Al-Biqa'iAl‑Isra · 17:44–52

Al-Biqa'i · Tafsir · in Arabic

Al-Isra 17:44–52

17:44Page 286

تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبۡعُ وَٱلۡأَرۡضُ وَمَن فِيهِنَّۚ وَإِن مِّن شَيۡءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمۡدِهِۦ وَلَٰكِن لَّا تَفۡقَهُونَ تَسۡبِيحَهُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ حَلِيمًا غَفُورٗا ٤٤

The seven heavens and the earth and whatever is in them exalt Him. And there is not a thing except that it exalts [Allāh] by His praise, but you do not understand their [way of] exalting. Indeed, He is ever Forbearing1 and Forgiving.

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ بَيانَ عَظَمَةِ هَذا التَّنْزِيهِ؛ مَقْرُونًا بِالوَصْفِ بِالكَمالِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿تُسَبِّحُ﴾؛ أيْ: تُوقِعُ التَّنْزِيهَ الأعْظَمَ؛ ﴿لَهُ﴾؛ أيْ: الإلَهِ الأعْظَمِ؛ الَّذِي تَقَدَّمَ وصْفُهُ بِالجَلالِ والإكْرامِ خاصَّةً؛ ﴿السَّماواتُ السَّبْعُ﴾؛ كُلُّها؛ ﴿والأرْضُ﴾؛ أيْضًا؛ ﴿ومَن فِيهِنَّ﴾؛ مِن ذَوِي العُقُولِ؛ ﴿وإنْ﴾؛ أيْ: وما؛ وأعْرَقَ في النَّفْيِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿مِن شَيْءٍ﴾؛ أيْ: ذِي عَقْلٍ؛ وغَيْرِهِ؛ ﴿إلا يُسَبِّحُ﴾؛ أيْ: يُنَزِّهُ لَهُ؛ مُتَلَبِّسًا ﴿بِحَمْدِهِ﴾؛ أيْ: بِوَصْفِهِ بِما لَهُ مِن صِفاتِ الكَمالِ؛ بِما لَهُ (تَعالى) في ذَلِكَ الشَّيْءِ مِنَ الآياتِ الدّالَّةِ (p-٤٢٤)عَلى كُلٍّ مِنَ السَّلْبِ؛ والإيجابِ؛ وهَذا تَسْبِيحٌ بِلِسانِ المَقالِ؛ مِمَّنْ يَصِحُّ مِنهُ؛ وبِلِسانِ الحالِ مِنهُ ومِن غَيْرِهِ؛ ”كَما قالَ الجِدارُ لِلْوَتِدِ: لِمَ تَشُقُّنِي؟ فَقالَ: سَلْ مَن يَدُقُّنِي“؛ وهو تَسْبِيحٌ مِن جِهاتٍ شَتّى؛ لِيَسْمَعَها العارِفُونَ بِسَمْعِ الفَهْمِ؛ وصَفاءِ الذِّهْنِ؛ مِن جِهَةِ ذاتِها في خَلْقِها؛ ثُمَّ في مَعْنى صِفَتِها؛ بِحاجَتِها مِن جِهَةِ حُدُوثِها إلى صانِعٍ أحْدَثَها؛ قَدِيمٍ؛ غَيْرِ مَصْنُوعٍ؛ ومِن جِهَةِ إتْقانِها إلى كَوْنِهِ مُدَبِّرًا حَكِيمًا؛ ومِن جِهَةِ فَنائِها إلى كَوْنِهِ - مَعَ ذَلِكَ - قادِرًا مُخْتارًا؛ قاهِرًا جَبّارًا.. إلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ بِخِلافِ ما لَوْ قُصِرَ التَّسْبِيحُ عَلى لِسانِ المَقالِ؛ فَإنَّهُ يَكُونُ مِن نَوْعٍ واحِدٍ؛ وأوْضَحَ مُرْشِدًا إلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿ولَكِنْ لا تَفْقَهُونَ﴾؛ دُونَ ”تَسْمَعُونَ“؛ ﴿تَسْبِيحَهُمْ﴾؛ لِإعْراضِكم عَنِ النَّظَرِ؛ ونُفُورِكم عَنْ سَماعِ الذِّكْرِ؛ الَّذِي هو أعْظَمُ أسْبابِهِ؛ عَلى أنَّ هَذا إنَّما هو بِالنِّسْبَةِ لِعامَّةِ الخَلْقِ؛ وأمّا الخاصَّةُ فَإنَّهم يَسْمَعُونَ تَسْبِيحَ الجَماداتِ؛ رَوى البُخارِيُّ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قالَ: كُنّا نَعُدُّ الآياتِ بَرَكَةً؛ وأنْتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوِيفًا؛ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - في سَفَرٍ؛ فَقَلَّ الماءُ؛ فَقالَ: ”اطْلُبُوا فَضْلَةً مِن ماءٍ“؛ فَجاؤُوا بِإناءٍ فِيهِ ماءٌ قَلِيلٌ؛ فَأدْخَلَ يَدَهُ في الإناءِ؛ وقالَ: (p-٤٢٥)”حَيَّ عَلى الطَّهُورِ المُبارَكِ؛ والبَرَكَةِ مِنَ اللَّهِ“؛ فَلَقَدْ رَأيْتُ الماءَ يَنْبُعُ مِن بَيْنِ أصابِعِ رَسُولِ اللَّهِ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ؛ وشُرِّفَ؛ وكُرِّمَ؛ وبُجِّلَ؛ وعُظِّمَ دائِمًا أبَدًا -؛ ولَقَدْ كُنّا نَسْمَعُ تَسْبِيحَ الطَّعامِ وهو يُؤْكَلُ؛» وتَسْبِيحُ الحَصى مَشْهُورٌ؛ وفي زَبُورِ داوُدَ - عَلَيْهِ السَّلامُ - تَكْرِيرٌ كَثِيرٌ لِهَذِهِ الآيَةِ؛ وحَثٌّ عَلى تَأمُّلِها؛ قالَ في المَزْمُورِ الثّامِنِ والسِّتِّينَ: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ؛ والأرْضُ؛ والبِحارُ؛ وكُلُّ ما يَدِبُّ فِيها)؛ وفي المَزْمُورِ الخامِسِ والثَّمانِينَ: (فَلَيْسَ مِثْلُكَ يا رَبِّي وإلَهِي؛ ولا مِثْلُ أعْمالِكَ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأُمَمِ الَّذِينَ خَلَقْتَ يَأْتُونَ ويَسْجُدُونَ أمامَكَ يا رَبُّ؛ ويُسَبِّحُونَ لِاسْمِكَ؛ لِأنَّكَ عَظِيمٌ؛ صانِعُ الآياتِ)؛ وفي الثّامِنِ والثَّمانِينَ: (بِذِراعِكَ العَزِيزَةِ فَرَّقْتَ أعْداءَكَ؛ لَكَ السَّماواتُ؛ ولَكَ الأرْضُ؛ أنْتَ أسَّسْتَ الدُّنْيا بِكَمالِها؛ خَلَقْتَ البَرَّ والبَحْرَ؛ تابُورُ وحَرْمُونُ بِاسْمِكَ يُسَبِّحانِ؛ لَكَ القُوَّةُ والجَبَرُوتُ؛ تَعْتَزُّ يَدُكَ؛ وتَعْلُو يَمِينُكَ؛ بِالعَدْلِ والحُكْمِ أتْقَنْتَ كُرْسِيَّكَ؛ الرَّحْمَةُ والعَدْلُ يَنْطَلِقانِ أمامَكَ؛ طُوبى لِلشَّعْبِ الَّذِي يَعْرِفُ (p-٤٢٦)تَسْبِيحَكَ)؛ وفي الخامِسِ والتِّسْعِينَ: (سَبِّحُوا الرَّبَّ تَسْبِيحًا جَدِيدًا؛ الأرْضُ كُلُّها تُسَبِّحُ الرَّبَّ؛ اسْجُدُوا لِلرَّبِّ في هَياكِلِ قُدْسِهِ؛ لِأنَّ جَمِيعَ الأرْضِ تَتَزَلْزَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ؛ قُولُوا في الشُّعُوبِ: إنَّ اللَّهَ هو المَلِكُ؛ أتْقَنَ الدُّنْيا لِكَيْلا تَزُولَ؛ يَقْضِي بَيْنَ الشُّعُوبِ بِالعَدْلِ؛ تَفْرَحِ السَّماواتُ؛ وتَبْتَهِجِ الأرْضُ؛ يَنْقَلِبِ البَحْرُ في عُمْقِهِ؛ تَتَهَلَّلِ البِقاعُ وما فِيها؛ هُنالِكَ يُسَبِّحُ جَمِيعُ شَجَرِ الغِياضِ قُدّامَ الرَّبِّ)؛ وفي السّابِعِ والتِّسْعِينَ: (ولِلَّهِ تُسَبِّحُ كُلُّ الأرْضِ؛ مَجِّدُوا؛ وهَلِّلُوا؛ وسَبِّحُوا الرَّبَّ)؛ وفي الثّامِنِ والأرْبَعِينَ بَعْدَ المِائَةِ: (سَبِّحُوا الرَّبَّ مِنَ السَّماواتِ؛ سَبِّحُوهُ مِنَ العُلا؛ يا جَمِيعَ مَلائِكَتِهِ؛ وكُلُّ جُنُودِهِ تُسَبِّحُهُ؛ الشَّمْسُ والقَمَرُ يُسَبِّحانِهِ؛ وجَمِيعُ الكَواكِبِ؛ والنُّورِ؛ تُسَبِّحُهُ؛ يُسَبِّحُ الرَّبَّ سَماءُ الدُّنْيا؛ والمِياهُ الَّتِي فَوْقَ السَّماواتِ؛ تُسَبِّحُ جَمِيعًا اسْمَ الرَّبِّ؛ لِأنَّهُ قالَ؛ فَكانُوا؛ وأمَرَ؛ فَخُلِقُوا؛ وأقامَهم إلى الأبَدِ والدَّهْرِ؛ جَعَلَ لَها مُقَدَّرًا لا تَتَجاوَزُهُ؛ يُسَبِّحُ الرَّبَّ مَن في الأرْضِ؛ التَّنانِينُ؛ (p-٤٢٧)وجَمِيعُ الأعْماقِ؛ النّارُ؛ والبَرَدُ؛ والثَّلْجُ؛ والجَلِيدُ؛ والرِّيحُ العاصِفَةُ؛ عَمِلَتْ كَلِمَتُهُ الجِبالَ وكُلَّ الآكامِ؛ الشَّجَرَ المُثْمِرَةَ؛ وجَمِيعَ الأُرْزِ؛ السِّباعَ؛ وكُلَّ البَهائِمِ؛ والوُحُوشِ؛ وكُلَّ حَيَوانٍ؛ وكُلَّ طائِرٍ ذِي جَناحٍ؛ مُلُوكَ الأرْضِ؛ وسائِرَ الشُّعُوبِ العُظَماءِ؛ وجَمِيعَ حُكّامِ الأرْضِ؛ الشُّبّانَ؛ والعَذارى؛ والشُّيُوخَ؛ والصِّبْيانَ؛ يُسْبِّحُونَ اسْمَ الرَّبِّ؛ لِأنَّ اسْمَهُ قَدْ تَعالى وحْدَهُ)؛ وفي الخَمْسِينَ بَعْدَ المِائَةِ: (سَبِّحُوا اللَّهَ في كُلِّ قُدْسِهِ؛ سَبِّحُوهُ في جَلَدِ قُوَّتِهِ؛ سَبِّحُوهُ كَمِثْلِ جَبَرُوتِهِ؛ سَبِّحُوهُ بِكَثْرَةِ عَظَمَتِهِ؛ سَبِّحُوهُ بِصَوْتِ القَرْنِ؛ وسَبِّحُوهُ بِأصْواتٍ عالِيَةٍ؛ كُلُّ نَسَمَةٍ تُسَبِّحُ الرَّبَّ).

ولَمّا كانَ تَسْبِيحُ جَمِيعِ المَخْلُوقاتِ أمْرًا واضِحَ الفَهْمِ؛ ظاهِرَ الشَّأْنِ؛ فَكانُوا مُسْتَحِقِّينَ لِلْعِقابِ في عَدَمِ فَهْمِهِ؛ بِعَدَمِ التَّأمُّلِ في المَصْنُوعاتِ حَقَّ التَّأمُّلِ؛ نَبَّهَهم عَلى أنَّ عافِيَتَهم إنَّما هي لِحِلْمِهِ عَنْهُمْ؛ فَهو يُنْظِرُهم إلى المُدَّةِ الَّتِي ضَرَبَها لَهُمْ؛ لِأنَّهُ لا يُعَجِّلُ لِتَنَزُّهِهِ عَنْ شَوائِبِ النَّقْصِ؛ الَّذِي نَطَقَ كُلُّ شَيْءٍ بِتَنْزِيهِهِ عَنْها؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إنَّهُ كانَ حَلِيمًا﴾؛ حَيْثُ لا يُعاجِلُكم بِالعُقُوبَةِ عَلى إعْراضِكم عَنْ صَرْفِ الأفْكارِ فِيما (p-٤٢٨)أمَرَكم بِصَرْفِها إلَيْهِ.

ولَمّا كانَ الغالِبُ عَلى أحْوالِ البَشَرِ أنَّ حَلِيمَهم إذا غَضِبَ لا يَغْفِرُ؛ وإنْ عَفا كانَ عَفْوُهُ مُكَدَّرًا؛ قالَ (تَعالى): ﴿غَفُورًا﴾؛ مُشِيرًا بِصِيغَةِ المُبالَغَةِ إلى أنَّهُ عَلى غَيْرِ ذَلِكَ؛ تَرْغِيبًا في التَّوْبَةِ.

17:45Page 286

وَإِذَا قَرَأۡتَ ٱلۡقُرۡءَانَ جَعَلۡنَا بَيۡنَكَ وَبَيۡنَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ حِجَابٗا مَّسۡتُورٗا ٤٥

And when you recite the Qur’ān, We put between you and those who do not believe in the Hereafter a concealed partition.1

ولَمّا قَرَّرَ في سِياقِ التَّوْحِيدِ أنَّهم في الحَضِيضِ مِنَ الغَباوَةِ؛ التَفَتَ إلى سَيِّدِ أُولِي الفَهْمِ؛ فَقالَ - مُشِيرًا إلى النُّبُوَّةِ؛ عاطِفًا عَلى ”لا تَفْقَهُونَ“؛ مُنَبِّهًا عَلى أنَّهم لا يَفْهَمُونَ لِسانَ القالِ؛ فَضْلًا عَنْ لِسانِ الحالِ -: ﴿وإذا قَرَأْتَ القُرْآنَ﴾؛ الَّذِي لا يُدانِيهِ واعِظٌ؛ ولا يُساوِيهِ مُفْهِمٌ؛ وهو تِبْيانٌ لِكُلِّ شَيْءٍ؛ ﴿جَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿بَيْنَكَ﴾؛ وبَيْنَهُمْ؛ ولَكِنَّهُ أظْهَرَ هَذا المُضْمَرَ بِالوَصْفِ المُنَبِّهِ عَلى إعْراضِهِمْ عَنِ السَّماعِ؛ عَلى الوَجْهِ المُفْهِمِ؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿وبَيْنَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ﴾؛ أيْ: لا يَتَجَدَّدُ لَهم إيمانٌ؛ ﴿بِالآخِرَةِ﴾؛ أيْ: الَّتِي هي قُطْبُ الإيمانِ؛ ﴿حِجابًا﴾؛ مالِئًا لِجَمِيعِ ما بَيْنَكَ؛ وبَيْنَهُمْ؛ مَعَ كَوْنِهِ ساتِرًا لَكَ عَنْ أنْ يُدْرِكُوكَ حَقَّ الإدْراكِ؛ عَلى ما أنْتَ عَلَيْهِ؛ ﴿مَسْتُورًا﴾؛ عَنْهُمْ؛ وعَنْ غَيْرِهِمْ؛ لا يَراهُ إلّا مَن أرَدْنا؛ وذَلِكَ أبْلَغُ في العَظَمَةِ؛ وأعْجَبُ في نُفُوذِ الكَلِمَةِ؛

17:46Page 286

وَجَعَلۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ أَكِنَّةً أَن يَفۡقَهُوهُ وَفِيٓ ءَاذَانِهِمۡ وَقۡرٗاۚ وَإِذَا ذَكَرۡتَ رَبَّكَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِ وَحۡدَهُۥ وَلَّوۡاْ عَلَىٰٓ أَدۡبَٰرِهِمۡ نُفُورٗا ٤٦

And We have placed over their hearts coverings, lest they understand it, and in their ears deafness. And when you mention your Lord alone in the Qur’ān, they turn back in aversion.

﴿وجَعَلْنا﴾؛ أيْ: بِما لَنا مِنَ العَظَمَةِ؛ ﴿عَلى قُلُوبِهِمْ أكِنَّةً﴾؛ أيْ: أغْطِيَةً؛ كَراهَةَ ﴿أنْ يَفْقَهُوهُ﴾؛ أيْ: يَفْهَمُوا القُرْآنَ حَقَّ فَهْمِهِ؛ ﴿وفِي آذانِهِمْ وقْرًا﴾؛ أيْ: شَيْئًا ثَقِيلًا؛ يَمْنَعُ سَماعَهُمُ السَّماعَ النّافِعَ؛ بِالقُصُورِ في إدْراكِهِمْ؛ (p-٤٢٩)لا في بَيانِهِ؛ فَرُؤْيَتُهم لِلنَّبِيِّ - صَلّى اللَّهُ عَلَيْهِ وعَلى آلِهِ وسَلَّمَ - حالَ التِّلاوَةِ غَيْرُ صَحِيحَةٍ؛ كَما أنَّ سَمْعَهم وإدْراكَهم لِما يَقْرَؤُهُ كَذَلِكَ؛ كَما قالَ (تَعالى): ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وعَلى سَمْعِهِمْ وعَلى أبْصارِهِمْ غِشاوَةٌ﴾ [البقرة: ٧] ﴿وإذا ذَكَرْتَ رَبَّكَ﴾؛ أيْ: المُحْسِنَ إلَيْكَ؛ وإلَيْهِمْ؛ ﴿فِي القُرْآنِ﴾؛ حالَ كَوْنِهِ؛ ﴿وحْدَهُ﴾؛ مَعَ الإعْراضِ عَنْ آلِهَتِهِمْ؛ ﴿ولَّوْا﴾؛ وحَقَّقَ المَعْنى؛ وصَوَّرَهُ بِما يَزِيدُ في بَشاعَتِهِ؛ تَنْفِيرًا عَنْهُ؛ فَقالَ: ﴿عَلى أدْبارِهِمْ نُفُورًا﴾؛ مَصْدَرٌ مِن غَيْرِ اللَّفْظِ؛ مُؤَكِّدٌ؛ لِأنَّهُ مُحَصِّلٌ لِمَعْناهُ؛ أوْ جَمْعُ ”نافِرٌ“؛ كَـ ”قاعِدٌ“؛ و”قُعُودٌ“.

ومادَّةُ ”وقَرَ“؛ بِجَمِيعِ تَقالِيبِها الخَمْسَةَ عَشَرَ تَدُورُ عَلى الجَمْعِ؛ كَما مَضى في آخِرِ ”يُوسُفَ“؛ وأوَّلِ ”الحِجْرِ“؛ فَـ ”الوَقْرُ“؛ بِالفَتْحِ: ثِقْلٌ في الأُذُنِ؛ أوْ ذَهابُ السَّمْعِ كُلِّهِ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ اجْتِماعًا في النَّفْسِ؛ وسُكُونًا يَحْمِلُ عَلى الوَقارِ؛ الَّذِي هو السَّكِينَةُ؛ بِفَقْدِ بَعْضِ ما كانَ يُشَعِّبُ الفِكْرَ مِنَ السَّمْعِ؛ ومِن ذَلِكَ ذَلِكَ ”الوِقْرُ“؛ بِالكَسْرِ: الحِمْلُ مُطْلَقًا؛ أوِ الثَّقِيلُ؛ أوْ لِأنَّ الحِمْلَ جامِعٌ لِما فِيهِ؛ والأُذُنُ جَمَعَتْ ما سَدَّها؛ فَكَأنَّهُ جَمَعَ خَرْقَها؛ فَصَيَّرَها صَلْدًا كالصَّخْرَةِ الصَّمّاءِ؛ لا يَنْفُذُ فِيها شَيْءٌ؛ ولِذَلِكَ يُسَمّى الطَّرَشُ ”الصَّمَمَ“؛ و”نَخْلَةٌ مُوَقِّرَةٌ“؛ أيْ: مُسْتَجْمِعَةٌ حِمْلًا؛ و”اسْتَوْقَرَتِ الإبِلُ“: سَمِنَتْ؛ أيْ: جَمَعَتِ (p-٤٣٠)الشَّحْمَ واللَّحْمَ؛ و”وقَرَ“؛ كَـ ”وعَدَ“: جَلَسَ؛ لِاسْتِجْماعِ بَعْضِ أعْضائِهِ إلى بَعْضٍ؛ و”الوَقِيرُ“: القَطِيعُ مِنَ الغَنَمِ؛ أوْ صِغارُها؛ أوْ خَمْسُمِائَةٌ مِنها؛ أوْ عامٌّ؛ أوِ الغَنَمُ بِكَلْبِها؛ وحِمارِها؛ وراعِيها؛ كالقِرَةِ؛ لِاسْتِجْماعِ بَعْضِها إلى البَعْضِ؛ و”الوَقَرِيُّ“؛ مُحَرَّكَةً: راعِي الوَقِيرِ؛ أوْ مُقْتَنِي الشّاءِ؛ وصاحِبُ الحَمِيرِ؛ وساكِنُو المِصْرِ؛ و”القِرَةُ“؛ كَـ ”عِدَةٌ“: العِيالُ؛ والثِّقْلُ؛ والشَّيْخُ الكَبِيرُ؛ لِأنَّ الكِبَرَ والثِّقْلَ يُثْمِرانِ الوَقارَ النّاشِئَ عَنِ اسْتِجْماعِ النَّفْسِ والعَزْمِ؛ وتَرْكِ الِانْتِشارِ بِالطَّيْشِ؛ وما قَبْلَهُما واضِحٌ في الجَمْعِ؛ و”المُوَقَّرُ“؛ كَـ ”مُعَظَّمٌ“: المُجَرِّبُ العاقِلُ؛ قَدْ حَنَّكَتْهُ الدُّهُورُ؛ لِأنَّ ذَلِكَ يُثْمِرُ اسْتِجْماعَ العَقْلِ؛ و”وقَّرْتُ الرَّجُلَ تَوْقِيرًا“: بَجَّلْتُهُ؛ ورَزَّنْتُهُ؛ و”الدّابَّةَ“: سَكَّنْتُها؛ فَكانَ كَأنَّهُ جُمِعَ إلَيْها حِمْلٌ ثَقِيلٌ؛ و”التَّيْقُورُ“: ”فَيْعُولٌ“ مِنَ الوَقارِ؛ تاؤُهُ مُبْدَلَةٌ مِن واوٍ؛ يُقالُ: ”وقَرَ في بَيْتِهِ يَقَرُّ“؛ أيْ: جَمَعَ نَفْسَهُ فِيهِ؛ لِاجْتِماعِ هَمِّهِ؛ و”المَوِقِرُ“؛ كَـ ”مَجْلِسٌ“: المَوْضِعُ السَّهْلُ عِنْدَ سَفْحِ الجَبَلِ؛ لَعَلَّهُ شُبِّهَ بِالرَّجُلِ الوَقُورِ المُطْمَئِنِّ السّاكِنِ النَّفْسِ؛ والحامِلَ الَّذِي يُوَطِّئُهُ الحِمْلُ؛ و”الوَقْرَةُ“: وكْتَةٌ؛ أيْ: حُفْرَةٌ؛ تَكُونُ في الحافِرِ؛ والعَيْنِ؛ والحَجَرِ؛ لِأنَّ مِن شَأْنِ (p-٤٣١)الحُفْرَةِ أنْ تَجْمَعَ ما تُودَعُهُ؛ ومِنهُ ”تَوْقِيرُ الشَّيْءِ“: أنْ تُصَيِّرَ لَهُ وقِراتٍ؛ أيْ: آثارًا؛ و”الوَقْرُ“: الصَّدْعُ في السّاقِ؛ وكالوَكْتَةِ؛ أوِ الهَزْمَةِ؛ تَكُونُ في العَظْمِ؛ والحَجَرِ؛ والعَيْنِ؛ و”أوْقَرَ اللَّهُ الدّابَّةَ“: أصابَها بِوَقْرَةٍ؛ و”فَقِيرٌ وقِيرٌ“؛؛ أيْ: مَكْسُورُ العِظامِ؛ أوِ الفَقارِ؛ أوْ تَشْبِيهٌ بِصِغارِ الشّاءِ؛ أوْ إتْباعٌ؛ أوِ المَعْنى أنَّ الدَّيْنَ أوْقَرَهُ؛ و”الوَقِيرُ“: النَّقْرَةُ العَظِيمَةُ في الصَّخْرَةِ تُمْسِكُ الماءَ؛ وهو واضِحٌ في الجَمْعِ.

و”الرَّوْقُ“: القَرْنُ؛ لِشِدَّةِ اجْتِماعِهِ؛ لِصَلابَتِهِ؛ واسْتِدارَتِهِ؛ ولِأنَّهُ يَجْمَعُ إقْدامَ صاحِبِهِ؛ وعَزْمَهُ؛ والرَّوَقُ أيْضًا: عَزْمُ الرَّجُلِ؛ وفِعالُهُ؛ لِجَمْعِهِما أمْرَهُ؛ و”الرَّوَقُ مِنَ اللَّيْلِ“: طائِفَةٌ؛ لِاجْتِماعِ ساعاتِها؛ و”الرَّوَقُ مِنَ البَيْتِ“: رِواقُهُ؛ أيْ: شَقَّتُهُ الَّتِي دُونَ الشَّقَّةِ العُلْيا؛ لِأنَّها تُكْمِلُ جَمْعَهُ؛ لِما يُقْصَدُ مِنهُ مِنَ السَّتْرِ؛ و”رِواقُ البَيْتِ“؛ كَـ ”كِتابٌ“؛ و”غُرابٌ“: ما أطافَ بِهِ؛ قالَ القَزّازُ: وقِيلَ: ”الرِّواقُ“؛ كالفُسْطاطِ؛ يَحْمِلُ عَلى عَمُودٍ واحِدٍ في وسَطِهِ؛ قالَ في القامُوسِ: أوْ سَقْفٌ في مُقَدَّمِ البَيْتِ؛ وحاجِبِ العَيْنِ؛ ولَعَلَّهُ شُبِّهَ بِالسَّتْرِ؛ و”مِنَ اللَّيْلِ“: مُقَدَّمُهُ؛ وجانِبُهُ؛ شُبِّهَ بِجانِبِ البَيْتِ؛ و”الرَّوْقُ مِنَ الشَّبابِ“: أوَّلُهُ؛ كَـ ”الرَّيْقُ“؛ بِالفَتْحِ؛ و”الرِّيقِ“؛ كَـ ”كِيسٌ“؛ وأصْلُهُ ”رَيْوِقٌ“؛ لِأنَّهُ يَنْبَنِي عَلَيْهِ ما بَعْدَهُ؛ ويَجْتَمِعُ إلَيْهِ؛ كَأنَّهُ الأصْلُ الَّذِي يَجْمَعُ (p-٤٣٢)جَمِيعَ الفُرُوعِ؛ و”الرِّيقُ“؛ أيْضًا: أنْ يُصِيبَكَ مِنَ المَطَرِ شَيْءٌ يَسِيرٌ؛ كَأنَّهُ أوَّلُ المَطَرِ؛ و”الرُّوقَةُ“: الشَّيْءُ اليَسِيرُ؛ وهي مِن ذَلِكَ؛ و”الرَّوْقُ“؛ أيْضًا: العُمْرُ؛ لِأنَّهُ الجامِعُ لِلْحالِ؛ وراقَنِي الشَّيْءُ: أعْجَبَنِي؛ لِأنَّ الفِكْرَ يَجْمَعُ الخَواطِرَ لِأجْلِهِ؛ فَلا يَظْهَرُ لَهُ وجْهُ ما صارَ بِهِ مُعْجَبًا؛ و”وصِيفٌ رُوقَةٌ“؛ إذا أعْجَبَكَ؛ و”جارِيَةٌ رُوقَةٌ“؛ و”غِلْمانٌ رُوقَةٌ“؛ جَمْعُ ”رائِقٌ“؛ و”الرُّوقَةُ“: الشَّيْءُ الجَمِيلُ جِدًّا؛ و”الرَّوْقُ“؛ بِالفَتْحِ؛ العُجْبُ؛ والإعْجابُ بِالشَّيْءِ؛ ومِنَ الخَيْلِ: الحَسَنُ الخَلْقِ؛ يُعْجِبُ الرّائِي؛ و”الجَمالُ الرّائِقُ“؛ و”الرَّيْقُ“؛ و”الرَّوْقُ“؛ و”الرَّواقُ“: السِّتْرُ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُ البَصَرَ والهَمَّ عَمّا وراءَهُ؛ وهو أيْضًا مَوْضِعُ الصّائِدِ؛ لِأنَّهُ يَجْمَعُهُ عَلى ما يُرِيدُ؛ ويُوَصِّلُهُ إلَيْهِ؛ و”الرَّوْقُ“: الرِّواقُ؛ ومُقَدَّمُ البَيْتِ؛ والشُّجاعُ لا يُطاقُ؛ لِاجْتِماعِ هَمِّهِ لِما يُرِيدُ؛ والفُسْطاطُ؛ والسَّيِّدُ؛ لِجَمْعِ الفَضائِلِ؛ والصّافِي مِنَ الماءِ؛ وغَيْرِهِ؛ لِأنَّ الصَّفاءَ أجْدَرُ بِاجْتِماعِ الأجْزاءِ؛ و”الرَّوْقُ“: الجَماعَةُ؛ والحُبُّ الخالِصُ؛ ومَصْدَرُ ”راقَ عَلَيْهِ“؛ أيْ: زادَ عَلَيْهِ فَضْلًا؛ لِأنَّ الزِّيادَةَ لا تَكُونُ إلّا عَنْ جَمْعٍ؛ و”الرَّوْقُ“: البَدَنُ مِنَ الشَّيْءِ؛ لِجَمْعِهِ لَهُ؛ والحَيَّةُ؛ لِتَحَوِّيها؛ أيْ: تَجَمُّعِها؛ و”داهِيَةٌ ذاتُ رَوْقَيْنِ“؛ أيْ: عَظِيمَةٌ مُشَبَّهَةٌ (p-٤٣٣)بِالثَّوْرِ؛ و”رَمى بِأرْواقِهِ عَلى الدّابَّةِ“: رَكِبَها؛ أيْ: بِجَمِيعِ أعْضائِهِ؛ و”رَمى بِأرْواقِهِ عَنْها“: نَزَلَ؛ و”ألْقى أرْواقَهُ“: عَدا فاشْتَدَّ عَدْوُهُ؛ كَأنَّهُ خَرَجَ مِن جَمِيعِ أعْضائِهِ؛ فَعَدا رُوحًا بِلا بَدَنٍ؛ فَصارَ أعْظَمَ مِنَ الطّائِرِ؛ أيْ: غَلَبَتْ رُوحُهُ عَلى بَدَنِهِ؛ و”ألْقى أرْواقَهُ“: أقامَ بِالمَكانِ مُطْمَئِنًّا؛ قالَ في القامُوسِ: كَأنَّهُ ضِدٌّ؛ انْتَهى؛ والمَفْعُولُ فِيهِ في هَذا مَحْذُوفٌ؛ كَأنَّهُ قالَ: ”فِي مَكانِ كَذا“؛ ومِنَ المَعْلُومِ أنَّ بَدَنَهُ إذا كانَ في مَكانٍ وهو حَيٌّ؛ فَقَدْ أقامَ بِهِ؛ و”ألْقى عَلَيْكَ أرْواقَهُ“؛ وهو أنْ تُحِبَّهُ شَدِيدًا؛ والمَعْنى أنَّهُ ألْبَسَكَ بَدَنَهُ؛ فَصارَتْ رُوحُكَ مُدِيرَةً لَهُ؛ فَصِرْتَ إيّاهُ؛ وتَعْبِيرُ القَزّازِ بِقَوْلِهِ: ”وهُوَ أنْ تُحِبَّهُ حَتّى تُسْتَهْلَكَ في حُبِّهِ“؛ يَدُلُّ عَلى ذَلِكَ؛ و”ألْقَتِ السَّحابَةُ أرْواقَها“؛ أيْ: مَطَرَها؛ ووَبْلَها؛ أوْ مِياهَها الصّافِيَةَ؛ وذَلِكَ هو مَجْمُوعُ ما فِيها؛ و”أرْواقُ اللَّيْلِ“: أثْناءُ ظُلْمَتِهِ؛ شُبِّهَ بِالخَيْمَةِ؛ و”مِنَ العَيْنِ“: جَوانِبُها؛ لِأنَّها حاوِيَةٌ لَها؛ وعِبارَةُ القَزّازِ: ”ضَرَبَ اللَّيْلُ بِأرْواقِهِ“؛ إذا قامَ؛ وثَبَتَ؛ وقِيلَ: ”أرْواقُهُ“: مَقادِيمُهُ؛ و”أسْلَبَتِ العَيْنُ (p-٤٣٤)أرْواقَها“: سالَتْ دُمُوعُها؛ أيْ: جَمِيعَ ما فِيها؛ كَأنَّ ذَلِكَ كِنايَةٌ عَنِ اشْتِدادِ البُكاءِ؛ و”رَوْقُ الفَرَسِ“: الَّذِي يَمُدُّهُ الفارِسُ مِن رُمْحِهِ بَيْنَ أُذُنَيْهِ؛ تَشْبِيهٌ لَهُ بِقَرْنِ الثَّوْرِ؛ و”ذَلِكَ الفَرَسُ أرْوَقُ“؛ ومِنهُ ”الرَّوَقُ“؛ مُحَرَّكَةً؛ وهو طُولُ الأسْنانِ؛ تَشْبِيهًا لَها بِالرَّوْقِ؛ أيْ: القَرْنِ؛ قالَ القَزّازُ: وقِيلَ: ”الرَّوَقُ“: طُولَ الأسْنانِ؛ وانْثِناؤُها إلى داخِلِ الفَمِ؛ وإشْرافُ العُلْيا عَلى السُّفْلى؛ و”القَوْمُ رُوقٌ“؛ إذا كانُوا كَذَلِكَ؛ وهو يَصْلُحُ لِأنْ يَكُونَ تَشْبِيهًا بِما ذُكِرَ؛ ولِأنْ يَكُونَ مِنَ الجَمْعِ مِن أجْلِ الِانْثِناءِ؛ ومِنهُ ”أكَلَ فُلانٌ رَوْقَهُ“؛ إذا أسَنَّ؛ فَطالَ عُمْرُهُ؛ حَتّى تَتَحاتَّ أسْنانُهُ؛ المُشَبَّهَةُ بِالقَرْنِ؛ و”التَّرْوِيقُ“: التَّصْفِيَةُ؛ وقَدْ تَقَدَّمَ أنَّ الشَّيْءَ إذا خَلُصَ مِنَ الأغْيارِ كانَتْ أجْزاؤُهُ أشَدَّ تَلاصُقًا؛ و”التَّرْوِيقُ“: أنْ يَبِيعَ سِلْعَةً ويَشْتَرِيَ أجْوَدَ مِنها؛ مُشَبَّهَةٌ بِالتَّصْفِيَةِ؛ و”الرّاوُوقُ“: المَصْفاةُ؛ يَرُوقُ بِها الشَّرابُ بِلا عَصْرٍ؛ والكَأْسُ بِعَيْنِها؛ والباطِيَةِ؛ وناجُودُ الشَّرابِ؛ الَّذِي يَرُوقُ بِهِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُ الشَّرابَ؛ و”القَرْوُ“: القَصْدُ والتَّتَبُّعُ؛ كالِاقْتِراءِ؛ والِاسْتِقْراءِ؛ والطَّعْنِ؛ (p-٤٣٥)وهُوَ واضِحٌ في الجَمْعِ؛ و”القَرْوُ“: حَوْضٌ طَوِيلٌ؛ تَرِدُهُ الإبِلُ؛ وعِبارَةُ القَزّازِ: شِبْهُ حَوْضٍ؛ مَمْدُودٌ؛ مُسْتَطِيلٌ إلى جَنْبِ الحَوْضِ؛ يُفْرَغُ مِنهُ في الحَوْضِ الأعْظَمِ؛ تَرِدُهُ الإبِلُ والغَنَمُ؛ وكَذا إنْ كانَ مِن خَشَبٍ؛ و”القَرْوُ“: الأرْضُ؛ لا تَكادُ تُقْطَعُ؛ كَأنَّها حَمَتِ اجْتِماعَ أجْزائِها عَنْ أنْ يُفَرِّقَها أحَدٌ؛ و”القَرْوُ“: مَسِيلُ المَعْصَرَةِ؛ ومَثْعَبُها؛ لِاجْتِماعِ ما يَسِيلُ فِيهِ؛ وأسْفَلُ النَّخْلَةِ؛ يُنْقَرُ فَيُنْتَبَذُ فِيهِ؛ أوْ يُتَّخَذُ مِنهُ المِرْكَنُ والإجّانَةُ لِلشُّرْبِ؛ وقَدَحٌ أوْ إناءٌ صَغِيرٌ؛ ومَيْلَغَةُ الكَلْبِ؛ وحُقٌّ عَلَيْهِ طَبَقٌ؛ ومَنقَعُ الماءِ؛ والعَرَبُ تَقُولُ: ”أصْبَحَتِ الأرْضُ قَرْوًا واحِدًا“؛ إذا كَثُرَ الخِصْبُ والمَطَرُ؛ وكُلُّ ذَلِكَ واضِحٌ في الجَمْعِ؛ وأنْ يَعْظُمَ جِلْدُ البَيْضَتَيْنِ لِرِيحٍ أوْ ماءٍ؛ أوْ نُزُولِ الأمْعاءِ كالقَرْوَةِ؛ وذَلِكَ إمّا لِشَبَهِهِما بِالقَدَحِ؛ أوْ لِجَمْعِهِما ما أوْجَبَ كِبَرَهُما؛ و”قُرّى“؛ كَـ ”فُعْلى“: ماءٌ بِالبادِيَةِ؛ لِجَمْعِهِ النّاسَ؛ و”القُرى“: القَرْعُ يُؤْكَلُ؛ لِأنَّهُ صالِحٌ لِأنْ يُجْعَلَ إناءً؛ و”القَرا“: الظَّهْرُ؛ لِجَمْعِهِ الأعْضاءَ؛ و”ناقَةٌ قَرْواءُ“: طَوِيلَةُ السَّنامِ؛ و”المَقْرُورِيُّ“: الطَّوِيلُ الظَّهْرِ؛ و”أقْرى“: اشْتَكى؛ إمّا أنْ يَكُونَ مِن شِكايَةِ القَرا؛ وإمّا أنْ يَكُونَ لِلسَّلْبِ؛ أيْ: أزالَ اجْتِماعَ هَمِّهِ وعَزْمِهِ؛ و”القَرْواءُ“: (p-٤٣٦)العادَةُ؛ لِجَمْعِها أهْلَها؛ والدُّبُرُ؛ لِجَمْعِها ما فِيها؛ و”أقْرى“: طَلَبَ القِرى؛ ولَزِمَ القُرى؛ و”أقْرى الجُلَّ عَلى الفَرَسِ“: ألْزَمَهُ؛ و”المَقارِيُّ“: رُؤُوسُ الآكامِ؛ لِأنَّها تَجْمَعُ؛ و”تَرَكْتُهم قَرْوًا واحِدًا“؛ عَلى طَرِيقَةٍ واحِدَةٍ؛ أيْ: مُجْتَمِعِينَ؛ و”شاةٌ مَقْرُوَّةٌ“: جُعِلَ رَأْسُها في خَشَبَةٍ؛ لِئَلّا تُرْضِعَ نَفْسَها؛ أيْ: جُمِعَ فَكّاها؛ و”قَرْوَةُ الرَّأْسِ“: طَرْفُهُ؛ وعِبارَةُ القَزّازِ: و”قَرْوانُ الرَّأْسِ“؛ و”قَرْوَةُ الرَّأْسِ“: أعْلاهُ؛ كَأنَّهُ مُجْتَمَعُ أمْرِهِ؛ لِأنَّهُ مَوْضِعُ المُفَكِّرَةِ؛ و”قَرْوَةُ الأنْفِ“: طَرْفُهُ؛ لِأنَّهُ آخِرُ جامِعٍ لِجَمالِهِ؛ و”اسْتَقْرى الدُّمَّلُ“: صارَتْ فِيهِ المِدَّةُ؛ أيْ: اجْتَمَعَتْ؛ و”القَيْرَوانُ“: مُعْظَمُ العَسْكَرِ؛ ومُعْظَمُ القافِلَةِ؛ وسَيَأْتِي إنْ شاءَ اللَّهُ (تَعالى) بَقِيَّةُ المادَّةِ فِي: ﴿بِوَرِقِكم هَذِهِ﴾ [الكهف: ١٩]؛ في ”الكَهْفِ“.

17:47Page 286

نَّحۡنُ أَعۡلَمُ بِمَا يَسۡتَمِعُونَ بِهِۦٓ إِذۡ يَسۡتَمِعُونَ إِلَيۡكَ وَإِذۡ هُمۡ نَجۡوَىٰٓ إِذۡ يَقُولُ ٱلظَّٰلِمُونَ إِن تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلٗا مَّسۡحُورًا ٤٧

We are most knowing of how they listen to it when they listen to you and [of] when they are in private conversation, when the wrongdoers say, "You follow not but a man affected by magic."

ولَمّا كانُوا رُبَّما ادَّعَوُا السَّمْعَ؛ والفَهْمَ؛ فَشَكَّكُوا بَعْضَ مَن لَمْ يَرْسَخْ إيمانُهُ؛ أتْبَعَهُ (تَعالى) ما يُؤَكِّدُ ما مَضى؛ ويُثَبِّتُ السّامِعِينَ فِيهِ؛ فَقالَ (تَعالى) - عَلى طَرِيقَةِ الجَوابِ؛ مُهَدِّدًا؛ ودالًّا عَلى أنَّ مَدارِكَهم مَعْرُوفَةٌ -: ﴿نَحْنُ أعْلَمُ﴾؛ أيْ: مِن كُلِّ عالِمٍ؛ ﴿بِما يَسْتَمِعُونَ﴾؛ أيْ: يُبالِغُونَ في الإصْغاءِ؛ والمَيْلِ؛ لِقَصْدِ السَّمْعِ؛ ﴿بِهِ﴾؛ مِنَ الآذانِ؛ والقُلُوبِ؛ أوْ بِسَبَبِهِ؛ (p-٤٣٧)مِن إرادَةِ الوُقُوعِ عَلى سَقْطَةٍ يَجْعَلُونَها مَوْضِعَ تَكْذِيبِهِمْ؛ واسْتِهْزائِهِمْ؛ ﴿إذْ﴾؛ أيْ: حِينَ؛ ﴿يَسْتَمِعُونَ﴾؛ أيْ: يُصْغُونَ بِجُهْدِهِمْ؛ وبَيَّنَ بُعْدَهُمُ المَعْنَوِيَّ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿إلَيْكَ وإذْ﴾؛ أيْ: وحِينَ؛ ﴿هُمْ﴾؛ ذَوُو؛ ﴿نَجْوى﴾؛ أيْ: يَتَناجَوْنَ بِأنْ يَرْفَعَ كُلٌّ مِنهم سِرَّهُ عَلى صاحِبِهِ؛ بَعْدَ إعْراضِهِمْ عَنْ الِاسْتِماعِ؛ ثُمَّ ذَكَرَ ظَرْفَ النَّجْوى؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿إذْ يَقُولُ﴾؛ مُبْرِزًا لِضَمِيرِهِمْ بِالوَصْفِ الدّالِّ عَلى حَمْلِهِمْ عَلى ما تَناجَوْا بِهِ؛ وهم ﴿الظّالِمُونَ﴾؛ ومَقُولُهُمْ: ﴿إنْ تَتَّبِعُونَ﴾؛ أيْ: أيُّها التّابِعُونَ لَهُ؛ بِغايَةِ جُهْدِكُمْ؛ ﴿إلا رَجُلا مَسْحُورًا﴾؛ مُخْتَلِطَ العَقْلِ؛ فامْتَطَوْا في هَذا الوَصْفِ ذِرْوَةَ الظُّلْمِ؛ وسَيَأْتِي في آخِرِ السُّورَةِ سِرُّ اسْتِعْمالِ اسْمِ المَفْعُولِ مَوْضِعَ اسْمِ الفاعِلِ؛

17:48Page 286

ٱنظُرۡ كَيۡفَ ضَرَبُواْ لَكَ ٱلۡأَمۡثَالَ فَضَلُّواْ فَلَا يَسۡتَطِيعُونَ سَبِيلٗا ٤٨

Look how they strike for you comparisons;1 but they have strayed, so they cannot [find] a way.

ثُمَّ وصَلَ بِذَلِكَ الدَّلِيلَ عَلى نِسْبَتِهِ - سُبْحانَهُ - لَهم إلى الجَهْلِ؛ الَّذِي كانَ نَتِيجَةَ قَوْلِهِمْ هَذا؛ فَقالَ (تَعالى): ﴿انْظُرْ﴾؛ ولَمّا كانَ أمْرُهم مِمّا يَزِيدُ العَجَبُ مِنهُ؛ وتَتَوَفَّرُ الدَّواعِي عَلى السُّؤالِ عَنْهُ؛ قالَ (تَعالى): ﴿كَيْفَ ضَرَبُوا﴾؛ أيْ: هَؤُلاءِ الضُّلّالُ؛ ﴿لَكَ الأمْثالَ﴾؛ الَّتِي هي أبْعَدُ شَيْءٍ عَنْ صِفَتِكَ؛ مِن قَوْلِهِمْ: ساحِرٌ؛ وشاعِرٌ؛ ومَجْنُونٌ؛ ونَحْوَهُ؛ ﴿فَضَلُّوا﴾؛ عَنِ الحَقِّ في جَمِيعِ ذَلِكَ؛ ﴿فَلا﴾؛ أيْ: فَتَسَبَّبَ عَنْ ضَلالِهِمْ أنَّهم لا ﴿يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلا﴾؛ أيْ: يَسْلُكُونَ فِيهِ؛ إلى إصابَةِ المِحَنِ (p-٤٣٨)فِي مَثَلٍ؛ أوْ إحْكامِ الأمْرِ في عَمَلٍ؛ وهَذا بَعْدَ أنْ نَهاهُمُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ (تَعالى): ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الأمْثالَ إنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٧٤]؛ فَكَأنَّ هَذا أوَّلُ دَلِيلٍ عَلى ما وصَفْناهم بِهِ مِن عَدَمِ الفَهْمِ؛ والسَّمْعِ؛ فَضْلًا عَنْ أنْ يَكُونَ لَهم إلى مُقاوَمَةِ هَذا القُرْآنِ - الَّذِي يَدَّعُونَ أنَّهُ قَوْلُ البَشَرِ - سَبِيلٌ؛ أوْ يُغَبِّرُوا في وجْهِهِ بِشُبْهَةٍ؛ فَضْلًا عَنْ دَلِيلٍ.

17:49Page 286

وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدٗا ٤٩

And they say, "When we are bones and crumbled particles, will we [truly] be resurrected as a new creation?"

ولَمّا جَرَتْ عادَةُ القُرْآنِ بِإثْباتِ التَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ والمَعادِ؛ وقَدَّمَ الدَّلالَةَ عَلى الأوَّلِينَ؛ وخَتَمَ بِإثْباتِ جَهْلِهِمْ في النُّبُوَّةِ؛ مَعَ ظُهُورِها؛ أتْبَعَ ذَلِكَ أمْرًا جَلِيًّا في ضَلالِهِمْ عَنِ السَّبِيلِ في أمْرِ المَعادِ؛ وقَرَّرَهُ غايَةَ التَّقْرِيرِ؛ وحَرَّرَهُ أتَمَّ تَحْرِيرٍ؛ فَقالَ (تَعالى) - مُعَجِّبًا مِنهم -: ﴿وقالُوا﴾؛ أيْ: المُشْرِكُونَ؛ المُنْكِرُونَ لِلتَّوْحِيدِ؛ والنُّبُوَّةِ؛ والبَعْثِ؛ مَعَ اعْتِرافِهِمْ بِأنّا ابْتَدَأْنا خَلْقَهُمْ؛ ومُشاهَدَتِهِمْ في كُلِّ وقْتٍ أنّا نُحْيِي الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِها: ﴿أإذا﴾؛ اسْتِفْهامًا إنْكارِيًّا؛ كَأنَّهم عَلى ثِقَةٍ مِن عَدَمِ ما يُنْكِرُونَهُ؛ والعامِلُ في ”إذا“؛ فِعْلٌ مِن لَفْظِ ”مَبْعُوثُونَ“؛ لا هُوَ؛ فَإنَّ ما بَعْدَ ”إنَّ“؛ لا يَعْمَلُ فِيما قَبْلَها؛ فالمَعْنى: أنُبْعَثُ إذا ﴿كُنّا﴾؛ أيْ: بِجُمْلَةِ أجْسامِنا؛ كَوْنًا لازِمًا؛ ﴿عِظامًا ورُفاتًا﴾؛ أيْ: حُطامًا مُكَسَّرًا؛ مُفَتَّتًا؛ وغُبارًا؛ ﴿أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾؛ حالَ كَوْنِنا مَخْلُوقِينَ؛ ﴿خَلْقًا جَدِيدًا﴾؛

17:50Page 287

۞ قُلۡ كُونُواْ حِجَارَةً أَوۡ حَدِيدًا ٥٠

Say, "Be you stones or iron1

فَكَأنَّهُ قِيلَ: فَماذا يُقالُ لَهم في الجَوابِ؟ فَقِيلَ: ﴿قُلْ﴾؛ لَهُمْ: لا تَكُونُوا رُفاتًا؛ بَلْ ﴿كُونُوا﴾ (p-٤٣٩)تُرابًا؛ بَلْ كُونُوا أصْلَبَ التُّرابِ؛ ﴿حِجارَةً﴾؛ أيْ: هي في غايَةِ اليَبَسِ؛ ﴿أوْ حَدِيدًا﴾؛ زادَ عَلى يَبَسِ الحِجارَةِ شِدَّةَ اتِّصالِ الأجْزاءِ؛

17:51Page 287

أَوۡ خَلۡقٗا مِّمَّا يَكۡبُرُ فِي صُدُورِكُمۡۚ فَسَيَقُولُونَ مَن يُعِيدُنَاۖ قُلِ ٱلَّذِي فَطَرَكُمۡ أَوَّلَ مَرَّةٖۚ فَسَيُنۡغِضُونَ إِلَيۡكَ رُءُوسَهُمۡ وَيَقُولُونَ مَتَىٰ هُوَۖ قُلۡ عَسَىٰٓ أَن يَكُونَ قَرِيبٗا ٥١

Or [any] creation of that which is great1 within your breasts." And they will say, "Who will restore us?" Say, "He who brought you forth the first time." Then they will nod their heads toward you2 and say, "When is that?" Say, "Perhaps it will be soon -

﴿أوْ خَلْقًا﴾؛ غَيْرَهُما؛ ﴿مِمّا يَكْبُرُ﴾؛ أيْ: يَعْظُمُ عَظَمَةً كَبِيرَةً؛ ﴿فِي صُدُورِكُمْ﴾؛ عَنْ قَبُولِ الحَياةِ؛ ولَوْ أنَّهُ المَوْتُ؛ حَتّى تَعْلَمُوا حالَ الإعادَةِ كَيْفَ يَكُونُ حالُكم في الإجابَةِ إلى ما يُرِيدُ؟ فَإنَّ الكُلَّ أصْلُهُ التُّرابُ؛ فالَّذِي فَضَّلَ طِينَكُمُ - الَّذِي خُلِقْتُمْ مِنهُ - عَلى سائِرِ الطِّينِ؛ بِالنُّمُوِّ؛ ثُمَّ بِالحَياةِ؛ ثُمَّ بِالنُّطْقِ؛ وفَضَّلَ بَعْضَ النّاطِقِينَ عَلى بَعْضٍ بِمَواهِبَ لا تُحْصى؛ قادِرٌ أنْ يَنْقُلَ تِلْكَ الفَضِيلَةَ إلى الطِّينِ؛ الَّذِي نَقَلَهُ طَوْرًا بَعْدَ طَوْرٍ؛ إلى أنْ جَعْلَهُ حَجَرًا؛ أوْ حَدِيدًا؛ ﴿فَسَيَقُولُونَ﴾؛ تَمادِيًا في الِاسْتِهْزاءِ: ﴿مَن يُعِيدُنا﴾؛ إذا كُنّا كَذَلِكَ؛ ﴿قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ﴾؛ أيْ: ابْتَدَأ خَلْقَكُمْ؛ ﴿أوَّلَ مَرَّةٍ﴾؛ ولَمْ تَكُونُوا شَيْئًا؛ يُعِيدُكم بِالقُدْرَةِ الَّتِي ابْتَدَأكم بِها؛ فَكَما لَمْ تَعْجِزْ تِلْكَ القُدْرَةُ عَنِ البَداءَةِ؛ فَهي لا تَعْجِزُ عَنِ الإعادَةِ؛ ﴿فَسَيُنْغِضُونَ﴾؛ أيْ: مُصَوِّبِينَ بِوَعْدٍ لا خُلْفَ فِيهِ؛ مُشِيرِينَ ﴿إلَيْكَ رُءُوسَهُمْ﴾؛ أيْ: يُحَرِّكُونَها مِن شِدَّةِ التَّعَجُّبِ؛ والِاسْتِهْزاءِ؛ كَأنَّهم في شِدَّةِ جَهْلِهِمْ عَلى غايَةِ البَصِيرَةِ مِنَ العِلْمِ بِما يَقُولُونَ؛ و”النُّغْضُ“؛ و”الإنْغاضُ“: تَحْرِيكٌ بِارْتِفاعٍ وانْخِفاضٍ؛ (p-٤٤٠)﴿ويَقُولُونَ﴾؛ اسْتِهْزاءً؛ ﴿مَتى هُوَ﴾؛ ثُمَّ وصَلَ بِهِ قَوْلَهُ (تَعالى): ﴿قُلِ﴾؛ قَوْلَ مُقْتَصِدٍ؛ غَيْرَ مُمْتَعِضٍ بِحالِهِمْ؛ ولا ضَيِّقٍ بِقَوْلِهِمْ: ﴿عَسى أنْ يَكُونَ﴾؛ أيْ: كَوْنًا لا انْفِكاكَ عَنْهُ؛ ﴿قَرِيبًا﴾؛ مُطْرِقًا إلَيْهِ الِاحْتِمالَ لِإمْكانِهِ؛ غَيْرَ جازِمٍ؛

17:52Page 287

يَوۡمَ يَدۡعُوكُمۡ فَتَسۡتَجِيبُونَ بِحَمۡدِهِۦ وَتَظُنُّونَ إِن لَّبِثۡتُمۡ إِلَّا قَلِيلٗا ٥٢

On the Day He will call you and you will respond with praise of Him and think that you had not remained [in the world] except for a little."

ثُمَّ اسْتَأْنَفَ جازِمًا بِقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ﴾؛ أيْ: يَكُونُ ذَلِكَ يَوْمَ ﴿يَدْعُوكُمْ﴾؛ أيْ: يُنادِيكُمُ المُنادِي مِن قِبَلِهِ؛ بِالنَّفْخَةِ؛ أوْ بِغَيْرِها؛ كَأنْ يَقُولَ: يا أهْلَ القُبُورِ؛ قُومُوا إلى الجَزاءِ؛ أوْ نَحْوَ ذَلِكَ؛ ﴿فَتَسْتَجِيبُونَ﴾؛ أيْ: تُوافِقُونَ الدّاعِيَ؛ فَتَفْعَلُونَ ما أرادَ بِدُعائِهِ؛ وتَطْلُبُونَ إجابَتَهُ؛ وتُوجِدُونَها؛ أوِ اسْتَعارَ الدُّعاءَ؛ والِاسْتِجابَةَ؛ لِلْبَعْثِ؛ والِانْبِعاثِ؛ تَنْبِيهًا عَلى سُرْعَتِهِما؛ وتَيَسُّرِ أمْرِهِما؛ أوْ أنَّ القَصْدَ بِهِما الإحْضارُ لِلْحِسابِ؛ ﴿بِحَمْدِهِ﴾؛ أيْ: بِإحاطَتِهِ - سُبْحانَهُ - بِكُلِّ شَيْءٍ؛ قُدْرَةً؛ وعِلْمًا؛ مِن غَيْرِ تَخَلُّفٍ أصْلًا؛ بَلْ لِغايَةِ الإذْعانِ؛ كَما يُرْشِدُ إلَيْهِ صِيغَةُ ”اسْتَفْعَلَ“؛ وأنْتُمْ مَعَ سُرْعَةِ الإجابَةِ تَحْمَدُونَ اللَّهَ (تَعالى)؛ أيْ: تُثْبِتُونَ لَهُ صِفَةَ الكَمالِ؛ ﴿وتَظُنُّونَ﴾؛ مَعَ اسْتِجابَتِكُمْ؛ وطُولِ لَبْثِكُمْ؛ ﴿إنْ﴾؛ أيْ: ما؛ ﴿لَبِثْتُمْ﴾؛ مَيِّتِينَ؛ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ لِشِدَّةِ ما تَرَوْنَ مِنَ الأهْوالِ الَّتِي أحاطَتْ بِكُمْ؛ (p-٤٤١)والَّتِي تَسْتَقْبِلُكُمْ؛ أوْ جَهْلًا مِنكم بِحَقائِقِ الأُمُورِ؛ كَما هي حالُكُمُ اليَوْمَ؛ كَما تَرَوْنَ مِن جِدَّةِ خَلْقِكُمْ؛ وعَدَمِ تَغَيُّرِهِ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском