبَعَ ذَلِكَ - سُبْحانَهُ - تَعْجِيبًا آخَرَ مِن حالِهِمْ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ”وقالَ الَّذِينَ أشْرَكُوا“؛ لِأنَّ كُلًّا مِنَ الجُمْلَتَيْنِ لِبَيانِ تَكْذِيبِهِمُ الرُّسُلَ؛ والتَّعْجِيبِ مِنهم في ذَلِكَ؛ دالًّا عَلى أنَّ اعْتِقادَهم مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ هو الَّذِي جَرَّأهم عَلى قَوْلِ الأُولى؛ وما تَفَرَّعَ مِنها -: ﴿وأقْسَمُوا بِاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْظَمِ؛ ﴿جَهْدَ أيْمانِهِمْ﴾؛ جُعِلَتِ الأيْمانُ جاهِدَةً؛ لِكَثْرَةِ ما بالَغُوا فِيها؛ ﴿لا يَبْعَثُ اللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿مَن يَمُوتُ﴾؛ أيْ: لا يُحْيِي أحَدًا بَعْدَ مَوْتِهِ؛ اسْتِنادًا مِنهم إلى مُجَرَّدِ اسْتِبْعادِ ما لَمْ تَجْرِ بِهِ – نَفْسِهِ - عِنْدَهم عادَةٌ؛ جُمُودًا مِنهم عَنْ حَلِّها بِأنَّ النَّشْأةَ الأُولى كانَتْ مِن غَيْرِ عادَةٍ؛ مَعَ ادِّعائِهِمْ أنَّهم أعْقَلُ النّاسِ؛ وأحَدُّهم أذْهانًا؛ وأثْقَبُهم أفْهامًا.
ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿بَلى﴾؛ أيْ: لَيَبْعَثَنَّهُمْ؛ لِأنَّهُ لا مانِعَ لَهُ (p-١٦٢)مِن ذَلِكَ؛ وقَدْ وعَدَ بِهِ ﴿وعْدًا﴾؛ وبَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِنهُ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلَيْهِ﴾؛ وزادَهُ تَأْكِيدًا؛ في مُقابَلَةِ اجْتِهادِهِمْ في أيْمانِهِمْ؛ بِقَوْلِهِ: ﴿حَقًّا﴾؛ أيْ: لِأنَّهُ قادِرٌ عَلَيْهِ؛ وهو لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيْهِ؛ فَصارَ واجِبًا في الحِكْمَةِ كَوْنُهُ؛ وأمْرُ البَعْثِ مَعْلُومٌ عِنْدَ كُلِّ عاقِلٍ سَمِعَ أقْوالَ الهُداةِ؛ تارِكًا لِهَواهُ؛ ﴿ولَكِنَّ أكْثَرَ النّاسِ﴾؛ أيْ: بِما لَهم مِنَ الِاضْطِرابِ؛ ﴿لا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لا عِلْمَ لَهم يُوصِلُهم إلى ذَلِكَ؛ لِأنَّهُ مِن عالِمِ الغَيْبِ؛ لا يُمْكِنُ عُقُولَهُمُ الوُصُولُ إلَيْهِ بِغَيْرِ إرْشادٍ مِنَ اللَّهِ؛ ولا هم يَقْبَلُونَ أقْوالَ الدُّعاةِ إلَيْهِ؛ الَّذِينَ أيَّدَهم بِرُوحٍ مِنهُ؛ لِتَقَيُّدِهِمْ بِما تُوَصِّلُهم إلَيْهِ عُقُولُهُمْ؛ وهي مَقْصُورَةٌ عَلى عالَمِ الشَّهادَةِ؛ لا يُمْكِنُها التَّرَقِّي مِنهُ إلى عالَمِ الغَيْبِ بِغَيْرِ وساطَةٍ مِنهُ - سُبْحانَهُ وتَعالى؛ فَلِذَلِكَ تَرى الإنْسانَ مِنهم يَأْبى ذَلِكَ؛ اسْتِبْعادًا لِأنْ يَكُونَ شَيْءٌ مَعْقُولٌ لا يَصِلُ إلَيْهِ بِمُجَرَّدِ عَقْلِهِ؛ وهو خَصِيمٌ مُبِينٌ.
16:39Page 271
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩
[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.
ولَمّا بَيَّنَ أنَّهُ لا بُدَّ مِن ذَلِكَ؛ لِسَبْقِ الوَعْدِ بِهِ مِنَ القادِرِ؛ بَيَّنَ حِكْمَتَهُ بِأمْرٍ مُبِينٍ؛ أنَّهُ لا يُسَوِّغُ تَرْكَهُ بِوَجْهٍ؛ وهو أنَّهُ لا يَجُوزُ في عَقْلِ عاقِلٍ أنَّ أحَدًا - مَلِكًا؛ فَما دُونَهُ - يَأْمُرُ عَبِيدَهُ بِشَيْءٍ ثُمَّ يُهْمِلُهم فَلا يَسْألُهُمْ؛ ولا سِيَّما إنِ اخْتَلَفُوا؛ ولا سِيَّما إنْ أدّى اخْتِلافُهم إلى المُقاطَعَةِ؛ والمُقاتَلَةِ؛ (p-١٦٣)فَكَيْفَ إنْ كانَ حاكِمًا؟! فَكَيْفَ إذا كانَ حَكِيمًا؟! فَكَيْفَ وهو أحْكَمُ الحاكِمِينَ؟! فَقالَ - مُعَلِّقًا بِما دَلَّ عَلَيْهِ ”بَلى“ -: ﴿لِيُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: فَعَلَهُ؛ ووَعَدَ بِهِ؛ فَهو يَبْعَثُهم لِيُبَيِّنَ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِلنّاسِ؛ ﴿الَّذِي يَخْتَلِفُونَ﴾؛ أيْ: يُوجَدُ اخْتِلافُهم ﴿فِيهِ﴾؛ مِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ ويَجْزِي كُلًّا بِما عَمِلَ؛ لِأنَّ ذَلِكَ مِنَ العَدْلِ؛ الَّذِي هو فِعْلُهُ؛ ﴿ولِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾؛ أيْ: جَهِلُوا الآياتِ الدّالَّةِ عَلَيْهِ؛ فَكَأنَّهم سَتَرُوها؛ لِأنَّها لِظُهُورِها لا تُجْهَلُ؛ ﴿أنَّهم كانُوا﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿كاذِبِينَ﴾؛ أيْ: عَرِيقِينَ في الكَذِبِ؛ في إنْكارِهِمْ لِلْمَعادِ؛ وزَعْمِهِمْ أنَّهُمُ المُخْتَصُّونَ بِالمَفازِ؛ عِلْمَ اليَقِينِ؛ وعَيْنَ اليَقِينِ؛ وحَقَّ اليَقِينِ.
16:40Page 271
إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠
Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.
ولَمّا بَيَّنَ تَحَتُّمَهُ وحِكْمَتَهُ؛ بَيَّنَ إمْكانَهُ؛ ويُسْرَهُ عَلَيْهِ؛ وخِفَّتَهُ لَدَيْهِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّما قَوْلُنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿لِشَيْءٍ﴾؛ إبْداءً؛ وإعادَةً؛ ﴿إذا أرَدْناهُ﴾؛ أيْ: أرَدْنا كَوْنَهُ؛ ﴿أنْ نَقُولَ لَهُ﴾؛ ثُمَّ ذَكَرَ مَحْكِيَّ القَوْلِ النَّفْسِيِّ؛ فَقالَ - بانِيًا مِن ”كانَ“؛ التّامَّةِ؛ ما دَلَّ عَلى مُوافَقَةِ الأشْياءِ المُرادَةِ مُوافَقَةَ المَأْمُورِ لِلْآمِرِ المُطاعِ -: ﴿كُنْ﴾؛ أيْ: احْدُثْ؛ ﴿فَيَكُونُ﴾؛ أيْ: فَيَتَسَبَّبُ عَنْ ذَلِكَ القَوْلِ أنَّهُ يَكُونُ؛ حِينَ تُعَلَّقُ القُدْرَةُ بِهِ؛ مِن غَيْرِ مُهْلَةٍ أصْلًا؛ فَنَحْنُ خَلَقْنا الخَلْقَ لِنَأْمُرَهُمْ؛ ونَنْهاهم.
16:41Page 271
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ - تَفْصِيلًا لِفَرِيقَيِ المُبَيَّنِ لَهُمْ؛ وتَرْغِيبًا في الهِجْرَةِ؛ لِأنَّها بَعْدَ الإيمانِ أوْثَقُ عُرى الإسْلامِ -: ”فالَّذِينَ كَفَرُوا (p-١٦٤)واغْتَرُّوا بِما شاهَدُوهُ مِنَ العَرَضِ الفانِي؛ لَنُخْزِيَنَّهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ؛ ولَنُجازِيَنَّهم بِجَمِيعِ ما كانُوا يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾؛ أيْ: أوْقَعُوا المُهاجَرَةَ؛ فِرارًا بِدِينِهِمْ؛ فَهَجَرُوا آباءَهُمْ؛ وأبْناءَهُمْ؛ وأقارِبَهُمْ؛ مِنَ الكُفّارِ؛ ودِيارَهُمْ؛ وجَمِيعَ ما نُهُوا عَنْهُ؛ ﴿فِي اللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ الَّذِي لَهُ صِفاتُ الكَمالِ؛ بَعْدَما تَمادى المُكَذِّبُونَ بِالبَعْثِ عَلى إيذائِهِمْ؛ فَتَرَكُوا لَهم بِلادَهم.
ولَمّا كانَتْ هِجْرَتُهم لَمْ تَسْتَغْرِقْ زَمانَ البُعْدِ؛ لِمَوْتِ بَعْضِ مَن هَجَرُوهُ؛ وإسْلامِ آخَرِينَ؛ بَعْدَ احْتِمالِهِمْ لِظُلْمِهِمْ ما شاءَ اللَّهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾؛ أيْ: وقَعَ ظُلْمُهم مِنَ الكُفّارِ؛ بَناهُ لِلْمَفْعُولِ؛ لِأنَّ المَحْذُورَ وُقُوعُ الظُّلْمِ؛ لا كَوْنُهُ مِن مُعَيَّنٍ؛ ﴿لَنُبَوِّئَنَّهُمْ﴾؛ أيْ: نُوجِدُ لَهم مُنْزَلًا؛ هو أهْلٌ لِأنْ يُرْجَعَ إلَيْهِ؛ بِما لَنا مِنَ المَلائِكَةِ؛ وغَيْرِهِمْ مِنَ الجُنُودِ؛ وجَمِيعِ العَظَمَةِ؛ ﴿فِي الدُّنْيا﴾؛ مَباءَةً؛ ﴿حَسَنَةً﴾؛ كَبِيرَةً؛ عَظِيمَةً؛ جَزاءً لَهم عَلى خِدْمَتِنا؛ بِأنْ نُعْلِيَ أمْرَهُمْ؛ وإنْ كَرِهَ المُشْرِكُونَ؛ كَما يَراهُ مَن يَتَدَبَّرُ؛ بِمَنعِي لِأوْلِيائِي؛ عَلى قِلَّتِهِمْ؛ وسَيَنْكَشِفُ الأمْرُ عَمّا قَرِيبٍ؛ انْكِشافًا (p-١٦٥)لا يَجْهَلُهُ أحَدٌ؛ فالآيَةُ دَلِيلٌ عَلى ما قَبْلَها.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”ولَنُبَوِّئَنَّهم في الآخِرَةِ أجْرًا كَبِيرًا“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولأجْرُ الآخِرَةِ﴾؛ المُعَدُّ لَهُمْ؛ ﴿أكْبَرُ﴾؛ مِمّا جَعَلْتُهُ لَهم في الدُّنْيا؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾؛ أيْ: لَوْ كانَ الكُفّارُ لَهم - بِجِبِلّاتِهِمْ - عِلْمٌ؛ بِأنْ يَكُونَ لَهم عَقْلٌ يَتَدَبَّرُونَ بِهِ؛ لَعَلِمُوا - بِإحْسانِي إلى أوْلِيائِي في الدُّنْيا؛ مِن مَنعِي لَهم مِنهُمْ؛ في عِنادِهِمْ؛ مَعَ كَثْرَتِهِمْ؛ وقِلَّتِهِمْ؛ وإسْباغِي لِنِعَمِي عَلَيْهِمْ؛ لا سِيَّما في الأماكِنِ الَّتِي هاجَرُوا إلَيْها مِنَ الحَبَشَةِ؛ والمَدِينَةِ؛ وغَيْرِهِما؛ مَعَ اجْتِهادِهِمْ في مَنعِها عَنْهم - أنِّي أجْمَعُ لِأوْلِيائِي الدّارَيْنِ؛ وأنَّ إحْسانِي إلَيْهِمْ في الآخِرَةِ أعْظَمُ؛ رُوِيَ أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كانَ إذا أعْطى الرَّجُلَ مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: ”خُذْ؛ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ؛ هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا؛ وما ادَّخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْثَرُ وأفْضَلُ“؛ ثُمَّ تَلا هَذِهِ الآيَةَ.
16:42Page 271
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.
ولَمّا نَبَّهَ عَلى إحْسانِهِ إلَيْهِمْ؛ وكانَ فِيهِ مِن أوَّلِ الأمْرِ نَوْعُ غُمُوضٍ؛ لِظُهُورِ الكَفَرَةِ في بادِي الرَّأْيِ؛ وصَفَهم بِما يُحْتاجُ إلَيْهِ في الِاسْتِجْلابِ لِتَمامِهِ؛ حَثًّا؛ وإلْهابًا؛ فَقالَ (تَعالى) - واصِفًا لِلْمُهاجِرِينَ؛ بَيانًا لِأصْلِ ما حَمَلَهم (p-١٦٦)عَلى ما اسْتَحَقُّوا بِهِ هَذا الأجْرَ الجَزِيلَ -: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾؛ أيْ: اسْتَعْمَلُوا الصَّبْرَ عَلى ما نابَهم مِنَ المَكارِهِ مِنَ الكُفّارِ؛ وغَيْرِهِمْ؛ في الإقامَةِ بَيْنَ أظْهُرِهِمْ مُدَّةً؛ ثُمَّ في الهِجْرَةِ؛ بِمُفارَقَةِ الوَطَنِ؛ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ؛ المُشْرَبُ حُبُّهُ لِكُلِّ قَلْبٍ؛ فَكَيْفَ بِقُلُوبِ مَن هو مَسْقَطُ رُؤُوسِهِمْ؛ ومَأْلَفُ أبْدانِهِمْ؛ ونُفُوسِهِمْ؛ وفي بَذْلِ الأرْواحِ في الجِهادِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ ولَفَتَ الكَلامَ إلى وصْفِ الإحْسانِ؛ تَنْبِيهًا عَلى ما يَحْمِلُ عَلى التَّوَكُّلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وعَلى رَبِّهِمْ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْهِمْ؛ بِإيجادِهِمْ؛ وهِدايَتِهِمْ؛ وحْدَهُ؛ ﴿يَتَوَكَّلُونَ﴾؛ في كُلِّ حالَةٍ يُرِيدُونَها؛ رِضًا بِقَضاءِ اللَّهِ (تَعالى).
16:43Page 272
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
ولَمّا أخْبَرَ (تَعالى) أنَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ؛ وكانَ عاقِبَةُ مَن كَذَّبَهُمُ الهَلاكَ؛ بِدَلالَةِ آثارِهِمْ؛ وكانُوا قَدْ قَدَحُوا في الرِّسالَةِ؛ بِكَوْنِ الرَّسُولِ بَشَرًا؛ ثُمَّ بِكَوْنِهِ لَيْسَ مَعَهُ مَلَكٌ يُؤَيِّدُهُ؛ رَدَّ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ - مُخاطِبًا لِأشْرَفِ خَلْقِهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ لِكَوْنِهِ أفْهَمَهم عَنْهُ؛ مَعَ أنَّهُ أجَلُّ مَن تَوَكَّلَ وصَبَرَ؛ عائِدًا إلى مَظْهَرِ الجَلالِ؛ بَيانًا لِأنَّهُ يُظْهِرُ مَن يَشاءُ عَلى مَن يَشاءُ -: ﴿وما أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ إنَّما كانَ في بَعْضِ الأزْمِنَةِ؛ دَلَّ عَلَيْهِ (p-١٦٧)بِالجارِّ؛ فَقالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ إلى الأُمَمِ مِن طَوائِفِ البَشَرِ؛ ﴿إلا رِجالا﴾؛ لا مَلائِكَةً؛ بَلْ آدَمِيِّينَ؛ هم في غايَةِ الِاقْتِدارِ عَلى التَّوَكُّلِ؛ والصَّبْرِ؛ الَّذِي هو مَحَطُّ الرِّجْلَةِ؛ ﴿نُوحِي إلَيْهِمْ﴾؛ بِواسِطَةِ المَلائِكَةِ؛ وما أحْسَنَ تَعْقِيبَ ذَلِكَ لِلصّابِرِينَ! لِأنَّ الرُّسُلَ أصْبَرُ النّاسِ.
ولَمّا كانُوا قَدْ فَزِعُوا إلى سُؤالِ أهْلِ الكِتابِ في بَعْضِ الأُمُورِ؛ وكانُوا قَدْ أُوتُوا عِلْمًا مِن عِنْدِ اللَّهِ؛ سَبَّبَ عَنْ هَذا الإخْبارِ الأمْرَ بِسُؤالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ؛ فَقالَ - مُخاطِبًا لَهُمْ؛ ولِكُلٍّ مَن أرادَ الِاسْتِثْباتَ مِن غَيْرِهِمْ -: ﴿فاسْألُوا﴾؛ أيْ: أيُّها المُكَذِّبُونَ؛ ومَن أرادَ؛ مِن سِواهُمْ؛ ﴿أهْلَ الذِّكْرِ﴾؛ أيْ: العِلْمِ بِالكِتابِ؛ سُمِّيَ ذِكْرًا لِأنَّ الذِّكْرَ - الَّذِي هو ضِدُّ السَّهْوِ - بِمَنزِلَةِ السَّبَبِ المُؤَدِّي إلَيْهِ؛ فَأُطْلِقَ عَلَيْهِ؛ كَأنَّ الجاهِلَ ساهٍ؛ وإنْ لَمْ يَكُنْ ساهِيًا؛ وكَذا الذِّكْرُ - الَّذِي هو الكَلامُ المَذْكُورُ - سَبَبٌ لِلْعِلْمِ.
ولَمّا كانَ عِنْدَهم حِسٌّ مِن ذَلِكَ؛ بِسَماعِ أخْبارِ الأُمَمِ قَبْلَهُمْ؛ أشارَ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنْ كُنْتُمْ﴾؛ أيْ: جِبِلَّةً؛ وطَبْعًا؛ ﴿لا تَعْلَمُونَ﴾؛ أوْ هو التَّنْفِيرُ مِنَ الرِّضا بِالجَهْلِ.
16:44Page 272
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
ولَمّا كانَتْ رُسُلُ المُلُوكِ تَقْتَرِنُ بِما يُعَرِّفُ بِصِدْقِهِمْ؛ قالَ - جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: بِأيِّ دَلالَةٍ أُرْسِلُوا؟ -: ﴿بِالبَيِّناتِ﴾؛ المُعَرِّفَةِ بِصِدْقِهِمْ؛ (p-١٦٨)﴿والزُّبُرِ﴾؛ أيْ: الكُتُبِ الهادِيَةِ إلى أوامِرِ مُرْسِلِهِمْ.
ولَمّا كانَ القُرْآنُ أعْظَمَ الأدِلَّةِ؛ أشارَ إلى ذَلِكَ بِذِكْرِهِ؛ مَدْلُولًا عَلى غَيْرِهِ مِنَ المُعْجِزاتِ؛ بِواوِ العَطْفِ؛ فَقالَ - عاطِفًا عَلى ما تَقْدِيرُهُ: ”وكَذَلِكَ أرْسَلْناكَ بِالمُعْجِزاتِ الباهِراتِ“ -: ﴿وأنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿إلَيْكَ﴾؛ أيْ: وأنْتَ أشْرَفُ الخَلْقِ؛ ﴿الذِّكْرَ﴾؛ أيْ: الكِتابَ المُوجِبَ لِلذِّكْرِ؛ المُعْلِيَ لِلْقَدْرِ؛ المُوصِلَ إلى مَنازِلِ الشَّرَفِ؛ ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ﴾؛ كافَّةً؛ بِما أعْطاكَ اللَّهُ مِنَ الفَهْمِ؛ الَّذِي فُقْتَ فِيهِ جَمِيعَ الخَلْقِ؛ واللِّسانِ الَّذِي هو أعْظَمُ الألْسِنَةِ؛ وأفْصَحُها؛ وقَدْ أوْصَلَكَ اللَّهُ فِيهِ إلى رُتْبَةٍ لَمْ يَصِلْ إلَيْها أحَدٌ؛ ﴿ما نُـزِّلَ﴾؛ أيْ: وقَعَ تَنْزِيلُهُ ﴿إلَيْهِمْ﴾؛ مِن هَذا الشَّرْعِ الحادِي إلى سَعادَةِ الدّارَيْنِ؛ بِتَبْيِينِ المُجْمَلِ؛ وشَرْحِ ما أُشْكِلَ؛ مِن عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ؛ الَّذِي رَأْسُهُ التَّوْحِيدُ؛ ومِنَ البَعْثِ؛ وغَيْرِهِ؛ وهو شامِلٌ لِبَيانِ الكُتُبِ القَدِيمَةِ لِأهْلِها؛ لِيَدُلَّهم عَلى ما نُسِخَ؛ وعَلى ما بَدَّلُوهُ فَمُسِخَ.
ولَمّا كانَ التَّقْدِيرُ: ”لَعَلَّهم بِحُسْنِ بَيانِكَ يَعْمَلُونَ“؛ عَطَفَ عَلَيْهِ - بَيانًا (p-١٦٩)لِشَرَفِ العِلْمِ - قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ إذا نَظَرُوا أسالِيبَهُ الفائِقَةَ؛ ومَعانِيَهُ العالِيَةَ الرّائِقَةَ؛ فَيَصِلُوا بِالفِكْرِ فِيهِ - بِسَبَبِ ما فَتَحْتُ لَهم مِن أبْوابِ البَيانِ - إلى حالاتِ المَلائِكَةِ؛ بِأنْ تَغْلِبَ أرْواحُهم عَلى أشْباحِهِمْ؛ فَيَعْلَمُوا أنَّهُ (تَعالى) واحِدٌ؛ قادِرٌ؛ فاعِلٌ بِالِاخْتِيارِ؛ وأنَّهُ يُقِيمُ النّاسَ لِلْجَزاءِ؛ فَيُطِيعُونَهُ رَغْبَةً ورَهْبَةً؛ فَيَجْمَعُونَ بَيْنَ شَرَفَيِ الطّاعَةِ الدّاعِيَةِ إلَيْها الأرْواحُ؛ والِانْكِفافِ عَنِ المَعْصِيَةِ؛ الدّاعِيَةِ إلَيْها النُّفُوسُ بِواسِطَةِ الأشْباحِ.
16:45Page 272
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
ولَمّا نَبَّهَ - سُبْحانَهُ - عَلى التَّفَكُّرِ؛ وكانَ داعِيًا لِلْعاقِلِ إلى تَجْوِيزِ المُمْكِنِ؛ والبُعْدِ مِنَ الخَطَرِ؛ سَبَّبَ عَنْهُ إنْكارَ الأمْنِ مِن ذَلِكَ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أفَأمِنَ﴾؛ أيْ: أتَفَكَّرُوا؛ فَتابُوا؛ أوِ اسْتَمَرُّوا عَلى عُتُوِّهِمْ؟ أفَأمِنَ ﴿الَّذِينَ مَكَرُوا﴾؛ بِالِاحْتِيالِ في قَتْلِ الأنْبِياءِ؛ وإطْفاءِ نُورِ اللَّهِ؛ الَّذِي أرْسَلَهم بِهِ؛ المَكْراتِ ﴿السَّيِّئاتِ أنْ﴾؛ يُجازَوْا مِن جِنْسِ عَمَلِهِمْ؛ بِأنْ ﴿يَخْسِفَ اللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطُ بِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿بِهِمُ﴾؛ أيْ: خاصَّةً؛ ﴿الأرْضَ﴾؛ فَإذا هم في بَطْنِها؛ لا يَقْدِرُونَ عَلى نَوْعِ تَقَلُّبٍ بِمُدافَعَةٍ؛ ولا غَيْرِها؛ كَما فُعِلَ بِقارُونَ وأصْحابِهِ؛ وبِقَوْمِ لُوطٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ -؛ مِن قَبْلِهِمْ؛ ﴿أوْ يَأْتِيَهُمُ العَذابُ﴾؛ عَلى غَيْرِ تِلْكَ الحالِ؛ ﴿مِن حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ﴾؛ بِهِ في حالَةٍ مِن هاتَيْنِ الحالَتَيْنِ؛ شُعُورًا ما؛ وهم في حالِ سُكُونٍ؛ ودَعَةٍ؛ بِنَوْمٍ؛ أوْ غَفْلَةٍ؛
16:46Page 272
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
﴿أوْ يَأْخُذَهُمْ﴾؛ (p-١٧٠)؛ أيْ: اللَّهُ؛ بِعَذابِهِ؛ ﴿فِي﴾؛ حالَ ﴿تَقَلُّبِهِمْ﴾؛ وتَصَرُّفُهُمْ؛ ومَشاعِرُهم حاضِرَةٌ وقُواهم مُسْتَجْمَعَةٌ.
ولَمّا كانَتْ هَذِهِ الأحْوالُ الثَّلاثَةُ مَفْرُوضَةً في حالِ أمْنِهِمْ مِنَ العَذابِ؛ وكانَ الأمْنُ مِنَ العَدُوِّ يَكُونُ عَنْ ظَنِّ عَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ؛ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَما هم بِمُعْجِزِينَ﴾؛ أيْ: في حالَةٍ مِن هَذِهِ الأحْوالِ؛ سَواءٌ عَلَيْنا غَفْلَتُهُمْ؛ ويَقَظَتُهُمْ؛
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences