Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic
An-Nahl 16:62–70
16:62Page 273
وَيَجۡعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكۡرَهُونَۚ وَتَصِفُ أَلۡسِنَتُهُمُ ٱلۡكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ ٱلنَّارَ وَأَنَّهُم مُّفۡرَطُونَ ٦٢
And they attribute to Allāh that which they dislike [i.e., daughters], and their tongues assert the lie that they will have the best [from Him]. Assuredly, they will have the Fire, and they will be [therein] neglected.1
ولَمّا كانَ ما تَقَدَّمَ أمارَةً عَلى كَراهَتِهِمْ لِما نَسَبُوهُ إلى اللَّهِ (تَعالى)؛ أتْبَعَهُ التَّصْرِيحَ بَعْدَ التَّلْوِيحِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ويَجْعَلُونَ لِلَّهِ﴾؛ أيْ: وهو المَلِكُ الأعْظَمُ؛ ﴿ما يَكْرَهُونَ﴾؛ أيْ: لِأنْفُسِهِمْ؛ مِنَ البَناتِ؛ والأمْوالِ؛ والشُّرَكاءِ في الرِّئاسَةِ؛ ومِنَ الِاسْتِخْفافِ بِرُسُلِهِمْ؛ وجُنُودِهِمْ؛ والتَّهاوُنِ بِرِسالاتِهِمْ؛ ثُمَّ وصَفَ جَراءَتَهم مَعَ ذَلِكَ؛ الكائِنَةَ في مَحَلِّ الخَوْفِ؛ المُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ التَّأمُّلِ اللّازِمِ لِعَدَمِ العَقْلِ؛ فَقالَ: ﴿وتَصِفُ﴾؛ أيْ: تَقُولُ مُعْتَقِدَةً مَعَ القَوْلِ الصَّفاءَ؛ ولَمّا كانَ قَوْلًا لا حَقِيقَةَ لَهُ بِوَجْهٍ؛ أسْنَدَهُ إلى اللِّسانِ؛ فَقالَ: ﴿ألْسِنَتُهُمُ﴾؛ أيْ: مَعَ ذَلِكَ؛ مَعَ أنَّهُ قَوْلٌ لا يَنْبَغِي أنْ يَتَخَيَّلَهُ عاقِلٌ؛ ﴿الكَذِبَ﴾؛ ثُمَّ بَيَّنَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿أنَّ لَهُمُ الحُسْنى﴾؛ أيْ: عِنْدَهُ؛ ولا جَهْلَ أعْظَمُ؛ ولا حُكْمَ أسْوَأُ مِن أنْ تَقْطَعَ بِأنَّ مَن تَجْعَلُ لَهُ ما تَكْرَهُ يَجْعَلُ لَكَ ما تُحِبُّ؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَما لَهم (p-١٨٩)عِنْدَهُ؟ فَقِيلَ: ﴿لا جَرَمَ﴾؛ أيْ: لا ظَنَّ؛ ولا تَرَدُّدَ في ﴿أنَّ لَهُمُ النّارَ﴾؛ الَّتِي هي جَزاءُ الظّالِمِينَ؛ ﴿وأنَّهم مُفْرَطُونَ﴾؛ أيْ: مُقَدَّمُونَ؛ مُعَجَّلُونَ إلَيْها؛ بِتَقْدِيمِ مَن يَسُوقُهم وإعْجالِهِ لَهُمْ؛ وقالَ الرُّمّانِيُّ: مَتْرُوكُونَ فِيها؛ مِن قَوْلِ العَرَبِ: ”ما أفْرَطْتُ ورائِي أحَدًا“؛ أيْ: ما خَلَّفْتُ؛ ولا تَرَكْتُ؛ وقَرَأ نافِعٌ بِالتَّخْفِيفِ والكَسْرِ؛ أيْ: مُبالِغُونَ في الإسْرافِ؛ والجَراءَةِ عَلى اللَّهِ.
16:63Page 273
تَٱللَّهِ لَقَدۡ أَرۡسَلۡنَآ إِلَىٰٓ أُمَمٖ مِّن قَبۡلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ ٱلۡيَوۡمَ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٦٣
By Allāh, We did certainly send [messengers] to nations before you, but Satan made their deeds attractive to them. And he is their [i.e., the disbelievers] ally today [as well], and they will have a painful punishment.
ولَمّا بَيَّنَ مَآلَهُمْ؛ وكانُوا يَقُولُونَ: إنَّ لَهم مَن يُشَفَّعُ فِيهِمْ؛ بَيَّنَ لَهم ما يَكُونُ مِن حالِهِمْ؛ بِالقِياسِ عَلى أشْكالِهِمْ؛ تَهْدِيدًا؛ وتَسْلِيَةً لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ -؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تاللَّهِ﴾؛ أيْ: المَلِكِ الأعْلى؛ ﴿لَقَدْ أرْسَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ رُسُلًا مِنَ الماضِينَ؛ ﴿إلى أُمَمٍ﴾؛ ولَمّا كانَ الإرْسالُ بِالفِعْلِ لَمْ يَسْتَغْرِقْ زَمانَ القَبْلِ؛ قالَ: ﴿مِن قَبْلِكَ﴾؛ كَما أرْسَلْناكَ إلى هَؤُلاءِ؛ ﴿فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ﴾؛ أيْ: المُحْتَرِقُ بِالغَضَبِ؛ المَطْرُودُ بِاللَّعْنَةِ؛ ﴿أعْمالَهُمْ﴾؛ كَما زَيَّنَ لِهَؤُلاءِ؛ فَضَلُّوا كَما ضَلُّوا؛ فَأهْلَكْناهُمْ؛ ﴿فَهُوَ﴾؛ لا غَيْرُهُ؛ ﴿ولِيُّهُمُ اليَوْمَ﴾؛ بَعْدَ إهْلاكِهِمْ حالَ كَوْنِهِمْ في النّارِ؛ ولا قُدْرَةَ لَهُ عَلى نَصْرِهِمْ؛ ﴿ولَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾؛ فَلا ولِيَّ لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لَوْ قَدَرَ عَلى نَصْرِهِمْ لَما أسْلَمَهم لِلْهَلاكِ؛ وقَدْ أطاعُوهُ؛ بَلْ لَوْ عُدِمُوا وِلايَتَهُ كانَ ذَلِكَ أوْلى لَهُمْ؛ فَهو نَفْيٌ لَأنْ يَكُونَ لَهم ولِيٌّ؛ عَلى أبْلَغِ الوُجُوهِ.
16:64Page 273
وَمَآ أَنزَلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡكِتَٰبَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٦٤
And We have not revealed to you the Book, [O Muḥammad], except for you to make clear to them that wherein they have differed and as guidance and mercy for a people who believe.
(p-١٩٠)ولَمّا كانَ حاصِلُ ما مَضى الخِلافَ؛ والضَّلالَ؛ والنِّقْمَةَ؛ كانَ كَأنَّهُ قِيلَ: فَبَيِّنْ لَهُمْ؛ وخَوِّفْهُمْ؛ لِيَرْجِعُوا؛ فَإنّا ما أرْسَلْناكَ إلّا لِذَلِكَ؛ ﴿وما أنْـزَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ مِن جِهَةِ العُلُوِّ؛ ﴿عَلَيْكَ الكِتابَ﴾؛ أيْ: الجامِعَ لِكُلِّ هُدًى؛ ولَمّا كانَ في سِياقِ الدُّعاءِ؛ والبَيانِ؛ عَبَّرَ بِما يَقْتَضِي الإيجابَ؛ فَقالَ: ﴿إلا لِتُبَيِّنَ﴾؛ أيْ: غايَةَ البَيانِ؛ ﴿لَهُمُ﴾؛ أيْ: لِمَن أُرْسِلْتَ إلَيْهِمْ؛ وهُمُ الخَلْقُ كافَّةً؛ ﴿الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؛ مِن جَمِيعِ الأُمُورِ؛ دِينًا ودُنْيا؛ لِكَوْنِكَ أغْزَرَهم عِلْمًا؛ وأثْقَبَهم فَهْمًا؛ وعَطَفَ عَلى مَوْضِعِ ”لِتُبَيِّنَ“؛ ما هو فِعْلُ المُنْزِلِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وهُدًى﴾؛ أيْ: بَيانًا شافِيًا؛ ﴿ورَحْمَةً﴾؛ أيْ: وإكْرامًا بِمَحَبَّةٍ.
ولَمّا كانَ ذَلِكَ رُبَّما شَمِلَهُمْ؛ وهم عَلى ضَلالِهِمْ؛ نَفاهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾؛ والتَّبْيِينُ: مَعْنًى يُؤَدِّي إلى العِلْمِ بِالشَّيْءِ؛ مُنْفَصِلًا عَنْ غَيْرِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنِ المَعْنى نَفْسِهِ؛ وقَدْ يَكُونُ عَنْ صِحَّتِهِ؛ والبُرْهانُ لا يَكُونُ إلّا عَنْ صِحَّتِهِ؛ فَهو أخَصُّ؛ والِاخْتِلافُ: ذَهابُ كُلٍّ إلى غَيْرِ جِهَةِ صاحِبِهِ؛ والهُدى: بَيانُ طَرِيقِ العِلْمِ المُؤَدِّي إلى الحَقِّ.
16:65Page 274
وَٱللَّهُ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَحۡيَا بِهِ ٱلۡأَرۡضَ بَعۡدَ مَوۡتِهَآۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٥
And Allāh has sent down rain from the sky and given life thereby to the earth after its lifelessness. Indeed in that is a sign for a people who listen.
(p-١٩١)ولَمّا انْقَضى الدَّلِيلُ عَلى أنَّ قُلُوبَهم مُنْكِرَةٌ اسْتِكْبارًا؛ وما يَتَعَلَّقُ بِهِ؛ وخَتَمَهُ بِما أحْيا بِهِ القُلُوبَ بِالإيمانِ؛ والعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها بِالكُفْرِ؛ والجَهْلِ؛ وكانَ المَقْصُودُ الأعْظَمُ مِنَ القُرْآنِ تَقْرِيرَ أُصُولٍ أرْبَعَةٍ: الإلَهِيّاتِ؛ والنُّبُوّاتِ؛ والمَعادِ؛ وإثْباتِ القَضاءِ والقَدَرِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وكانَ أجَلُّ هَذِهِ المَقاصِدِ الإلَهِيّاتِ؛ شَرَعَ في أدِلَّةِ الوَحْدانِيَّةِ؛ والقُدْرَةِ؛ والفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُسْتَلْزِمِ لِلْقُدْرَةِ عَلى البَعْثِ؛ عَلى وجْهٍ غَيْرِ المُتَقَدِّمِ؛ لِيُعْلَمَ أنَّ أدِلَّةَ ذَلِكَ أكْثَرُ مِن أوْراقِ الأشْجارِ؛ وأجْلى مِن ضِياءِ النَّهارِ؛ فَعَطَفَ عَلى قَوْلِهِ: ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ ما تُسِرُّونَ وما تُعْلِنُونَ﴾ [النحل: ١٩]؛ قَوْلَهُ - جامِعًا في الدَّلِيلِ بَيْنَ العالَمِ العُلْوِيِّ؛ والعالَمِ السُّفْلِيِّ -: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الأمْرُ كُلُّهُ؛ ﴿أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ﴾؛ في الوَقْتِ الَّذِي يُرِيدُهُ؛ ﴿ماءً﴾؛ بِالمَطَرِ؛ والثَّلْجِ؛ والبَرَدِ؛ ﴿فَأحْيا بِهِ الأرْضَ﴾؛ الغَبْراءَ؛ ولَمّا كانَتْ عادَتُهُ بِذَلِكَ مُسْتَمِرَّةً؛ وكانَ السِّياقُ لِإثْباتِ دَعائِمِ الدِّينِ؛ وكانَ الإحْياءُ بِالماءِ لا يَزالُ أثَرُهُ قائِمًا في زَرْعٍ؛ أوْ شَجَرٍ؛ في بَعْضِ الأراضِي؛ أعْرى الظَّرْفَ مِنَ الجارِّ؛ لِأنَّ المَعْنى بِهِ أبْلَغُ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ مَوْتِها﴾؛ بِاليُبُوسَةِ؛ والجُدْبِ؛ وتَفَتُّتِ النَّباتِ أصْلًا؛ ورَأْسًا.
ولَمّا كانَ ما أقامَهُ عَلى ذَلِكَ في هَذِهِ السُّورَةِ مِنَ الأدِلَّةِ قَدْ صارَ إلى (p-١٩٢)حَدٍّ لا يَحْتاجُ مَعَهُ السّامِعُ العاقِلُ إلى أكْثَرَ مِنَ السَّماعِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ الماءِ المُؤَثِّرِ؛ بِتَدْبِيرِهِ؛ هَذا الأثَرَ العَظِيمَ؛ ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾؛ هَذا التَّنْبِيهُ في هَذا الأُسْلُوبِ المُتَضَمِّنِ لِما مَضى مِنَ التَّشْبِيهِ؛ فَيَعْلَمُونَ أنَّهُ يُنَزِّلُ مِن أمْرِهِ ما يُرِيدُهُ؛ فَيُحْيِي بِهِ أجْسادَ العِبادِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ كَما أحْيا أجْسادَ النَّباتِ بِالماءِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ وأرْواحَ الأشْباحِ بِالعِلْمِ؛ بَعْدَ مَوْتِها؛ والحاصِلُ أنَّ هَذِهِ الأدِلَّةَ لا تَحْتاجُ مَعَ الحِسِّ إلى كَبِيرِ عَمَلٍ بِالقَلْبِ؛ غَيْرِ الِانْقِيادِ إلى الحَقِّ؛ وتَرْكِ العِنادِ والجَهْلِ؛ فَهو مِن سَماعِ الأُذُنِ؛ وما يَنْشَأُ عَنْهُ مِنَ الإجابَةِ؛ اسْتِعْمالًا لِلشَّيْءِ في حَقِيقَتِهِ ومَجازِهِ؛ ولَعَلَّهُ لَمْ يَخْتِمْها بِـ ”يُبْصِرُونَ“؛ لِئَلّا يُظَنَّ أنَّ ذَلِكَ مِنَ البَصِيرَةِ؛ فَيُظَنَّ أنَّهُ يَحْتاجُ فِيها إلى كَبِيرِ فِكْرٍ؛ فَيَفُوتَ ما أُرِيدَ مِنَ الإشارَةِ إلى شِدَّةِ الوُضُوحِ.
16:66Page 274
وَإِنَّ لَكُمۡ فِي ٱلۡأَنۡعَٰمِ لَعِبۡرَةٗۖ نُّسۡقِيكُم مِّمَّا فِي بُطُونِهِۦ مِنۢ بَيۡنِ فَرۡثٖ وَدَمٖ لَّبَنًا خَالِصٗا سَآئِغٗا لِّلشَّٰرِبِينَ ٦٦
And indeed, for you in grazing livestock is a lesson. We give you drink from what is in their bellies - between excretion and blood - pure milk, palatable to drinkers.
ولَمّا ذَكَرَ - سُبْحانَهُ - هَذا الأمْرَ العامَّ؛ ونَبَّهَ عَلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الصُّنْعِ؛ الَّذِي غُفِلَ عَنْهُ لِشِدَّةِ الإلْفِ بِهِ؛ أتْبَعَهُ بَعْضَ ما يَنْشَأُ عَنْهُ مِن تَفاصِيلِ الأُمُورِ؛ المُحْتَوِيَةِ عَلى عَجائِبِ المَقْدُورِ؛ وبَدَأ بِأعَمِّها؛ وأشَدِّها مُلابَسَةً لَهُمْ؛ وأكْثَرِها في نَفْسِهِ؛ وأعْظَمِها مَنفَعَةً ودَخَلًا في قِوامِ عَيْشِهِمْ؛ فَقالَ: ﴿وإنَّ لَكُمْ﴾؛ أيْ: أيُّها المُخاطَبُونَ المَغْمُورُونَ في النِّعَمِ؛ ﴿فِي الأنْعامِ﴾؛ ولَمّا كانَتِ الأدِلَّةُ يُعْبَرُ بِها مِنَ الجَهْلِ (p-١٩٣)إلى العِلْمِ؛ قالَ: ﴿لَعِبْرَةً﴾؛ فَكَأنَّهُ قِيلَ: ما هِيَ؟ فَقِيلَ: ﴿نُسْقِيكُمْ﴾؛ بِضَمِّ النُّونِ؛ في قِراءَةِ الجَماعَةِ؛ مِن ”أسْقاهُ“؛ إذا أعَدَّ لَهُ ما يَشْرَبُهُ دائِمًا؛ مِن نَهْرٍ؛ أوْ لَبَنٍ؛ وغَيْرِهِما؛ وبِالفَتْحِ؛ في قِراءَةِ نافِعٍ؛ وابْنِ عامِرٍ؛ وعاصِمٍ؛ في رِوايَةِ شُعْبَةَ: مِن ”سَقاهُ“؛ إذا ناوَلَهُ شَيْئًا فَشَرِبَهُ.
ولَمّا كانَ ”الأنْعامُ“؛ اسْمَ جَمْعٍ؛ فَكانَ مُفْرَدًا؛ كَما نَقَلَ ذَلِكَ سِيبَوَيْهِ؛ وذَكَرَ المَسْقِيَّ؛ وهو اللَّبَنُ؛ لِما اقْتَضاهُ سِياقُ السُّورَةِ مِن تَعْدادِ النِّعَمِ؛ فَتَعَيَّنَتْ إرادَةُ الإناثِ لِذَلِكَ؛ فانْتَفى الِالتِباسُ مَعَ تَذْكِيرِ الضَّمِيرِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿مِمّا﴾؛ أيْ: مِن بَعْضِ الَّذِي؛ ﴿فِي بُطُونِهِ﴾؛ فَذَكَّرَ الضَّمِيرَ لِأمْنِ اللَّبْسِ؛ والدَّلالَةِ عَلى قُوَّةِ المَعْنى؛ لِكَوْنِها سُورَةُ النِّعَمِ؛ بِخِلافِ ما في ”المُؤْمِنُونَ“.
ولَمّا كانَ مَوْضِعُ العِبْرَةِ تَخْلِيصُ اللَّبَنِ مِن غَيْرِهِ؛ قَدَّمَ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿مِن بَيْنِ فَرْثٍ﴾؛ وهو الثُّفْلُ الَّذِي يَنْزِلُ إلى الكِرْشِ؛ فَإذا خَرَجَ مِنهُ لَمْ يُسَمَّ فَرْثًا؛ ﴿ودَمٍ لَبَنًا خالِصًا﴾؛ مِن مُخالِطٍ مِنهُما؛ أوْ مِن غَيْرِهِما؛ (p-١٩٤)يَبْغِي عَلَيْهِ بِلَوْنٍ أوْ رائِحَةٍ؛ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: إذا أكَلَتِ البَهِيمَةُ العَلَفَ؛ واسْتَقَرَّ في كِرْشِها؛ طَبَخَتْهُ؛ فَكانَ أسْفَلُهُ فَرْثًا؛ وأوْسَطُهُ لَبَنًا؛ وأعْلاهُ دَمًا؛ والكَبِدُ مُسَلَّطَةٌ عَلى هَذِهِ الأصْنافِ الثَّلاثَةِ تُقَسِّمُها؛ فَيَجْرِي الدَّمُ في العُرُوقِ؛ واللَّبَنُ في الضَّرْعِ؛ ويَبْقى الفَرْثُ في الكِرْشِ؛ ﴿سائِغًا﴾؛ أيْ: سَهْلَ المُرُورِ في الحَلْقِ؛ ﴿لِلشّارِبِينَ﴾؛
16:67Page 274
وَمِن ثَمَرَٰتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلۡأَعۡنَٰبِ تَتَّخِذُونَ مِنۡهُ سَكَرٗا وَرِزۡقًا حَسَنًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَعۡقِلُونَ ٦٧
And from the fruits of the palm trees and grapevines you take intoxicant and good provision.1 Indeed in that is a sign for a people who reason.
ثُمَّ عَطَفَ عَلَيْهِ ما هو أنْفَسُ مِنهُ عِنْدَهُمْ؛ وأقْرَبُ إلَيْهِ في المَعانِي المَذْكُورَةِ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَلِّقًا بِـ ”نُسْقِيكُمْ“ -:﴿ومِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ﴾؛ ولَمّا كانَ لَهم مُدْخَلٌ في اتِّخاذٍ ما ذُكِرَ مِنهُ؛ بِخِلافِ اللَّبَنِ الَّذِي لا صُنْعَ لَهم بِهِ أصْلًا؛ أسْنَدَ الأمْرَ إلَيْهِمْ؛ ولِيَكُونَ ذَلِكَ إشارَةً إلى كَراهَةِ السُّكْرِ؛ وتَوْطِئَةً لِلنَّهْيِ عَنْهُ في قَوْلِهِ - مُسْتَأْنِفًا -: ﴿تَتَّخِذُونَ﴾؛ أيْ: بِاصْطِناعٍ مِنكُمْ؛ وعِلاجٍ؛ ولِأجْلِ اسْتِئْنافِ هَذِهِ الجُمْلَةِ كانَ لا بُدَّ مِن قَوْلِهِ: ﴿مِنهُ﴾؛ أيْ: مِن مائِهِ؛ وعَبَّرَ عَنِ السُّكْرِ (p-١٩٥)بِالمَصْدَرِ؛ إبْلاغًا في تَقْبِيحِهِ؛ وزادَ في الإبْلاغِ بِالتَّعْبِيرِ بِأثْقَلِ المَصْدَرَيْنِ؛ وهو المُحَرَّكُ؛ يُقالُ: ”سَكَرَ سُكْرًا؛ وسَكَرًا“؛ مِثْلَ ”رَشَدَ رُشْدًا؛ ورَشَدًا“؛ و”نَحَلَ نَحْلًا؛ ونَحَلًا“؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿سَكَرًا﴾؛ أيْ: ذا سُكْرٍ؛ مُنَشِّيًا؛ مُطْرِبًا؛ سادًّا لِمَجارِي العَقْلِ؛ قَبِيحًا؛ غَيْرَ مُسْتَحْسَنٍ لِلرِّزْقِ؛ ﴿ورِزْقًا حَسَنًا﴾؛ لا يَنْشَأُ عَنْهُ ضَرَرٌ في بَدَنٍ؛ ولا عَقْلٍ؛ مِنَ الخَلِّ؛ والدِّبْسِ؛ وغَيْرِهِما؛ ولا يَسُدُّ شَيْئًا مِنَ المَجارِي؛ بَلْ رُبَّما فَتَحَها؛ كالحَلالِ الطَّيِّبِ؛ فَإنَّهُ يُنِيرُ القَلْبَ؛ ويُوَسِّعُ العَقْلَ؛ والأدْهانُ كُلُّها تَفْتَحُ سَدَدَ البَدَنِ؛ وهَذا كَما مَنَحَكم - سُبْحانَهُ - العَقْلَ الَّذِي لا أحْسَنَ مِنهُ؛ فاسْتَعْمَلَهُ قَوْمٌ عَلى صَوابِهِ في الوَحْدانِيَّةِ؛ وعَكَسَ آخَرُونَ فَدَنَّسُوهُ بِالإشْراكِ؛ قالَ الرُّمّانِيُّ: قِيلَ: ”السَّكَرُ“: ما حُرِّمَ مِنَ الشَّرابِ؛ و”الرِّزْقُ الحَسَنُ“: ما أُحِلَّ مِنهُ - عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -؛ وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ؛ وإبْراهِيمَ؛ والشَّعْبِيِّ؛ وأبِي رَزِينٍ؛ والحَسَنِ؛ ومُجاهِدٍ؛ وقَتادَةَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهم -؛ و”السَّكَرُ“؛ في اللُّغَةِ؛ عَلى أرْبَعَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ: ما أسْكَرَ؛ الثّانِي: ما أُطْعِمَ مِنَ الطَّعامِ؛ الثّالِثُ: السُّكُونُ؛ (p-١٩٦)الرّابِعُ: المَصْدَرُ مِنَ السُّكْرِ؛ وأصْلُهُ انْسِدادُ المَجارِي مِمّا يُلْقى فِيها؛ ومِنهُ ”السِّكْرُ“؛ يَعْنِي بِكَسْرٍ؛ ثُمَّ سُكُونٍ؛ ومَن حَمَلَ السَّكَرَ عَلى السُّكْرِ؛ قالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ بِآيَةِ ”المائِدَةِ“؛ والتَّعْبِيرُ عَنْهُ بِما يُفْهِمُ سَدَّ المَجارِي يُفْهِمُ كَراهَتَهُ عِنْدَما كانَ حَلالًا؛ والآيَةُ مِنَ الاحْتِباكِ: ذِكْرَ السَّكَرِ أوَّلًا دالٌّ عَلى الفَتْحِ ثانِيًا؛ وذِكْرُ الحَسَنِ دالٌّ عَلى القَبِيحِ أوَّلًا؛ فالآيَةُ أدَلُّ ما في القُرْآنِ عَلى المُعْتَزِلَةِ في أنَّ الرِّزْقَ يُطْلَقُ عَلى الحَرامِ؛ ولِتَقارُبِ آيَتَيِ الأنْعامِ؛ والأشْجارِ جَمَعَهُما - سُبْحانَهُ - فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن هَذِهِ المَنافِعِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ ولِوُضُوحِ أمْرِهِما في كَمالِ قُدْرَةِ الخالِقِ؛ ووَحْدانِيَّتِهِ؛ قالَ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾
16:68Page 274
وَأَوۡحَىٰ رَبُّكَ إِلَى ٱلنَّحۡلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلۡجِبَالِ بُيُوتٗا وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعۡرِشُونَ ٦٨
And your Lord inspired to the bee, "Take for yourself among the mountains, houses [i.e., hives], and among the trees and [in] that which they construct.
ولَمّا كانَ أمْرُ النِّحَلِ في الدَّلالَةِ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وكَمالِ الحِكْمَةِ؛ أعْجَبَ مِمّا تَقَدَّمَ وأنْفَسَ؛ ثَلَّثَ بِهِ؛ وأخَّرَهُ؛ لِأنَّهُ أقَلُّ الثَّلاثَةِ عِنْدَهُمْ؛ وغَيَّرَ الأُسْلُوبَ؛ وجَعَلَهُ مِن وحْيِهِ؛ إيماءً إلى ما فِيهِ مِن غَرِيبِ الأمْرِ؛ وبَدِيعِ الشَّأْنِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وأوْحى رَبُّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنُ إلَيْكَ؛ بِجَعْلِ العَسَلِ في مَفاوِزِ البَرارِي المُقْفِرَةِ؛ المُفْرِطَةِ المَرارَةِ؛ وغَيْرِها (p-١٩٧)مِنَ الأماكِنِ؛ وبِغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ المَنافِعِ؛ الدّالِّ عَلى الفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ وتَمامِ الِاقْتِدارِ؛ ﴿إلى النَّحْلِ﴾؛ أيْ: بِالإلْهامِ؛ قالَ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: فاللَّهُ (تَعالى) أعْطى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدى؛ فَبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ المُجَرَّدِ؛ كالجَماداتِ؛ وبَعْضُها بِالإلْهامِ؛ والتَّسْخِيرِ؛ كالنَّحْلِ؛ والسُّرْفَةِ -؛ أيْ: بِضَمٍّ وسُكُونٍ؛ وهي دُوَيْبَةٌ تَتَّخِذُ بَيْتًا مِن دِقاقِ العِيدانِ؛ فَتَدْخُلُهُ؛ وتَمُوتُ - والعَنْكَبُوتِ؛ وبَعْضُها بِالتَّسْخِيرِ؛ والإلْهامِ؛ والعَقْلِ المُتَّفِقِ عَلى نِظامٍ واحِدٍ؛ كالمَلائِكَةِ؛ وبَعْضُها بِكُلِّ ذَلِكَ؛ والفِكْرِ؛ والتَّمْيِيزِ؛ والأعْمالِ المُخْتَلِفَةِ المَبْنِيَّةِ عَلى الفِكْرِ؛ كالإنْسانِ.
ولَمّا كانَ في الإيحاءِ مَعْنى القَوْلِ؛ أتى بِـ ”أنْ“؛ المُفَسِّرَةِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿أنِ اتَّخِذِي﴾؛ أيْ: افْعَلِي ما يَفْعَلُهُ المُتَكَلِّفُ؛ مِن أنْ يَأْخُذَ ﴿مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا﴾؛ أيَّ بُيُوتٍ! ما أعْجَبَها! ﴿ومِنَ الشَّجَرِ﴾؛ أيْ: الصّالِحَةِ لِذَلِكَ؛ في الغِياضِ؛ والجِبالِ؛ والصَّحارِي؛ ﴿ومِمّا يَعْرِشُونَ﴾؛ أيْ: يَرْفَعُ النّاسُ مِنَ السُّقُوفِ؛ والجُدْرانِ؛ وغَيْرِها؛ وبَدَأ بِالبُيُوتِ لِأنَّها مِن عَجَبِ الدَّهْرِ في حُسْنِ الصَّنْعَةِ؛ وبَداعَةِ الشَّكْلِ؛ وبَراعَةِ الإحْكامِ؛ وتَمامِ التَّناسُبِ.
16:69Page 274
ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ فَٱسۡلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلٗاۚ يَخۡرُجُ مِنۢ بُطُونِهَا شَرَابٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ فِيهِ شِفَآءٞ لِّلنَّاسِۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ ٦٩
Then eat from all the fruits1 and follow the ways of your Lord laid down [for you]." There emerges from their bellies a drink, varying in colors, in which there is healing for people. Indeed in that is a sign for a people who give thought.
(p-١٩٨)ولَمّا كانَ أهَمُّ شَيْءٍ لِلْحَيَوانِ؛ بَعْدَ الرّاحَةِ مِن هَمِّ المَقِيلِ؛ الأكْلَ؛ ثَنّى بِهِ؛ ولَمّا كانَ عامًّا في كُلِّ ثَمَرٍ؛ ذَكَرَهُ بِحَرْفِ التَّراخِي؛ إشارَةً إلى عَجِيبِ الصُّنْعِ في ذَلِكَ؛ وتَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿ثُمَّ كُلِي﴾؛ وأشارَ إلى كَثْرَةِ الرِّزْقِ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿مِن كُلِّ الثَّمَراتِ﴾؛ قالُوا: مِن أجْزاءٍ لَطِيفَةٍ تَقَعُ عَلى أوْراقِ الأشْجارِ مِنَ الظِّلِّ؛ وقالَ بَعْضُهُمْ: مِن نَفْسِ الأزْهارِ والأوْراقِ.
ولَمّا أذِنَ لَها في ذَلِكَ كُلِّهِ؛ وكانَ مِنَ المَعْلُومِ عادَةً أنَّ تَعاطِيَهُ لا يَكُونُ إلّا بِمَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ في مُعاناةِ السَّيْرِ إلَيْهِ؛ نَبَّهَ عَلى خَرْقِهِ لِلْعادَةِ في تَيْسِيرِهِ لَها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿فاسْلُكِي﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنِ الإذْنِ في الأكْلِ الإذْنُ في السَّيْرِ إلَيْهِ؛ ﴿سُبُلَ رَبِّكِ﴾؛ أيْ: المُحْسِنِ إلَيْكِ بِهَذِهِ التَّرْبِيَةِ العَظِيمَةِ؛ لِأجْلِ الأكْلِ؛ ذاهِبَةً إلَيْهِ وراجِعَةً إلى بُيُوتِكِ؛ حالَ كَوْنِ السُّبُلِ ﴿ذُلُلا﴾؛ أيْ: مُوَطَّأةً لِلسُّلُوكِ؛ مُسَهَّلَةً؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأرْضَ ذَلُولا﴾ [الملك: ١٥]؛ وأشارَ بِاسْمِ الرَّبِّ إلى أنَّهُ لَوْلا عَظِيمُ إحْسانِهِ في تَرْبِيَتِها لَما اهْتَدَتْ إلى ذَلِكَ؛ ثُمَّ أتْبَعَهُ نَتِيجَةَ ذَلِكَ؛ جَوابًا لِمَن كَأنَّهُ قالَ: ماذا يَكُونُ عَنْ هَذا كُلِّهِ؟ فَقالَ (تَعالى): ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِها﴾؛ بِلَفْتِ الكَلامِ؛ لِعَدَمِ قَصْدِها إلى هَذِهِ النَّتِيجَةِ؛ ﴿شَرابٌ﴾؛ أيُّ شَرابٍ! وهو العَسَلُ؛ لِأنَّهُ؛ مَعَ كَوْنِهِ مِن أجَلِّ المَآكِلِ؛ هو مِمّا يُشْرَبُ؛ ﴿مُخْتَلِفٌ ألْوانُهُ﴾ (p-١٩٩)مِن أبْيَضَ؛ وأحْمَرَ؛ وأصْفَرَ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ؛ اخْتِلافًا دالًّا عَلى أنَّ فاعِلَهُ - مَعَ تَمامِ قُدْرَتِهِ - مُخْتارٌ؛ ثُمَّ أوْضَحَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فِيهِ﴾؛ أيْ: مَعَ كَوْنِهِ مِنَ الثِّمارِ النّافِعَةِ؛ والضّارَّةِ؛ ﴿شِفاءٌ لِلنّاسِ﴾؛ قالَ الإمامُ الرّازِيُّ؛ في ”اللَّوامِعُ“: إذِ المَعْجُوناتُ كُلُّها بِالعَسَلِ؛ وقالَ إمامُ الأوْلِياءِ؛ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ التِّرْمِذِيُّ: إنَّما كانَ ذَلِكَ لِأنَّها ذَلَّتْ لِلَّهِ؛ مُطِيعَةً؛ وأكَلَتْ مِن كُلِّ الثَّمَراتِ: حُلْوِها؛ ومُرِّها؛ مَحْبُوبِها؛ ومَكْرُوهِها؛ تارِكَةً لِشَهَواتِها؛ فَلَمّا ذَلَّتْ لِأمْرِ اللَّهِ؛ صارَ هَذا الأكْلُ لِلَّهِ؛ فَصارَ ذَلِكَ شِفاءً لِلْأسْقامِ؛ فَكَذَلِكَ إذا ذَلَّ العَبْدُ لِلَّهِ مُطِيعًا؛ وتَرَكَ هَواهُ؛ صارَ كَلامُهُ شِفاءً لِلْقُلُوبِ السَّقِيمَةِ؛ انْتَهى.
وكَوْنُهُ شِفاءً - مَعَ ما ذُكِرَ - أدَلُّ عَلى القُدْرَةِ والِاخْتِيارِ؛ مِنَ اخْتِلافِ الألْوانِ؛ لا جَرَمَ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ﴾؛ أيْ: الأمْرِ العَظِيمِ؛ مِن أمْرِها كُلِّهِ؛ ﴿لآيَةً﴾؛ وكَما أشارَ في ابْتِداءِ الآيَةِ إلى غَرِيبِ الصُّنْعِ في أمْرِها؛ أشارَ إلى مِثْلِ ذَلِكَ في الخَتْمِ؛ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ أيْ: في اخْتِصاصِ النَّحْلِ بِتِلْكَ العُلُومِ الدَّقِيقَةِ؛ واللَّطائِفِ الخَفِيَّةِ بِالبُيُوتِ المُسَدَّسَةِ؛ والِاهْتِداءِ إلى تِلْكَ الأجْزاءِ اللَّطِيفَةِ (p-٢٠٠)مِن أطْرافِ الأشْجارِ؛ والأوْراقِ؛ وغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الغَرائِبِ؛ حَيْثُ ناطَهُ بِالفِكْرِ المُبالَغِ فِيهِ مِنَ الأقْوِياءِ؛ تَأْكِيدًا لِفَخامَتِهِ؛ وتَعْظِيمًا لِدِقَّتِهِ؛ وغَرابَتِهِ في دَلالَتِهِ عَلى تَمامِ العِلْمِ؛ وكَمالِ القُدْرَةِ؛ وقَدْ كَثُرَ في هَذِهِ السُّورَةِ إضافَةُ الآياتِ إلى المُخاطَبِينَ؛ تارَةً بِالإفْرادِ؛ وتارَةً بِالجَمْعِ؛ ونَوْطُها تارَةً بِالعَقْلِ؛ وتارَةً بِالفِكْرِ؛ وتارَةً بِالذِّكْرِ؛ وتارَةً بِغَيْرِها.
وقَدْ جَعَلَ الإمامُ الرَّبّانِيُّ أبُو الحَسَنِ الحَرالِّيُّ؛ في كِتابِهِ ”المِفْتاحُ“؛ لِذَلِكَ بابًا؛ بَعْدَ أنْ جَعَلَ أسْنانَ الألْبابِ مِثْلَ أسْنانِ الأجْسادِ؛ ما بَيْنَ تَمْيِيزٍ؛ واحْتِلامٍ؛ وشَبابٍ؛ وكُهُولَةٍ؛ وغَيْرِها؛ كَما تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْهُ في سُورَةِ ”بَراءَةٌ“؛ عِنْدَ قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ومِنهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]؛ فَقالَ: البابُ التّاسِعُ في وُجُوهِ إضافاتِ الآياتِ؛ واتِّساقِ الأحْوالِ لِأسْنانِ القُلُوبِ؛ في القُرْآنِ -؛ أيْ: فَإنَّ لِذَلِكَ مَراتِبَ في العِلْمِ؛ والأفْهامِ -: اعْلَمْ أنَّ الآياتِ والأحْوالَ تُضافُ؛ وتَتَّسِقُ لِمَنِ اتَّصَفَ بِما بِهِ أدْرَكَ مَعْناها؛ ويُؤَنَّبُ عَلَيْها مَن تَقاصَرَ عَنْها؛ ويَنْفِي مَنالَها عَمَّنْ لَمْ يَصِلْ إلَيْها؛ وهي أطْوارٌ؛ أظْهَرُها (p-٢٠١)آياتُ الِاعْتِبارِ البادِيَةُ لِأُولِي الأبْصارِ؛ لِأنَّ الخَلْقَ كُلَّهُ إنَّما هو عَلَمٌ لِلِاعْتِبارِ مِنهُ؛ لا أنَّهُ مَوْجُودٌ لِلِاقْتِناعِ بِهِ؛ ﴿ورَضُوا بِالحَياةِ الدُّنْيا واطْمَأنُّوا بِها والَّذِينَ هم عَنْ آياتِنا غافِلُونَ﴾ [يونس: ٧] ﴿أُولَئِكَ مَأْواهُمُ النّارُ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يونس: ٨]؛ اتَّخَذُوا ما خُلِقَ لِلْعِبْرَةِ بِهِ إلى رَبِّهِ كَسْبًا لِأنْفُسِهِمْ؛ حَتّى صارَ عِنْدَهُمْ؛ وعِنْدَ أتْباعِهِمْ آيَتَهُمْ؛ لا آيَةَ خالِقِهِ؛﴿أتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ﴾ [الشعراء: ١٢٨] ﴿واللَّهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٦]؛ ثُمَّ يَلِي آياتِ الِاعْتِبارِ ما يَنالُ إدْراكَ آيَتِهِ العَقْلُ الأدْنى بِبَداهَةِ نَظَرِهِ؛ ﴿وسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ والنَّهارَ والشَّمْسَ والقَمَرَ والنُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأمْرِهِ إنَّ في ذَلِكَ لآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ١٢]؛ جَمَعَ الآياتِ لِتَعَدُّدِ وُجُوهِها في مَقْصِدِ البَيانِ؛ ثُمَّ يَلِي ما يُدْرَكُ بِبَداهَةِ العَقْلِ ما يَحْتاجُ إلى فِكْرٍ يُثِيرُهُ العَقْلُ الأدْنى؛ لِشَغْلِ الحَواسِّ بِمَنفَعَتِهِ عَنِ التَّفَكُّرِ في وجْهِ آيَتِهِ: ﴿هُوَ الَّذِي أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً لَكم مِنهُ شَرابٌ ومِنهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: ١٠] ﴿يُنْبِتُ لَكم بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأعْنابَ ومِن كُلِّ الثَّمَراتِ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١١]؛ أفْرَدَ الآيَةَ لِاسْتِنادِ كَثْرَتِهِ إلى وحْدَةِ الماءِ ابْتِداءً؛ ووَحْدَةِ الِانْتِفاعِ انْتِهاءً؛ ثُمَّ يَلِي ما يُدْرَكُ بِفِكْرِ العَقْلِ الأدْنى ما يَقْبَلُ (p-٢٠٢)بِالإيمانِ؛ ويَكُونُ آيَةَ أمْرٍ قائِمٍ عَلى خَلْقٍ؛ وهو مِمّا يُدْرَكُ سَمْعًا؛ لِأنَّ الخَلْقَ مَرْئِيٌّ؛ والأمْرَ مَسْمُوعٌ: ﴿وما أنْـزَلْنا عَلَيْكَ الكِتابَ إلا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وهُدًى ورَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٦٤] ﴿واللَّهُ أنْـزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأحْيا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]؛ هَذِهِ آيَةُ حَياةِ القُلُوبِ بِنُورِ العِلْمِ؛ والحِكْمَةِ؛ الَّذِي أخَذَ سَمْعًا عِنْدَ تَقَرُّرِ الإيمانِ؛ وعِنْدَ هَذا الحَدِّ يَتَناهى العَقْلُ إلى فِطْرَةِ الأشَدِّ؛ وتَعْلُو بَداهَتُهُ وتَتَرَقّى فِطَرُهُ إلى نَظَرِ ما يَكُونُ آيَةً في نَفْسِ النّاظِرِ؛ لِأنَّ مَحارَ غَيْبِ الكَوْنِ يُرَدُّ إلى وِجْدانِ نَقْصِ النّاظِرِ؛ وكَما أنَّ الماءَ آيَةُ حَياةِ القُلُوبِ؛ صارَ الشَّرابانِ - اللَّبَنُ والخَمْرُ - آيَتَيْنِ؛ عَلى أحْوالٍ تَخُصُّ القُلُوبَ بِما يَغْذُوها مِنَ اللَّهِ غِذاءَ اللَّبَنِ؛ ويُنَشِّيها نَشْوَةَ السُّكْرِ؛ مُنْبَعِثًا مِن بَيْنِ فَرْثٍ؛ ودَمٍ؛ ونُزُولَ الخَلْقِ المَقامَ عَنِ الأمْرِ القائِمِ عَلَيْهِ؛ ﴿وإنَّ لَكم في الأنْعامِ لَعِبْرَةً﴾ [النحل: ٦٦]؛ الآيَتَيْنِ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [النحل: ٦٧]؛ وهَذا العَقْلُ الأعْلى؛ وأفْرَدَ الآيَةَ لِانْفِرادِ مَوْرِدِها في وجْدِ القَلْبِ؛ (p-٢٠٣)وكَما لِلْعَقْلِ الأدْنى فِكْرَةٌ تُنْبِئُ عَنْ بَداهَتِهِ؛ فَكَذَلِكَ لِلْعَقْلِ الأعْلى فِكْرَةٌ تُنْبِئُ عَنْ عَلِيِّ فِطْرَتِهِ: ﴿وأوْحى رَبُّكَ إلى النَّحْلِ أنِ اتَّخِذِي مِنَ الجِبالِ بُيُوتًا ومِنَ الشَّجَرِ﴾ [النحل: ٦٨]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿لآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾؛ وهَذا العَقْلُ الأعْلى هو اللُّبُّ؛ الَّذِي عَنْهُ يَكُونُ التَّذَكُّرُ بِالأدْنى مِنَ الخَلْقِ لِلْأعْلى مِنَ الأمْرِ؛ ﴿وما ذَرَأ لَكم في الأرْضِ مُخْتَلِفًا ألْوانُهُ إنَّ في ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٣]؛ وفي مُقابَلَةِ كُلٍّ مِن هَذِهِ الأوْصافِ أضْدادٌ يَرِدُ البَيانُ فِيها بِحَسَبِ مُقابَلَتِها؛ وكَذَلِكَ حُكْمُ وصْفِ المُسْلِمِينَ فِيها يُظْهِرُ أنْ ”لا أنْجى لِلْعَبْدِ مِن إسْلامِهِ نَفْسَهُ لِرَبِّهِ“؛ ووَصْفِ المُحْسِنِينَ فِيما يَظْهَرُ قِيامُ ظاهِرِ العَبْدِ بِرَبِّهِ؛ ووَصْفِ المُوقِنِينَ فِيما وجَدَ يَقِينَهُ العَبْدُ مِن نَفْسِهِ؛ أوْ عايَنَ ابْتِداءَهُ بِظاهِرِ حِسِّهِ: ﴿الم﴾ [البقرة: ١] ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: ٢]؛ مَنِ اسْتَغْنى بِما عِنْدَهُ مِن وجْدٍ؛ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِقَبُولِ غَيْبٍ: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ [الحديد: ٢٨] ﴿إذا ما اتَّقَوْا وآمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا﴾ [المائدة: ٩٣] ﴿ومَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] ﴿ثُمَّ اتَّقَوْا وأحْسَنُوا واللَّهُ يُحِبُّ المُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٣] (p-٢٠٤)(فَإذا أحْبَبْتُهُ كُنْتُ سَمْعَهُ الَّذِي يَسْمَعُ بِهِ؛ وبَصَرَهُ الَّذِي يُبْصِرُ بِهِ)؛ ﴿وفِي خَلْقِكم وما يَبُثُّ مِن دابَّةٍ آياتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ [الجاثية: ٤] ﴿وكَذَلِكَ نُرِي إبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ والأرْضِ ولِيَكُونَ مِنَ المُوقِنِينَ﴾ [الأنعام: ٧٥]؛ ولِجُمْلَةِ هَذِهِ الأوْصافِ أيْضًا أضْدادٌ يَرِدُ بَيانُ القُرْآنِ فِيها؛ بِحَسَبِ تَقابُلِها؛ ويَجْرِي مَعَها إفْهامُهُ؛ وما أوْصَلَهُ خَفاءُ المَسْمَعِ والمَرْأى إلى القَلْبِ هو فِقْهُهُ؛ ومَن فَقَدَ ذَلِكَ وُصِفَ سَمْعُهُ بِالصَّمَمِ؛ وعَيْنُهُ بِالعَمى؛ ونَفى الفِقْهَ عَنْ قَلْبِهِ؛ ونُسِبَ إلى البَهِيمِيَّةِ؛ ومَن لَمْ تَنَلْ فِكْرَتُهُ أعْلامَ ما غابَ عَنْهُ عِيانُهُ نُفِيَ عَنْهُ العِلْمُ: ﴿الَّذِينَ كانَتْ أعْيُنُهم في غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا﴾ [الكهف: ١٠١] ﴿لَهم قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها ولَهم أعْيُنٌ لا يُبْصِرُونَ بِها ولَهم آذانٌ لا يَسْمَعُونَ بِها أُولَئِكَ كالأنْعامِ بَلْ هم أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ [الأعراف: ١٧٩] ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إلى المَدِينَةِ﴾ [المنافقون: ٨]؛ إلى قَوْلِهِ: ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: ٨] ﴿يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَن عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتّى يَنْفَضُّوا﴾ [المنافقون: ٧]؛ الآيَةَ؛ إلى قَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنَّ المُنافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ [المنافقون: ٧]؛ نُفِيَ العِلْمُ فِيما ظَهَرَتْ أعْلامُهُ؛ والفِقْهُ فِيما خَفِيَ أمْرُهُ؛ ومُرادُ البَيانِ عَنْ أضْدادِها؛ هَذِهِ الأوْصافِ؛ بِحَسَبِ تَقابُلِها؛ وهَذا البابُ لِمَن يَسْتَفْتِحُهُ مِن أنْفَعِ فَواتِحِ (p-٢٠٥)الفَهْمِ في القُرْآنِ؛ انْتَهى.
16:70Page 274
وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡـًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ ٧٠
And Allāh created you; then He will take you in death. And among you is he who is reversed to the most decrepit [old] age so that he will not know, after [having had] knowledge, a thing. Indeed, Allāh is Knowing and Competent.
ولَمّا أيْقَظَهم مِن رَقْدَتِهِمْ؛ ونَبَّهَهم عَلى عَظِيمِ غَفْلَتِهِمْ؛ عَنْ عُمُومِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ المُقْتَضِي لِلْفِعْلِ بِالِاخْتِيارِ؛ المُحَقِّقِ لِلْبَعْثِ وغَيْرِهِ؛ مِن كُلِّ ما يُرِيدُهُ - سُبْحانَهُ - بِبَعْضِ آياتِهِ المَبْثُوثَةِ في الآفاقِ؛ مِن جَمادٍ؛ ثُمَّ حَيَوانٍ؛ وخَتَمَ ذَلِكَ بِما هو شِفاءٌ؛ ثَنّى بِبَعْضِ ما في أنْفُسِهِمْ مِنَ الأدِلَّةِ عَلى ذَلِكَ؛ مُذَكِّرًا بِمَراتِبِ عُمْرِ الإنْسانِ الأرْبَعِ؛ وهي سِنُّ الطُّفُولِيَّةِ والنُّمُوِّ؛ ثُمَّ سِنُّ الشَّبابِ؛ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ انْتِهائِهِ الوُقُوفُ؛ ثُمَّ سِنُّ الكُهُولَةِ؛ وفِيهِ يَكُونُ الِانْحِطاطُ؛ مَعَ بَقاءِ القُوَّةِ؛ ثُمَّ سِنُّ الِانْحِطاطِ مَعَ ظُهُورِ الضَّعْفِ؛ وهو الشَّيْخُوخَةُ؛ مُضَمَّنًا ما لا يُغْنِي عَنْهُ دَواءٌ؛ حَثًّا عَلى التَّفَكُّرِ في آياتِهِ؛ والتَّعَقُّلِ لَها قَبْلَ حُلُولِ ذَلِكَ الحادِثِ؛ فَيَفُوتَ الفَوْتُ؛ ويَنْدَمُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُ النَّدَمُ؛ فَقالَ: ﴿واللَّهُ﴾؛ أيْ: المُحِيطِ بِكُلِّ شَيْءٍ قُدْرَةً وعِلْمًا؛ ﴿خَلَقَكُمْ﴾؛ فَجَعَلَكم بَعْدَ العَدَمِ أحْياءً؛ فُهَّمًا؛ خِصَّمًا؛ ﴿ثُمَّ يَتَوَفّاكُمْ﴾؛ عَلى اخْتِلافِ الأسْنانِ؛ فَلا يَقْدِرُ الصَّغِيرُ عَلى أنْ يُؤَخِّرَ؛ ولا الكَبِيرُ عَلى أنْ يُقَدِّمَ؛ فَمِنكم مَن يَمُوتُ حالَ قُوَّتِهِ؛﴿ومِنكم مَن يُرَدُّ﴾؛ أيْ: بِأيْسَرِ أمْرٍ مِنّا؛ لا يَقْدِرُ عَلى مُخالَفَتِهِ بِوَجْهٍ؛ ﴿إلى أرْذَلِ العُمُرِ﴾؛ لِأنَّهُ يَهْرَمُ؛ فَيَصِيرُ إلى مِثْلِ حالِ الطُّفُولِيَّةِ (p-٢٠٦)فِي الضَّعْفِ؛ مَعَ اسْتِقْذارِ غَيْرِهِ لَهُ؛ ولا يُرْجى بَعْدَهُ؛ ﴿لِكَيْ لا يَعْلَمَ﴾؛ ولَمّا كانَ مَقْصُودُ السُّورَةِ الدَّلالَةَ عَلى تَمامِ القُدْرَةِ؛ وشُمُولِ العِلْمِ؛ والتَّنَزُّهِ عَنْ كُلِّ شائِبَةِ نَقْصٍ؛ وكانَ السِّياقُ هُنا لِذَلِكَ أيْضًا؛ بِدَلِيلِ خَتْمِ الآيَةِ؛ نَزَعَ الخافِضَ لِلدَّلالَةِ عَلى اسْتِغْراقِ الجَهْلِ لِزَمَنِ ما بَعْدَ العِلْمِ؛ فَيَتَّصِلُ بِالمَوْتِ؛ ولا يَنْفَعُ فِيهِ دَواءٌ؛ ولا تُجْدِي مَعَهُ حِيلَةٌ؛ فَقالَ: ﴿بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾؛ لا يُوجَدُ في شَيْءٍ مِن ذَلِكَ عِنْدَ إحْلالِهِ شِفاءٌ؛ ولا يَمْنَعُهُ دَواءٌ: فَبادِرُوا إلى التَّفَكُّرِ؛ والِاعْتِبارِ؛ قَبْلَ حُلُولِ أحَدِ هَذَيْنِ؛ ثُمَّ عَلَّلَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إنَّ اللَّهَ﴾؛ أيْ: الَّذِي لَهُ الإحاطَةُ الكامِلَةُ؛ ﴿عَلِيمٌ قَدِيرٌ﴾؛ أيْ: بالِغُ العِلْمِ؛ شامِلُ القُدْرَةِ؛ فَمَهْما أرادَ؛ كانَ؛ ومَهْما أرادَ غَيْرُهُ ولَمْ يُرِدْهُ هُوَ؛ أحاطَ بِهِ عِلْمُهُ؛ فَسَبَّبَ لَهُ بِقُدْرَتِهِ ما يَمْنَعُهُ.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences